البطيئون في مواجهة الحداثة

ترجمة: مروى بن مسعود  |  17 مارس 2021

البطء ليس نقصاً في السرعة، بل هو أعلى درجات المُقاومة ضدّ عالَم محموم يسعى إلى حشد الرجال في سباق لا نهاية له من أجل التسارُع. كتاب «الرجال البطيئون: في مواجهة الحداثة»، Flammarion ،2020 ، يكمل بشكلٍ جيِّد العملَ الذي ركَّز على التسارُع أو السرعة، وينقل تركيزنا من أوروبا إلى المُحيط الأطلسيّ، كما يحيلنا بشكلٍ مبسَّط على تاريخٍ طويل من الصراع الاجتماعيّ في حدود مئتي صفحة فقط. كما يكشف أخيراً براعة «الرجال البطيئون» في التصدِّي للتمييز الزمنيّ للحداثة.

تلخِّص لوحة «المطر، والبخار والسرعة» التي رسمها «تيرنر» عام 1844 موضوع الكتاب الأخير لـ«لوران فيدال»، المُؤرِّخ المُتخصّص في حركة المرور عبر المُحيط الأطلسيّ والمدن البرازيليّة. الصورة معبِّرة: على جسر يمتدُّ عبر نهر، تتقدَّم قاطرة قويّة وسط خلفيّة ضبابية لتفرض حركتها على المشاهد. على الجانبين في الأسفل، بالكاد يبرز بعض الأفراد، وكأن سرعة الآلة قذفت بهم جانباً، على قارب صغير، يرقصون أو ينقلون الحيوانات إلى الشاطئ. عندها يلاحظ المُؤلِّف التناقض: «فوق جسر السكك الحديديّة، المُهيمن والرائع، ينتصر العصر الجديد بالفعل، متجاهلاً أولئك الذين لا يستطيعون التكيُّف مع الإيقاع الذي يفرضه».

هؤلاء المُهملون أو المُتخلِّفون عن الإيقاع الحديث للحياة هُم الرجال البطيئون الذين يستعرض تاريخهم «لوران فيدال» بشكلٍ مبسَّط في هذا الكتاب. باعتماد اللوحات والأعمال الفلسفيّة والقصائد، يقودنا إلى فهم ظاهرة البطء عبر التاريخ وكيف تحوَّلت إلى صفةٍ اجتماعيّة مميَّزة، تُنسب إلى شخصيّات مختلفة من العصور الوسطى حتى يومنا هذا: «الهندي الكسول» والأسود «المُتراخي»، والعامل «الباهت»، و«الكسول» أو «الغافل»، المنفيّ المُعاصِر، إلخ. ويشرح المُؤلِّف التطوُّرات الدلاليّة لهذه الصفات المُتعدِّدة التي تحوم حول المُصطلح المركزيّ للبطء. واختار كلماته بعناية ووضوح بعيداً عن العبارات الطنانة، لكنها لا تخلو من بُعدٍ سياسيّ واضح («في مواجهة الخطاب السائد؛ خطاب تمجيد الكفاءة والسرعة»). وبالتالي، جاء العمل امتداداً لحركة هؤلاء الرجال البطيئين الذين تصدّوا لوتيرة الأزمنة المُعاصِرة التي لا ترحم من خلال تغيير الإيقاع، وإبطاء وتيرة العمل بالمصنع، أو تجربة موسيقى جديدة، أو شغل الوقت الميِّت في «مناطق الانتظار»، وهي عادةً أرصفة المدن الساحليّة الأطلسيّة.

تاريخ من التمييز ضدّ البطيئين

في مقدِّمة كتابه، استلهم «لوران فيدال» أفكاره من الجغرافيّ البرازيليّ «ميلتون سانتوس» والشاعر «إيمي سيزير» لكشف مغالطات فكرة «عدم التناسق البديهيّ بين البطيئين والعَالَم الحديث». وقد خصَّص الفصل الأوّل لاستعراض أوجه هذا الاختلال، بدءاً من بيان أصل المُصطلح اللاتينيّ «lentus»: في الأصل يعني شكلاً ناعماً ومرناً، في عالَم النبات، ثمَّ انطلاقاً من القرن السادس عشر اقتصر معناه على الإشارة لقيمة زمنيّة. ومنذ القرن الثالث عشر، ربط اللاهوتيّون أمثال الدومينيكانيّ «غيوم بيرود»، خطيئة التلاشي بالكسل والبطء. وإلى جانب محاربة الدين للكسالى الآثمين يضاف الهاجس التجاريّ في علاقته بالسرعة ضمن المجال الاقتصاديّ.

وهكذا ظهرت أوّل شخصيّة اجتماعيّة «للرجل البطيء»، وقد تجسَّدت بشكلٍ مثالي، لدى الأوروبيّين في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، في هذا «الهنديّ الكسول» في العَالَم الجديد. لكن الرجل البطيء يمكن أن يكون أيضاً من الأوروبيّين والبيض، على غرار «رجال لندن البطيئين»، الأبطال غير السعداء في أغنية إنجليزيّة شهيرة تسخر من عدم استيعاب الوافدين الجدد لقوانين العاصمة. وفي كلّ الحالات، بدءاً من القرن الثامن عشر وما بعده، اكتملت كلّ العوامل التي شكَّلت فكرة اجتماعيّة ترى بأن «البطء في جميع أشكاله عقبة أمام تطوُّر المُجتمع».

وفي الفصل الثاني من الكتاب عودة على السرعة غير المسبوقة للبخار وتطبيقاته الصناعيّة التي تغذِّي «حرباً على البطء». فرضت الآلات وتكاثر السّاعات بجميع أنواعها نظاماً زمنيّاً جديداً على العُمَّال. منذ نهاية القرن الثامن عشر، كان مصطلح «بطيء» و«بطيئة» وصماً للعُمَّال البطيئين للغاية. وبعد قرن من الزمان، أصبحت عبارة «الرجل الغافل» ملتصقة بالرجال غير المُناسبين للعمل الصناعيّ. الهنود الأميركيّون والسود المُستعمرون متهمّون أيضاً بـ «التراخي»، ولذلك استبعدوا إلى أسفل التسلسل الهرميّ الاجتماعيّ والعرقيّ الذي يعتمد بشكلٍ خاصّ على السرعة التي مجَّدها «جورج سيميل» و«فيليبو مارينيتي» و«مارسيل بروست». وفي فرضيّة جريئة تستحق التوضيح بشكلٍ أفضل، يرى «لوران فيدال» أن وضع عدد معيَّن من غير المرغوب فيهم اجتماعيّاً من قِبل النظام النازيّ «رهن الاعتقال» يعتبر «تتويجاً لهذا الحبس المجازيّ والتمييزيّ الذي يحشر فيه كلُّ مَنْ كانت حركاته في العمل ونمط حياته غير متكيِّفة مع المعايير الإيقاعيّة الجديدة للمُجتمع».

القوة التخريبيّة لتغييرات الإيقاع

الفصل الثالث اختار له الكاتِب، بشكلٍ متناسق، عنوان «الارتجال». هذا الإيجاز يعكس بشكلٍ مباشر الانقطاعات في إيقاع «الرجال البطيئين»، انقطاعات «يمكن أن يصبح استخدامها غير المُتوقَّع وغير المُخطَّط له أداةً لمُعارضة استبعاد البطيئين». وفي الفصل الرابع، تتخذ هذه التمزُّقات والانقطاعات أشكالاً مختلفة. من القرن الثامن عشر فصاعداً، على سبيل المثال، عمد العبيد إلى تخفيض وتيرة العمل في المزارع في كلٍّ من الولايات المُتحدة والبرازيل. وقام العُمَّال الأسكتلنديّون بالشيء نفسه في نهاية القرن التاسع عشر للحصول على زيادة في أجورهم. كذلك أطلقوا حركة الـ«Go Canny» («تحرك ببطء»). لكن في بعض الأحيان هناك تحويل متعمَّد لمعنى بعض المُصطلحات التحقيريّة، على غرار كتاب «بول لافارج» «الحق في الكسل» (1880) أو «روبرت لويس ستيفنسون» «اعتذار الخاملين» (1877).

لكن المُدن الساحليّة في المُحيط الأطلسيّ و«ريو دي جانيرو» و«نيو أورليانز» في المُقدِّمة، وسكّانها من العُمَّال ذوي المهارات المُتدنيّة، الحمَّالون، هو ما يُثير اهتمام «لوران فيدال» بالأساس. يتكوَّن هؤلاء السكّان من نازحين سود وأوروبيّين وعبيد سابقين ومهاجرين، وهم يتناوبون بين النشاط المحموم وأوقات الراحة. كما أنهم يتردَّدون على «هونكي تونكس»، حيث يتمُّ اختراع موسيقى الراغتايم والكريوليوس والمُوسيقى الكريهة، والعديد من الأشكال الثقافيّة، الماديّة والحسيّة، التي تتصوَّر «فرضيّة لعلاقة أخرى بالزمن، ليس الزمن السّائد، بل الزمن المُحرِّر».

ولئن سعى المُؤلِّف إلى التمييز بين شخصيّات مختلفة من «الرجال البطيئين» في التاريخ، فقد طرح، قبل صياغة استنتاجه، سؤالاً أساسيّاً: «ماذا لو كانت فئة الرجال البطيئين هي التي تشكِّل هياكل المُجتمعات البشريّة بحدِّ ذاتها بدل أن تكون نتاج سياقات معيَّنة؟».. إن الأمثلة العديدة على التصنيف الاجتماعيّ بين السريعين والبطيئين، خاصّة بين قبائل السكّان الأصليّين الأستراليّين التي درسها عالِم الأنثروبولوجيا كارل جورج فون برودينشتاين، تشير إلى هذه الفكرة. ومع ذلك، يسارع «لوران فيدال» إلى تجاوز المُواجهة بين الظرفيّة والهيكليّة: «إذا بدا وصف أفراد معينين بالبطيئين عادة ثابتة (نجدها في ثقافاتٍ مختلفة وفي أوقاتٍ مختلفة) ، فقد تحوَّلت (في العَالَم الغربيّ على الأَقلّ) لتصبح من خلال تطوُّرها الزمنيّ […] شكلاً من أشكال التمييز الاجتماعيّ».

ماذا عن المرأة البطيئة؟

يرسم «لوران فيدال» ملامح الشخصيّات المُعاصِرة للرجال البطيئين، والمنفيّين وأصحاب السترات الصفراء، من الرجال والنساء. لكن لماذا لم نتحدَّث عن النساء من قبل؟ بالنسبة للمُؤلِّف، «الخطابات المُتعلِّقة بالعمل موجَّهة للرجال بشكلٍ أساسيّ». ولكن المُفارقة أن المرأة لم تكن غائبة عن العمل بأجر، حتى في الصناعة. وبتركيزه على العمل بأجر في المناطق الحضريّة، يتجاهل المُؤلِّف جميع الفروق الدقيقة للعمل في العصر الحديث، حيث تحتلُّ المرأة مكانةً مركزية في الحقول أو في الورش المنزليّة. ورغم استبعادها من معظم الشركات، تمارس المرأة التجارة بحرّيّة إلى حدٍّ ما، لا سيما في الأنشطة التجاريّة الصغيرة والكبيرة، وحتى في الأعمال التجاريّة الخاصّة في بعض الأحيان. لذلك، لا نرى أنه كان من المُمكن أن تفلت المرأة من أوامر السرعة أو وصمهن بالبطيئات على غرار الرجال. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاتهام بالكسل، الذي يظهره «لوران فيدال» بوضوح في التسلسل الهرميّ الاجتماعيّ والعرقيّ، يغذِّي أيضاً التسلسلات الهرميّة الجنسانيّة في الأماكن العامّة والمنزليّة. في عام 1531، حصل رجل قتل زوجته على عفوٍ ملكيّ بعد إدانته لحالة الخمول والكسل التي كانت عليها في المنزل! باختصار، كان هناك تمييزٌ وهميٌّ حول النساء البطيئات، الضعيفات، الكسولات… وقد خصّص له حيّزاً في هذا الكتاب.

تشبيه أدبيّ أم علاقة سببيّة؟

أخيراً، هناك مسألة أثارها استخدام القياس في الكتابة، ولا نعرف دائماً ما إذا كانت استحضاراً أدبيّاً أو عرضاً علميّاً. يعتقد «لوران فيدال»، على سبيل المثال، أن الإغماء المُوسيقيّ، الذي يُعرَّف على أنه تحوُّل سريع من الإيقاعات الضعيفة إلى إيقاعات قويّة، يميِّز جزئياً المُوسيقى التي تمَّ اختراعها في «هونكي تونكس» لمدن الموانئ الأطلسيّة: «هناك تشابه واضح بين وضع الرجال البطيئين في مجتمع «نيو أورليانز» أو «ريو دي جانيرو»: هؤلاء المُستبعَدون والمُهمَّشون يمنحون أنفسهم، من خلال الاستخدام الخفي للإغماء المُوسيقيّ، قوة تسمح لهم بإحباط الزمنيّة الجديدة التي تدَّعي التحكُّم فيهم، جسديّاً وروحيّاً».

ماذا نفعل بهذا التشابه بين السيرورة المُوسيقيّة للإغماء ومواقف الحمَّالين فيما يتعلَّق بالأزمنة المُهيمنة، وخاصّة لعُمَّال الموانئ؟ هل نستنتج أن الخصائص الزمنيّة لهذه المُوسيقى يجب أن تفسَّر على أنها علامات مقاومة لهذه الفترات الزمنيّة؟ فرضية غير مستبعدَة، لكن الدليل غير كافٍ. ربّما نكون هنا ضمن الحدود المُتأصِّلة لمُمارسة المقالة في التاريخ، حيث تترك الكتابة، التي تبتعد قليلاً عن الشكُّل الرسميّ مقارنة مع المقالة العلميّة، مساحة أكبر للتفسير.

لكن هذا التحفُّظ لا يجعلنا نشكّك في الفائدة العلميّة لكتاب «الرجال البطيئون: في مواجهة الحداثة». إنه يكمل بشكلٍ جيِّد العمل الذي ركَّز على التسارع أو السرعة، وينقل تركيزنا من أوروبا إلى المُحيط الأطلسيّ، كما يحيلنا بشكلٍ مبسَّط على تاريخ طويل من الصراع الاجتماعيّ في حدود مئتي صفحة فقط. وبعيداً عن الحدود المُوضَّحة أعلاه، كشفت كتابات «لوران فيدال» عن براعة «الرجال البطيئون» في التصدِّي للتمييز الزمنيّ للحداثة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كوم سوشيير

المصدر:

https://laviedesidees.fr/Vidal-Les-hommes-lents.html

مواضيع مرتبطة

الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!
ترجمة: ياسين المعيزي06 أكتوبر 2021
كيف شوَّهت الرّقمنة والجَائِحة لغة الجسد؟!
ترجمة: شيرين ماهر30 سبتمبر 2021
بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام
ترجمة: عبداللطيف القرشي30 سبتمبر 2021
بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة
ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر26 مايو 2021
المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
644 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

إدغار موران: ليس لدينا وعي تام بأننا نسير نحو الهاوية
25 يوليو 2021

إدغار موران، عَالِم اجتماع وفيلسوف ومدير أبحاث فخري في المركز الوطنيّ للبحث العلميّ (CNRS)، وهو كذلك مفكِّر إنسانيّ، وأحد أبرز منظِّري الفكر المُعقَّد. احتفل بعيد ميلاده الـ 100 يوم 8 يوليو/تموز الماضي. في المُقابلة التي أجراها مع «franceinfo»، تطرَّق إلى «دروس قرن...

اقرا المزيد
موسوعة تحرير العالم.. الباب المفتوح لـ «ويكيبيديا»
26 مايو 2021

هناك قصَّتان، يمكن أن ترويهما عن «ويكيبيديا»؛ الأولى أنه، قبل 20 عاماً، تَمَّ إطلاق «مورد ويب»، فهدَّد الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام، وأزاح مصادر المعرفة القائمة. كانت موسوعة يمكن لأيٍّ كان تحريرها: من أطفال، وجهلة عنيدون، وأزواج سابقون غاضبون. إذا...

اقرا المزيد
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
26 أبريل 2021

يشهد تشييد الجدران والحواجز، في القرن الحادي والعشرين، على تطوُّر الحدود في عالَم شديد الحركة، وكذلك على ازدهار سوق حقيقيّ للحدود. كتابه «تجزئة العَالَم»(1) يدرس الجغرافي «ستيفان روزيير»، دلالة الحواجز التي حلَّت محلّ الحدود في بعض المناطق من العَالَم،...

اقرا المزيد
هل أصبحنا عرضة للأوبئة مرّة أخرى؟
06 أبريل 2020

إن الوباء موضوع الساعة قد شغل الناس وقلب عاداتنا وأنماط حياتنا ويقيننا بشكلٍ غير مسبوق. أعاد ترتيب أولوياتنا وعطَّل حركتنا لبعض الوقت. وأصبحنا نشعر، بدرجاتٍ متفاوتة، بعجزنا عن مواجهته. والعجيب في الأمر أننا لم نعد نعرف دائماً ممَّنْ نخاف، أو حتى ما إذا كان...

اقرا المزيد