أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟

‬أمجد‭ ‬جمال  |  01 أغسطس 2020

القبعات، الخيول، الأزياء، المنازل الخشبيّة، خطوط السكك الحديدية، الأسلحة النارية، والطبيعة البريّة. كلها سمات فيلمية جذابة لأفلام الغرب الأميركيّ تعلّقت بها قلوب وأعين محبي السينما لفتراتٍ طويلة من عمر هذا الفنّ تتجاوز النصف قرن، وهي المدة التي ظلّت فيها تلك النوعية في ذروتها منذ فجر السينما وحتى نهاية العصر الذهبيّ لهوليوود مع مطلع السبعينيّات، قبل أن تتحوَّل وتتحوَّر وتجفَّ خطوط إنتاجها بالتدريج، وتكاد تكون اختفت الآن.

هناك ادعاء بأنّ أفلام الأبطال الخارقين حلَّت محلّها. أو قد تكون تلاشت، لأنها ببساطة قدَّمت كلّ ما لديها، ولم يظهر مَنْ يعيد اكتشافها ويجدِّدها مثلما حدث مع نوعيات سينمائيّة أخرى! وهناك مَنْ يذهب لأن صعود تيار اليسار الجديد، وتسيُّد ثقافة الصحوة والصوابيّة في هوليوود أدّيا لاستبعادها بشبهة عدم المُلاءمة سياسيّاً؛ لأنها تعرض ماضياً اجتماعيّاً شائكاً خاصّة في نظرتها للسكّان الأصليين للولايات المُتحدة. 

أياً كانت الأسباب، فافتقاد هوليوود لهذه النوعية يعد أحد الأعراض على انتكاسة سينمائيّة قد تمتد لتكون انتكاسة ثقافيّة وقوميّة كذلك. أفلام الغرب أو «رعاة البقر» كما يسمّيها البعض، عمرها من عمر السينما، أسهمت الطبيعة الشكليّة لهذه النوعية في تطوُّر أساليب السرد البصريّة والمُساعدة في مزيد من الاستكشاف لذلك الوسيط الفنيّ.

الغرب هو السينما في صورتها النقيّة

فيلم «سرقة القطار الكبرى» (1903) للمُخرج إدوين بورتر لهو خير دليل على ذلك، يُصنَّف من أوائل أفلام الغرب، ومن أوائل الأفلام التي استوعبت مفردات السينما في الحكي، الفيلم المُكوَّن من 13 دقيقة، وتغلب على أحداثه المُطاردات والكَرّ والفَرّ، قام بتعريف صُنَّاع السينما الأوائل على أسلوب القطع المُتعارض (cross-cutting montage)، والذي يعني باختصار عرض مشهدين مختلفين يحدثان بالتزامن، وذلك عن طريق القطع والوصل من هنا وهناك بشكلٍ مستمر، هذا الأسلوب بقدر ما يبدو بسيطاً الآن، كان بمثابة ثورة في عالَم حكي القصص بصريّاً آنذاك، لأنه وضع خطاً فاصلاً جديداً بين السينما والمسرح والرواية، حين لم تعد الأفلام تُروى بالتتابع المشهديّ الخطيّ (الستاتيكيّ)، بل بمنطق الشعر والأحلام.

في رأي مُنظِّر السينما «أندريه بازان» أفلام الغرب هي النوعية السينمائيّة التي تتطابق أصولها مع أصول فنّ السينما نفسه، مدللاً على ذلك بعنصر الحركة فيها، كيف تتنقل عناصرها الشخصيّة هنا وهناك وسط الطبيعة الفسيحة، والخيول الرامحة، وقطعان الماشية المُترحلة، ومطاردات الهنود الحمر، والمعارك والمُبارزات التي لا تنتهي داخل عالَم لا تظهر حدوده. هذا من الناحية الفنيّة والشكليّة.

لكن بطبيعة الحال استفادت أفلام الغرب كذلك من الناحية الموضوعيّة، فهي تؤسس لهويّة وتراث الشعب الأميركيّ بتصوير سنوات المُراهقة التاريخيّة لهذه الأمة، حيث تدور أحداث تلك الأفلام إمّا في القرن الـ 19، وإما في زمان مُجهل يتماشى مع نفس الحقبة الزمنيّة، عصر ما قبل وبعد وأثناء الحرب الأهليّة، حين كانت معظم الأراضي الأميركيّة البعيدة عن سواحل الأطلنطي غير خاضعة لمركزيّة سياسيّة مستقرّة ونافذة، وهي بيئة خصبة للخيال، شُيِّدت عليها صراعات وتيمات تلك الأفلام.

بين الأسطورة والتاريخ

أحياناً يُستدعى الجدل حول تصنيف المادة المعروضة في تلك الأفلام، أهي تاريخ أم أسطورة؟

الكفَّة تميل لصالح «الأسطورة» التي تعكس «حقيقةً» ما، فمعظم حكايات وسمات هذه الأفلام تمَّ اقتباسها من القصص الخياليّة المُصوَّرة التي طبعت في نهايات القرن الـ 19، والتي كانت معادلاً لقصص الكوميكس في زمننا، بفارق أنَّ أبطالها الخارقين كانوا أكثر تعقيداً وإنسانيّة في تركيبتهم. ويرى بازان أن العلاقة بين الحقيقة التاريخيّة وأفلام الغرب ليست علاقة مباشرة أو لحظيّة، لكن علاقة دياليكتيّة. ويمكن تبسيط هذا المعنى بالرجوع لجملة على لسان شخصيّة الصحافي بتحفة أفلام الغرب «الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس» (1962) للمُخرج جون فورد، حين فضَّل هذا الصحافي أن يتجاهل الحقيقة التي اكتشفها عن أسطورة تاريخيّة صنعت سمعة زائفة لبطل القصّة، قائلاً، «نحن في الغرب، عندما تتصادم الحقيقة مع الأسطورة نقوم بطباعة الأسطورة».

أفلام الغرب ليست حالة خاصّة من الأساطير الشعبيّة، في كلّ الحضارات الإنسانيّة وجدت نماذج قصصيّة من هذا النوع، بالطريقة التي لخصها الكاتب الألمانيّ «هانز بورينجر» في عبارة مثيرة تذهب كالتالي: «الإغريق لديهم الإلياذة، واليهود لديهم العهد القديم، والرومان لديهم الإنيادة، والإنجليز لديهم أساطير فرسان أرثر، والإسبان لديهم السيد (…)، والأميركيّون لديهم جون فورد»، وخصَّ المُخرج جون فورد تحديداً، لأنه صاحب النصيب الأكبر والأهم في صناعة أفلام الغرب، مع تمرير فكرة يصعب نفيها بأنّ أفلام رعاة البقر هي المُنجز الثقافيّ الأميركيّ الأكثر محليّة وأصالة. نسى الكاتب الإشارة لأسطورة الساموراي اليابانيّة، وأسطورة «الفتوة» المصريّة التي كتب عنها نجيب محفوظ، وكلهم يدخلون في نفس المعادلة بالتقريب.

لكن عدسات السينما فضَّلت الأسطورة الأميركيّة على غيرها لعِدّة أسباب، أولها التفوُّق الاقتصاديّ والعسكريّ للولايات المُتحدة في السنوات التي تزامنت مع نشأة السينما، فقد كانت عاصمة لهذه الصناعة، ونموذجاً للعَالَم الجديد بشكله وأفكاره الجديدة، وبالتالي لها الحق المُكتسب في تصدير ثقافتها، وقد أجادت في ذلك. ثانياً، أن الأسطورة الأميركيّة هي الأقرب تاريخيّاً لثمار الحداثة، لأنها تتلو أو تتزامن مع نظريّات السوق الحرّ والعقد الاجتماعيّ والثورة الصناعيّة، فهي تجمع بين التراث والمُعاصَرة، سواء في المرجعيّة القيميّة، أو في السمات الشكليّة، وهو ما أعطاها الجاذبيّة والأهميّة.

أميركا تعرض وتشاهد نفسها

الأهمّيّة الأكبر لأفلام الغرب تكمن في أنها نافذة يمكن من خلالها التعليق على الحالة الإنسانيّة في أي وقت، وتحديداً الولايات المُتحدة. وتزداد الأهمّيّة في تلك الأيام تحديداً مع تأزم الوضع السياسيّ هناك عقب مقتل المواطن «جورج فلويد» بدمٍ بارد على يد شرطيّ، وما تبعه من ردود أفعالٍ يساريّة تدعو إلى إلغاء تمويل الشرطة، وتكذيب التحقيقات، ورفض القضاء، وتشريع الغضب الذي يؤدِّي إلى عمليّات النهب والسرقة العشوائيّة، في مقابل دعوات يمينيّة برفع الطوارئ وباستخدام القوة الباطشة لفرض النظام، وتنشيط المادة الأولى من الدستور الخاصّة بحمل السلاح لحماية النفس والمُمتلكات، والاستعانة بالقوى الفيدراليّة لوأد التمرُّد في مدن وولايات بعينها.

هناك مَنْ يشعر بأن الولايات المُتحدة تمرُّ بتحوُّل تاريخيّ بسبب الحادثة، والحقيقة أنه لم يطرأ سوى أن صعدت للسطح الهواجس الدفينة المُترسِّخة داخل النفوس منذ قيام هذه الأمة. وتلك الهواجس والصراعات كانت جوهر أفلام الغرب، فقد اعتادت أن تطرح الأسئلة الصعبة وتجيب بالحقائق الأصعب. لا أخصُّ الفئة العميقة من أفلام هذه النوعية، ولكن حتى أبسطها وأخفّها، فالتعليق الذي تقدِّمه تلك الأفلام ينبع تلقائيّاً من سماتها الدراميّة التأسيسيّة، كالحياة في قرى بعيدة عن المركزيّة السياسيّة، الخيط الرفيع بين النظام والفوضى، الغاية التي تبرِّر الوسيلة، الشجاعة حين تكون معياراً وحيداً للنبل، نزاع مَنْ يملك الأحقيّة بتطبيق القانون، من أين تأتي شرعيّة السلطات؟ وهل العنف أخلاقيّ لو كان أداة لوقف عنفٍ آخر؟ وهل الكراهية مبرَّرة لو كانت الطريق الوحيد لانتصارٍ قومي؟

بالطبع أفلام الغرب إشكاليّة، فهي بطبيعتها تنكأ الجراح الأميركيّة القديمة، تكفي سمة التسليح الذاتيّ لمعظم أبطال تلك الأفلام، والتي تقول شيئاً ضمنيّاً، الأيادي حين تمتد اختلاساً ناحية الأحزمة الأنيقة التي تحمل المُسدسات، يا له من مشهدٍ كلاسيكيّ! غالباً ما تتبعه أيادٍ مضادة تتحرَّك ناحية حزام مسلح آخر بغرض الردع أو المُبارزة، لكن القتل في تلك المُبارزات يكون أسرع وأكثر مباغتة مقارنةً بمُبارزات السيوف والعصا بأساطير الشعوب الأخرى. وهو سببٌ آخر لجاذبية وتفوُّق أسطورة راعي البقر سينمائيّاً، وقرينة بأنّ الحاجة لحمل السلاح ليست زخرفة إثاريّة بتلك الأفلام، بل مكوِّناً رئيسيّاً في الشخصيّة الأميركيّة، وقد يكون سبباً في قيام هذه الدولة بعد سنوات الاقتتال والانقسام الأولى، لولاه لبقت تلك الدولة العُظمى مجرَّد مجموعات انتفاعيّة متصارعة فيما بينها. ولكن بتطوُّر الزمن، بات حمل السلاح محل تساؤل الآن، وهي نقطة نزاع مشتعلة بين الليبراليّين والمُحافظين.

مع الأحداث الأميركيّة الأخيرة، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل لمُسلحين يستعدون لاقتحام مطعم للمأكولات الإيطاليّة، ولكن فوجئوا بأصحاب المطعم يخرجون للدفاع عن مطعمهم مشهرين المدافع، وكان ردُّ الفعل أن تراجعَ المُقتحمون، وابتعدوا عن المطعم فوراً. هذا المشهد يحدث في عام 2020 إلّا أنه مشهدٌ كلاسيكيٌّ من سينما الغرب!

جاك كرول: «الغرب كان ساحة للحلم الأميركيّ، منظر طبيعيّ على رغباتنا الوطنيّة، وميدان للمُواجهة بين الحرّيّة الفرديّة المنشودة وبين الحاجة لنظامٍ اجتماعيّ»

النهر الأحمر 

الطبيعة الترفيهيّة الخالصة لأفلام الغرب أخفت درجة المضمون الاجتماعيّ والسياسيّ في كثيرٍ من الأفلام. «النهر الأحمر» 1948 للمخرج هوارد هوكس، يراه البعض مجرَّد فيلم مغامرات مثير، امتدحه النقَّاد وقت صدوره، لأنه خلافاً لأفلام جون فورد (منافس هوكس الأبرز حينها) بدا محايداً أيديولوجيّاً، لا إشارات على كونه يدس السمَّ السياسيّ في العسل، أو يتضمَّن رؤية اجتماعيّة ما، فقط منشغل بعرض القصة الشيقة عن الفارس توم دونسون (جون واين)، الذي يعتزل القتال بعد انتهاء الحرب الأهليّة ويستولي على أرض يحوِّلها لمزرعةٍ حيوانيّة، يُربِّي فيها أسطولاً من الماشية على مرِّ سنوات، ثم يقرِّر قيادة هذا الأسطول أقصى الغرب لبيع اللحوم وكسب الثروة، في الطريق يواجه التهديدات التلقائيّة في أفلام الغرب، كالصراع مع الطبيعة، وقبائل الهنود، ثم تظهر تهديدات أخرى من رفاق رحلته تتمثل في صراع على القيادة.

أشهر ناقدات السينما الأميركيّة «بولين كايل» امتدحت الفيلم، ونعتته بـ «أوبيرا الخيول المُدهشة». الناقد «كيل كريتشون» كتب: «لا أحد يستطيع إلقاء البروباجاندا في فيلم مليء بالماشية والخيول واستعراضات الأسلحة والنساء الجريئات والرجال الشجعان». أندريه بازان اعتبر الفيلم نموذجاً لأفلام الغرب الفريدة المُخلصة لتيمات الغرب التقليديّة دون تشتيت بفرضيّات اجتماعيّة.

هذه النظرة التبسيطيّة للفيلم سقطت بعد ثلاثين عاماً من صدوره بفضل دراسة لاحقة نشرها المُؤرِّخ «روبرت سكلر» أستاذ السينما في جامعة ميتشيجان، وهو يرى الفيلم استعراضاً لفكرة التوسعيّة وتأسيس الإمبراطوريّات، التي يكون نتاجها إعادة تشكيل العلاقات بين النساء والرجال، وبين الرجال بعضهم البعض، وهي مسائل أساسيّة بالنسبة للنظام الاقتصاديّ. يقول: «النهر الأحمر فيلم عن الماشية والخيول واستعراضات الأسلحة والنساء الجريئات والرجال الشجعان.. والرأسماليّة!».

ويطبِّق سكلر صراعات الفيلم على التاريخ التأسيسيّ للولايات المُتحدة، باعتبارها الحضارة الرأسماليّة الرائدة، بمجرَّد أن انتهى القتال بدأت التجارة، وتحوَّلت العلاقة بين أطراف الإمبراطوريّة الأميركيّة لعلاقة اقتصاديّة براغماتيّة.

قبل بداية المُغامرة السينمائيّة يجتمع دونسون مع رجال القرية ويعرض عليهم فكرة قيادة الماشية في رحلةٍ طويلة وعرة من أجل بيعها والفوز بثروةٍ كبرى، سيكون لكلّ منهم فيها نصيبٌ، بشرط أن يوقّع كلّ رجل منهم على عقد اتفاق بأنه إذا أقدم على الذهاب فهو يسلم أمره وقراره إلى دونسون، وأنّ عليه المُضي قدماً مهما كانت المخاطر، ولا يحقّ له العودة في منتصف الرحلة، ومَنْ لا ينفذ الأوامر تكون حياته هي الثمن.

في دراسته أشار سكلر إلى أن فكرة العقد في جوهرها إشارة للانتقال من عصور التجارة البدائيّة المحكومة بالعهود الكلاميّة، إلى عصر آخر من الاشتراطات المحكومة بقوة القانون، وهي من قيود السوق الحرّ، وقد نصَّب دونسون نفسه رأس السلطة والقانون؛ فقط لكونه يملك القوة والكاريزما والحصة الأكبر من الثروة.

لكن العقد بما يمثله من نقلة طابعها الحداثة، قد يتحوَّل بسهولة لصورةٍ سوداء من الاستبداد، وهو الأمر الذي يتحقَّق أثناء الرحلة فعلاً، دونسون يسيء استغلال سلطته وينكل برفاقه حتى يثوروا في وجهه بزعامة «مات جارث» (مونتغومري كليفت) ابنه الروحي الذي انتزع من أبيه حق القيادة (أسقط الوصاية الأبويّة) وتركه مُقيَّداً في منتصف الرحلة، بعد أن حظي بحب وتعاطف بقية الرجال. ومن ثمَّ تحوَّلت الرأسماليّة الديكتاتوريّة إلى رأسماليّة الأخوة والمُساواة والإنسانيّة. هنا يطرح الفيلم واحداً من أسئلة أفلام الغرب الكلاسيكيّة حول السلطة بشكلٍ مُبتكَر، ويترك رسالة ضمنيّة بأنّ الرخاء الاقتصاديّ مرتبط شرطيّاً بمنظومة العدالة. وأن العدالة نفسها قيمة أكثر مرونةً من أن تُحدَّد بوثيقة منزوعة الروح.

جاي هوبيرمان: «أفلام رعاة البقر كانت الوسيلة التي تشرح أميركا بها نفسها لنفسها. مَنْ يضع القوانين؟ ماذا يعني النظام؟ ما الذي يؤدِّي برجلٍ لاقتراف ما عليه فعله؟ وكيف يفعله؟» 

الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس 

«الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس» (1962) للمُخرج جون فورد، اكتسب مكانةً مميّزة وسط أفلام الغرب بسبب الأداء التمثيليّ لنجميه «جيمس ستيوارت» الذي يجسِّد دور رانسي ستودارد رجل القانون، الحالم، المثالي، الرافض لاستخدام العنف مع المُجرمين وقُطَّاع الطرق. و«جون واين» الذي يجسِّد دور توم دونفون، وهو على النقيض، راعي ماشية ذو بأسٍ وشجاعة، ماهر في استخدام السلاح، ومتحمِّس لإرساء القانون والنظام داخل قرية «شينبون» بما يفوق حماسة «الشِريف» نفسه (شِريف sheriff: وظيفة شائعة في أفلام الغرب، وتعني مأمور الشرطة المُكلَّف من الولاية لحفظ الأمن في كلّ قرية).

أمّا الشِريف في هذا الفيلم فهو رجل خانع وجبان، يؤثر سلامته الشخصيّة على المُواجهة وفرض النظام. هذا الفراغ الأمنيّ الذي يتركه الشِريف يحاول سده من ناحية رانسي: صوت الدبلوماسيّة والأخلاقويّة السلبيّة. ودونفون: صوت القوة والشجاعة الفرديّة. وبيبودي: صحافي القرية الذي يحاول التغيير بالكلمة. وللثلاثة هدفٌ مشتركٌ هو وضع حدٍ لليبرتي فالانس، المُجرم وقاطع الطرق الذي يهدِّد وعصابته أمن ومصالح أهل القرية بصفةٍ مستمرة.

الفيلم يطرح أسئلة أفلام الغرب بطريقته، ويجيب بطريقة جون فورد المُعتادة: القوة والميثولوجيا هما كلمتا السرِّ والوسيلة لقيام واستقرار أي مجتمع، ومن ثمَّ الدولة. أمّا القوة فتتمثَّل في التراكمات التي تغيِّر من شخصيّة رانسي وتدفعه للتخلّي عن مبادئه بخصوص حمل السلاح والردّ على العنف بالعنف في مواجهة أخيرة بينه وبين ليبرتي فالانس تنتهي بمقتل الأخير. لكن لأنه جون فورد فهو لا ينهي الأمور بتلك البساطة، ويعود ليسأل: أليس خيار استخدام القوة ذاته يستلزم امتلاك القوة أولاً؟ هذا ما ينقص رانسي، فلا يعقل أن يكون نجح في القضاء على ليبرتي فالانس بسلاح القوة الذي لا يملكه، لذا تأخذنا التواءة الحبكة إلى الإجابة بالميثولوجيا، لنعرف أن قاتل ليبرتي فالانس الفعليّ هو دونفون، وترك الجميع يتوهمون بأسطورة، أن رانسي الضعيف هو الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس وأنقذ القرية من شره.

تُدفن الحقيقة في سبيل الإيمان بالكذبة، لأن الكذبة في هذه الحالة ستعود بمنفعةٍ أكبر على القرية، حين يُصوَّر للعامة أن رانسي هو مَنْ فعلها، وبالتالي تزيد شعبيّته ويتمكّن من الترشح للكونغرس، ويمتلك سلطة برلمانيّة تمكنه من فرض أفكاره النبيلة بالطريقة التي أرادها من البداية. وهنا يمهدنا جون فورد لنقبل بأنّ اللبنات الأولى في بناء القانون والديموقراطيّة قد تستلزم الخروج على القانون والديموقراطيّة أولاً.

حادثة قوس الثور 

«حادثة قوس الثور» 1942 للمُخرج «ويليام ويلمان» فيلم غرب تدور أحداثه في قرية صغيرة بولاية نيفادا عام 1885، تستيقظ هذه القرية على خبر مقتل راعي الماشية المحبوب «لاري كينكيد» أثناء رحلة قام بها خارج القرية لتسويق بضاعته، وتتردَّد الشائعات بأن قاتليه سرقوا ماشيته وما زالوا مختبئين أعلى الجبل على حدود القرية. شخصيّات الفيلم يتشابهون مع تركيبات أفلام الغرب الشهيرة لجون فورد، بحيث يمثل كلّ فرد فئة، هناك القاضي، ورجل الدين، والجنرال المُحارب، والإقطاعي، وأصحاب الحِرف، وحتى الصعاليك. المشكلة الوحيدة أن مأمور الشرطة (الشِريف) في مُهمَّة خارج القرية، ولا يوجد مَنْ ينفِّذ القانون بديلاً عنه سوى مُساعِد مشكوك في كفاءته.

الأغلبية تتفق على الخروج في حملة للقبض على المُشتبَه بهم والاقتصاص منهم دون انتظار الشِريف وإجراءات العدالة البطيئة التي تمكِّن المُجرمين من الإفلات بشرورهم. القاضي يعترض ويحثهم إما بأن ينتظروا عودة الشِريف من أجل التصرُّف، وإما القدوم بالمُتهمين إلى محكمة القرية ليواجهوا محاكمة عادلة. صوت الكثرة يغلب صوت العقل، وبالفعل يخرج رجال القرية، ثم يعثرون على ثلاثة من الرجال المُشتبَه بهم، يدَّعون أنهم اشتروا الماشية من لاري دون أن يعطيهم قسيمة شراء، وينكرون قيامهم بقتله، ولا يمرُّ الكثير حتى يُعلَّقوا على المشانق بقرار رجال القرية فيما عدا بطل الفيلم «جيل كارتر» (هنري فوندا) الذي ساورته الشكوك، وحاول منع رفاقه من تنفيذ حكم الإعدام، لكن دون جدوى. وبعد عودة الشِريف للقرية يتضح أن لاري ما زال على قيد الحياة، وأن ثلاثة أبرياء قتلوا بلا ذنب.

يطرح الفيلم قضية «المقاصل الشعبويّة»، وربّما يعتبرها البعض من القضايا التي تجاوزتها الإنسانيّة في عصر وثائق ضمان الحقوق وقاعدة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته». لكن هذا غير حقيقيّ، فكرة المقاصل الشعبويّة حاضرة في زمننا، ربّما بصورٍ أخفّ وأقلّ دمويّة من الماضي، لكنها موجودة خاصّة عبر الساحات الافتراضيّة، متمثلة في ثقافة الإلغاء والتنمُّر والاغتيالات المعنويّة المُنظمة التي تستهدف الشخصيّات العامة في الداخل والخارج. عصرنا أيضاً بات في أمسِّ الحاجة لأسئلةٍ عن سير العدالة المُنضبطة. والواضح من النماذج الثلاثة لأفلام الغرب في هذا المقال أن الإجابات والمواقف تكون مختلفة باختلاف الفيلم وهوية صانعه.. أفلام الغرب شائكة بالفعل، ليس لإجاباتها عن الأسئلة، بل لأنها تطرح الأسئلة.

مواضيع مرتبطة

الفنّ والحرب
طلال معلّا21 يوليو 2020
ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون
إبراهيم الحَيْسن21 يوليو 2020
بذْلة الغوّاص
آدم فتحي15 يوليو 2020
المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع
صبري حافظ19 يونيو 2020
حوار نجيب محفوظ وَكلود سيمونْ.. الفُرصة الضائعة
محمد برادة19 يونيو 2020
دوائر العُزلة
فخري صالح19 يونيو 2020
الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟
آدم فتحي08 يونيو 2020
تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة
صبري حافظ13 مايو 2020
في مُواجهة الأكثر فُتوّة
محمد برادة13 مايو 2020
الهلع وتوقُّع الكارثة
فيصل درّاج13 مايو 2020
62 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
02 أغسطس 2020

بمجرَّد المرور على اسم «إنيو موريكوني» Ennio Morricone تحضر في المسامع التيمة الموسيقيّة من فيلم «الطيب والشرس والقبيح» (1966)، وتحديداً ذلك الصوت المُميَّز لذئبٍ يعوي مع الصرخات والهمهمات البشريّة وأصوات الكورال الصاخبة التي تنظمها إيقاعات لطبول تحاكي صوت الخيول...

اقرا المزيد
صناعة السينما العالميّة في الحجر الصِّحيّ
08 أبريل 2020

‮«‬السينما‭ ‬مُغلقة‭ ‬حتى‭ ‬يتوقَّف‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يبدو‭ ‬كالأفلام‭.‬‮ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬سلامتكم‭ ‬وكونوا‭ ‬بخير‮»‬‭.‬‮ ‬بهذه‭ ‬اللافتة‭ ‬استقبلت‭ ‬إحدى‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬فلوريدا‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭...

اقرا المزيد