استاد 974.. في بيان الاستدامة

محسن العتيقي  |  07 أكتوبر 2022

كيف يمكن قراءة عمارة مؤقَّتة؟ المُؤقَّت عَابِر وزَائِل، ويُحيل على المُندثر والطلل. رغم هذه الطبيعة الانتفائية، فإنّ ما يبقى هو قصة معمارية تحوَّلت إلى نص؛ نص شعري، تاريخي أو حكاية خيالية. يتعلَّق الأمر في هذه الحالة بزوالٍ بفعل اندثار أو حرب، لكن ماذا إنْ كان الزوال بتخطيطٍ مسبق؟ في هذه القصة المعمارية التي تسردها حاويات الشحن البحري، فإنّ ما يُروى لمرّةٍ واحدة هو بيان استنكاري لمجالنا الحيوي!

تغيير صورة العَالَم

بُعيد الحرب العَالَمية الثانية شهد النظام الاقتصادي العَالَمي نقلةً واسعةً بفضل استخدام حاويات الشحن التجاري عبر العَالَم. في مرحلةٍ لاحقة من ستينيات القرن العشرين، تأسَّس في إيطاليا تيار «الفن الفقير» على يد «جيرمانو سيلانت» (1940 – 2020)، مُبتكِر مفهوم «العِمارة الراديكالية».

أيةُ علاقة بين حاويات الشحن، والفنّ الفقير، والعمارة الراديكالية؟ جرت العادة في التجربة التشكيلية العربية، اقتران مفهوم «الفنّ الفقير» بتصوير: الزائِل، والمُؤقَّت، وتدوير المُتلاشيات في العمل الفنيّ. أما بالنسبة للإيطاليين -أقطاب هذا التيار-، فقد التزموا بإعلان حالة طوارئ عقب هيمنة النزعة الاستهلاكية منذ فجر الستينيات؛ «الفنّ الفقير» بحسب مؤسِّسه «جيرمانو سيلانت»، مفهومٌ واسع، وقد لا يعني شيئاً شعرياً أو مصوَّراً في حدّ ذاته، إنه «موقف» نقدي تجاه أزمات العَالَم الآنية في ذلك الوقت.

عشر سنوات بعد إعلان «الفنّ الفقير»، وتحديداً سنة 1976، سيقتحم هذا التيار (المابَعد-حداثي) مجال الهندسة المعمارية. وسيوجِّه المعماريون الراديكاليون، وفي مقدّمتهم «جيرمانو سيلانت»، نقدهم اللاذع لتصاميم «لو كوربوزييه» (1887 – 1965)، بِعلة تنميط حياة الناس وتكديسهم داخل قوالب خرسانية، كما لو كانوا سلعةً من سلع عالَم مابَعد الحرب.

حاول الراديكاليون المعماريون طرح بدائل هندسية من خلال وضع أساسات جديدة لتغيير واقع العمارة والفنون بصفةٍ عامة، غير أنّ حركتهم اليوتوبية لم تستمر أكثر من عشرين سنة، بعدما وجدت نفسها أسيرةَ التنظير دون تشييد مشاريع وظيفية على أرض الواقع. كما أن تواريها تزامن مع طلوع الرأسمالية الليبرالية ومفاهيم الحضارة الجديدة التي بات قياسها بعدد ناطحات السحاب. لكن، جو الهيمنة الذي أجهز على مبادئ «الراديكالية المعمارية» لم يمنع من استمرارها كمصدر إلهام للمجموعة الهندسية أرشيغرام في تصميمها الافتراضي الشهير «مدينة بلج-إن» (plug in city)، الذي خرج إلى العلن سنة 1966، وهي المجموعة التي ألهمت بدورها ثُلةً من المُهندسين، على رأسهم الإيطالي «رينزو بيانو»، في تصميم مركز «جورج بومبيدو» الوطني للفنون والثقافات بالعاصمة الفرنسية باريس، والذي أحدث افتتاحه سنة 1977، صيحة هندسية غير متوقعة.

لم تتحقق طموحات «الراديكالية المعمارية» في تغيير صورة العَالَم، فما غاية إنشاء فضاءات تحت تأثير الحنين هنا وهناك؟ من خلال تأمل استلهامات معمارية مُعاصِرة، فإنّ ما يبدو، للوهلة الأولى، تحية هندسية لمجاورة الحالمين الأوائل بعَالَم أفضل، سرعان ما ينبهنا إلى ممكنات العمارة عندما يتعلَّق الأمر باستنهاض الضمير العَالَمي، حتى وإنْ كنّا على يقين من أنه لن يستجيب!

 

 

شيَّد نفسه بنفسه!

تشغل أي عمارة حيِّزاً صغيراً من مكانٍ كبير، بمنظور أشمل إنها تشغل حيِّزاً من كوكبنا، يمكنها، فوق ذلك، مساعدتنا على فهم أعمق للمجال الحيوي في مُلازمته مفاهيم الاستدامة. هل يمكن العيش في عصرٍ رقمي كلياً؟ هل يمكن تصوُّر العَالَم هارباً نحو سماءٍ مجهولة؟! في مجالات التفكير والفنّ ما يوقظ العَالَم تاريخيا! وكان من تأثير ذلك نشوء الحركة البيئية، وربط مصيرنا مجدداً بماهية وجودنا الأرضي. إننا في أحلك الأزمنة التي تعيشها البسيطة؛ الأزمات تتعاظم في مشاهد قيامية! حرائق، فيضانات، انفجارات بركانية، ثمَّ هواجس حرب نووية… فيما العولمة تنسج كل ذلك من حولنا وفي كل مكان. بالنسبة للعلماءِ، فإنّ ما يشكِّل أولوية في توسيع نطاق التفكير، ينطلق من اعتبار الكوارث المناخية هي اليوم أسئلة استنكارية تطرحها الطبيعة، وقد حان الوقت للتعامل مع الأرض باعتبارها وطناً مهدّداً.

لم يكن التهديد المناخي مطروحاً بصورةٍ أولية، أو شاملة في أعمال المعماريين الراديكاليين إبان ستينيات القرن الماضي، واليوم تبدو مجالات العمارة، مرآةً إنسانية للنظر في استدامة مجالنا الحيوي، بالشكل الذي يجعل دق ناقوس الخطر وإيقاظ الضمير العَالَمي عمليتين غير منفصلتين عن التفكير الجمالي في العَالَم؛ فبدل التفكير في مصير الفنّ، يمكن التفكير في المصير عن طريق الفنّ. أليست هذه معادلة «الفنّ الفقير»؟

فبالقول إننا أمام ملعب ينسج مستقبله بزواله، أو إذا جاز القول، بترحاله، قول يضعنا بالضرورة أمام مساءلة زواله، وإنْ كان هذا الزوال يستعير من العابِر وجهاتٍ أخرى يتجلى فيها ومن خلالها، وقبل ذلك يحدّد برنامج عبوره المُؤقَّت من مكان النشوء الأول، مكان القصة المعمارية، ثمَّ بعد ذلك، ونحن نعرف مسبقاً، بأنه لن يدوم طويلاً حتى يتخلّى عن هويّته العمرانية الأولى. ما الذي يتبقَّى من الأثر في هذه الحالة؟ وما هي ماهية عبور معماري على هذا النحو؟ صورة غير مخلدة للمحو تتعارض مع ما يولده الفنّ هي صورة مستبعدة. وشيئاً فشيئاً يُؤَوِّل الأثر نفسه، لا في زواله وإنما في كتابته لقصة وجودٍ بديل ومستدام في مكانٍ آخر، ما دامت الذكريات العظيمة لا يجب أن تكون عابرة!

ما غرض الفنّ بالأساس؟ أليس هو تخليد الزائل؟ مثل أجسادنا العابِرة، تبدو الحالة المعمارية التي نحن أمامها في استاد 974، كما لو أنها متعلِّقة بملعب شيَّد نفسه بنفسه! من حاويات شحنٍ بحري نُقلت عن طريق أخرى استُخدمت بدورها، وهكذا باقي العناصر، صُمِّمت لتكون قابلة للفكِّ والنقل بالكامل إلى مواقع جديدة، كما أدت اختيارات التصميم والتدوير إلى تقليل التكلفة وتسريع التنفيذ. بصورةٍ جمالية أو بأخرى، تحيلنا المُنطلقات إلى مبادئ «الفنّ الفقير»، إلى أسلوب في الاستدامة يعكس في بُعده الإنساني دورة الحياة نفسها؛ فمن جهةٍ، هو ملعب مؤقَّت يتمُّ استخدامه مرةً واحدة، ومن جهةٍ أخرى، له وجودٌ بعدي يتمثّل في إعادة إعماره في وجهاتٍ جديدة. في الجهةِ الأولى يصوِّر هشاشة الوجود في زواله، وفي الثانيةِ يمتدُّ بوجوده ليدوِّن ماهية استدامته. ملعب ينبِّهنا بجمعه المُتناقضات في فلسفة تصميمه كمسرح هش لهشاشة الحياة نفسها! أليس المسرح بطبيعته فنّاً سريع الزوال؟!

***

 

 

الاستدامة في المُقدِّمة

بضعة كيلومترات تفصل مطار حمد الدولي عن استاد 974، واحد من الملاعب الثمانية التي شُيِّدت لاستضافة كأس العَالَم FIFA قطر 2022. موقع بارز يُطل على الخليج الغربي ومنطقة الأبراج جعل هذا البناء الاستثنائي أول مشهد يستقبل جماهير الحدث الكروي الضخم. ملعب مؤقَّت، يحتفي بالإرث البحري والتجاري لدولة قطر، ويخلَّد كأيقونة رمزية على مستوى الاستدامة والفلسفة المعمارية؛ فبتصميمه المُثير للاهتمام، أعاد الاعتبار لأفكارٍ معمارية يوتوبية لم يكن من المُمكن تخيُّلها، خارج الأطروحة النظرية على غرار «مدينة بلج-إن» (plug in city)، بل وحتى مركز «جورج بومبيدو»، الذي وإنْ كان راديكالياً فإنّه لا يُعَدُّ صرحاً مؤقَّتاً بالمفهوم النقدي والجمالي الذي تحقَّق في استاد 974.

صاحب هذه الرؤية المعمارية الجريئة، هو المهندس الألماني ألبرت شبير (1934 – 2017) ومجموعته الهندسية، التي اشتهرت بأسلوبها القائم على التشكيل المعماري من خلال إعادة تدوير المُكوِّنات الصناعية ووحدات التخزين في الأعمال المدنية، وكلها اختيارات معمارية «راديكالية» لها تأثير على زمن البناء وتخفيض البصمة البيئية، حيث بالأسلوب المُستدام الذي قاد المجموعة الهندسية إلى بناء استاد 974، حصل هذا الأخير على تصنيف خمس نجوم بموجب نظام تقييم الاستدامة العَالَمي (GSAS)، الذي تديره منظَّمة الخليج للبحث والتطوير (GORD).

بهذه الرؤية، التي تضع الاستدامة في المُقدِّمة، يتطلَّب تصميم ملعب مؤقَّت سيناريوهات هندسية ووظيفية مختلفة، ويُعَدُّ استاد 974 مثالاً ساطعاً لهذا السيناريو، فهو الملعب الوحيد لكأس العَالَم الذي لن يتمتع بتكنولوجيا التبريد، مكتفياً بالتهوية الطبيعية نظراً لقرب موقعه من الواجهة البحرية. كما سيتمُّ تفكيكه بالكامل واستخدام مكوِّناته في مشاريع رياضية خارج قطر وتحويل الحيِّز الأصلي للملعب إلى مساحاتٍ خضراء. إنه تصميم صعب التصديق على الورق، لكنه أصبح حقيقة لنموذج مبتكَر ورائد في تصميم الملاعب الأكثر استدامة في المُستقبل.

***

 

 

– يتسع استاد 974، لـ(40.000) مقعد، وقد دخل التاريخ قَبل استضافة أول مباراة له. فقد بُني بالكامل من حاويات الشحن البحري ووحدات مستقلّة من الصلب، وهو أول استاد كرة قدم مغطّى قابل للتفكيك بالكامل، ما يُشير إلى التزام قطر بالاستدامة الفعَّالة من حيث تكلفة الإنشاء وحداثة التصميم.

– لا يُشير الرقم (974) فقط إلى رمز الاتصال الدولي الخاص بقطر، بل يرمز أيضاً إلى عدد حاويات الشحن البحري التي استُخدمت في بناء الاستاد. وهو يقع في منطقة الميناء قبالة المنظر الساحر للأبراج، حيث سيشعر المُشجِّعون بالنسيم العليل القادم من الخليج العربي.

– عقب انتهاء البطولة، سيُعاد استخدام الحاويات والهيكل، وإنشاء مرافق تطلّ على الواجهة المائية تعود بالنفع على أبناء المُجتمع، بالإضافة إلى مركز حيوي للأعمال. ورغم الطبيعة المُؤقَّتة لاستاد 974 بموجب هذا المفهوم الجديد في بناء الاستادات، فقد تمَّ الحرص على أن يدوم إرثه لأجيالٍ قادمة.

– في مراحل التصميم وحتى الانتهاء من البناء عُرِفَ باسم المنطقة التي شُيِّد عليها وهي راس أبو عبود، الواقعة على بُعد 10 كم شرق وسط الدوحة، وعند افتتاح الملعب في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 خلال كأس العرب لكرة القدم أُعلن عن اسمه الجديد استاد 974. (اللجنة العليا للمشاريع والإرث، الموقع الرسمي)

 

اقرأ في هذا الملف:

استاد 974.. في بيان الاستدامة

استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة

استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة

استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة

استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل

استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء

استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟

استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام

 

مواضيع مرتبطة

استاد خليفة الدوليّ.. عراقة، حداثة واستدامة
شربل بكاسيني07 أكتوبر 2022
استاد المدينة التعليمية.. حيث تلتقي كرة القدم بالعلم والمعرفة
وائل السمهوري07 أكتوبر 2022
استاد الثمامة.. يغطّي ضيوف «كأس العَالَم» بطاقيّة عربيّة
إبراهيم السواعير07 أكتوبر 2022
استاد الجنوب.. بوابة بين الماضي والمُستقبل
فراس السيد07 أكتوبر 2022
استاد أحمد بن علي.. بوابة الصحراء
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد لوسيل.. سحر الكرة أم سحر المكان؟
محمد أدهم السيد07 أكتوبر 2022
استاد البيت.. خيمة ليست كباقي الخيام
ليال المحمد07 أكتوبر 2022
أورهان باموق لـ(الدوحة): أركب سفينة جديدة، وتهبّ الرياح مرّة أخرى!
حوار: سالي شبل07 سبتمبر 2022
خطاب نوبل.. عبد الرزاق قرنح متحدثا عن الكتابة
ترجمة: علاء عبد المنعم إبراهيم02 فبراير 2022
شهرزاد من خلف الكمّامة.. كل عام وأنتم بخير!
آدم فتحي03 يناير 2022
196 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

محمد إبراهيم الشوش.. في ظِلّ الذّاكرة
01 نوفمبر 2021

بعودة صدورها في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 إلى غاية فبراير/شباط 2016 كانت مجلة «الدوحة» قد أتمَّت العدد المئة. كانت المُناسبة بنكهة احتفالية، وفرصة لتنشيط ذاكرة المجلة وإرسال تحية إلى كُتَّابها ومحرّريها ورؤساء تحريرها الأوائل. وتحيتنا إلى هذه الذاكرة؛ تمثلت...

اقرا المزيد
هشام جعيط.. إصلاح الحياة!
06 يوليو 2021

لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَمي؟ كان هذا السؤال من بين الأسئلة الفكريّة والتاريخيّة المُؤرِّقة التي انشغل بها...

اقرا المزيد
فرج دهام.. فنَّان اللامرئيّ
01 يناير 2021

مع مُنادَاة مارسيل دوشامب (1968-1887) «العمل الفَنّي ينبغي أن يكون حقيقةً ذهنيّة» بدا كأنَّ الرسمَ قد وصل إلى غايته القصوى(1)، إذ في سنة 1961 سينحت هنري فلينت مصطلح (الفَنّ المفاهيميّ)، وبذلك سيعرف الفكر الجماليّ ثورةً نقديّة نقلت مجال البحث من الجانب الفيزيائيّ...

اقرا المزيد
اتجاه.. هل حقَّق سلمان المالك نقلةً نوعية؟
16 يناير 2020

شكل معرض «اتجاه» نقلةً نوعية طال انتظارها في تجربة الفَنَّان القطري سلمان المالك. فالحدث الذي استقبله جاليري المرخية (المطافئ – مقر الفَنَّانين) بالدوحة مطلع السنة الماضية دال على تفاصيله، فعبر أكثر من سبيل، يمكن الوصول إلى عوالم لوحات جمعت بين العودة...

اقرا المزيد