أبو بكر العيادي: الأكاديميّون يُسقِطون على النصوص مفاهيم ليست من بيئتها

حوار: ممدوح عبد الستار  |  17 مارس 2021

أبو بكر العيادي؛ روائي، قاصّ، ومترجم تونسي مقيم في باريس. عمل بالتدريس، والصحافة الثّقافيّة، والترجمة. نشر ستّ روايات، منها: رواية «الرجل العاري» التي حصلت علي «جائزة الكومار»، و«آخر الرعية»، «زمن الدنوس»، و«لابس الليل»، «مسارب التيه»، ورواية «ورقات من دفتر الخوف». له سبع مجموعات قصصية، منها: «جمر كانون»، و«حقائب الترحال»، و«الضفة الأخرى»، و«لعنة الكراسي». وفي الفكر والثّقافة نشر ثلاثة كتب هي: «العتق والرقّ.. مقالات في ثورات الربيع العربي، وما تلاها»، و«رسائل باريس.. مقالات في الفكر والسياسة»، و«معارج الفكر.. إطلالة على الثّقافة الأجنبية». كما له ترجمات روائية عديدة، منها ثلاث لـ«ستيفان زفايغ»، هي: «الخوف»، و«مانديل بائع الكتب القديمة»، و«رسالة من مجهول»، كما ترجم: «انتقام الغفران» لـ«ايريك ايمانويل شميت»، و«عدوّ» لـ«جان إشنوز»، و«بوذا في العالم السفلي» لـ«جولي أنوتوسكا»، و«ذهول رعد» لـ«إميلي نوتومب»، «ليلة مع صابرينا» لـ«بيدرو ميرال»، وأخيراً «مذكِّرات شيهم» لـ«آلان مابانكو»…

البحث عن الذات في مرحلة التكوين، تجعل البدايات مبهجة، ولكلّ منّا بداية تجعله يسلك الطريق بقوّة. ما العوامل، والمؤثِّرات التي جعلت منك روائيّاً، وقاصّاً؟، ومن ساعدك؟

– وجدت السند لدى بعض رموز التأسيس عندنا، أخصّ بالذكر منهم الروائي والباحث محمد صالح الجابري، أوَّل من اطَّلع على محاولاتي الأولى، والأديب محمَّد العروسي المطوي مدير نادي القصّة ورئيس تحرير مجلّة «قصص»، أوَّل من نشر لي قصصي، والناقد أبو زيان السعدي الذي احتضن نصوصي في القصّة والمقالة والنقد والترجمة في جريدة «الأدباء»، ملحق جريدة «الصباح»، قبل أن أتولّى الإشراف عليه في مطلع الثمانينات. بدأت بالقصّة، حينما ألفيت نفسي في عزلة، مطلع السبعينات، أبعدتني عن الكرة التي كنت أمارسها في فريق النادي الإفريقي، ثم انتقلت إلى الرواية، ولو أن روايتي الأولى لم تظهر إلّا حينما بلغت الخمسين، لظروف النشر العسيرة التي كانت سائدة حتى وقت قريب.

أنت في المنفى الذي اخترته، ورغم ذلك تسحبك الذاكرة لكتابة ما مضى من حياتك في تونس. لم تستطع، إذاً، الفرار من الذكريات؟

– هجرتي كانت أشبه باختيار اضطراري، أي أني قصدت المنفى طوعاً عندما زالت، في بلدي، أسباب العيش الكريم، أواخر الثمانينات؛ اجتماعياً وثقافيّاً وسياسياً. في ترحالي، حملت معي هويَّتي، ولغتي، وذكرياتي. ورغم أن إقامتي في باريس تجاوزت الثلاثين عاماً، لا أزال أكتب بلغة قومي، ولا تزال الذكريات البعيدة حاضرة في ذهني، بل إني ما زلت أستحضر ما عشته في أرياف بلدتي التي هجرتها في أواخر الخمسينات، بتفاصيله وروائحه. الذكريات جزء مني، تسكنني، فأوظِّفها؛ ليس لإطفاء قلق وجودي، بل لرغبة ملحّة لديَّ في تسجيل تاريخ منسيّ، من حياتي وحياة أهلي وعشيرتي وأترابي، عندما نزحنا إلى تونس العاصمة. تونس التي اتَّخذتها مسرحاً لأحداث رواياتي الأولى، وفاجأت سكّانها بتفاصيل يجهلونها، عن أزقّة وحارات وممارسات يسمعون بها، ولا يرونها. كتبت ذلك وأنا في باريس، مثلما كتبت عن تجربتي في ديار الغربة، وتعرَّضت فيها إلى ما يعانيه العرب المهاجرون.

ما نصيب السيرة الذاتية في رواياتك؟

– أنا مبثوث في تلافيف أعمالي، أظهر حيناً، وأختفي حيناً آخر، لكن حضوري قد يكتسي دور شاهد على مرحلة، أو أحداث عشتها أو عايشتها أو سمعت عنها، وقد يتجلّى في عمل تخييلي صرف يستلهم من سيرتي بعض تفاصيلها. أوظِّف كلّ ذلك لأجلو منه رؤية للعالم، وموقفاً من الذات والآخر، لأن الاتِّكاء على السيرة الذاتية وحدها قد يحصر العمل في مسائل خاصّة بصاحبها، وتجارب قد لا تكتسي أهمِّيّة إلّا لديه، فيما الرواية فعل تخييلي، بالأساس، ينهل من الواقع، لا محالة، لكنه يسمو به ليجعل من التجربة الخاصّة لحظة إنسانية تلامس، بمعانيها ومراميها، كلّ قارئ في هذا العالم الرحب، كما هي الحال في أعمال «تولستوي»؛ إذ إن كلّ ما ألّفه لا ينفصل عمّا عاشه، فكتابته كلّها تنطق بتجاربه المعيشة المعقَّدة، ويمكن التعرُّف، في طياتها، بسهولة إلى الأنا التولستوية. يقول «توماس مان»، الذي استفاد كثيراً هو، أيضاً، من سيرته الذاتية: «إن آثار «تولستوي» الأدبية ليست، في الواقع، سوى أجزاء من دفتر يوميّات ضخم، عُني بتدوينه طيلة خمسين عاماً في شكل اعترافات مفصَّلة، لا نهاية لها».

أغلب شخصياتك الروائية متخيَّلة، لكنها تحاكي الواقع، وتمثِّله. لماذا لا توجد حدود منطقية بين الواقعي، والخيالي في رواياتك؟

– الرواية تنطلق من الواقع، وتعود إليه، وما تقدِّمه هو وهم الواقع، لأنها عمل تخييلي، بالأساس، وإن بدا للقارئ أنه استنساخ للواقع. في روايتي الأولى «لابس الليل»، وكذلك في الثانية «زمن الدنّوس»، انطلقت من أحياء المدينة، التي سمَّيت منها ما بقي وما دثر، ولكن الأحداث والشخصيات كلّها من وحي الخيال، وإن بدا، لبعض القرّاء وحتى النقّاد، أن البطل «الكامل كنتولة» شخص معروف بشحمه ولحمه. كانت غايتي أن أنفض الغبار عن جانب من ذاكرة المدينة؛ حتى لا يطوي النسيان خبره، وأصوِّر مكابدات شريحة تجترح قوانينها الخاصّة، لمواجهة التهميش والعنف والإقصاء المخطَّط. وفي اعتقادي ألّا وجود لمنطق غير منطق الرواية ذاته، أي أن تعبِّر عمّا سمّاه «لويس أراغون» «الكذب الصادق»؛ بمعنى عمل تخييلي، أحداثه مقنعة بشكل يوهم القارئ بأنها حكاية واقعية حصلت بالفعل. في تقديمه للترجمة الفرنسية لرواية «شتاينبك» «رجال وفئران»، يقول «جوزيف كيسيل» إن ما يمتاز به الكتّاب الأميركان من «دوس باسوس» إلى «فوكنر»، مروراً بـ«همنغواي»، أنهم يبدعون أعمالاً غاية في العمق والدقّة والجدّة، دون ادِّعاء أيديولوجي، وكأنهم يريدون القول إن ما نرويه حدثَ في مكان ما، وزمان ما، على هذا النحو الذي ذكرنا، وليس لنا فيه غير النقل بأمانة.

هل الرمز في رواية «آخر الرعية» مقصود؟ وهل يمكن كتابة التاريخ بأسلوب رمزي، دون الإفصاح عن المسمَّيات كما هي معروفة في التاريخ المدوَّن؟

– غالباً ما يستقي الأدب مادّته من التاريخ، بوصفه منهلاً من المناهل المهمّة الزاخرة بالشخصيات والوقائع والصراعات، خصوصاً في الحقب التي شهدت هزّات وتارات وتحوُّلات عميقة، لكنه لا يغترف تلك المادّة بعلّاتها، بل يعيد تشكيلها وفق رؤية مخصوصة. ذلك أن الأديب يتناول التجربة التاريخية بطريقة تُبايِن ما يقوم به المؤرِّخ، وبأسلوب يخالف المناهج العلمية الصارمة، ولغتها الجافّة. فإذا كان المؤرّخ يحرص على تبيُّن الحقائق التاريخية، ويدقِّق تواريخها وأعلامها، ويتقصّى أسبابها ونتائجها، فإن الأديب، برغم إحاطته بالظرف، مكاناً وزماناً، يهتمّ، أكثر ما يهتم، بالأشخاص الذين عاشوا تلك الأحداث الرئيسية أو الحافّة، ليصوِّر الواقع الذي كان، ويغوص في أعماق النفس البشرية يتعقَّب انفعالاتها، ويسبر أفكارها، ويجلو، من مواقفها، معاني إنسانية، وقيماً حضارية نبيلة، وقد يتَّخذها مطية لمساءلة الحاضر. لقد اختار «شكسبير»، مثلاً، مُعظم شخصيّاته المسرحية من فترات حرجة أو حاسمة في التاريخ الرومانيّ القديم والإنجليزيّ الوسيط، لكنّ أحداث التاريخ لم تسترعِ اهتمامه إلّا في القليل النادر؛ إذ إن اهتمامه الأساس كان منصبّاً على المشاعر الإنسانية التي تبلغ أعلى درجات التوتُّر في تلك الفترات التاريخية الدقيقة، التي قد يتقرَّر، في أثنائها، مصير أمّة بحالها، وربَّما مصير البشرية جمعاء. كذلك كان شأن «تولستوي» في روايته الشهيرة «الحرب والسلم»، حيث لم يستوقفه «نابليون»، القائد العسكريّ، بل «نابليون» الإنسان، بكلّ ما يعتمل في صدره منِ انفعالات، في لحظات قوّته ولحظات ضعفه، وفي حالات انتصاره وحالات انكساره. بل إن موضوع الرواية، بالأساس، لم يكن حول حقائق الحرب الفرنسية الروسيّة، بقدر ما كان تناوُلَ قضيّةً بالغة الأهميّة؛ هي الإنسان والحرب، أو الإنسان في مواجهة الحرب. أي أن الكاتب يستهدي بوقائع التاريخ القريب والبعيد، ويستحضر أعلامه لأغراض فنّيّة صرف، لا يهمّه من سِيَر الكبار غير المعاني التي قد يستخلصها منها لخدمة نصّه. يقول غوته: «لا توجد شخصية تاريخية في نظر الشاعر، فهو لا يريد إلّا تصوير عالمه الفنّي، لذلك فإنه لَشَرَف عظيم ينال بعض الشخصياتِ التاريخية، إذا أدرج الشاعرُ أو الأديب أسماءها في مؤلّفاته». في «آخر الرعيّة»، التي كتبتها ما بين (1995) و(2001)، أي قبل غزو العراق، لم يكن يهمّني الاسم الذي يتخفّى وراءه (الكبير)، فما هو، في نظري، إلّا رمز لطاغية، أحكم قبضة حديدية على شعبه، فآل به أمره إلى التيه والضياع، وعاد عليه استبداده بالرأي بالوبال.

كانت أعمالك (وماتزال) مثار جدل ثقافي، ونقدي؛ نظراً لاختلاف كتاباتك عن السائد، وبحثك الدائم عن المُغاير، فهل استطاع النقد أن يضع تجربتك الإبداعية في مكانها اللائق كما يجب؟ وهل، بالفعل، لدينا أزمة نقديّة؟

– النصّ ملك لي ما لم أنشره، فإذا نشرته حقّ للناس أن يقولوا رأيهم فيه، بحرِّيّة، ولا يضيرني أن يستحسنوه أو يستهجنوه، لأني الناقد الأوَّل لنصوصي، عسير في التعامل معها، ولا أنشرها إلّا إذا نالت مني رضى تامّاً. بالنسبة إلى القارئ العادي، تصلني، في الغالب، ردود طيِّبة، أمّا بالنسبة إلى النقد فهو مستويان؛ صحافي عارض يتابع ويبدي الرأي في ما يُعرض عليه، وقد أنصفني حينما كنت في تونس، وتغاضى عني بعد الهجرة. والثاني أكاديمي، اهتمَّ بنصوصي، تحليلاً وتدريساً وبحثاً جامعياً لنيل شهادة. النقد الأوَّل (الصحافي) مطروح على القارئ العادي، وإن ظلّ مرتبطاً بقيمة مَنْ يكتب، فقد كُتِبت عني مقالات جيِّدة، وأخرى هزيلة، تمنَّيت لو أن صاحبها لم يرهق نفسه في ما لا ينفع. أما النقد الأكاديمي فهو علّة النقد عندنا، فقد درج الأكاديميون على تلقُّف المناهج النقدية الغربية، وعرّبوا مصطلحاتها تعريباً زاد معانيها عسراً، وأمعنوا في التوسُّل بها حتى بعد أن ملّها الغرب، وأقبل على سواها، فتعلَّقوا بالبنيوية والألسنية والشكلانية والإنشائية والتداولية والسيميائية والنصّانية والتأويلية والتفكيكية، وما زالوا يلوكون مفاهيم عصيّة على الفهم، ويسقطونها على نصوص ليست من بيئتها، بدعوى أنها تسهم في استجلاء غوامض النصّ المدروس وفضّ مغالقه، والكشف عمّا استتر من معانيه، وما أشكل من رموزه. ولكنها تكاد تطبّق بصورة آليّة، وتسوّي بين الغثّ والسمين، فلا تدري، حين تنتهي من قراءتها، إذ كان النصّ المنقود جيّداً أم رديئاً. هم يعيبون على النقد الكلاسيكي انطباعيَّته، لكن، على الأقلّ، له الفضل في خلق ذائقة أدبية تميِّز بالسليقة، بين السليم والمعتلّ.

ماذا أضاف الربيع العربي لنصّك السردي؟ وهل أوحت الثورة لك برواية ما، أو قصّة؟

– أوّلاً، أنا من الذين يصرّون على أنها ثورات، والذين أنكروا عليها تلك الصفة، مثل «أدونيس»، بدعوى أنها تفتقر إلى برنامج فكري ثوري يمهّد لقيامها، ينسون الثورة الفرنسية التي صارت رمزاً لكلّ الثورات في العالم، ولم يكن مفكِّرو الأنوار طرفاً فيها إطلاقاً، كما علَّمونا خطأً في المدارس، فالذين قاموا بها هم نفر من أهل الصنائع والحِرَف ممَّن ضاقت بهم سبل العيش، ولا يحسنون حتى القراءة، فما البال بفهم فلسفة «روسو»، و«مونتسكيو»، و«فولتير»؟. والذين التحقوا بهم من المفكِّرين والخطباء لم يكونوا يرغبون في إزاحة الملك بل في تلطيف حكمه المطلق، وتخفيف سطوة الإقطاعيِّين والنبلاء. استلهمت من الثورة التونسية رواية «ورقات من دفتر الخوف»، ومجموعة قصص «جمر كانون»، وكتاباً في الفكر السياسي بعنوان «العتق والرقّ» عن ثورات الربيع العربي، وما تلاها. الثورة في تونس غيَّرت كلّ شيء؛ في الرسم والموسيقى والمسرح والأعمال الدرامية التلفزيونية والكتابة الأدبية، ولكن ليس دائماً نحو الأفضل، فقد ظهرت عندنا، مثلاً، روايات، وحتى ترجمات، باللهجة المحلِّيّة. الإضافة هي الحرّيّة التي منحت الجميع حقّ التعبير عمّا يشاؤون؛ هذا الحقّ مارستُه منذ مطلع التسعينات، فأعددت قصصاً لم تُنشَر إلّا بعد سقوط النظام البائد، بعنوان «لعنة الكرسي»، ورواية «آخر الرعيّة» التي نشرتها في «باريس»، وظلَّت محظورة لتناولها موضوع الاستبداد؛ أي أني لم أنتظر الثورة حتى أبادر بانتهاك المحظورات الثّقافيّة، إذ قرَّرتُ، منذ ذلك التاريخ، (مطلع التسعينيات) أن أكتب دون الخضوع للرقابة الذاتية، حتى وإن بقيت تلك النصوص في أدراجي.

أصبحت الرواية، اليوم، شديدة التكيّف مع راهن الواقع العربي، ومشتبكة معه في متغيِّراته، وتكتسب، كلّ يوم، المزيد من التقنيات والأساليب الجديدة، حتى تؤسّس خصوصيَّتها العربيّة، كيف ترى ذلك؟

– هي متكيِّفة منذ زمان بعيد، منذ «سارة»، و«يوميات نائب في الأرياف»، و«الدقلة في عراجيبنها»، و«ثلاثيّة» محفوظ، ملتحمة بواقعها تعالج أدواء المجتمع، وتصوِّر ما يعتريه من تحوُّلات لا تسير دائماً في الاتِّجاه المنشود، وما تغيَّرت إلّا الأساليب والأدوات الفنّيّة. ولكن اللافت، في هذا التغيير، نزوع أغلبية النقّاد، الأكاديميين بخاصّة، إلى الاحتفاء بمبحثَيْن أساسيَّيْن هما؛ ترهين التراث، والتجريب. الأوَّل بدعوى تأسيس رواية ذات خصوصية عربيّة، ولا ندري ما هي هذه الخصوصية، فهل نعود إلى مقامات الهمذاني، أم نحتذي بـ«كليلة ودمنة»، أم نتمثَّل كتب الأخبار القديمة «حدَّث فلان قال» على غرار محمود المسعدي في تونس؟ صحيح أن لنا تراثاً سردياً زاخراً، لكن فنّ الرواية فنّ غربي، بالأساس، حتى وإن أخذه «ثربانتس» عن حكايات «ألف ليلة وليلة»، كما أخذه «دانيال ديفو» عن ابن طفيل. والثاني هو التجريب، الذي يخطئ ويصيب، ولكن دون بلوغ برّ الأمان، والحال أن الشرط في مَنْ يجرِّب أن يحصل على نتيجة ترضيه. من حقّنا أن نطوِّر هذا الفنّ، بعد أن اكتسبنا شروطه، ولكن التطوير أمر فردي، فلا يوجد دليل استعمال ولا وصفة سحرية، إنما الأمر موكول لموهبة كلّ كاتب، فقد يفاجئنا كاتب عربيّ بنصّ على غير مثال، تتوافر فيه ما يمكن تسميته رواية عربيّة خالصة، ولكن دون أن يصبح أنموذجاً يسير على هديه الآخرون.

هل استطاعت الرواية أن تفكِّك التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي؟ هل أصبح المتن هامشاً، والهامش متناً، و- من ثَمَّ- لا وجود لمركزية غير مركزية الذات؟

– التهميش، بأنواعه، حاضر في شتّى الأعمال الروائية العربيّة، الكلاسيكية منها والحديثة. كذلك الذات، وإن اتَّخذت، في الأعوام الأخيرة، حجماً أكبر، لأسباب تخصّ أصحابها. ولكن ليست كلّ سيرة ذاتية جديرة بأن تُروى كما أسلفنا، فالتركيز على الذات دون تجربة عميقة في الحياة، ودون إلمام بعلم النفس وتحليله، يفقد العمل أهمِّيَّته. ومثل هذه الأعمال قد تبهر في البداية، لكنها تغدو مذمومة إذا استشرت، كما هي الحال في الروايات النسائية الفرنسية التي تركِّز على تجارب ذاتية من جهة الحياة المتحرِّرة، حتى في بعض الكتابات الذكورية التي تجعل ذاتها سُرّة العالم، ما دفع رئيس تحرير المجلّة الأدبية «مغازين ليتيرير»، في إحدى افتتاحياتها، إلى انتقاد هذه الظاهرة في الأدب الفرنسي، والتساؤل عن تجنُّبها الخوضَ في القضايا الكبرى على غرار الرواية الإسبانية، والأميركية، واللاتينية الأميركية.

حدّثنا عن رؤيتك للرواية التفاعلية، ومستقبل الأدب، في ضوء ما أصبحنا عليه بعد أن تَمَّ- بالفعل- كسر حواجز الواقع، والافتراضي، وامتزاجهما معاً في دواخلنا.

– هذا النوع من الكتابات لا يستهويني. حتى في الغرب، يظلّ محصوراً في بؤر ضيِّقة تبحث عن التميُّز والتفرُّد، لكننا نتلقَّفها بسرعة، ونحاول تعميمها واعتبارها الأنموذج الأمثل. ويحضرنا، في هذا الباب، مثالان؛ الأوَّل كتاب «خُلبٌ عامّ» للفرنسية «إمانويل بيرير»، يجمع بين مختلف أشكال الخطاب الحديثة، ويحمل قارئه على التنقُّل من فصل إلى فصل كما يتنقَّل على الشبكة، حيث تتجاور الرسائل الإلكترونية والرسائل الهاتفية القصيرة والحكايات والتحاليل وأغاني الراب والعامِّيّة، وتختلط الشخصيات الحقيقية من مثل: نيتشه، وتولستوي، وليفي ستراوس، ولويس دو فونيس، وجيمس براون، بشخصيات روائية وتلفزيونية معروفة لدى الفرنسيين، من مثل الكوميسار مولان، والمفتِّش ميغري، وشخصيات مبتكرة أو نكرات لا تحفل بها غير الجرائد، عند اقتراف جنحة أو جناية. وهو شكل جديد تقترح، من خلاله، الكاتبة «تصويراً بالإشعاع السيني للوعي الأوروبي في مطلع الألفية الثالثة» كما تقول. ورغم تتويج الكتاب بجائزة، لم يجد صدًى لدى القرّاء. والثاني رأس من رؤوس التجريب في الأدب العالمي، ونعني به الأميركي «دفيد فوستر والاس» الذي نشر رواية تجريبية من ألف صفحة، عنوانها «حذلقة لا متناهية»، وكان يؤمن بأن الأعمال التجريبية والطلائعية قادرة على الإمساك بالكيفية التي يلامس فيها العالم دقائق أعصابنا، فقد اعترف، في حديث طويل نُشِر في كتاب بعد انتحاره: «في الآونة الأخيرة، عدت إلى قراءة الأعمال الأكثر واقعيّةً، لأن أغلب «البدع» التجريبية عسيرة بشكل مقرف… والجهد الذي تتطلَّبه من القارئ يفوق بكثير ما تقدِّمه. حتى الأعمال التجريبية الكبرى، التي كنت مضطرّاً لقراءتها؛ لكوني أمارس اللون نفسه، كان ينتابني إحساس بأني أشبَهُ بطفل صغير، يتحدَّث الكبار فوق رأسه، وأن الكتاب الذي أقرؤه وُضِع للآخرين؛ كتّاباً ونقّاداً ومنظِّرين».

لماذا هاجمت، أكثر من مرة، الجوائز العربيّة؟، وما تقييمك للروايات الفائزة؟، وهل تستحقّ الاحتفاء بها، وترجمتها؟، وهل وصل الأدب العربي إلي اللّغات الأخرى، وأصبح جديراً بالاهتمام مثل الأدب الفرنسي، أو الإسباني؟

– هو ليس هجوماً بقدر ما هو استنكار لما آل إليه وضع الجوائز في أقطارنا. هذه الجوائز التي جُعِلت، في الأصل لتشجيع الكتاب وتحفيزهم على الإنتاج، فإذا هي، في عمومها تنقلب إلى أداة خلط وفوضى، تغمط التجارب الجيّدة، وتكرِّم كتّاباً متواضعين، منهم من لم يجرِّب السرد إطلاقاً، لاعتبارات بعيدة عن الأدب. في تونس، مثلاً، سُحِبت الجائزة ممَّن حازها، بعد إعلامه بالفوز، لتسند إلى كاتب مغمور تنازل عن الشيك لرئيس اللجنة، وأسندت إلى كتّاب من عمل أوَّل أكثر من مرّة. المصيبة أن هذه الممارسات لا تخصّ الجوائز العربيّة وحدها، بل تتعدّاها إلى الجوائز العالمية، كمنح لجنة «غونكور» جائزتها لكاتب مبتدئ، اختارته من أسفل الترتيب، حسماً لجدل حامٍ حول مرشّحَيْن آخرين، أو منح «نوبل» لفنّان الروك «بوب ديلان»، ما دفع «فرغاس يوسا» إلى القول في سخرية: «لا نستغرب إن منحت، في الأعوام القادمة، إلى لاعب كرة قدم».

ولعلّ خير موقف من الجوائز، ما قاله الإسباني «غويتسولو»، عندما مُنح جائزة «ثربانتس»، نوبل الآداب الناطقة بالإسبانية: «أن أكون محلّ تبجيل من المؤسَّسة الأدبية يدفعني إلى الشكّ في نفسي، ولكن أن أكون، في نظرها، شخصاً غير مرغوب فيه، فهذا يؤكِّد وجاهة موقفي، من حيث السيرة والعمل. من علياء شيخوختي، أحسّ أن قبول هذا التكريم كضربة سيف في الماء، كاحتفال لا فائدة من ورائه».

مواضيع مرتبطة

116 عدد المشاهدات