أجاثا كريستي والعائلة.. الحقيقة الصامتة

حسن المودن  |  02 يناير 2022

خلال هذه السنة، نشرت الكاتبة الفرنسية المعاصرة «سونيا فيرتشاك – Sonia Feertchak»، كتاباً جديداً بهذا العنوان «La Vérité tue: Agatha Christie et la famille». وفيه تقترح قراءة أخرى لأعمال «أجاثا كريستي»، فقد لاحظت أن أكثر من خمسين رواية، عند هذه الكاتبة، تدور حول الجرائم العائلية، وأن الموضوع الرئيس في أعمالها هو: الشرّ العائليّ؛ العدائية العائلية؛ علاقة العائلات بالحقيقة…

في هذا الكتاب، ستقرأ، أيُّها القارئ، «أجاثا كريستي» كما لم تقرأها من قبل، وستقرأ عن العائلة ما لم يُقلْ عنها أبداً.

في العنوان الرئيس، هناك ما يفصل بين كلمتَيْه اللتين تؤلِّفانه، وهناك لعبٌ بالكلمات أيضاً، لأن العبارة الثانية، في هذا العنوان، قد تحيل على فعل القتل كما قد تحيل على فعل الصمت؛ لهذا ترجمناه على هذه الصورة: الحقيقة – الصامتة/ القاتلة، ولنا في الكتاب ما يبرّر ذلك، في صفحات متفرِّقة منه:

« كلّما زاد مرضُ العائلة،…، زاد الخطابُ ابتعاداً عن الواقع، وازدادت الحقيقةُ صمتاً. من دون أن يستطيع أيّ كان أن يعود إلى قولها، ما دام أعضاء العائلة معتادين على لغةٍ مُضلِّلة» ( ص93 – 94).

« الأقارب لا يتحرَّكون، ولا يفكِّرون؛ لأنهم يرفضون أن يقرّوا بأن الشرَّ موجودٌ في المنزل، وهم لا يستطيعون تقبُّل فكرة أن مَن وضعوا فيهم ثقتهم، دائماً، لم يكونوا يستحقّونها. وربّما كانوا يرتعدون من فكرة أن الحقيقة تَقتل، وأنّ بإمكانها أن تَقتلَ الجميع: هم أنفسهم ومن يحبّون والعائلة بأكملها» (ص 111).

الملاحظ أن روايات «أجاثا كريستي» هي، إلى اليوم، الأكثر مبيعاً، بعد الإنجيل، وشكسبير، وهي الأكثر ترجمةً إلى لغات العالم. والسؤال هو: كيف تتمكّن كاتبةٌ، تنتمي إلى عالَم مات واختفى، من التواصل مع الناس والحديث إليهم في عصر غير عصرها، وعالَم غير عالَمها؟ وفي العمق، عمَّ كانت تتحدّث «أجاثا كريستي» في رواياتها؟ ما ذلك اللغز الكبير الذي جنّدت له عدداً كبيراً من الروايات من دون أن تصلَ إلى حلّه؟

الافتراضُ الذي انطلقت منه الكاتبة «سونيا فيرتشاك» هو أن الروائية «أجاثا كريستي» كانت تسائلُ العائلة، وأنها، بوضعها العائلة موضع سؤال، كانت تكشف النقاب عن شيءٍ يَعرفه كلُّ واحدٍ منّا، لكنه لا يريد رؤيته ولا مواجهته. وما اكتشفته الكاتبة، في روايات الروائية، التي تدور كلّها، تقريباً، حول العائلات، هو أن الأمر لا يتعلَّق بجرائم داخل العائلات، فحسب، بل بذلك الشرّ الموجود بين الأقارب، أيضاً: علاقات القوّة بين الأقارب، وكيف تكون خفيّة إلى هذا الحدّ أو ذاك؛ انعدام الاحترام؛ الإذلال؛ التحكّم والتلاعب؛ الحرمان؛ سوء المعاملة أو زنى المحارم؛ الضحايا الذين يتحوَّلون إلى جلّادين…

وهكذا، تكشف الروائية أسوأ ما في العائلات، والأسوأ – تقول «فيرتشاك»- أنها على حقّ: لقد كتبت الروائية عن الطريقة التي تشتغل بها العائلات في زمانها وعالمها، لكن، في الواقع يبدو أنها تكتب عن ذلك الشيء الحسّاس داخل العائلات، في كلّ زمانٍ وكلّ مكانٍ.

ألَّفت «أجاثا كريستي» ستّا وستّين روايةً، ما بين (1915) و(1975)، وأكثر من خمسين رواية تعالج جرائم عائلية، أو كانت العائلة إطاراً لها. وهناك خمسٌ وعشرون من هذه الروايات، تتقدّم فيها شخصيةٌ على أنها شخصيةٌ أخرى: هناك آخر يحلُّ محلَّ الشخصية؛ هناك مسألة الازدواج والتضعيف؛ هناك مسألة الهويّة المخبّأة؛ هناك ذلك الآخر القرين الذي يشبهني، تقريباً؛ هناك مسألة الاستبدال: أطفالٌ جرى استبدالهم بعد ميلادهم مباشرةً…

وأوَّل شيءٍ نخرج به من كلّ هذه الروايات هو:

أننا لا نعرف الشيء الكثير عن هؤلاء الذين نعيش معهم وبقربهم؛ وأن هؤلاء الذين تحبّهم وتفترض أنهم يحبّونك تجدهم لا يريدونك على خيرٍ دائماً؛ وأنّ أجاثا كريستي تؤسِّس السرد، في رواياتها، تبعاً لإطارٍ نفسيٍّ، فلسفيٍّ، تقريباً، وأنها تمنح الجزئيّات اهتماماً كبيراً؛ لكن إذا كان «شيرلوك هولمز» يركِّز على المنهج، ويقول كيف ينبغي لنا أن نرى العالَم، فإن «بوارو»، و«ماربل» يكشفان عن مسألة أخلاقية: ما ينبغي لنا أن نراه في هذا العالَم هو أن «العائلة شرٌّ»: أن البيوت، كأهلها، تشكو من الازدواجية في الشخصية: فهي تكشف وتخفي، تحمي وتسجن، تبني وتخرّب.. فالبيوت هي الأنساق البيئية حيث تتطوَّر العائلات أو تتراجع، وتتدهور. وبالنسبة إلى«أجاثا كريستي»، لكلّ بيتٍ عائليٍّ شخصيَّته الخاصّة. وإذا افترضنا أن للمنزل روحاً، فذلك ليس إلّا ما يدركه الزائر من خلال طريقة أهل المنزل في تدبير الزمان، والمكان، وتدبير الجسد أيضاً.

أن الشرَّ محليُّ داخليٌّ، وليس شيئاً بعيداً وخارجيّاً، فالخيانة أو التهديد الأكثر شدّةً لا يصدران إلّا عن أناسٍ أحببناهم، واستثمرنا فيهم كثيراً، فالحبّ أكثر خطراً من الكراهية، تقول «أجاثا كريستي».

في روايات «أجاثا كريستي»، الرجال والنساء سواسية أمام الجريمة، ومن الصغار إلى الكبار، فكلّ فرد من أفراد العائلة يمكنه أن يكون مجرماً أو ضحيّةً. وعندما يكون المجرم داخل العائلة، فلا أحد يريد أن يراه، ولا أن يعتقد بما اقترفه. والجرائم في العائلات هي على جميع المستويات والدرجات: رجلٌ يقتل أخاه؛ مراهقةٌ تشوِّه جسد أختها الصغرى الرضيعة؛ رجلٌ يقتل عمَّته؛ ابنٌ يقتل أباه؛ أمٌّ تقتل رضيعها ثم أختها التوأم بعد ذلك؛ أخٌ يقتل أخته؛ طفلةٌ تقتل جدَّها… وتنطلق الروائية من أن الشرَّ داخل العائلة مرتبطٌ بالظلم والتمييز والتنافس والغيرة، ومرتبطٌ بالنجاح والجمال والذكاء، أيضاً.

في العائلة، كما في حكاياتها ورواياتها، يكون للُّغة معنًى خفيّ، معنًى مخبَّأٌ؛ ومن الممكن قراءة الجملة الواحدة بطريقتَيْن مختلفتَيْن؛ وفي كلِّ حكاية عائلية، هناك صمتٌ، وبياضٌ، وثقبٌ، وصور، وبلاغة خاصّة. ومصدر هذه البلاغة الخاصّة (بلاغة الصمت) هو أن الشرَّ، عند البعض، لا يُقال، ولا ينبغي لنا- تبعاً للبعض الآخر- أن نقول شرّاً عن أقاربنا..؛ كما أن الحقيقة ليست بالشيء المحمود الذي يُقال داخل العائلة، دائماً، وبالنسبة إلى «أجاثا كريستي»، الصمتُ رياضةٌ عائليةٌ بامتياز: هناك، دوماً، هذا الخوف من تفجير العائلة، وزعزعة نظام الأشياء؛ وهذا ما يعرفه الوسط العائليُّ، لكنه يلتزم الصمت، فالصمتُ هو السائد. في العائلة، نحن نرى كلَّ شيءٍ، لكننا نشتغلُ كأننا لا نرى شيئاً..وعندما يكون هناك صمتٌ أو حذفٌ، تأتي مَهمَّة القارئ، وهي أن يملأ البياضات، وأن يسدّ الثقوب، وأن يتصوَّر ما هو محذوف وغير مكتوب..وبالتأكيد، هنا تكمن قوّة الأدب، وعظمته..!.

وختاماً، الحقيقةٌ هي الموضوع المركزيُّ في روايات «أجاثا كريستي»؛ فعبر أعمالها الروائية كلّها، ومن خلال محقّقيها جميعهم، الشيء الوحيد الذي وضعته الروائية موضع سؤال هو: الحقيقة داخل العائلات.

وتختم الكاتبة «سونيا فيرتشاك» كتابها بالإشارة إلى المثل الشعبي الذي يقول: «لنغسل غسيلنا الوسخ داخل العائلة»، لكن السؤال (تتساءل الكاتبة) هو: ماذا لو رفضت العائلة القيام بهذا الغسيل؟ ماذا لو رفض الخَلف القيام بهذا الغسيل؟ هل ستبقى الحقيقة صامتةً من دون أن تكون قاتلةً؟

«أجاثا كريستي»، روائية بقدرات كبيرة، استطاعت الاشتغال بالجريمة التخييلية، وكانت بارعةً في ذلك، لأنها كانت تتفهَّم الشرَّ الإنسانيَّ، مقتنعةً بأن الناس يكره بعضهم بعضاً، وعلى هذا الأساس يتصرّفون، لأنّ الكراهية شيءٌ خاصٌّ بالكائن الإنساني، وبأفعاله وتصرّفاته وسلوكاته.

مواضيع مرتبطة

دون كيخوطي.. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم
خالد بلقاسم06 أكتوبر 2021
«النار ما تورِّث إلّا رماد»: هيمنة ثقافة المطابقة على المغايرة
ربيع ردمان06 أكتوبر 2021
شادي عبْد السَّلام.. سينِما المُهَندِس المِعْماري
بنيونس عميروش07 يوليو 2021
في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
خالد بلقاسم07 يوليو 2021
التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل
إبراهيم الحَيْسن26 مايو 2021
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
خالد بلقاسم26 مايو 2021
جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»
رشيد بنحدو26 أبريل 2021
تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا
عبد الرحمان إكيدر24 فبراير 2021
علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”
محمد برادة03 يناير 2021
رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ
خالد بلقاسم10 ديسمبر 2020
697 عدد المشاهدات