أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»

ترجمة: عبدالرحيم نورالدين  |  22 يونيو 2020

إن الأزمات الكبرى لا تستدعي فقط الإتيقا المدنيّة والمسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة. إنها تفيد في تمييز المتعالي عن الطارئ الملحق، والأساسيّ عن السطحيّ. في هذه المُقابلة، تحذِّر الفيلسوفة أديلا كورتينا من الدوغمائيّات الأيديولوجيّة والقوميّات التي تبني الجدران الحائلة بين المُواطنين: «حان وقتُ التحالفات. الآن وأكثر من أي وقتٍ مضى، يجب علينا ممارسة الضيافة العالميّة».

من أقوال أرسطو «غاية الإنسان هي السعادة». هل من وصفةٍ لهذه الأيام الصعبة وللأيام القادمة؟

– يذكِّرنا أرسطو أيضاً، مثله كمثل جميع الكلاسيكيّين، أن صوغ الشخصيّة هو أهمّ شيء لتحقيق السعادة. من الواضح أن الصدفة والحظ السعيد وما ليس بأيدينا، يتدخّلون أيضاً. ولم يكن الفيروس التاجي بين أيدينا، ولم نتوقَّعه على الإطلاق. ولكن من الصحيح أنه عندما يتم تشكيل شخصيّة الأفراد والشعوب بشكلٍ جيّد، فإن التعامل مع هذه الوضعيات يكون بشكلٍ أفضل، والتي هي حقّاً وضعيات دراماتيكية. لذلك سأبدأ بالتذكير بأن بناء الشخصيّة أمرٌ أساسيٌ. وفي إطار هذا البناء، لا بدّ من استحضار الفضائل الشهيرة، وخاصّة الأكثر تقليديّة منها: الحصافة والعدالة والقوة والاعتدال. القوة مهمّة جدّاً؛ ولقد نسيناها كثيراً في هذه الأوقات. يجب تربية القوة. ولابدّ من القيام بذلك في التعليم، وفي المدرسة، ومنذ الطفولة. يجب على كلّ واحدٍ أن يحاول أن يكون قوياً في مواجهة هذا النوع من الشدائد، لكي نكون مسؤولين تجاه الآخرين وقادرين على مساعدتهم. يجب أن نحاول معالجة هذا الوضع الذي نحن فيه، بالاعتماد على قوتنا وتضامننا واعتدالنا. في هذا الوقت لا يمكننا الخروج، ولا يمكننا القيام بالعديد من الأشياء التي نرغب في القيام بها، لهذا السبب، فإن الاعتدال ضروري أيضاً. أعتقد أن الرسالة الرئيسيّة في الوقت الحالي هي أنه يتعيَّن علينا تشكيل شخصيّة الأفراد والشعوب من أجل مواجهة المحن. لقد ترك لنا الكلاسيكيّون نصيحة جيّدة جدّاً، وهم يحدّثوننا عن العدالة والقوة والحصافة والاعتدال. ولأن المحادثة ستستمر، سنتحدّث لاحقاً عن الأمل والحب، كجزءٍ لا يتجزأ من كلّ هذا.

أنتج المجتمع ردتي فعل: دافع الإنسانيّة والتضامن، ومن ناحيةٍ أخرى، خطاب الانقسام والكراهية والمواجهة المستمرة.

– ما يجب أن نبحث عنه الآن، في إسبانيا وفي العالم أجمع، هو ما يوحّدنا وليس ما يفصل بيننا. إن الأشخاص الذين يؤجّجون الصراع والاستقطاب يصنعون أضراراً هائلة وجسيمة، ليس فقط لأننا جميعاً في نفس القارب، وأولئك الذين يؤجّجون الصراع ينتهي بهم الأمر إلى إيذاء الجميع، ولكن لأن تعايشنا هشٌ للغاية، إضافة إلى كوننا بصدد تحويله إلى صراع للجميع ضد الجميع. الدرس الآخر الذي علينا أن نتعلّمه، هذا إذا كنا نتعلَّم- لأنه في بعض الأحيان يبدو أننا لا نتعلَّم أي شيء من المصائب- هو كفى من النزاعات، كفى من الاستقطاب، ومن التفوُّق، ومن الصراعات الطائفية والأيديولوجيّة. من فضلكم، فلنبحث عمّا يوحّدنا، وهو كثير جدّاً، لأنني أعتقد أننا جميعاً نقدِّر الحرّيّة والمساواة والتضامن والحوار وبناء المستقبل. من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية».

في الوقت نفسه، من المهمّ التأكيد في هذه اللحظات، على أن رؤية مسؤولة وناقدة للسلطة، تبقى أساسيّة لمواجهة هذه الحالة الطارئة وكذا لبناء الديموقراطية والمستقبل.

– أوافق تماماً. بما أننا نبحث عن ما يوحّدنا، فالأمر يعني على وجه التحديد أن نحاول أن نكون نقديين. وهو ما معناه أن نتسم بالتمييز. ممّا يوحدنا، يجب علينا أن نذكر كلّ فئة بتعهداتها وبواجباتها. أعتقد أن السياسيين نسوا ذلك بشكلٍ مفرط. لا يجب على السياسيين أن يكونوا أبطال الحياة الاجتماعيّة على الإطلاق، كما لا يجب عليهم أن يعطونا وصفات للسعادة. ما يجب عليهم فعله هو أن يكونوا مدبرين للحياة اليومية حتى يتمكّن الناس والمواطنون من تنفيذ خطط الحياة. ليس عليهم أن يأخذوا دورنا في الحياة. الديموقراطيّة هي بطولة المواطنين. بهذا المعنى، أعتقد أن على السياسيين أن يتعلموا. وبالفعل، علينا تذكُّر ذلك كلما استطعنا. أنا فعلت ذلك كلما كان بوسعي، ويجب علينا الاستمرار في القيام به. إنهم ليسوا أصحاب الأدوار البطولية، إنهم مجرَّد مدبّرين يتوجَّب عليهم إرساء أسس العدالة حتى يتمكَّن الناس من تنفيذ ما لديهم من خطط السعادة والحياة الجيّدة. النقد هو التمييز.

في هذا المجتمع المرتبط بالخاصية الوضعية، هل لرهاب الفقراء -أبوروفوبيا (aporofobia)- انعكاس أيضاً على رفض المريض والمصاب بالعدوى؟

– حالياً في إسبانيا، يتَّسم هذا الوضع بالكثير من الغموض. يعاني الأشخاص المتضامنون من عدم القدرة على الخروج، لمساعدة أولئك الذين تُركوا بمفردهم، والذين يموتون بمفردهم في الإقامات السكنية وفي المستشفيات. لكن الموجودين في الوضع الأسوأ، هم أولئك الذين يعانون من الأسوأ، كما هو الحال دائماً، لأننا نظمنا المجتمع ليس للضعفاء، ولكن للذين يعيشون وضعاً جيّداً. يستمر رهاب الفقراء في هذه اللا مساواة، التي نرى فيها أن البعض يعاني أكثر بكثير من البعض الآخر، لأنه موجود في الموضع الأكثر سوءاً. لكني قلقة للغاية في هذه الحالة الطارئة، من حقيقة كوننا نشعر بالعجز عن مساعدة أولئك الذين يعانون، تحديداً لأن أفضل مساعدة يمكننا تقديمها، هي تلك التي تقرِّبنا من بعضنا البعض. نحن على صلة وفي علاقة. إننا نتطلَّع إلى ربط علاقات بالآخرين. 

تسبَّبت الأزمة المالية في موجةٍ كبيرة من السخط: شعر المواطنون بأن النخب تخلّت عنهم، وتسبَّب ذلك في صعود الحركات الشعبويّة. هل تخشين أن يعود هذا التخلي- في سياقٍ عالميّ لتوطيد الشعبويّة- ليحدث مرّة أخرى؟ كيف يمكننا تجنُّب ذلك؟

– هذه نقطة مهمّة للغاية. سوف يتأثَّر عالم الأعمال بشدّة. من ناحية، بسبب إغلاق عددٍ كبيرٍ من الشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس بسبب سوء النية، ولكن ببساطة لعدم وجود زبناء، ولأنها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة. سيكون ذلك مقلقاً. وبعد ذلك، سيكون هناك أولئك الذين يستفيدون من الموقف لتحويل إجراء التنظيم المؤقَّت للشغل إلى إجراء تنظيم دائم ويجعلونه ضرورياً بشكلٍ متواصل. سيكون الوضع دراماتيكياً وعلينا أن نطالب تلك الشركات التي لديها قوة، ألّا تقوم بفصل المستخدمين إذا لم يكن ذلك ضرورياً، ولا تستغل الموقف. تكمن مسؤوليّة هذه الشركات الآن في محاولة الحفاظ على جميع الوظائف. حان الوقت لتذكُّر أخلاقيات الشركة والمسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات بشكلٍ جيّد. في الأزمة السابقة، بقي الناس محبطين للغاية بسبب الشركات والبنوك، ولكن لم نستخلص أي درس من ذلك على الإطلاق، سوى الاستمرار في العمل بنفس الطريقة تماماً. في هذا الوقت، يجب تحمّل مسؤولية وأخلاقيات الشركة وليس إغلاق الشركات أكثر ممّا هو ضروري. لهذا، من اللازم الدفاع عن أهداف التنمية المُستدامة: لقد حان وقت التحالفات. إذا لم تضع السلط السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة اليد في اليد، فلن ننجح.

لقد تسبَّبت حالة الطوارئ (كوفيد – 19) في إطلاق جميع الإنذارات، وقد كنّا بالفعل نشهد حالة طوارئ مناخية يمكن أن تكون عواقبها مدمرة أيضاً. هل نحن بصدد وضع النظام تحت ضغط لا يمكن تحمله؟

– ذلك أمرٌ واضح. لقد كشفت حالة الطوارئ الأخيرة عن شيء بدا أننا نسيناه: يتم استثمار القليل جدّاً من المال في البحث العلميّ. يحتاج البحث العلميّ إلى تعزيز ودعم كبيرين. من فضلكم، دعونا لا نستثمر الكثير من المال العام في المعارك الأيديولوجيّة. دعونا نضع الموارد في خدمة البحث العلميّ والتعليم. هو ما يمكن أن يساعدنا في حالات الطوارئ هذه وما يمكن أن يجعلنا أقوياء. لا بدّ من الدعوة للاستثمار في البحث والتعليم.

إن التفكير في الهشاشة التي أصابت وضع الأطباء والعاملين الصحيّين في العقود الماضية، يدمي القلب.

– كان موقف الأطباء والممرضات وجميع العاملين في مجال الصحّة مثيراً للإعجاب ومثالياً تماماً. نأمل أن تعمل جميع الهيئات المهنية بنفس الاجتهاد. الحقيقة هي أنهم كانوا مثيرين بالنسبة لي- وهم كذلك- إذ بفضلهم أنقذ عدد كبير من الأرواح وتعافى أناس، ويشعر آخرون بالارتياح لأنهم يتلقَّون العلاج. لقد كان استثنائياً على وجه التحديد، وقد أسيئت معاملة هذه الهيئة، من وجهة نظر اقتصاديّة بموارد غير ضعيفة. ومن وجهة نظر المواطنين، العدوانية ضد العاملين الصحيّين، ورد فعلهم على المرض، كما لو كان هذا الأخير خطأ الأطباء والممرضات وأولئك الذين يعالجون الناس. يبدو لي أنه يجب تعويض هذا الوضع العدواني وهذه المعاملة السيئة بالكامل، ويجب أن يكون مفهوماً أنهم جسم مهني رائع. أتمنى أن يكون لدى جميع المهنيين هذا الشعور القوي بالمهنة. ودعونا أيضاً لا ننسى المزارعين ومربي الماشية الذين تركوا بيد الله، ومع ذلك وبفضلهم، ما زلنا على قيد الحياة.

جادل عالم الاجتماع الألمانيّ «أولريش بيك Ulrich Beck» قائلاً بأن نظام إنتاج الثروة يقودنا إلى مجتمع المخاطر. ماذا يجب أن نغيِّر؟

– بالنظر إلى مجتمع المخاطر الذي كان أولريش بيك يتحدَّث عنه، أنا جدّ متفقة بخصوص ضرورة توفرنا على نظرة عالميّة. فالخطر لا يوجد في مجتمع واحد فقط، وعندما يتعلَّق الأمر بالتعامل مع المشكلات، لا يمكننا القيام بذلك فقط من وجهة نظر مجتمعنا المستقل أو أمتنا أو بلدنا، ولكن يجب علينا مقاربتها من وجهة نظر عالميّة. نحن كون، كلنا متشابكون ومتحدون. نحن- وهذا في ما يبدو لي تعلّم أساسيّ- مترابطون. نحن نعتمد على بعضنا البعض، وعندما سندرك ذلك في هذه الحالات الطارئة سيكون علينا اتخاذ تلك النظرة العالميّة التي أسميتها تبعاً لكانط، والتي ذهبت إليها قبل قليل، الضيافة العالميّة، وهي الآن أكثر ضرورة من أي وقتٍ مضى. ماذا حدث مع عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم في البحر الأبيض المتوسط؟ إن ما يظهره لنا مجتمع المخاطر بشكلٍ فعّال، هو إمّا أن نتحمَّل مسؤوليّة المخاطر في جميع أنحاء العالم، وإمّا أننا سنتركها دون مساس. إن النزعات الاستقلاليّة والقوميّة التي قطعت العلاقات مع بعضها البعض هي حقّاً حركات بائسة.


حوار: بابلو بلازكيز 

المصدر:

https://ethic.es/2020/03/coronavirus-adela-cortina

مواضيع مرتبطة

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
ترجمة: عثمان عثمانية30 أغسطس 2020
بيروت أو جروح الضوء!
خالد بلقاسم30 أغسطس 2020
فايز صُيّاغ.. رحيل مثقَّف موسوعيّ
فخري صالح29 أغسطس 2020
أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟
محمد برادة15 أغسطس 2020
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
‬أمجد‭ ‬جمال02 أغسطس 2020
مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!
ترجمة: حياة لغليمي15 يوليو 2020
صناعة النشر بعد الوباء
ترجمة: عبدالله بن محمد03 يوليو 2020
اقتصادُ التنمية الذاتيّة
محمد الإدريسي03 يوليو 2020
في رحيل آدَم حَنين.. وَريثُ الصَّلابَة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
كريستو فلاديمير.. فنان فوق العادة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
364 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

تزفيتان تودوروف: نحن غالباً ما ننسى دروس التاريخ
18 مارس 2017

يُلخِّص هذا الحوار الأخير والحصري الذي أُجري مع المُفكِّر الفرنسي تزفيتان تودوروف (1939 – 2017) قُبيل رحيله، مشاكل العالم الحالية والمتراكمة منذ عقود، فإلى آخر أيامه كان صاحب «أعداء الديموقراطيّة الحميمون» غير متفائل ولا متشائم في آنٍ؛ يُصرِّح بصوت مرتفع...

اقرا المزيد