آمنة بلعلى: النقد العربي لم يُساير التحوّلات

حوار: نوارة لحرش  |  26 أبريل 2021

في هذا الحوار، تتحدَّث الناقدة الجزائرية آمنة بلعلى (أستاذة تحليل الخطاب ونظرية الأدب والسيميائيات والتداولية)، عن مجموعة من الاِنشغالات والإشكالات النقدية والأدبية، منها هيمنة المناهج والمدارس النقدية الغربية، وإشكالية المصطلحات الوافدة، وترى أنّها كانت (ولا تزال) إشكالية لصيقة بالنقد العربي المُعاصر، الّذي ظلّ يغرف وينهل من النقد الغربي ومن مدارسه ومصطلحاته وتجاربه، ولم يخلق، في المقابل، تجاربه النقدية ومناهجه ومصطلحاته الخاصّة.

الدكتورة آمنة بلعلى، هي ناقدة وباحثة أكاديمية وأستاذة التعليم العالي، قسم اللّغة العربية بجامعة مولود معمري/تيزي وزو، ومديرة مخبر تحليل الخِطاب في الجامعة نفسها. لها مجموعة من الإصدارات النقدية المهمّة، من بينها: «أبجدية القراءة النقدية: دراسات في الشّعر المُعاصر»- «مشروع البعث والاِنكسار في الشّعر العربي المعاصر»- «أثر الرمز في بنية القصيدة المُعاصرة»- «تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج المعاصرة»- «أسئلة المنهجيّة العلميّة في اللّغة والأدب»- «سيمياء الأنساق: تشكُّلات المعنى في الخطابات التراثية».

المصطلحات الوافدة -لا شكّ- كانت (ولا تزال) إشكاليّة لصيقة بالنقد العربي المُعاصر. كيف واجهتِ هذه المشكلة؟ وهل تُطرح بالحِدة نفسها في الثقافات الأخرى؟

– آمنة بلعلى: يبدو أنّ إشكالية المصطلح والنقد مُرتبطة أكثر بثقافتنا المُعاصرة، وخاصّة منذ منتصف القرن الماضي وبداية دخول المناهج الحداثية إلينا؛ لأنّها اِرتبطت بظاهرة التبعية وعدم القدرة على مسايرة ما يُنتَج في الغرب من معارف ونظريّات ومناهج ومنظومات اِصطلاحية، نظراً للتطوُّر المُذهل لتلك المعارف في الغرب، ولطريقة اِستيراد هذه المنظومات المُتعدّدة. فإذا نظرنا إلى التراث العربي، نجد أنّ علماءنا، في مختلف التخصُّصات، أنتجوا نظريّاتٍ وعلوماً، واستنبطوا المعايير من الظواهر المدروسة، ثمّ صاغوا لها منظومتها الاِصطلاحية التي تعني ما أرادوه، بالفعل، من تلك المصطلحات، وخصوماتهم العارفة كانت من أجل الإضافة، وتطوير المفاهيم، ولم تطرح قضية المصطلح كإشكالية أو أزمة عامّة لأنّ المصطلحات كانت تجسيداً للمفاهيم التي اِبتدعوها، وتتويجاً للمعارف والعلوم التي أنتجوها، بل إنّهم كانوا يقومون بإعادة تدوير بعض المصطلحات، فتنتقل من مجال إلى مجال آخر للمقاصد نفسها، كعِلم النحو، وأصول الفقه، والبلاغة، والتصوُّف…. وغير ذلك.

وكذلك الأمر في الثقافة العربية، في النصف الأوّل من القرن العشرين، حيث كانت تهيمن الثقافة والنقد في مصر، ولم يكن هناك من يعارضها، وعلى الرغم من الجدل الّذي وقع بين النُقَّاد حول تبنّي المناهج الغربية كالتاريخي، والنفسي، والنقد الجديد إلّا أنّ ذلك لم يخلّف إشكالية في المصطلح؛ لاِعتبارات مختلفة، قد يرجع بعضها إلى اِرتباط هؤلاء بالمدوّنة التراثية، أو لكون هذه المناهج كانت تركّز على المضامين أكثر من الشكل. كما قد تعود إلى محدودية المناهج الوافدة آنذاك، وقلّة المصطلحات مقارنةً بالثورة المنهجية التي حدثت مع المناهج النسقية؛ لذلك يبدو وكأنّ الفوضى والإشكالات لا تحدث إلّا مع التعدّد والكثرة والتنوّع والاِختلاف.

هو الأمر نفسه لدى الغرب، فمنذ بداية تدريسي للمناهج النقدية، من الشكلانيين الروس إلى البنيوية إلى السيميائيات إلى التداولية، إلى البلاغة الجديدة، لم ألاحظ ما له علاقة بفوضى المصطلح؛ وذلك راجع لأنّهم منتجو المفاهيم التي يضعون لها المصطلحات المناسبة، ويراجعون المفهوم، فإذا ما تبيّنَ لهم أنّ هذا المفهوم أُضيفت له حمولة معرفية جديدة يُعيدون صياغة مصطلح آخر لا يُناقض المصطلح السابق كما نتوّهم نحن، ولكنّه يُعبِّر عن فهم أكثر تطوُّراً. وبمراجعة بسيطة للمصطلحات في المعاجم المعروفة، والتي تُرجم بعضها إلى العربية، نجد بأن لا يُناقض بينها، وإن وُجِد مصطلح واحد مشترك، فهو يعني كذا عند فلان، وكذا عند آخر أو في مدرسة أخرى، وهكذا. ولنا في كلّ المصطلحات النقدية الغربية أمثلة كثيرة، في حين توجد إشكالات في تعدّد المقابلات العربية لهذه المصطلحات، وغموضها، وتناقضها بين المترجمين؛ ولذلك سنظلّ نتحدَّث عن أزمة النقد وفوضى المصطلح، ولعلّ إشكاليّة المصطلح، في اِعتقادي، تلخِّص إشكاليّة النقد العربي، وإشكاليّاتنا نحن مع نصوصنا.

ظلّ النقد العربي يغرف وينهل من النقد الغربي، ومن مدارسه، ومصطلحاته، وتجاربه. هل يمكن الحديث هنا عن هيمنة المناهج والمدارس النقدية الغربية؟ وإلى أيّ حدّ استفاد النقد العربي من النقد الغربي ومن مناهجه ومصطلحاته؟ وفي الوقت ذاته لماذا برأيك لم يخلق النقد العربي تجاربه النقدية، ومناهجه، ومصطلحاته الخاصّة؟

– اِختار النقد العربي الذهاب إلى النقد الغربي، ولم يفرض عليه، مثلما فُرضت شروط الاِنخراط في النظام العولمي على السياسيين من الحُكّام العرب، ولم يكن النقد العربي ليقع تحت طائلة هذا النوع من الإكراه الداخلي لولا الإحساس بالفراغ نتيجة القطيعة مع التراث، وعدم القدرة على اِستئناف المبدعين والنُقَّاد موروثاً حكائياً تمتدّ أرجاؤه من منامات الوهراني ورحلات اِبن بطوطة غرباً إلى مقامات الهمذاني وحكايات «ألف ليلة وليلة» شرقاً، وركاماً من المفاهيم التي تعجّ بها كُتب النقد العربي القديم. فقد ظلَّت الكتابة تمتحُ من تجارب الغرب، كما أنّ النقد نفسه ظلّ يتطوّر ويتحوّل في كلّ مرحلة، اِستناداً إلى ما تخلقه المدارس النقدية الغربية التي تُراجع مقولاتها ومناهجها بطريقة مُذهلة فرضتها التحوّلات الفكرية ذاتها، لتترك فجوّة بيننا وبين النظريّات الغربية، قد تمتدّ إلى عشرات السنين. ونظراً إلى ضُعف حركة الترجمة، لم يستطع النقد العربي أن يُساير تلك التحوّلات، ويتمثَّل منظومة المفاهيم والمصطلحات؛ ولذلك عكف أصحابه، في الأغلب الأعمّ، على التمرُّن على تطبيق المناهج على النصوص العربية، واستبدالها بالسرعة نفسها التي تمّ بها تحصيلها، ولهذا لم يخلق النقد تجاربه النقدية، ولا مشاريع أصيلة تفكِّر في وضعية الأدب العربي المعاصر، وتطرح السؤال الفلسفي الّذي يُمكّن من إنتاج المعرفة التي تسهم في بلورة النظريّات، كما أنّه لم يتمّ اِستئناف النقد التراثي لكي يستطيع أن يطوّر مفاهيمه. وعلى الرغم من أنّ هناك محاولات للرجوع إلى التراث النقدي، غير أنّ أغلبها اِرتبط بنوع من المقارنات الضحلة بين الفكر النقدي العربي القديم والفكر الغربي، و- من ثَمَّ- في المساحة التي أُعطيت لنا، بوصفنا نُقَّاداً، لم نتمكَّن من تحصيل جيِّد للمناهج الغربية، فظللنا نجرِّب وننتقي، دون القدرة على الخروج من اللعبة المنهجية، والجري وراء المناهج واستبدال بعضها ببعض، لذا ظلّ الناقد العربي تابعاً، لم يستطع أن يخلق فضاءه الخاصّ، ولذلك نحن لا نتحدَّث عن نقد عربي إلّا تجاوزاً، أو لكونه يُكتب باللّغة العربية أو يُعالج نصوصاً عربية. وقد انجرّت عن هذا الأمر إشكالات كبيرة، لا تزال قائمة، وفي مقدِّمتها إشكال المصطلح الذي أشرنا إليه سابقاً، وهو لسان حال هذه الأزمة.

كيف تفسِّرين نظريّة «موت النقد/والناقد الأدبي»، وبروز «النقد/والناقد الثقافي»؟ وهل هي صحيحة أم متجنّية؟ ومن أيّة زاوية أو سياق يمكنك قراءة مثل هذه النظريّات؟

– قبل ذلك، بودّي أن أطرح الإشكال المرتبط بقضية موت النقد الأدبي بالسياق الّذي نشأت فيه فكرة موت النظريات والنهايات والما-بعديّات، فقد أدَّت الثورة العلمية إلى ظهور منظومة التخصُّصات التي اِرتبطت بنشأة العلوم المختلفة، ومن بينها العلوم الإنسانية، كعِلم النفس والاِجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات. واستطاعت هذه العلوم أن تنتج نظريّاتها ومنظوماتها المفاهيمية ومصطلحاتها الخاصّة، وكان هذا التوجُّه سبباً في تراجع الفكر الموسوعي، وبروز السعي الأحادي الّذي عكس نوعاً من العقل التبسيطي القائم على منظومة الكيانات المغلقة مثل الماهية والخطّية والوظيفة والبنية والنصّ والذات والموضوع، وكان قيامها على المنهجية العلمية التي تتَّسم بالجزئية والاِختزالية في وصف الوحدات الأوَّلية التي تكوّن الظاهرة، قد أسَّس لمنظومة لعبت- كما يقول «إدرغار موران»- دور التحقيقي لحارس الحدود، من خلال التمركز حول الظاهرة.

عبّرت هذه المنظومة، في الغرب، عن إشكالية معرفية، سرعان ما شرع الداعون إليها في تجاوزها،  واستبدال منظومة أخرى بها، قائمة على العقل الإنتاجي والقرائي المركَّبَيْن، «يتضمَّن مبدؤها الاِعتراف بالروابط الموجودة بين المعارف والكيانات والظواهر المختلفة، وتفطَّنوا إلى مقولة «باسكال» التي تُؤكد أنّ جميع الظواهر والأشياء ترتبط فيما بينها كلّها عبر صلة طبيعية، حتّى الظواهر الأكثر تباعداً واختلافاً»، وبدأ الحديث عن (باراديغم) جديد في الأُفق هو(إبستيمولوجيا) التعقيد الذي تطوّرت فيه المناهج النقدية الغربية مابعد البنيوية، الّذي اُعتُبر فتحاً عظيماً في الثقافة الغربية، في محاولتها تجاوز (البراديغم) القائم على التبسيط والتجزيئية والاِنغلاق مثلما عكفت عليه الدراسات البنيوية الشكلية، وحصل الاِنفتاح على الحقول المعرفية الأخرى؛ كعِلم النفس المعرفي، والتأويلية، والذكاء الاِصطناعي، والأنثروبولوجيا الثقافية، والدراسات الثقافية، والبينية، وغيرها، واستدرجتها إلى نظامها الابستيمولوجي، الأمر الّذي أسهم في ثراء منظومتها المفاهيمية والمصطلحية، وظهر عهد جديد وثقافة جديدة قائمة على نوع من الاِنفجار الإعلامي والمعلوماتي، الّذي نستطيع أن نقيسه بذلك الكمّ الهائل من العلامات التي، وإن كنّا بحاجة إليها فإنّها فرضت نفسها وأحدثت اِنقلابات جذرية في تصوُّرات الإنسان المعاصر للعالم ولعلاقاته مع الآخرين، و- من ثمّة- تصوُّره للوجود، وأصبحنا نشهد منظومتها اِصطلاحية سريعة التشظّي تتجاوز الحدود المرتبطة بالنماذج التي تحقّقت من قبل، في عصر التخصُّصات.

لكن النقد دخل- ربّما وبأشكال مختلفة وإشكالية- في بعض الأفخاخ. كيف توضِّحين هذا؟

– إنّ بارديغم إبستمولوجيا التعقيد، وبروز الدراسات الثقافية، وما يُسمى بالبينية، أدخلت النقد، عندنا، في طريق مملوءة بالأفخاخ؛ ولذلك تُعَدّ اللّغة الواصفة النقدية العربية، اليوم، من الإشكاليّات المعقَّدة والكارثية، حيث نقرأ كتباً ورسائل جامعية، ولا نفهم ما يقول أصحابها، بل تُدخِل القارئ في نوع من الدوار والخطل والخبل. ولعلّ هذا ما يدخلنا فيه النقد الثقافي، منذ أن بدأ الغذامي يتحدَّث عنه، ويجعله بديلاً للنقد الأدبي. وها نحن اليوم نقرأ لكلّ النُقَّاد، وهم يكتبون كلّهم عن الأنساق المضمرة في النصوص، ويختزلون الأمر إلى مجرَّد وصف المعنى، يذكِّرنا بِمَا كان يتداول قبل اِنتشار الدراسات البنيوية، بماذا أراد الشاعر أن يقول.

ما الّذي يسعى إليه النقد الثقافي، على وجه التحديد؟

– الحقيقة أنّ سؤال الخروج من الذات والعودة إليها، وإلى المعنى، والقيمة التي أشرت إليها سالفاً، هو ما يسعى إليه النقد الثقافي، في اِعتقادي، الّذي لا ينبغي أن نضعه، وجهاً لوجه، في مواجهة النقد الأدبي، فنروِّج للفكرة القائلة بموت النقد الأدبي، وموت الناقد كموت المؤلِّف، لأنّ الّذي أمات النقد الأدبي هو العقل الأداتي، كما يقرّ نقَّاد الغرب أنفسهم، هي الحداثة والعولمة، منذ أن تَمَّ السعي إلى تعميم نظرة واحدة على كلّ النصوص ومحاولة صياغة نموذج علمي يركِّز على كيف قِيل النصّ، لا عمّا قِيل، ومَنْ قاله، وما السياق الّذي تمّ إنجازه فيه، فكان الضحيّة الكُبرى في هذا التوجُّه الّذي تبنَّته المناهج المحايثة، هو المعنى، والقيمة، والجمال، وهو ما كان يُمارسه النقد الأدبي قبل أن يتحوّل إلى دراسة وقراءة وتحليل نصّ، وغيرها من المصطلحات؛ و- من ثَمّ- جاء النقد الثقافي كَردّ فعل على المناهج المحايثة، وعولمة الفكر والثقافة، فأراد أن يُنبِّه إلى الاِختلاف والخصوصيات والأنساق المضمرة التي تقوم عليها النصوص الأدبية، ولأنّ في الثقافة نجد المعنى والإنسان والتاريخ، سيكون محتَّماً على النقد، مهما كانت التسمية، أن يُعاين كلّ هذا، دون الاِكتفاء بجزء من النصّ لأنّ النصّ الأدبي مثل المكعب، لا يمكن أن نفهمه بالنظر إلى جهة واحدة، والنقد الثقافي يسمح للناقد بأن يحيط بكلّ الجهات؛ ولذلك هو يستثمر كلّ المناهج لكي يحيط بالجوهري في النصوص، كما أنّه منفتح على كلّ المعارف التي تسمح للناقد بأن يفسِّر لا أن يحكم.

هل النقد الّذي تُمارسه الدّراسات الثقافية هو نوعٌ من النقد الثقافي؟ وما القواسم المُشتركة بين النقد الثقافي والدّراسات الثقافية؟

– بعيداً عن الخوض في تنظيرات الغرب واختلافاتهم في تسمية مناهجهم، أعتقد أنّه لا ينبغي أن تُطرح المشكلة بشكل ميتافيزيقي متعالٍ عن التاريخ وحركة التاريخ وواقع المجتمع الّذي نعيشه، فما الّذي نجنيه، اليوم، من الجدل حول الفرق بين مصطلحَيْن يعبِّران عن حالتين فكريَّتَيْن وصلتا إلى الغرب، واشتغلوا في إطارهما، وكانت لهم دوافعهم السّياسيّة والأيديولوجية كتلك التي أدَّت إلى نشوء الدراسات الثقافية….

فالمنهج الّذي نستورده لا ينبغي أن يكون صالحاً في ذاته، فقط، بل ينبغي أن نسأل: هل ستكون له جدوى في واقعنا؟، وهل ينسجم مع حركة التاريخ الّذي يخصُّنا؟. بعض النظريات أو الطروحات والأجناس الأدبية لم تكن لها جدوى لها في مجتمعاتنا؛ لذلك لم تستمرّ، حتّى إن وجدت: الدادائية، الفنّ للفنّ، العبثية، الرواية البوليسية، الأدب الرقمي. ما بعد الحداثة كلّها لا يمكن أن تكون لها جدوى في المجتمع العربي، حتّى وإن وُجِد من يروِّجون لها؛ لأنّها ضدّ القيمة والمعنى، و- من ثَمَّ- الذين يُراهنون على هذا النوع من المعرفة هم متوهمِّون. فالمستقبل سيكون بعودة الوعي التي بدأت بالتاريخانية الجديدة وعِلم الاِجتماع والدراسات الثقافية والبحوث المعرفية التي تفرض علينا أن نُعزِّز علاقتنا بالعلوم الإنسانية، واستعادة دورها وعلاقة الأدب والنقد به، ليكون لنا نقداً عربياً، ومن هنا، فقط، يمكن أن نتحدَّث عن دور الدراسات الثقافية التي كُنّا- بوصفنا مجتمعاتٍ مستعمرة- جزءاً منها؛ لأنّنا كنّا جزءاً من موضوعاتها المستهدفة، بدءاً من الدراسات الأنثروبولوجية التي بدأها الغرب اِنطلاقاً من المجتمعات المستعمرة. ولذلك ينبغي أن نستفيد من النقد الثقافي، لكي نعيد الوعي بالذات وبالثقافة في النصّ والنصّ في الثقافة.

في تجربتك النقدية بدأت بشِعر الروّاد؛ أدونيس والسياب وخليل حاوي وعبد الصبور، ثمّ اِنتقلتِ إلى الخطاب الصوفي: البسطامي والحلاج وابن عربي، ثمّ إلى الرواية، ثمّ إلى الأنساق التراثية. لماذا هذه المراوحة بين القديم والحديث؟ وهل كان للمناهج النقدية دور في ذلك؟

– ربّما أختلف مع بعض النُقَّاد الذين يلومون نقَّاداً آخرين في مراوحتهم بين القديم والحديث وبين الشِّعر والسرد، أو الرواية والمسرح، لأنّني أعتقد أنّ ما يُحدِّد النشاط النقدي، عند الناقد، ليس هو النصّ قديماً أو حديثاً، إنّما طبيعة الرؤية النقدية التي تنبع من السؤال الأساس الّذي يُؤرِّق الناقد، وهو القيمة الإنسانية والفنِّيّة للنصّ الأدبي التي تُشكِّل خبرتي الجمالية بهذا النصّ أو ذاك، وفي كلّ مرّة بطريقة مختلفة، وكذا السؤال الفلسفي المسؤول عن هذه القيمة. والمناهج التي اِعتمدتها في مسيرتي المتواضعة كانت، بالنسبة إليَّ، بمنزلة العكاز الّذي أتَّكئ عليه وأنا أغيِّر موقعي أمام النصّ الّذي يبدو لي كالمُكعب، لا يمكن لنا أن نرى وجوهه كلّها دفعةً واحدة إلّا إذا غيَّرنا مواقعنا؛ ولذلك يمكن أن أُؤكِّد أنّ المناهج النقدية المُعاصرة قد ساهمت في تشكيل هذه الرؤية، وحدّدت ملامحها، على الأقلّ، بالنسبة إليَّ أنا، رغم أنّ مشروع أيّ ناقد لا يمكن أن يكتمل إلّا عند مماته، فـ«غريماس» الّذي بدأ لغوياً معجمياً ثمّ تحوّل إلى سيميائيّ سرديّ، يرى أنّ المعنى شكل، ولا يمكن أن يكون إلّا بوصفه شكلاً، يكتب في سنة وفاته سيمياء العواطف، إذ يرى أنّ حالات الرّوح تُؤثِّث النصوص، ويمكننا أن نصفها، ولو بقي حيّاً لكان اليوم صاحب منهج معرفي أو ثقافي أو غيره.

وأمّا المصطلح، بالنسبة إليّ، فهو مرتبط بالمنهج، وأعتقد أنّني حرصت على ألّا تتحكَّم المصطلحات في لغتي الواصفة، إلى حَدٍّ كبير، وأجعل النصّ- أوّلاً- هو الّذي يتكلَّم. كنتُ دائماً أقول للطلبة (وما أزال)، ينبغي أن ننصت إلى النصّ الّذي كنت أتحدَّث عنه، وأن أفهم لغته وطريقة تشكيلة، وكيف تنبني الدلالة فيه، وخاصّة الرؤية التي تدفعه لكي يُؤثِّر، ويجعلنا نبذل جهدا مُضاعفاً في أثناء عملية تأويله؛ من هنا يظلّ التأويل هو الطريق الأسلم لمقاربة النصّ، في اِعتقادي، لأنّه الوحيد الّذي يجعل الناقد يختار، من هذا المنهج أو ذاك، ما يُلائم السياق، يلجأ إليه في أثناء التحليل. أمّا التعامل مع نصّ بِمَا نعتقد أنّه تعامل ثنائي بين الناقد وبينه، فهو محض سقوط في الاِنطباعية، والاِنطباعية لا تُؤسِّس لنقد حقيقي، وخاصّة في الوقت الحالي، حيث أصبح مؤسَّسة، بل إمبراطورية، بحدّ ذاتها.

مواضيع مرتبطة

لاريسا بندر: الأدب يردم الهوَّة بين الثقافات
حوار: حسن الوزاني07 يوليو 2021
حسن أوريد: الرواية التاريخية في مأمن من الرقابة
حوار: السيد حسين26 مايو 2021
محمّد ساري: الكاتب يحبّ الإطراء، ويمقتُ النقد!
حوار: نوارة لحرش17 مارس 2021
كافكا والسّنواتُ الحاسمة
ترجمة: محمد الفحايم17 مارس 2021
المترجم التونسي عبد الجليل العربي: أصعب ما ترجمته
حوار: فيصل رشدي08 فبراير 2021
بشير مفتي: لا أكتب لأطلب مالاً أو شهرة
حوار: السيد حسين14 يناير 2021
لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة
حوار: حسن الوزاني11 يناير 2021
هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل01 يناير 2021
خالد خليفة: كُتّاب وكاتبات يعتبرون الوصول إلى الشهرة قضيّة حياة أو موت
حوار: عماد الدين موسى09 نوفمبر 2020
عبد الكريم كاصد: ما أكثر الترجمات البليدة في الشعر، حتى عند أمهر المترجمين!
حوار: عاطف عبد المجيد01 نوفمبر 2020
964 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

إسكندر حبش.. حياة أخرى متكاملة!
26 مايو 2021

إسكندر حبش، شاعر وصحافي ومترجم لبناني، من مواليد مدينة بيروت، العام (1963). ساهم في إصدار مجلّات شِعرية في الثمانينات، وأشرف على الصفحة الثّقافيّة في جريدة «السفير»، قبل أن تتوقَّف عن الصدور في 31 ديسمبر، (2016). صدرت له مجموعات شعرية، من بينها: «بورتريه رجل...

اقرا المزيد
محمّد ساري: الكاتب يحبّ الإطراء، ويمقتُ النقد!
17 مارس 2021

محمّد ساري، روائي وناقد ومُترجم أدبيّ جزائريّ، من مواليد (1958). تخرَّج في جامعتَي «الجزائر»، و«السوربون» في باريس، وأستاذ النقد الحديث ونظرية الأدب والسيميولوجيا في جامعة «الجزائر2». يكتب باللّغتَيْن؛ العربيّة والفرنسية، وله مجموعة من الإصدارات في الرواية...

اقرا المزيد
عبد الوهاب عيساوي: أنتمي إلى جيل لا يهتم بالتاريخ كثيراً
02 يونيو 2020

عبد الوهاب عيساوي، روائي جزائري (مواليد 1985)، مهندس دولة الكتروميكانيك، يعمل بمهنة مهندس صيانة. فازت روايته الأولى «سينما جاكوب» بالجائزة الأولى للرواية في مسابقة رئيس الجمهورية، العام 2012. وفي العام 2015، حصل على جائزة آسيا جبار للرواية التي تعتبر أكبر جائزة...

اقرا المزيد