الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!

ترجمة: ياسين المعيزي  |  06 أكتوبر 2021

لن يكون الرهانُ الحاسم في العقود المُقبلة مرتبطاً بالاكتظاظ السكّاني، بل على العكس بتراجع كبير في ساكنة المعمورة، حيث يوضِّح الباحثان الكنديان «جون إبيتسون» و«داريل بريكر» في مقالتهما الآسرة «الكوكب الفارغ»(1) بأن معدَّل المواليد أصبح بالفعل يعرف انحداراً سريعاً في جميع القارات تقريباً، وستكون لذلك نتائج راديكاليّة جيوسياسيّة واقتصاديّة وأخرى متعلِّقة بحركة المُهاجرين. ومنذ صدور كتابهما هذا في عام 2020، ما فتئت المُعطيات الجديدة تؤكِّد هذه الأطروحة التي تقلب جميع أفكارنا المسبقة رأساً على عقب.. الحوار:

منذ ظهور «نظرية مالثوس»، أصبحنا جميعاً نخشى الاكتظاظ السكّاني، ولكن أطروحة كتابكما تقول بعكس ذلك، أي أن الحدث الأهم في القرن الحادي والعشرين سيكون هو التراجع الحتميّ للديموغرافيا العالميّة…

– داريل بريكر: وفقاً لتوقُّعات الأمم المُتحدة، ينتظر أن يبلغ عدد السكّان ذروته في نهاية القرن الحادي والعشرين بنحو 11 مليار نسمة. ولكن هذا النموذج لا يبدو واقعياً. وبدلاً من ذلك، من المُتوقَّع أن يبلغ عدد السكّان ذروته عند 8 إلى 9 ملايير نسمة بحلول منتصف القرن، قبل أن يشهد انخفاضاً كبيراً بعد ذلك. ولا أحد يعرف إلى أي مدى سيذهب هذا الانخفاض. بكلّ بساطة لأننا نحن البشر قد اخترنا أن لا ننجب قدر ما كان ينجبه أسلافنا من الأطفال. وثمَّة عنصرٌ رئيسيٌّ آخر هو أن حجم سكّان العَالَم ليس وحده الذي سيخضع لتغيُّرات جذريّة، بل أيضاً بنيته، وبالتالي فإننا سوف نواجه الشيخوخة السريعة. كما أن رحيل جيل طفرة الإنجاب، أي الذين وُلِدوا قبل منتصف الستينيات، سيكون بمثابة انقراض جماعي. (يضحك). ولذلك لن نشهد انخفاضاً تدريجياً، بل هبوطاً حادّاً. نحن حقّاً بحاجة إلى إعادة النظر في مستقبلنا، لأن تصوُّراتنا الحالية خاطئة تماماً.

أكَّدت دراسة نُشِرت العام الماضي في مجلّة «لانسيت» أنه يمكن الوصول إلى ذروة السكّان انطلاقاً من عام 2064.. هل سيعزِّز «كوفيد- 19» هذا التوجُّه؟

– داريل بريكر: أصبحت فكرة الكوكب الذي سيفرغ من سكّانه تفرض نفسها أكثر وأكثر. وحتى الأمم المُتحدة قامت بمُراجعة توقُّعاتها في عام 2019، حيث توقَّعت انخفاضاً سكّانياً مقارنةً بالأرقام التي سبق وأعلنت عنها يصل إلى 300 مليون نسمة بحلول نهاية القرن. أمّا بالنسبة لـ«كوفيد»، فقد أظهرت الإحصائيات في الصين والمملكة المُتحدة وفرنسا انخفاضاً كبيراً في عدد الولادات خلال الجَائِحة. وفي الولايات المُتحدة، قدَّرت مؤسَّسة «بروكينغز إنستيتيوشن» أن هناك (300.000) طفل لم يولدوا بسبب «كوفيد- 19». وبعد الجَائِحة شاهدنا ارتفاعاً طفيفاً في معدَّل الولادات، إنما من المُرجَّح جدّاً أن يكون «كوفيد» قد كشف فقط عن اتجاه دائم، وهو انخفاض معدَّلات الخصوبة. ويجب أن ندرك بأن استمرار عدد سكّان العَالَم في النمو اليوم لا يرجع السبب فيه للزيادة في عدد الولادات، بل لأن البشر أصبحوا يعيشون لمدة أطول من ذي قبل.

الكوكب الفارغ، داريل بريكر وجون إبيستون، منشورات ليزارين، 04 مارس 2020.

ما هي برأيك الأسباب الرئيسيّة لهذا الانخفاض الكبير في معدَّلات الخصوبة في جميع أنحاء العَالَم؟

– جون إبيتسون: الجواب بسيط؛ إنه التمدين. ففي عام 1950، كان 30 في المئة فقط من سكّان العَالَم يسكنون بالمدن. أمّا في 2007، ولأول مرّة في التاريخ، تجاوز عدد سكّان المدن عدد سكّان المناطق الريفيّة. وبحلول عام 2050، من المُتوقَّع أن يعيش ثلثا ساكنة العَالَم في المناطق الحضريّة. والحال أن الأطفال في الريف يمثِّلون رصيداً اقتصاديّاً وسواعد للعمل في الحقول. ولكن عند الانتقال إلى المدينة فهم يتحوَّلون إلى عبءٍ مالي.

وعلاوة على ذلك، وربّما الأهم من ذلك، فإنّ التمدين يعزِّز فرص تعلُّم النساء من خلال النظام المدرسي، والإنترنت، والمكتبات، ووسائل الإعلام، وأيضاً وجود نساء أخريات. وبمجرَّد أن تحصلن على الحرّيّة، ترغبن في التحكم بحياتهن وبأجسادهن كذلك، ممّا يعني إنجاب عددٍ أَقلّ من الأطفال.

سمحت الصين مؤخَّراً للأزواج بأن ينجبوا ثلاثة أطفال في محاولة منها لوقف انخفاض الولادات.. هل سيكون لهذا الإجراء أيُّ أثر؟

– داريل بريكر: السماح للناس بأن ينجبوا أطفالاً هم لا يرغبون أصلاً في إنجابهم لن يغيِّر كثيراً من الوضع. (يضحك). قد يكون له بالمُقابل تأثيرٌ ضئيل على معدَّلات الخصوبة في المناطق الريفيّة، ولكنه لن يعكس الاتجاه. والصين مثالٌ نموذجيّ لبلد تمدَّن بسرعة. ففي عام (1960)، 16 في المئة فقط من سكّان هذا البلد كانوا يعيشون في المناطق الحضريّة. واليوم وصل هذا الرقم إلى 54 %.

يتوقَّع أن تصير الولايات المُتحدة القوة العُظمى الوحيدة التي سيزداد عدد سكّانها بحلول نهاية القرن نتيجة للهجرة.. هل يشكِّل ذلك ميزة مهمَّة؟

– جون إبيتسون: سوف تشهد الصين تراجعاً سريعاً. وإذا تأكَّد معدَّل الخصوبة البالغ (1.3) حسب إحصاء 2020، فإنّ هذا البلد قد يفقد نصف سكّانه خلال هذا القرن، من (1.4) مليار نسمة إلى 700 مليون. روسيا، التي لديها معدَّل ولادة منخفض، وأمد حياة منخفض أيضاً، لديها اليوم فعليّاً عدد سكّان أَقلّ ممّا كان عليه في نهاية الحقبة الشيوعيّة. أمّا الولايات المُتحدة فتمثِّل تاريخيّاً القوة العُظمى الأكثر انفتاحاً على الهجرة. وإذا استمرَّت الأمور بالسير في هذا الاتجاه -وهو أمرٌ غير مؤكَّد في ضوء المُعارضة المُتزايدة لموضوع الهجرة من جانب بعض الأميركيّين- فإنّ عدد سكّانها يمكن أن يرتفع ببضعة ملايين من السكّان في عام 2100. وسيكون لذلك بالطبع تأثيرٌ جيوسياسيّ واضح.

في اليابان، البلد الأكثر شيخوخة في العَالَم، ينتمي مواطن واحد من أصل أربعة إلى فئة كبار السن. هل يمكن للروبوتات والذَّكاء الاصطناعيّ تعويض ما ينتج عن ذلك من انخفاض في عدد السكّان النشطين؟

– داريل بريكر: يمكنك بالتأكيد تعويض الإنتاجية بالتكنولوجيا، ولكن لن يمكنك أن تفعل شيئاً لمُواجهة انخفاض الاستهلاك. فمَنْ الذي سيشتري المُنتجات الجديدة حين ينخفض عدد سكّان اليابان، كما تقول التوقُّعات، من 125 إلى 80 مليون نسمة، أو حتى إلى 60 مليون نسمة في عام 2100؟ يتوفَّر هذا البلد حقّاً على أكبر عدد من الروبوتات الخادمة في العَالَم، ولكن الآلات لا تملك أيّة قوة شرائية. ووفقاً لـ«تشارلز جونز»، الخبير الاقتصاديّ في جامعة ستانفورد، فإنّ انخفاض عدد السكّان سوف تكون له نتيجتان سلبيتان رئيسيّتان. الأولى هي أن انخفاض عدد المُستهلكين يعني انخفاضاً في النمو. وهذا أمرٌ لا مفَرّ منه. والثانية هي خطوة إلى الوراء في مجال الابتكار.

من المُتوقَّع أن ينخفض عدد سكّان المجر بأكثر من (10 %) بحلول عام 2050. ما يفسِّر اهتمام زعيمها «فيكتور أوربان» بالديموغرافيا وسياسته الهادفة إلى الرفع من عدد الولادات…

– داريل بريكر: «أوربان» لديه إرادة قويّة لِسَنّ سياسات تشجِّع على الزيادة في عدد المواليد، ولكن البيانات الواردة من بلدانٍ أخرى تبيِّن أنه يمكنك إبطاء وتيرة انخفاض الولادات، ولكن من الصعب عكس الاتجاه كلياً. وهذا ما يعرف باسم «فخ الخصوبة المُنخفضة»، حيث بمجرَّد ما يصبح إنجاب طفل أو طفلين هو القاعدة، فإنه يظلُّ كذلك. وبالإضافة إلى انخفاض معدَّل المواليد، تواجه المجر مشكلة أخرى وهي هجرة شبابها. هناك جالية مجرية كبيرة في جميع أنحاء أوروبا. ونتيجة لذلك، شهد سكّان هذا البلد انخفاضاً منذ الثمانينيات. وأنا لا أعتقد أن الإعانات المُشجِّعة على الإنجاب ستُحدِث فرقاً كبيراً في هذا الأمر.

لازالت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تمثِّل استثناء اليوم. فبلد مثل النيجر لا زال يسجِّل معدَّل خصوبة يفوق (7)…

– داريل بريكر: هذا الجزء من العَالَم لن يفلت هو الآخر من انخفاض معدَّل الولادات. السؤال الحقيقيّ الوحيد يرتبط بالسرعة التي سيحدث بها ذلك. لقد استغرق الأمر من أوروبا مئة وخمسين عاماً للوصول إلى معدَّلات الخصوبة الحالية. وبالنسبة لأميركا اللاتينيّة، استغرق الأمر خمسين عاماً. وفي إفريقيا، سيؤدِّي التمدين السريع وزيادة فرص الحصول على التكنولوجيا إلى جعل هذا التحوُّل يحصل في وقتٍ أقصر. فنحن نرى، على سبيل المثال، بأن هذا المعدَّل في كينيا كان يقدر بـ(8) خلال الستينيات في حين لم يعد يتعدَّى (3) اليوم. إنها مسألة وقت فقط.

ولكن خلال هذه الفترة، ستشهد إفريقيا جنوب الصحراء طفرةً ديموغرافيّة.. هل ينبغي لنا إذن أن نتوقَّع موجات هجرة أقوى من تلك التي نشهدها اليوم؟

– داريل بريكر: على عكس الاعتقاد السائد، فقد انخفضت نسبة المُهاجرين من العدد الإجماليّ لسكّان العَالَم، ويرجع ذلك جزئياً إلى زيادة الثروات. وقد انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقرٍ مدقع من (1.8) مليار في عام 1990 إلى أَقلّ من (800) مليون في عام 2015. إنما على الرغم من ذلك، سيكون هناك دائماً أشخاصٌ يبحثون عن فرص أفضل في أماكن أخرى. بعض الأماكن على هذا الكوكب جذَّابة للغاية، وتجذب المُهاجرين. فإذا كنت تعيش في «لاغوس»، فإن سعيك للهجرة إلى باريس يمكن أن يكون أمراً منطقياً. ولكن إذا استمرَّت التنمية الاقتصاديّة في إفريقيا واستقرَّت الأنظمة السياسيّة فيها، فإنّ ضغط الهجرة سيكون أَقلّ حدة.

في انتظار ذلك، تمثِّل الهجرة اليوم واحداً من أكثر المواضيع إثارةً للخلاف في قلب المُجتمعات الغربيّة…

– جون إبيتسون: لا يتعيَّن علينا ككنديّين أن نحدِّد ما ينبغي أن تفعله البلدان الأوروبيّة بشأن الهجرة. نحن نعلم تماماً أن هذا الموضوع يخلق توترات ثقافيّة وهويّاتيّة قويّة. إنّ بلداً مثل اليابان يفضِّل مواجهة انحدار ديموغرافيّ مؤكَّد بدلاً من تبنِّي سياسة مفتوحة في مجال الهجرة. ويبدو أنّ الكوريّين الجنوبيّين قد اعتمدوا النهج نفسه، في الوقت الذي نزل فيه معدَّل الخصوبة لديهم ولأول مرّة إلى أَقلّ من (1). لذلك فالمُعادلة اليوم بسيطة جدّاً: إمّا أن نقبل الهجرة والتعدُّدية الثقافيّة، أو نستسلم للتقهقر الديموغرافيّ.

يبدو أن تراجع عدد السكّان يشِّكل خبراً ساراً للبيئة أو التعليم، وخبراً سيئاً للاقتصاد…

– داريل بريكر: فيما يخصُّ مسألة البيئة، أعتقد أننا بحاجة إلى تغيير أفكارنا بسرعة. لأنك إذا ركَّزت على الاكتظاظ السكّاني واعتقدت أن البشر يدمِّرون الكوكب، فما الذي سيحدث عندما ينخفض عدد السكّان بشكلٍ كبير في غضون بضعة عقود؟ مسألة التغيُّرات المناخيّة لا تأخذ -عادةً- في الاعتبار هذا التطوُّر الأساسيّ. ونحن لا نزال حبيسي المنطق الذي تمَّ الترويج له في نهاية الستينيات من قِبل عالِم الأحياء «بول ر. ايرليش» في كتابه الذي لاقى نجاحاً كبيراً «قنبلة السكّان»، والذي تنبَّأ فيه بموت الملايين من سكّان العَالَم جرَّاء المجاعة التي سيتسبب فيها الانفجار السكّاني…

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: توما ماهلر

العنوان الأصلي والمصدر:

La terre va bientôt se vider de ses habitants

مجلة «L’Express» عدد 1 يوليو 2021.

Planète vide, Darrell Bricker, John Ibbitson, Ed. Les Arènes, 04 mars 2020

مواضيع مرتبطة

كيف شوَّهت الرّقمنة والجَائِحة لغة الجسد؟!
ترجمة: شيرين ماهر30 سبتمبر 2021
بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام
ترجمة: عبداللطيف القرشي30 سبتمبر 2021
بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة
ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر26 مايو 2021
المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
ترجمة: مروى بن مسعود26 أبريل 2021
110 عدد المشاهدات