إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة

فخري صالح  |  02 أغسطس 2020

عكف الكاتب الأردني الراحل إلياس فركوح (1948 – 2020)، على مدار مجموعاته القصصية السبع، على تطوير تجربته والغوص داخل شخصياته القصصية، محاولاً التعرف على الواقع الاجتماعي – السياسي الذي تتحرك ضمنه هذه الشخصيات. وقد اتسم عمله منذ بداياته الأولى بجَدْل الأرضية السياسية – الاجتماعية في قصصه مع تأمُّلات الراوي ومونولوجات الشخصيات التي تشكّل جزءاً من المشهد الاجتماعي، لكنها تحاول تأويله عبر تقليبه على اشتعالات نارها الداخلية. 

ونحن نعثر على هذه الطريقة في تقديم العالم في مجموعته «الصفعة» (1978) التي تضم بواكير قصصه، كما تؤشّر على ولادة قاص يحتفل بتحليل العالم الداخلي للشخصيات دون أن ينسى رصد التفاصيل الدقيقة لما يدور في العالم المحيط بها. ويمكننا تمثّل الملامح الأولى لعالم الكاتب بدءاً من هذه، فهي تكشف عن خياراته الأسلوبية وتقنياته المفضلة وطبائع الشخصيات التي تحتشد بها قصصه. ومن ضمن المفاصل الأساسية التي تعتني بها قصص هذه المجموعة: تفضيلُ الكلام عن الشخصيات الهامشية من مثقَّفين وعمَّال وطلبة، والانحياز لأسلوب المونولوج الذي يطعمه الكاتب بحوارات قصيرة تكشف عن العناصر الأساسية للمشهد القصصي، وكذلك اللجوء إلى استعمال ضمير المخاطب في الحديث مع شخصية غائبة تمثل بالنسبة للشخصية المحورية في القصّة نقطة ارتكاز أخلاقية ووجودية في الغالب. 

نصادف هذا الأسلوب في الكتابة والموقف السياسي الاجتماعي نفسه في مجموعة القاص التالية، ففي «طيور عمان تحلق منخفضة» (1981)، التي يمكن القول إنها مجموعة القاص التي تستحق أن نطلق عليها صفة الأولى على صعيد النضج الفنّي، يسعى القاص إلى تصوير أحلام شخصياته البسيطة وآمالها. وهو من ثَمَّ يجسّد للقارئ أهالي البلدة الذين يراقبون بحزن وأسى جنازة الشهيد ودفنه في قصّة «العباءات التي أضاءت الصمت»، حيث يتناقل أهالي البلدة الخبر الذي روته المرأة التي تندفع بين النساء مطالبة بدفن الشهيد المصلوب في الشمس.

«اندفعت المرأة إلى حلقة النساء عند حائط. كن يشرن إلى الشرق ويستعذن بالله. نسيت رجلها واستفسرت، فقالت إحداهن: 

ــ الجنازة مصلوبة في الشمس منذ الصباح، هذا لا يجوز.

استغربت المرأة:

ــ ولماذا لا تتحرّك؟ كرامة الميت في دفنه.

تنطحت أخرى:

ــ يقولون إنهم منعوها».

إن إلياس فركوح يشرك القارئ في صياغة الحدث ويقوده إلى دواخل الشخصيات التي تصنع الحدث وتنتقل من حالة اللامبالاة إلى الفعل. وهذا ما يجعل القاص يركز على حركة الوجدان الداخلي للشخصيات دافعاً الحدث القصصي إلى خلفية المشهد، حيث تتبادل الشخصيات الحديث عن قلقها وإحساسها بالخطر الذي يُزنّر الأفق الذي طلعت منه جنازة الشهيد التي منعت الشرطة دفنها.

في «إحدى وعشرون طلقة للنبي» (1982) سيكون هناك تواصلٌ في شكل الكتابة القصصية، عبر الاهتمام بشخصيات تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا والتركيز على الهامشيين والمهمشين من البشر. وسوف نلحظ في الوقت نفسه تحوّلاً في الكتابة، حيث يلجأ القاص إلى تطعيم نصوصه بلغة الشعر وأفقه الدلالي. لكن الاهتمام بشعرنة اللغة القصصية لا يقلص استخدام فركوح للتفاصيل وقيامه برسم انعكاس المشهد الخارجي على العالم الداخلي للشخصيات، وكذلك تفضيله الدائم لأسلوب التداعي والحوار الداخلي الذي ينقل للقارئ ما تفكر به الشخصيات.

في قصّة «آفو» على سبيل المثال يعمل فركوح على تطعيم السرد بالشعر.

«كان رطباً ساكناً كشاهد قبر في وجه شتاء. كنت ستعرفه حقاً. تفاحة كبيرة على الباب وقد انكشط النصف الآخر من صورتها فظهر الدهان الأخضر القديم. كنت ستشعر برهبة. هل تطرق الباب أم ترجع؟ ربّما يغضب «أواديس» للتطفل فيطبق على رقبتك بعظام يديه يحاورك بلغتهما شجاراً تكون باعثاً لإشارة التوجس في جهازه العصبي. «إن القاص معني بوصف عالم النحات الغريب المغرم بالتفاح، ممّا يذكر بقصيدة للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس تصف صانعاً للفخار يتزوّج نساءه الفخاريات ويقوم بقضمهن، كما يفعل أواديس في قصّة إلياس فركوح».

إذا انتقلنا إلى المجموعة التالية «من يحرث البحر» (1986)، سنعثر على تطوّر لافت. ويمكن أن نعد قصّة «من يحرث البحر» مفتاحاً دلالياً للقصص الأربع عشرة التي تضمها المجموعة، فهي تكشف، عبر العنوان والحوارات الداخلية التي تجري على لسان الشخصية الوحيدة في القصّة، البنية القصصية في «من يحرث البحر»، وقد أغامر بالقول إنها تكشف طبيعة قصص فركوح جميعها، بدءاً من قصص هذه المجموعة على الأَقلّ.

تقوم قصّة «من يحرث البحر» على تقنية سردية شائعة تعتمد ضمير الشخص الثالث (المؤلف) الذي يروي أحداثاً وحوارات داخلية تهجس بها الشخصية الرئيسية في القصّة. ويوفِّر السرد التقليدي للقاص إمكانية رسم ملامح شخصيته بدقة أكبر بحيث يستطيع رسم هيئتها الخارجية ثم ينثني لينقل للقارئ هواجس الشخصية وهذياناتها وعذاباتها.

إن طبيعة السرد هنا تقليدية فالقاص يستخدم أسلوب السرد في أواخر القرن التاسع عشر ممكناً المؤلّف من اللعب بشخصياته كما يشاء، موجّهاً لها بالطريقة التي يعتقد أنها ستحدث الأثر المطلوب في السرد. لكن إلقاص يذوّب هذه السمة التقليدية بتذويبه الفاصل بين الفعل الماضي والفعل المضارع، مكسباً عمله روحاً حداثية تختزل السرد التقليدي وتحوله إلى مجرَّد وسيلة تعبيرية تنمحي وسط الترددات التي يخلقها السرد بين الماضي والحاضر، بين الوصف الخارجي لهيئة الشخصية وسرد مونولوجاتها، بين هيجان الطبيعة (البحر) وهيجان النفس.. وهكذا إلى الحد الذي تنمحي فيه الحدود الفاصلة بين هذه الصيغ اللغوية والتعبيرية.

«ليس من خيط يفصل العتمة عن الانقشاع. يتقدَّم الفجر خفياً، خفيفاً، خالياً من أي صوت؛ مثلما الأشياء الرابضة في مطارحها. إنارات واهنة في شرفات البنايات الكامدة. تقترب من الممرات المرصوفة بالحجر الخشن. حافية. تمشي على رؤوس أصابعها. على الأحجار المحبحبة، الخشنة. بقايا صباغ أحمر على الأظافر العارية.

وكالفجر؛ خفيفة، تتخفى بلا تقصد بين نباتات الأرض المشرفة على الشاطئ. صوت البحر الصباحي كالهمس. تلامس ذرات الرمل الذي أتت به الريح. تحسه في باطن قدميها العاريتين. ما من كائن صحا، اللحظة، ليشهد هبوطها نحو الشاطئ».

ثمّة محاولة دائبة في قصص فركوح لتذويب فعل الانفصال عن الأشياء وتحويله إلى نقيضه: أي إلى فعل اتصال والتحام بالموجودات والعالم عبر تذويب كلّ ما يمكن أن يكون فاصلاً سواء أكان فاصلاً زمانياً أم مكانياً، فاصلاً يأتي من الخارج أم من الداخل. وتمثّل قصّة «من يحرث البحر»، سواءٌ في عنوانها الذي يتخذ صيغة التساؤل أو في إلحاحها (في الوصف وحوارات الشخصية الداخلية) على تقليب إمكانية الفعل وعدمه، الهاجسَ الملازم لقصص فركوح أصدق تمثيل.

يقوم إلياس فركوح في بقية قصص المجموعة بتجلية هاجس التواصل، مقلّباً هذا الهاجس على وجوهه. إنه يعمل على توسيع دائرة عمله ببنائه نماذج بشرية وأوضاعاً وحالات نفسية تكشف عن الفكرة الرئيسية القائمة خلف عمله كلّه. ولذلك يمكن القول إن قصصه هذه ليست إلّا توزيعاً لفعل تذويب الانفصال على تجارب وأوضاع تشترك في فقدان فعل التواصل مع الأشياء والعالم.

في قصّة «علاقة» تتجلَّى الفكرة الكامنة في هذه القصص. ولعلّ النموذج الذي يختاره القاص بدقة هو ما يجلو هذه الفكرة حيث يبوح سرد أفعال المرأة العجوز المتوحّدة بما لم تبح به قصّة «من يحرث البحر». في «علاقة» نحن أمام وصف دقيق للوحدة والعزلة. امرأة عجوز متوحّدة في بيتها مملكة عزلتها، ولكنها تبحث عمن يؤنسها في هذا العالم المنعزل الرتيب. إن وصف الرتابة قائم في بؤرة السرد يتكرَّر ويتردَّد في المسافة الفاصلة بين الفعل الماضي والفعل المضارع اللذين يتناوبان الحضور. وفي هذه المسافة الفاصلة يسكن فعل التوحّد والعزلة الذي يتردَّد بين ذكرى الماضي ورتابة الحاضر.

«لم تكن مستحثة تجاه الأشياء. تنتقل من مكان إلى آخر بقدميها الواهنتين، وفي صدرها يتنفس التمهل معطياً للوقت ارتخاءه والكسل. تمرّ على أشيائها بثقة التي تعرف أشياءها ولا تطيل النظر. هي موجودة كالأمس وكالغد وكالصوت الرتيب في الخارج. لا أحد ينكرها، ولا قوة قادرة على نفيها. ما كانت تحتاج لمن يؤكِّد لها ذلك. شامخة كالحقيقة تتلبس كيانها، وإلى الزاوية المزججة تزحف.

تضع قهوتها المغلية على الطاولة القصب.. فترتاح ذراعاها. تتأنّى بإنزال جسمها في الكرسي الهزاز.. فيسترخي الورم في قدميها الواهنتين.

يصير الصوت الرتيب في الخارج مطراً يهمي فوق تربة كالإسفنج المشبع».

لا شيء يمكن أن يُذوّب هذه العزلة سوى أحلام اليقظة التي تتبدّد بفعل ذاتها. إن المرأة العجوز تحلم بمن يؤنس وحشتها، ولكنها تحلم أيضاً بمصرعه تحت عجلات سيارة. ورغم أن كلّ شيء يحدث داخل المرأة العجوز فإن مصرع القط يتسبّب بصدمة هائلة لها.

«وتنهار مثل حمل ثقيل، بينما يهتز كرسيها بصوت كالتمزق هذه المرّة. كان دمه ينسفح في عينيها مع دمعتين رطبتين».

عليَّ أن أسأل الآن، بعد أن قرأت نموذجين من نماذج العزلة في هذه المجموعة، عن أشكال هذه العزلة وصورها وتمثيلاتها، لغايتين: الأولى تتعلَّق بالتعرف على تمثيلات العزلة في قصص تركز على هاجس العزلة والشعور بالوحشة كثيراً، وتتوق إلى تبديد الفواصل بين الإنسان وغيره من كائنات بشرية وغير بشرية. والثانية تتعلَّق بالوهم الذي قد تخلقه قصص فركوح أحياناً، إذ قد يظن القارئ أن وصف معركة، مثلاً، أو وصف تواصل اجتماعي، يُعَدُّ ابتعاداً عن البؤرة المركزية لعمل القاص. لكن هذا الظن سرعان ما يتبدد عندما نحلل البناء السردي للقصص ونرصد الكلمات والعبارات التي يجاهد القاص لإخفاء قصدها الدلالي في تبديد هاجس النفي والعزلة، وعندما نضع أيدينا على ما يختفي وراء هذا البناء القصصي من هواجس وأحلام ومكابدات.

تمثل قصّة «الرجل والمرأة»، التي تتركَّز حول مشكلات عامل مصري وتصف شعوره بالغربة عن وطنه وزوجته كما تصف موته وأثر ذلك على زوجته. وهو يركّز في هذه القصّة على وصف عزلة العامل المصري بالدرجة نفسها التي وصف بها عزلة المرأة العجوز. وليس هذا أمراً مستغرباً إذا سلمنا بالقول إن فعل التوحّد والاغتراب هو الشيء الجوهري في قصص الكاتب. ومهما اختلفت آلية وصف الحدث فإن استراتيجية النصّ تظل هي نفسها: وهي القبض على العزلة متلبسة.

ويمكن تعيين تمثيلين أساسيين من تمثيلات العزلة نصادفهما في قصص فركوح:

الأول: يصف العزلة بصورة مباشرة، إذ تدور القصّة حول موضوع الاغتراب والعزلة والتوحّد، ولذلك تكتسح العزلة ومشتقاتها ومرادفاتها صفحات النصّ. وفي هذا النوع من التمثيل تُرسم العزلة بوصفها بيت الروح المهزومة. المرأة في «علاقة» كائن هزمته الحياة بالشيخوخة، ولكن طبيعة الحياة المعاصرة أفقدتها كلّ ما تملك من تواصل مع الآخرين فغدت وحيدة بسبب هجران أبنائها لها وابتعادهم عنها. لقد أصبحت المرأة العجوز مسجونة داخل عالمها الباهت المقام على ذكريات ميتة، ولم تعد لدى العجوز أيّة قدرة على إقامة أيّة علاقات تواصل مع الآخرين حتى عبر أحلام اليقظة. أمّا في «من يحرث البحر» فإن الروح المهزومة تتمرَّد على ما يبدو قدراً وتلجأ إلى اعتناق الحياة والقوة والصدام عبر التواصل مع رمز القوة والحياة (البحر). لهذا السبب يمكن أن نستدرك ونقول إن العزلة في قصص فركوح ليست قدراً أو وضعاً مستحكماً لأن هدف الشخصيات هو مقاومة هذه العزلة وفك حصارها. وفي بعض قصص «من يحرث البحر» تقوم الشخصيات بفض عالم العزلة وتمزيقه أو أنها تشرع في عمل ذلك على الأقلّ؟

التمثيل الثاني: ذو طبيعة غير مباشرة حيث تصف القصص تجربة حياتية تبدو في ظاهرها غير ذات علاقة مع بؤرة عمل القاص. وتدور هذه النوعية من القصص حول الموضوع من بعيد وتومئ إليه دون أن تقترب منه. ولكن ما تبطنه الإشارات الخفية وبعض الكلمات المشتقة من فعل العزلة ومرادفاته تفضح دواخل الشخصيات.

لنتأمَّل هذا المقطع من قصّة «الماء.. وعز العرب منصور» التي تبدو بعيدة كلّ البعد، في الظاهر، عن الموضوعة المحورية لقصص المجموعة، وسنضع أيدينا على مرادفات العزلة والاغتراب. 

«لم يكن يختلف في شيء عن الآخرين من عباد الله. فملامح وجهه تكاد أن تكون نسخة عنهم. شعر جعدي. عينان بنيتان يشوبهما اصفرار خفيف. جبين تتوزَّعه مسارب العرق. أنف يميل إلى الضخامة. شارب مهوشة شعراته مطبق على الفم. كأنما محكوم على هذا الفم بالانطباق منذ الأزل. لا كلام. بل على صاحبه أن ينام ويعمل، ثم يعمل وينام. لا وقت للتفكير».

لقد حاولت فيما سبق أن أبرهن على صحّة تصوري لعالم إلياس فركوح، في هذه المجموعة وربّما في مجموع قصصه، ولكنني لم أرغب في فك ارتباط هذا العالم القصصي بالمجتمع والواقع وآليات عمل القمع بصورة خاصّة. حاولت أن أتعرف على عالم العزلة بوصفه البؤرة التي تصورها القصص وتشير إليها من بعيد، لأصل في النهاية إلى القول بأن عالم العزلة في قصص فركوح ناشئ عن القمع وآليات عمله سواء أكان مصدره سياسياً أم اجتماعياً. لكن أثر القمع المتجلّي في العزلة لا ينعرض بصورة نستنتج منها أنه معلول لعلة لأن السارد لا يركّز على القمع بل على أثره؛ فهو يصف العزلة الخانقة التي تعاني منها الشخصيات. 

في مجموعاته السابقة يجعل إلياس فركوح من الراوي شخصية شفيفة تتمرأى من خلالها الذوات الأخرى في النصّ القصصي؛ فنحن نشعر بحضوره الخفي في السرد لأن كلّ شيء يتصفى من خلاله، ونشعر في الوقت نفسه أن الكاتب يتخايل وراءه وكأنه قطعة منه. ولا يعني هذا أن الكاتب يتدخَّل بشخصه في النصّ بل يعني أن هناك حضوراً طاغياً للمؤلّف في سرده. أما في مجموعته «أسرار ساعة الرمل» (1991) فإن القصّة، التي تحمل المجموعة اسمها تقوم على ظهور شخصية الكاتب في نصه القصصي، إذ يظهر الكاتب في بداية النصّ، مروياً عنه، وهو يعمل على خلق شخصياته وتوليف أحداث قصته المركبة. ويستخدم القاص استعارة الساعة الرملية ليعبر عن كيفية تشكل شخصيات القصّة وأحداثها.

«قلب الساعة الرملية وأخذ يتأمَّلها.

بدأت الذرات البلورية تنهال من العنق الدقيق. رآها تشع وتنطفئ، فيما طفقت القبة السفلية المقولبة تمتلئ بالرمل الوردي الغامق. استغرقه التأمُّل دقيقة، وبعدها لاحظ ضموراً في كمّية القبة العلوية. نبتت في داخله سخرية لم تزح له سترها. تابع تحديقه في خيط الانهيال الصامت. كان تواصله يكوم هضبة ناعمة سرعان ما تنبسط تحت الثقل الهاطل، ثم تعود لتتهضب من جديد.

ذرات الرمل تشع وتنطفئ، بينما تتوهّج السخرية في داخله مفصحة عن فكاهتها الآتية.. أغراه التتبع في أن يخلق القصص ويفض مكنوناتها. هكذا تتولَّد الحكايات وتظهر الوجوه».

يصبح الكاتب شخصية من شخصياته حيث يروي الراوي عنه وعن الآخرين، ويتابع تخلق فعل الكتابة، ثم انفصال الشخصيات عن الكاتب وامتلاكها حيوات خاصّة بها.

«قلب الساعة الرملية ثانية، وأخذ يتأمَّلها ليرى كيف تعبر الحكاية داخل الحجرات الزجاجية. آسف، داخل القباب المملوءة بالرمل. وبدأ».

إن الرمل هو المعادل الموضوعي للشخصيات لأنها مصنوعة من رمل الحكايات، ذرات دقيقة من الأخيلة تتراصف لتشكل حكاية من شخصيات وأحداث. وعلى هذه الاستعارة يقيم فركوح قصته. لكن الجوهري في القصة لا يتمثل في دخول الكاتب قصته، وتأمله لفعل الكتابة وآثاره، بل إن الجوهري هو تشكّل الحكاية من طبقات متعدِّدة. إنها حكايات مربوطة بخيوط من العلاقات الإنسانية، ولكن أحداثها تجري في طبقات تشبه طبقات وعي المؤلّف الذي يكشف عن الحكايات طبقة طبقة.

تتوظَّف استعارة الساعة الرملية في اتجاهين، كما هو شكل الساعة الرملية نفسها؛ نصف يتلقى الذرات الساقطة والنصف الثاني يدفع هذه الذرات إلى النصف الثاني. وعندما نقلبها مرّة أخرى يصبح المتلقي مانحاً والمانح متلقياً. إن الاتجاه الأوّل الذي تتوظَّف فيه استعارة الساعة الرملية هو الكشف عن تشكل فعل الكتابة، وتخلق الشخصيات في وعي المؤلّف (ولاوعيه كذلك). أمّا الاتجاه الثاني فيتمثَّل في تشكّل الأحداث في طبقات ثم اجتماع هذه الشخصيات مع الكاتب وانقضاض البوليس على الكاتب وشخصياته وسوقه إياهم جميعاً إلى السجن.

إن القاص يقارب محرمين اجتماعيين في نصه: الجنس بعلاقاته المسموحة والطبيعية (في سياق اجتماعي طبعاً)، والجنس بعلاقاته المحرمة، وكذلك السياسة بوصفها انتهاكاً للسائد. ومن الواضح من سياق إلقاء القبض على الكاتب في نهاية القصّة أن مقارفة هذه المحرمات ليست هي الممنوعة فقط بل إن وصف هذه المحرمات ممنوع أيضاً. إن الكاتب يعاقَب عقاباً أشد لأنه تجرأ ووصف هذه العلاقات ورسم ملامح عميل الشرطة السرية في قصته.

«كان الكاتب يسمع كلام الرئيس في فوضى الصراخ الموزّع على الدرجات الهابطة. آلمته الركلات والقبضات، غير أنه تابع نزوله. مر، مسحوباً، من أمام البيت المشرع. لمح النسوة المتشحات بالأسود. رآهن كتلاً متمعجة تتذبذب. ورأى أيضا باباً موصداً خيل إليه أن ثمّة طيراً بشعاً يحط عليه! صدمته ركلة جاءت فوق ظهره. ترنّح بين أذرعهم. وتهالكت قواه. تحامل واستمر بالهبوط.

وصل إلى الطابق الأرضي. توقَّف موكبه الصارخ. انتظروا إلى أن نجح فريق الإسعاف في إخراج جثة رجل كان الباب أضيق من أن يتسع لاثنين بالمرور عبره معاً. وتناهى إلى سمعه عويل امرأة متصل. اقشعر بدنه لإيقاعه الحيواني الصاعد من جوف القبو. وأخيراً، ها هو الشارع تحت سماء الليل الصيفي التي أرخت عليه، من عندها، نسمة هواء طازجة».

يمكن لهذه القصّة المبنية بناء محكماً أن تمثِّل خير تمثيل الشغل القصصي في مجموعة «أسرار ساعة الرمل». إنها تقوم على بناء مركب متداخل تتقاطع فيه الحكايات والمصائر، كما يتشكَّل المعنى الضمني للنصّ من هذا التقاطع المحكم للمصائر والحكايات. ثمّة محرمات اجتماعية وسياسية، وإدانة اجتماعية سلطوية. والكتابة، من ثَمَّ، تقع فريسة هذا القمع الاجتماعي السياسي. إن أرضية عملها تقع ضمن دائرة هذه المحرمات.

مواضيع مرتبطة

داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 
عبد الرحمان إكيدر03 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
حجاب التلقّي في قصيدة النثر العربيّة
رشيد طلبي03 يونيو 2020
رحلة محمد الحارثي الأخيرة
إبراهيم‭ ‬سعيد06 أبريل 2020
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع06 أبريل 2020
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض06 أبريل 2020
538 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

فايز صُيّاغ.. رحيل مثقَّف موسوعيّ
29 أغسطس 2020

ما يحفظ للثقافة العربية حضورَها وحيويَّتها، في الوقت الراهن، ثلَّةٌ قليلةٌ من المبدعين والمثقَّفين، الذين يتوزَعون على حواضر العالم العربية وأطرافه، واصلت، خلال العقود القليلة الماضية، العملَ الثقافي من العيار الثقيل، العميق والسابر، والقادر على وصل...

اقرا المزيد
استعادة غالب هلسا، بعد ثلاثين عاماً من الغياب
01 يوليو 2020

عقود ثلاثة انقضت منذ رحيل الكاتب والروائي الأردني الكبير غالب هلسا الذي ولد ومات في اليوم نفسه (18 ديسمبر/كانون أول 1932 – 18 ديسمبر/كانون أول 1989)، وقد غادر بلده عام 1956، مُلاحقاً لكونه عضواً في الحزب الشيوعي الأردني، وعاد إليه في كفن بعد وفاته بأزمة قلبية في...

اقرا المزيد
دوائر العُزلة
19 يونيو 2020

لا شيء يُشبه ما نعيشه الآن على صعيد الذاتِ والعَالَم؛ الفردِ والمجتمع؛ الكياناتِ السياسيّة ممثّلةً في الدولةِ القوميّة والمجتمعِ الدوليّ الأوسع الذي تُقيم معه هذه الدولةُ علاقاتٍ سياسيّة وتجاريّة وثقافيّة ورياضيّة. فالكوكب كلّه يجد نفسه يتجه من الخارج...

اقرا المزيد
في ظلال كوفيد.. حق «الحياة العارية»
13 مايو 2020

فيما يقبع ما يُقارب نصف سكّان العالم وراء جدران بيوتهم، وتُقفر الشوارع من سكانها، وتحطُّ الطائرات في مهاجعها، ويكفُّ العالم عن الحركة، تبدو البشريّة وكأنها على أهبة قطيعة تاريخيّة مع ماضيها وحاضرها. لقد أجبرها فيروس كورونا (حاكم الأرض الجديد كوفيد- 19) على...

اقرا المزيد
جيمس وود..  فنّ المراجعة النقديّة
02 فبراير 2020

في‭ ‬مقالتي‭ ‬السابقة‭ ‬سعيت‭ ‬إلى‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬جنسٍ‭ ‬أدبيّ‭ ‬يبدو‭ ‬شبه‭ ‬غائب‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬المُعاصِرة،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يستأثر‭ ‬بالاهتمام‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحوزه،‭ ‬والمكانة‭...

اقرا المزيد