إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»

محمد الإدريسي  |  09 مايو 2021

يأتي كتاب «إمبراطوريّة الاكتئاب: تاريخ جديد – The Empire of Depression: A New History» لمُؤرِّخ الطب «جوناثان سادوسكي – Jonathan Sadowsky» لمُحاولة رسم الخطوط العريضة لتاريخ معاصِر لمرض الاكتئاب في علاقته بالجماعات العلميّة، المنظومة الرأسماليّة، الثورة التقنية، نمط الحياة المُعاصِرة والمرضى أنفسهم. فكيف أسهمت الثورة التقنية والصناعيّة الجديدة في تعاظم «خطر» الاكتئاب؟ وإلى أي حدّ استطاعت المنظومة الرأسماليّة الهيمنة على مخرجات الطب التجريبيّ وربط الحزن الإنسانيّ بالاكتئاب من أجل تحرير سوق الأدوية؟ وأي تأثير لصدمة الجَائِحة على الصحّة العقليّة والنفسيّّة للإنسانيّة؟

أسهمت الثورات الصناعيّة والتقنية التي عايشتها البشريّة طيلة القرون الثلاثة الأخيرة في دفع أنماط الحياة الاجتماعيّة والنفسيّّة للإنسان نحو حدودها القصوى. فمنذ ظهور التصنيع والتمدين، وصولاً إلى الحياة الدائمة الاتصال وثورة البيانات الضخمة (The Big Data)، أصبحت الإنسانيّة تتفاعل مع قدر كبير من المُعطيات، المعلومات، التقنيات وأنماط الحياة الجديدة التي لم تعايشها طيلة (316) ألف سنة من وجودها. فوحده الانتقال من نمط الحياة القروية نحو الحياة الحضرية والتفاعل اليومي مع مليارات المعلومات بعالم الأنفوسفير، كفيل بأن يغيّر نظرة الإنسان لذاته، للعالم وللآخرين. وفي نفس الوقت، يرفع من درجة وحدة «الضغوطات» الشعورية واللاشعورية التي تنتج عن هذا التفاعل المُستمر مع «العصر الجديد». إضافة إلى ذلك، وتحت ضغط رهان الرفع من القدرة الإنتاجية للتنظيمات الصناعية، تمَّ توجيه جهود البحث العلمي والطبي نحو تطوير القدرات البدنية وعلاج الأمراض والأوبئة، التي تكبح سيرورة الإنتاج والاستهلاك بالضرورة، في تغافل شبه تام عن الأمراض والاضطرابات النفسيّّة. وتبعاً لذلك، لم يكن هناك اهتمام كبير بالطب النفسيّ، نظراً لمحدودية الأثر الاقتصاديّ لهذا النمط من البحث العلمي من جهةٍ، وانتشار التمثُّلات الثقافيّة والاجتماعيّة السلبية حول هذه الاضطرابات نفسها من جهةٍ أخرى. لهذا، ورغم ترافق تطوُّر حدّة الاضطرابات النفسيّّة بضغوط العمل والحياة الحضرية الجديدة، إلّا أنه كان علينا الانتظار إلى لحظة تطور الطب التجريبي خلال النصف الثاني من القرن الماضي وانتباه المنظومة الرأسماليّة للإمكانات التي يوفّرها سوق الأدوية والأمراض النفسيّة لتزايد الاهتمام بها. نتيجة لكلّ ذلك، ستطفو على السطح «إمبراطورية الاكتئاب» بوصفها لحظة مصالحة إنسانية مع الأمراض النفسيّة في ثوب يتداخل فيه الاقتصاديّ بالعلميّ والنفسيّّ بالثقافيّ ليصنع أحد أهمّ ألغاز العصر؛ سواء فيما يخص التشخيص أو العلاج.

في الواقع، تعد مختلف الأمراض والاضطرابات النفسيّّة، بما فيها الاكتئاب، ملازمة لتاريخ البشريّة وعايشتها جلّ الحضارات الإنسانيّة. صحيح أن الثورات التقنية والصناعية قد رفعت من حدة هذه الاضطرابات، إلّا أنها لم تصنعها بالضرورة بقدر ما فتحت المجال أمام الدماغ البشريّ للتفاعل مع ضغوطات الحياة الحضرية والتقنية الجديدة. وتبعاً لهذا، وبما أن الانتقال من نمط الزراعة إلى التصنيع قد مرّ بشكلٍ سريع، مقارنة بآلاف السنين التي قضاها الإنسان بالعيش على الصيد والثمار، فإن العلوم العصبية تذكرنا بأن التركيبة العصبية للدماغ البشري لـ«إنسان الراهن» غير قادرة على التعامل مع هذا القدر الكبير من الضغوطات والمعلومات التي ولدتها الثورات الصناعيّة والتقنية خلال القرون الثلاثة الأخيرة. إضافة إلى أن عالم الأنفوسفير قد كان له دورٌ كبير في رفع نسبة التفاعلات والبيانات التي يتلقّاها الإنسان بالعالم الرقميّ. لذلك، كان من الطبيعيّ أن تنخرط الإنسانية في «أزمة الصحة النفسيّة» طيلة القرنين الماضيين. لكن، لماذا يتمُّ ربط هذه الضغوطات والتفاعلات الرقميّة، التي يتعايشها الإنسان بشكل يومي، بمرض الاكتئاب؟

في نفس السياق، يهدف المُؤرِّخ الأميركيّ «جوناثان سادوسكي» في كتابه «إمبراطوريّة الاكتئاب: تاريخ جديد»(1) إلى محاولة وضع تأريخ معاصِر للحدود النفسيّّة والاجتماعيّة الفاصلة بين الحزن، السوداوية والكآبة ومرض الاكتئاب. أمام تطوُّر الطب التجريبيّ والقبول الاجتماعيّ لمقولات المرض النفسيّّ، ازدادت نسب الإصابة، الكشف، البحث عن العلاج والنقاشات العامة حول مرض الاكتئاب في جل أرجاء العالم. لهذا، يؤكِّد سادوسكي على أن الاكتئاب ليس وليد ثقافة المركز بقدر ما هو ظاهرة عرفتها وتعايشها جلّ المُجتمعات(2)، فضلاً عن إسهام الشروط الثقافيّة والاجتماعيّة في تعزيزه بنفس درجة المُحددات البيولوجيّة والنفسيّّة. ففي نهاية المطاف، يظل المرض بناء اجتماعيّاً مرتبطاً بالثقافة التي «تقرِّر ما هو طبيعيّ وما هو غير طبيعيّ»(3) بالنسبة للفرد. في الواقع، وفي سياق هذا القبول المُجتمعيّ لمقولات المرض النفسيّّ، أصبحت مختلف الاضطرابات النفسيّة اليوميّة والبسيطة تدرج في خانة «المرض النفسيّ»، نظراً لصعوبة التشخيص من جهةٍ، وخصوبة سوق الأدوية النفسيّة من جهةٍ أخرى. لذلك، وبقدر الخطورة التي يشكِّلها الاكتئاب على الحياة النفسيّة للإنسان المُعاصِر، فإن هذا الهوس الجمعيّ بالمرض قد أسهم في بناء «إمبراطوريّة الاكتئاب» التي يتداخل فيها الثقافيّ بالنفسيّ، العلميّ والاقتصاديّ(4) لتحويل الحزن الاعتياديّ إلى اضطراب ومرض تحت ثقل الثقافة الاجتماعيّة للمرض أكثر من المرض نفسه.

جوناثان سادوسكي

بعد أن كان الكلّ مضطرباً بالأمس من وصم المرض النفسيّ، أصبح الجميع اليوم خائفاً من هذه الأمراض في سياق مجتمع المخاطر المُنعدمة. لهذا، أضحى الناس يقبلون، بطواعية، على كشوفات نفسيّة -متغيّرة المعايير باستمرار وغير واعدة فيما يخص النتائج- من أجل البحث عن علاج لحالات كآبة وحزن ظلَّت طبيعيّة واعتيادية طيلة تاريخ البشريّة الطويل. صحيح أن حدة هذه الاضطرابات قد زادت، كما أن ثقافة المرض النفسيّ لازالت غير منتشرة على نطاقٍ واسع، إلّا أن المنظومات الرأسماليّة قد انخرطت لعقود في صراعات طويلة مع الجماعات العلمية لربط علاج الأمراض النفسيّة بالعقارات وتحرير سوق الطب النفسيّ بالضرورة. وعليه، وأمام ربط اشتغال الطب التجريبيّ والعقارات التجريبية بالمنطق الوقائي قبل العلاجي، أصبحت إمبراطورية الاكتئاب تشتغل على الحدود الفاصلة بين عالم الحزن وعالم المرض النفسيّ. وفي ظل هذه الضبابية، تزايدت حدة الانقسامات بين الجماعات العلميّة، الساسة، رجال الاقتصاد والعموم، ولم تسهم سوى في تضخيم الصورة الجمعية للمرض عوض البحث عن بناء تشخيص دقيق وعلاجات واعدة له.

ليس المرض النفسيّ دائماً سيئاً. وفقاً لهذا المنظور، تمَّ ربط مختلف الاضطرابات النفسيّة بالمقولات الفلسفيّة للإبداع. لكن، وفي الآن نفسه، تمَّ فتح المجال أمام تزكية المركزية الغربية في بناء هذه الأمراض. لطالما ساد الاعتقاد بأن الاكتئاب مقترن بالثقافة الغربيّة(5)، نمط الحياة الحضرية أو جغرافيا الفكر (الشمالي)، التقنية والثورة الصناعيّة بالضرورة. إضافة إلى ذلك، لازال الصراع القائم بين الجماعات العلميّة منحصراً حول البحث عن الشرط العضويّ أو النفسيّ للمرض. كما أن «الهوس» الرأسماليّ بالطب التجريبيّ أعاد التشكيك في مصداقية وفعالية الطب النفسيّ وتصوُّر المرض النفسيّ بالأساس. استناداً إلى هذا الوضع، يشير «سادوسكي» إلى ضرورة تجاوز هذه الثنائيات السطحية(6) والتأكيد على أن لكلّ مقاربة أو تفسير علمي ما يقدِّمه، سواء تعلَّق الأمر بالطبيعيات أو الاجتماعيات. ففي نهاية المطاف، تستهلك هذه الثنائيات جزءاً كبيراً من جهود الجماعات العلمية وتنعكس سلباً على تطوُّر المُقاربات والنظريّات العلميّة بالمجال وتسهم كذلك في مزيد من نزع الشرعية الاجتماعيّة والاقتصاديّة عن مختلف التخصُّصات القابعة على الحدود بين الاجتماعيّات والإنسانيّات.

ختاماً، اقترن الاهتمام العلميّ والمُجتمعيّ بالاكتئاب بثورة الطب التجريبيّ وانفتاحه على قطاع الأدوية والعقاقير. صحيح أن هذا المرض ملازم لتاريخ الإنسانيّة بالضرورة، في حين أن الثورات التقنية والصناعيّة لم تعمل سوى على الرفع من وتيرته وتعزيز المُصالحة الجمعية مع الأمراض النفسيّة على حساب الحالات الاعتيادية والسوية، إلّا أنه لازال إلى اليوم بلا تشخيص دقيق أو علاج واعد. لقد أسهمت الثنائيات المُحايثة لتطوُّر النظر العلميّ إلى المرض (العضويّ/النفسيّ، الاقتصاديّ/الثقافيّ، وغيرها) في تزايد الانقسام الحاصل بين الجماعات العلميّة بالشكل الذي ضخَّم من الصورة المُجتمعية للمرض. وعليه، أصبح الاكتئاب خلال القرنين الماضيين قابعاً بين حدود القلق والكآبة أكثر من الاكتئاب نفسه. اليوم، أعادت الجَائِحة تسليط الضوء على هشاشة الصحّة النفسيّة والعقليّة للإنسان المُعاصِر بالشكل الذي سيعمِّق من حدة الانقسامات الحاصلة بين الجماعات العلمية، مع ارتفاع رقم معاملات شركات الأدوية والعقارات، دون أن تنتهي هذه السجالات بتوافق فيما بينها حول النهج المُتداخل الاختصاصي والتفكير في مسابقة الزمن لعلاج المرض بالأساس. إن صراعنا الطويل مع الاكتئاب ظلّ صراعاً مع خوفنا منه. لهذا، يجب على سجالات ما بعد الجَائِحة أن تتجاوز الانقسامات والرهانات الاقتصاديّة للبحث عن علاجات واعدة لأمراض العصر (الاكتئاب، السرطان، السيدا، الزهايمر، وغيرها) التي تهدِّد صحّتنا العامة ونوعنا البشريّ في المُستقبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  • Jonathan Sadowsky, The Empire of Depression: A New History, Polity, 2020.
  • https://www.psychiatrictimes.com/view/people-history-depression
  • China Mills, When is sorrow sickness? A history of depression : A book traces the shifting lines between sadness and illness, but not who gets to, Nature 587, pp. 541-542 (2020).
  • Jonathan Sadowsky, The Empire of Depression: A New History, Op. Cit, p : 7-8.
  • ibid, p : 51.
  • China Mills, When is sorrow sickness? A history of depression : A book traces the shifting lines between sadness and illness, but not who gets to, Op. Cit, p : 542.

مواضيع مرتبطة

المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
ترجمة: مروى بن مسعود26 أبريل 2021
البطيئون في مواجهة الحداثة
ترجمة: مروى بن مسعود17 مارس 2021
نقَّاد يوتيوب.. «صديق الأفلام» المُتهم بإفساد النقد السينمائيّ
‬أمجد‭ ‬جمال17 مارس 2021
ديفيد فينشر.. الأفلام على طريقة بيكاسو
ترجمة: أمجد جمال24 فبراير 2021
المُجتمع المفتوح في السياق الإسلاميّ
محمد أيت حمو08 فبراير 2021
468 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

اقتصادُ التنمية الذاتيّة
03 يوليو 2020

خلال العقدين الماضيين، هيمنت كُتب «التنمية الذاتيّة» (الورقيّة، الإلكترونيّة، والصوتيّة) على قوائم الكُتب الأكثر مبيعاً، بالأسواق العالميّة كما العربيّة، وأضحت تنافس مبيعات الروايات وكُتب العلوم الإنسانيّة؛ إذ لم تتفوَّق عليها في كثيرٍ من الأحيان. لكننا...

اقرا المزيد
في الحاجة إلى لقاح ضد الخوف!
01 أبريل 2020

على مرّ التاريخ، شكَّلت الأوبئة أبرز تحدٍّ أمام استمرار النوع البشريّ. بين تفكيك الهرم السكّاني، إضعاف الموارد الطبيعيّة، التمرُّدات السياسيّة والاجتماعيّّة وخطر الانقراض، ظلّت الأمراض والفيروسات واسعة الانتشار عائقاً حقيقياًّ أمام تطوير شروط العيش...

اقرا المزيد