استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل

فراس السيد  |  07 أكتوبر 2022

ليس مفاجئاً كل هذا الاهتمام بالنسخة المُرتقبة من بطولة كأس العَالَم، فالجهود المبذولة من قِبل دولة قطر لإنجاح هذه النسخة من البطولة أقلّ ما يمكن أنْ يُقال عنها هي إنها مبهرة وغير مسبوقة في تاريخ هذه البطولة، بدءاً من التجهيزات في البنية التحتية وشبكة المُواصلات الحديثة، وانتهاءً بالملاعب الثمانية الجديدة التي شيِّدت بالاستعانة بأحدث تقنيات الإنشاء والتنفيذ، وصُمِّمت من قِبل أفضل المُصمِّمين والمُهندسين المعماريين في العَالَم.

ولعلّ واحداً من أهم هذه الملاعب الجديدة والواعدة المُستضيفة لهذا الحدث الكروي الهام هو «استاد الجنوب» من تصميم المكتب الهندسي للراحلة المعمارية زها حديد بالتعاون مع شركة «أي كوم». والراحلة زها حديد غنية عن التعريف، فهي الأيقونة الاستثنائية الأكثر شهرة وحضوراً على صعيد العمارة المُعاصِرة والمُتجدِّدة التي تقوم على المدرسة التفكيكية. وهي المهندسة (العراقية-البريطانية) التي نفَّذت نحو 950 مشروعاً خيالياً ومتميِّزاً في 44 دولة حول العَالَم، لتحصل خلال مسيرتها المهنية الطويلة على العديد من الأوسمة والجوائز العَالَمية المرموقة، في طليعتها جائزة «بريتزكر» للعمارة عام 2004، والميدالية الذهبية الملكية ضمن جائزة «ريبا» للفنون الهندسية عام 2016، وجائزة «الآغا خان» للعمارة عام 2016، والعديد من الجوائز المعمارية العَالَمية المرموقة الأخرى.

شُيد استاد الجنوب في مدينة الوكرة الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد وتبعد بما يقارب 22 كم عن شرق وسط الدوحة. تعدُّ مدينة الوكرة ثاني أكبر المدن ومن أقدم المناطق الحضرية المأهولة بالسكّان في البلاد. من الناحية التاريخية، كانت هذه المدينة تعتمد بشكلٍ أساسي على صيد الأسماك واللؤلؤ المُستخرج من جوف البحار، وشهدت خلال العقود القليلة الأخيرة تطوُّراً حضرياً ومعمارياً لافتاً ومهمَّاً، وهذا ما جعل المدينة أكثر تميُّزاً وحضوراً من خلال التباين والجمال المبهرين بين عراقة الماضي والتطوُّر المُعاصِر.

ويمكن ملاحظة دقة وإبداع العمارة التاريخية في بناء المدينة، خصوصاً في المناطق القديمة مثل مسجد الوكرة القديم والمنازل التراثية والقلاع التاريخية، وبالمُقابل نلاحظ جمال العمارة المُعاصِرة الحديثة في مناطق عدة من المدينة، وتعتبر كمُحاكاة وامتداد لعمارة المنطقة القديمة، فهي تنطلق منها وتعود إليها، وهذا هو سر جمال مدينة الوكرة. ويمكن القول إن استاد الجنوب هو التجسيد الأمثل لهذه الفكرة، فهو المُحاكاة المُعاصِرة التجريدية للماضي العريق.

تبلغ سعة الاستاد الحالية 40 ألف مشجِّع، ليخدم بذلك مباريات كأس العَالَم بدءاً من دور المجموعات، حيث ستجمع المُباراة الأولى بين منتخبي فرنسا وأستراليا، مروراً بدور الـ 16، وانتهاء بالدور ربع النهائي. واللافت في المشروع أن أعمال التنفيذ والبناء تمَّت بدقة وحرفية عالية، وفي وقتٍ قياسي أيضاً، حتى أن عملية فرش عشب الملعب (على سبيل المثال) اكتملت في 9 ساعات و15 دقيقة فقط. وافتُتح الملعب في 16 مايو/أيار 2019 بحضور شخصيات رياضية بارزة محلياً وعربياً وعالَمياً.

وبعد إطلاق صافرة النهاية وإسدال الستارة على العرس المُونديالي الكبير، سيتمُّ الاستغناء عن نصف عدد المقاعد في الاستاد، ليتمَّ منحها للدول النامية التي تفتقر للبنى التحتية الرياضية. وسوف يصبح الملعب عندئذ المقر الرئيس لنادي الوكرة الرياضي لكرة القدم.

وكغيره من الملاعب الأخرى التي سوف تستضيف مباريات كأس العَالَم، يتمُّ ربط ملعب الجنوب بشبكة من الطرق السريعة والجديدة التي توفِّر وصولاً سهلاً وسريعاً للمُقيمين والزوار على حدٍّ سواء إلى كل من الوكرة والدوحة. بالإضافة إلى ذلك، من المُنتظر أن يستضيف هذا الاستاد، الذي تمَّ تشييده كبناء متعدِّد الاستخدامات، فعاليات حضرية وثقافية متنوِّعة في المُستقبل.

الفكرة التصميمية

إنّ المفهوم العام لروح التصميم قائم على المُحاكاة التجريدية والانعكاس التراثي لأشرعة القوارب التقليدية القطرية، وذلك احتفاءً بالتاريخ العريق والتراث البحري لمدينة الوكرة كمركز للصيد والبحث عن اللآلئ. هذه المُحاكاة التجريدية هي محاكاة متعدِّدة الأوجه والقراءات، وهذه القراءات تصبح منسجمة ومتكاملة في نهاية المطاف.

وهذه المُحاكاة التصميمية تنعكس أيضاً في كافة التفاصيل، انطلاقاً من الشكل العام للتكوين التصميمي، فنرى الشكل العام للتكوين هو عبارة عن تشكيلات قشرية مدببة ومائلة على شكل مقاطع مطوية «وهو تجريد لأشرع القوارب المطوية». هذه التشكيلات القشرية تسير مع بعضها البعض ضمن مسارات منحنية، متباعدة تارةً، وملتقية مع بعضها البعض تارةً أخرى.

في الواقع، هذه المسارات المنحنية ليست عشوائية أو وليدة الصدفة، وإنما قائمة على محددات بارامترية ذكية وديناميكية، حيث استطاعت دمج التشكيلات القشرية وحوَّلتها لتكوينات لينة وسهلة التحويل والتشكيل، فنرى الجمال المُتناغم في التكوين المركب النهائي.. تكوين مبهر يمثل وكأنه الصدف البحري المُتلألئ الخارج من أعماق البحار.

تمَّت تغطية الاستاد بمظلة قابلة للطي والإغلاق بطول 92 متراً، ويمكن فتحها خلال 30 دقيقة فقط باستخدام أسلاك من التيتانيوم وكأنها أشبه بشراع مشدود لتسمح بالتخفيف من حدة أشعة الشمس وتأمين الظل والمأوى والمُحافظة على درجة الحرارة المُناسبة داخل الملعب.

وتمَّ التعبير عن إكساء القسم السفلي لواجهات الاستاد بألواح زجاجية بالتوازي مع خلق أنماط تكوينية مزخرفة ومشغولة ذات طابع برونزي معدني تحقِّق التباين بين الظل والنور وترمز لفن الحرف اليدوية والإسلامية.

والتصميم ككل منسجم مع محيطه ومتناغم معه، ولا يبدو في أي تفصيل من تفاصيله شاذاً مع الوسط المُحيط، القريب أو البعيد، حيث تتحوَّل الكتل المعمارية والمناطق الحضرية المُحيطة إلى تركيبة عضوية واحدة ومترابطة، ويصبح تصميم الاستاد بالمُحصلة تعبيراً حقيقياً عن تاريخ وثقافة المُجتمع العربي والإسلامي القطري.

الاستدامة الوجهة الأولى للتصميم

يمثِّل تصميم الاستاد تطبيقاً تكنولوجياً معاصراً لمُفردات العمارة المحلية والتراثية في إطار العمارة البيئية والمُستدامة. وفي الحقيقة يمكن القول إن تطبيق مبدأ الاستدامة الشامل هو العنوان المُناسب للتصميم، سواء لكيفية التعامل مع تصميم الملعب أو كيفية المُعالجة المعمارية والبيئية للمساحات الخضراء والحضرية المُحيطة به.

فاستاد الجنوب كان أول ملعب، ضمن الملاعب الثمانية المُخصَّصة لكأس العَالَم 2022 في قطر، يحصل على شهادات المُنظَّمة العَالَمية لتقييم الاستدامة «جي ساس»، حيث حصل الاستاد على ثلاث شهادات في الاستدامة شملت التصميم والبناء وإدارة التشييد ونسبة كفاءة الطاقة. ولم يكن هذا الأمر مفاجئاً أو مستغرباً، فقد تمَّ استخدام مبادئ التصميم السلبي والبيئي جنباً إلى جنب مع النمذجة الحاسوبية في دراسة المُتغيِّرات الحرارية المُحيطة وحركة الرياح لزيادة كفاءة نظام التبريد ولضمان راحة اللاعب والمُشجِّع على حدٍّ سواء.

كان التحدي الأول بالنسبة للملعب، وكذلك الأمر بالنسبة للملاعب الأخرى أيضاً، هو في كيفية التعامل مع المناخ الخاص بالمنطقة، وكيف يمكن إبقاء الهواء الساخن خارجاً بعيداً عن فضاء الملعب الداخلي. لمُواجهة هذا التحدي تمَّ تبريد المنطقة التي يشغلها المُشجِّعون في المدرجات عبر فتحات تهوية مثبتة أسفل كل مقعد، ليتدفق الهواء بطريقة لطيفة تسمح له بالوصول إلى المُشجِّعين والإحاطة بهم دون أن يشعروا بالانزعاج، أو بالحرارة أو البرودة الشديدتين.

أما بالنسبة للاعبين، فيتمُّ ضخ الهواء البارد فوق أرض الملعب عن طريق فوهات كبيرة موزَّعة على أطراف الملعب. ويؤكِّد خبير التكييف الدكتور مسعود عبد الغني الذي طوَّر هذا النظام المُبتكر أن زاوية فتحات التكييف واتجاهها تمنع تعرُّض اللاعبين لتيار الهواء بشكلٍ مباشر. وفي المُحصلة، تتكون فقاعة من الهواء البارد داخل الملعب لا يزيد ارتفاعها على مترين فوق سطح الأرض، وحين يسخن الهواء مرةً أخرى تمتصه مراوح للشفط في المنطقة الوسطى، ثمَّ يُعاد تبريده وتنقيته ليضخ مجدداً إلى كامل الملعب.

وتساهم في هذه العملية الميكانيكية المُتكاملة ألواح شمسية تعمل على امتصاص حرارة أشعة الشمس لتكوين الطاقة اللازمة لتشغيل هذه الأجهزة، وبالتالي تأمين الحماية من الانبعاثات الكربونية غير المرغوب بها والإسهام في تحقيق مبدأ التصميم المعماري السلبي. ومصطلح «السلبي» هنا هو مصطلح معماري يطلق على كل تصميم بناء ذي استهلاك طاقة منخفض للغاية، وهو ما يساهم في تحقيق الاستدامة، كما هو الحال هنا في تصميم استاد الجنوب.

ولتحقيق مزيد من التناغم والانسجام والاستخدام الأمثل للعوامل المُحيطة والداخلة في تكوين البناء، تمَّ تصميم السقف العلوي الذي يغطي الملعب لتوجيه تدفق الهواء بالطريقة المرغوب بها، كما أن لونه الفاتح يعكس أشعة الشمس وحرارتها، فيساهم بذلك أيضاً في الحفاظ على درجة حرارة مناسبة ومعتدلة داخل الملعب لا تزيد على 18 درجة مئوية.

وبالنسبة للمساحات الحضرية والخضراء المحيطة بالملعب، فقد تمَّ تجهيز المنطقة المُحيطة بمساحات خضراء ذات مناظر طبيعية مبهرة تستقبل الزوار عند الوصول وتأخذهم في أجواء فريدة لا تقل جمالاً عن أجواء الملعب من الداخل. وتضم هذه المنطقة أكثر من 800 شجرة جديدة ونباتات متوطنة لترشيد استهلاك المياه.

ويمتد مفهوم الاستدامة البيئية للاستاد ومحيطه ليشمل أيضاً الاستدامة الاجتماعية، فقد تمَّ إنشاء مرافق جديدة في المناطق المُحيطة للاستاد وهي مدرسة وقاعة للأفراح ومطاعم ومتاجر وأندية رياضية ومتنزهات، بالإضافة لمسارات لركوب الدراجات الهوائية والمشي وركوب الخيل، وهو ما خلق مناطق حضرية مليئة بالنشاطات المُجتمعية داخل الملعب وخارجه. وبهذه الطريقة، حتى خلال الأيام التي لا يكون فيها حرم الملعب مزدحماً ومسرحاً للمُنافسات الكروية الحامية، يقدِّم لزواره مساحة للتسلية والترفيه والمُتعة.

لا يختلف أحد حول روعة وأهمية هذا الاستاد الذي يلبِّي الطموحات ويستجيب للتحدّيات التي بدأت منذ اللحظة الأولى في مسيرة التحضير للمونديال الأجمل والأهم في العَالَم. ولا شكَّ أن هذا الاستاد سيصبح مكاناً ووجهةً لا تُنسى خلال منافسات بطولة كأس العَالَم- قطر 2022، والفترة التي ستليها، وسيبقى على الدوام أيقونة نابضة بالجمال في قلب مجتمع الوكرة.

 

 

اقرأ في هذا الملف:

استاد 974.. في بيان الاستدامة

استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة

استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة

استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة

استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل

استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء

استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟

استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام

مواضيع مرتبطة

استاد 974.. في بيان الاستدامة
محسن العتيقي07 أكتوبر 2022
استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة
شربل بكاسيني07 أكتوبر 2022
استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة
وائل السمهوري07 أكتوبر 2022
استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة
إبراهيم السواعير07 أكتوبر 2022
استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام
ليال المحمد07 أكتوبر 2022
أورهان باموق لـ(الدوحة): أركب سفينة جديدة، وتهبّ الرياح مرّة أخرى!
حوار: سالي شبل07 سبتمبر 2022
خطاب نوبل.. عبد الرزاق قرنح متحدثا عن الكتابة
ترجمة: علاء عبد المنعم إبراهيم02 فبراير 2022
شهرزاد من خلف الكمّامة.. كل عام وأنتم بخير!
آدم فتحي03 يناير 2022
249 عدد المشاهدات