استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة

شربل بكاسيني  |  07 أكتوبر 2022

على بُعد 20 دقيقة من مطار حمد الدولي وحوالي 10 كيلومترات من وسط الدوحة، يربض هذا الصرح الرياضيّ العريق، فهو الأحبّ والأقرب إلى قلوب القطريّين، نظراً إلى تاريخه العريق. كتلة مشعّة وأعجوبة هندسيّة. هكذا يُمكن وصف استاد خليفة الدوليّ الغارق في تيّارات الإضاءة الرقمية كما العريس ليلة الفرحة الكبيرة.

تُشكّل الرياضة عاملاً رئيسياً ومحورياً في رؤية قطر الوطنية 2030، إذ تطمح الدولة إلى أن تحتلّ مكانة رائدة عالمياً في هذا المجال، وأن تجمع العَالَم من خلال التنمية الرياضية المُستدامة، مستفيدة في ذلك من الإنجازات التي حقّقتها حتى الآن، فهي التي استضافت حتى اليوم ما يقارب من 500 فعالية رياضية دولية منذ عام 2005، شملت جميع أنواع الألعاب الرياضية ومختلف الفئات العُمرية.

«أهلاً بالجميع، في دوحة الجميع»، هو الشعار الذي أطلقته دولة قطر بداية في عام 1992 مع افتتاح بطولة «خليجي 11» لكرة القدم، واستمر حقيقة واضحة وضوح الشمس يشعر بها ويلمسها كل من تطأ قدماه دوحة العرب، للحضور أو للمُشاركة بمُسابقة رياضية من المُسابقات الكثيرة التي استضافتها البلاد، على مدى السنوات الماضية.

وهي تؤكِّد اليوم من جديد على أهمية وأحقية هذا الشعار من خلال استضافتها لمباريات كأس العَالَم على أراضيها، في سابقة هي الأولى على الصعيدين العربي والإقليمي.

هذا الشعار أيضاً لم يتوقف عند الاستقبال والترحيب الحميمين بضيوف عاصمة الرياضة العربية، بل شمل أيضاً نهضة عمرانية غير مسبوقة في مجال الملاعب والمنشآت الرياضية، تُوجت بتشييد وتطوير ثمانية ملاعب رياضية من طراز رفيع لاستقبال مباريات كـأس العَالَم، من بينها تحديث استاد خليفة الدولي.

شهد استاد خليفة الدوليّ الذي يستريح كالمارد الصنديد قُبيل المعركة، إقامة دورة الألعاب الآسيوية في عام 2006، وكأس الأمم الآسيوية في عام 2007، وكأس الخليج العربي في عام 1976 و1992 و2004 و2019. وهو اليوم، يشهد على محطّة مشرقة. فعندما حظيت قطر، في عام 2010، بامتياز استضافة بطولة كأس العَالَم 2022، اقتُرح استاد خليفة الذي افتُتح عام 1976 ليكون واحداً من الملاعب المُجهّزة لاحتضان الحدث المُنتظر. أُعيد افتتاح الملعب الوطنيّ رسمياً في عام 2017 بعد العديد من أعمال التحسين والتطوير الشاملة التي بدأت عام 2014، حيث استُبدل خلالها القوس الأيقونيّ، الذي انتصب في فضاء الملعب، كحربةٍ باسلة تُواجه الزمن، واستُخدم منصّةً لإطلاق الألعاب النارية خلال حفل افتتاح دورة الألعاب الآسيوية. ورُفع مكانه قوس جديد، واستُكمل بقوس ثانٍ عانق وإيّاه السماء.

ينفرد الملعب بتصميمه الذي يجمع الطابع العريق بالشكل العصريّ، ويبدو للناظر من بعيد كلؤلؤة بيضاء صلبة تستريح في منطقة «أسباير زون». ثمَّ تستحيل اللؤلؤة -مع الدنو منها- قطعة هندسيّة فريدة، خارجة من حلم قطريّ، باتت أول استاد حول العَالَم يحظى بالتصنيف ضمن فئة الأربع نجوم من «المنظومة العالمية لتقييم الاستدامة»، لناحية التصميم والبناء والتشغيل لتقليل البصمة البيئية. فيتميّز الملعب بتقنية التبريد الذكيّة، التي تقلّل من استهلاك الطاقة، إلى جانب أنظمة الإضاءة المُوفِّرة للطاقة وتركيبات السباكة.

نحو كأس العَالَم

استعداداً لاستضافة كأس العَالَم 2022، كُلّفت شركة «دار الهندسة»، ومقرّها بيروت، بتصميم والإشراف على توسعة المدرج الشرقي لاستاد خليفة، مع مراعاة السلامة المعمارية للأيقونة الوطنية، لا سيما قوس الإضاءة الذي يمتد عبر المرافق والقاعدة الغربية، والذي أضيف إليه قوس آخر، فتحوَّلا إلى نقطة جذب لعشاق كرة القدم في الشرق الأوسط وآسيا، وشكّلا سمة واضحة من السمات المميّزة للاستاد.

شملت المُهمَّة أيضاً تصميم وتركيب حلول وتقنيات تبريد مبتكرة تستخدم طاقة أقلّ بنسبة 40 في المئة لتوفير بيئة مريحة وباردة سواء في المدرجات أو في ساحة اللعب. كما تمَّ تركيب مظلة سقف جديدة ضخمة لتوفير التظليل لجميع المُتفرِّجين وللحفاظ على درجة حرارة مريحة للمُشاهدين والرياضيين.

كذلك، شملت خطة التحديث تنسيق الحدائق وجميع الأنظمة الكهروميكانيكية والبنية التحتية وإدارة النفايات الصلبة. وتألفت الأعمال الكهروميكانيكية من إمدادات الطاقة والتوزيع والإضاءة وأنظمة التيار المُنخفض، بما في ذلك شبكة الكابلات المُنظمة للصوت / البيانات، الشبكة اللاسلكية، كاميرات المُراقبة، الوسائط السمعية والبصرية لأماكن الشخصيات المُهمَّة والعناوين العامة والبنية التحتية للبث التليفزيوني.

ووفق سياسة الاستدامة التي انتهجتها دولة قطر، طوّرت «دار الهندسة» نظاماً للصرف الجوفيّ، وأعدّت نظاماً شاملاً لإدارة النفايات الصلبة. وشمل تطوير استاد خليفة الدولي تصميم إمدادات المياه ومكافحة الحرائق وجمع مياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى تصريف مياه الأمطار وشبكات الري إلى جانب محطات الضخ والخزانات ذات الصلة. كلّ ذلك، جعل الاستدامة جزءاً لا يتجزأ من مستقبل هذا المكان التاريخيّ، وبات متوافقاً مع معايير الـ«FIFA»..

إبداع في التصميم

يُشبه استاد خليفة الدولي محار اللؤلؤ؛ يمدّ قوسيه نحو الفضاء ويفتحهما لاحتضان اللاعبين و40 ألف مشجّع. يؤكّد أن الإبهار القطريّ لا ينضب، وأنّه لا مجال للتراجع في السباق على الإبداع وانتزاع الألقاب واحتلال الصدارة. فقد جنّدت قطر كلّ ملاعبها ومرافقها لاستضافة الحدث الرياضيّ العَالَميّ الأبرز، لتبدأ مرحلة جديدة من تحدّي الظروف المناخية وتُعلن نجاحها في القطاع.

تمَّ تجديد الواجهة وإمداد السقف في جميع أنحاء منطقة المُشاهدين بشبكة معقَّدة من الكابلات الفولاذية المشدودة التي تزن 4000 طن وتدعم 92 لوحة تشكلها. الحلقة الداخلية للسقف متّصلة بالقوسين الشاهقين بواسطة كابلات شدّ، وقد تمَّت تغطية أسطح المدرجات وجزء من الملعب بغشاء من ثلاث طبقات تمَّ استخدامه لتلبية متطلبات «FIFA» فيما يتعلَّق بأشعة الشمس في الملعب.

يتكوَّن المدخل الرئيسي لاستاد خليفة من منحدرين ينتهيان تحت مظلة كبيرة يرتكز سقفها على (6) أعمدة معدنية أنبوبية مطلية باللون الرماديّ، شأنها شأن معظم الأنابيب التي تشكّل هيكل الواجهة، والتي يمكن رؤيتها حول المُحيط. واجهة المظلّة الكبيرة مقوّسة وتبدأ في الارتفاع من عمودين متينين يقفان على جانبيها. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي الملعب على عدد من المداخل المُوزَّعة على طول محيطه، والتي يمكن الوصول إليها عن طريق السلالم.

في الجناح الشرقي، أُضيف مبنى جديد يحتوي على صالات كبار الشخصيات، و61 جناحاً مخصَّصاً للضيوف، بالإضافة إلى ردهة خاصة بالإعلاميّين وصالات طعام ومحلات تجارية، إلى جانب غرف متعدِّدة الاستعمالات ومركز صحيّ، ومتحف رياضي وغرف تغيير الملابس.

وإذا كانت «الرياضة ذوق وفن» على ما تخبرنا أغنية «هلا فيكم» التي باتت نشيداً مرافقاً لفعاليات «كأس الخليج العربي 24» عام 2019، فإنّ ممارسة الرياضة في استاد خليفة الدوليّ تكتسب طابعاً مميّزاً وتضمن للجمهور تجربة أكثر من ممتعة وأكثر من رائعة.

سينظر العَالَم إلى أسلوب الحياة الصحي والثقافة الرياضية اللذين سيعزّزهما استاد خليفة، وبمجرد انتهاء كأس العَالَم، ستنضمّ مرافق مثل «مركز حمد للألعاب المائية»، و«حديقة أسباير»، ومراكز الرياضات النسائية المُتخصِّصة إلى منطقة «أسباير»، والتي ستكون إضافة ضخمة للمرافق. كذلك، ستنضمّ «أكاديمية أسباير»، ومركز تعليم وتدريب على أحدث طراز، إلى منطقة «أسباير زون». وهذا بدوره سيجذب الرياضيين من جميع أنحاء العَالَم، وسيكون خطوة كبيرة إلى الأمام في جذب مواهب الأجيال من جميع أنحاء البلاد.

كلّ ملعب سيستضيف مباراة خلال كأس العَالَم في قطر سيكون له إرث معيَّن يحمله ذخراً إلى الأجيال المُقبلة. وبالنسبة لاستاد خليفة الدوليّ، سيكون هذا الصرح من أفضل الأماكن التي يمكن زيارتها في الدوحة حتى بعد انتهاء فعاليات كأس العَالَم، إذ سيكون جزءاً من إرثٍ دائم سيتجاوز الحدود.

 

 

اقرأ في هذا الملف:

استاد 974.. في بيان الاستدامة

استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة

استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة

استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة

استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل

استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء

استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟

استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام

مواضيع مرتبطة

استاد 974.. في بيان الاستدامة
محسن العتيقي07 أكتوبر 2022
استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة
وائل السمهوري07 أكتوبر 2022
استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة
إبراهيم السواعير07 أكتوبر 2022
استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل
فراس السيد07 أكتوبر 2022
استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام
ليال المحمد07 أكتوبر 2022
أورهان باموق لـ(الدوحة): أركب سفينة جديدة، وتهبّ الرياح مرّة أخرى!
حوار: سالي شبل07 سبتمبر 2022
خطاب نوبل.. عبد الرزاق قرنح متحدثا عن الكتابة
ترجمة: علاء عبد المنعم إبراهيم02 فبراير 2022
شهرزاد من خلف الكمّامة.. كل عام وأنتم بخير!
آدم فتحي03 يناير 2022
160 عدد المشاهدات