التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل

إبراهيم الحَيْسن  |  26 مايو 2021

فقدت الساحة الفنِّيّة، العربيّة، والتونسية، مؤخَّراً، فنَّانّاً تشكيليّاً متفرِّداً، بَصَمَ مساره الجمالي بكثير من العطاء والإبداع؛ يتعلَّق الأمر بالفَنَّان التشكيلي التونسي رفيق الكامل الذي وافته المنيّة يوم الجمعة: (12 مارس/ آذار 2021)، عن سنّ تناهز (77) عاماً. وقد ترك رحيله الموجع فراغاً إبداعيّاً كبيراً في بلده بالنظر إلى مساره الفنّي الحافل بالعطاء، فضلاً عن دوره في تكوين أجيال كاملة من الرسَّامين والفنَّانين..

تحصَّلَ رفيق الكامل على دبلوم التخرُّج من (مدرسة الفنون الجميلة) في تونس، عام (1967). عقب ذلك، استفاد من إقامة فنِّيّة بمدينة الفنون «باريس». وفي عام (1970)، نال دبلوم التخرُّج من (المدرسة العليا للفنون الزخرفية) في باريس، قبل أن يشتغل أستاذاً في (المعهد التكنولوجي للفنّ والهندسة المعمارية والتعمير) في تونس، حتى عام (2005). وفي رصيده العديد من المعارض الفنِّيّة؛ الفردية والجماعية التي أقامها أو اشترك فيها في كلٍّ من تونس، وباريس، وميونيخ، فضلاً عن مدن إسبانية وبلجيكية وألمانية أخرى. وفي عام (1984)، نال- باستحقاق- الجائزة الأولى لمدينة تونس، والجائزة الأولى للمعرض السنوي للفنّ المعاصر في المدينة نفسها.
مَثَّلَ رفيق الكامل أحد أقطاب موجة التجريد، أو الفنّ اللاشكلي – Informel، الذي عمَّ الصباغة والتعبير التشكيلي في تونس، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، مستفيداً، في ذلك، من دراساته ومتابعاته لما يجري في العالم من تحوُّل متسارع في الفنّ الحديث. ومنذ ذلك الوقت، لمع اسمه بوصفه فنَّاناً طلائعيّاً شَكَّل أحد روّاد الحداثة الفنِّيّة في بلده، أقام لفترة بمرسم الفنان الفرنسي «جاك ديسبيير – J. Despierre»، خلال إقامته في باريس. وفي عام 1975، أسَّس، رفقة بعض زملائه الفنَّانين، «قاعة ارتسام»، منهم محمود السهيلي، ورضا عبد الله، ونجيب بلخوجة، وعبد الحميد بودن، وقد لعبت هذه القاعة دوراً مهمّاً في تنشيط الساحة التشكيلية في تونس.
اعتُبِر الفَنَّان رفيق الكامل من آخر المنتسبين إلى «مدرسة تونس» التي تأسَّست سنة (1949)، على يَدِ الرسام المستشرق الفرنسي «بيير بوشارل – P. Bocherle» (1894- 1988)؛ بهدف إيجاد رسم تونسي أصيل يتَّجه نحو إبراز الهويّة وإثباتها من خلال الاشتغال على الموروث الثقافي المحلّي. وقد صدرت حول فنّه ورسمه عدّة أبحاث ودراسات، من بينها كتاب مونوغرافي باللُّغة الفرنسية، بعنوان «رفيق الكامل»، أنجزه الكاتب زبير الأصرم(1)، إلى جانب كتابات ومقاربات كلّ من: يوسف الصديق، ولحبيب بيدة، وعلي اللواتي، وعبد الجليل بن المسعودي، وعماد الجميّل، وفاتح بن عامر(2)، وخليل قويعة(3)..، وغيرهم. لوحاته، عموماً تتأرجح بين التشخيصية المحدثة والتجريد الإيحائي، الكثير منها ممزوج بكولاجات مندمجة مع (الكانفا) وصبغات الأكريليك..

الراحل رفيق الكامل

لوحات الفَنَّان رفيق الكامل التشخيصية مشاهد مستوحاة من اليومي، ومن إيقاعات العيش في البلد: دروب وحوارٍ شعبية، عربات الباعة المتجوِّلون، جزارون، متاجر قديمة، أسواق ومقاهي شعبية، نسوة تونسيات بلباسهن التقليدي، مبانٍ عتيقة مطليّة بالجير الأبيض الناصع، وأخرى مصبوغة بألوان ترابية تكسوها حمرة ياجورية، مناشط الصيَّادين والحوَّاتين، إلى جانب بورتريهات بألوان مضبَّبة، وغير ذلك من المواضيع التي تؤرِّخ لمشاهد من البيئة المحلّيّة ببنياتها وأناسها، في حركات دؤوبة ومستمرّة تعكس نبض الحياة بالشكل الذي سجله الفنَّان في مخيِّلته، لتلتقطه العين، بعد ذلك، بأمانة إبداعية تيمُّناً بقول الفَنَّان «مايكل أنجلو»: «المرء يرسم بعقله لا بيده».
هذه الفضاءات المعمارية شكَّلت جزءاً من ذاكرة الفَنَّان رفيق الكامل، التي أراد، من خلال رسمها وتلوينها، إظهار حبِّه الحقيقي والصادق لها، بدءاً من تصوُّره البصري للفضاء والمكان، مروراً بعشقه الخالص لأمكنته وأفضيته المفضَّلة. كما حرص، في معظم لوحاته التشخيصية، على الاهتمام ببعض تفاصيل اللوحة وتميَّزَ بتمكُّنه من التوظيف الملائم بين مناطق الضوء والظلّ – Clair- obscure، في الرسم والتلوين. ففي لوحاته سرديّات بصرية تعكس مرانه المتقدِّم في الرسم، والتصوير الذي يخالف النمط الكلاسيكي السائد والمألوف، حيث ظلَّ يرسم ويلوِّن بتقنية مغايرة تجمع بين الواقعية الحسّيّة والتأثيرية الجديدة، وفيها تبدو النماذج المرسومة في شكل خيالات وأطياف بفعل «الضبابية اللونية» التي ينهجها، وهو أسلوب صباغي حداثي عصيّ في التصوير، لا يتقنه سوى المهرة من الفنَّانين والرسامين.
الكثير من شخوصه أصدقاء يعرفهم، أو جيران عايشهم، وتقاسم معهم حياة اجتماعية بسيطة؛ لذلك ظلّوا يسكنون فنَّه، وقلبه الذي لم يكن يعرف الحقد والكراهية والمنافسة المجَّانية، بقدر قناعته بمساعدته للناس المحتاجين، والإنصات إليهم.. هكذا، أدرك، ومنذ بواكيره الفنّيّة وانخراطه الفعلي في مجال الإبداع، رسالةَ الفنّ، وانتبه مبكِّراً إلى دوره الحيوي فنَّاناً عضويّاً، في الارتقاء بالوجدان الجمالي المشترك، فضلاً عن كون الفنّ أداة فاعلة ومؤثِّرة في إثراء التجربة الإنسانية، على أكثر من صعيد..

أمَّا في لوحاته التجريدية، فتبرز تكوينات لونيّة حركيّة بجانب كتل متراصّة محاطة بخطوط غليظة ومنثالة، في شكل بقايا صباغة قَبْلِيّة، تنبعث من عمقها أشكال هندسية مندمجة مع أخرى عضوية مثل كائنات طائرة وسابحة نحو سماوات رحبة. أشكال ظاهرة، وأخرة ضامرة وقد لفَّتْها تسريحات لونية عريضة وممتدّة على شكل تواقيع وإمضاءات كبيرة، تسودها -في أغلب التطبيقات- الزرقة والرماديات الملوَّنة- Gris colorés… هنا، بَدَا الفنَّان كمن يضع اللون فوق اللون، لا ليمحو الثاني الأوَّل، بل ليمنح اللوحة أبعاداً بصرية جديدة تعجُّ بشرائح لونية، تحيا وتتعايش في ما بينها، بعناوين ومفاهيم متحوِّلة على إيقاع القراءات والتأويلات..
في هذا المنحى الصباغي التجريدي، تميَّز الفنَّان رفيق الكامل كثيراً بميوله الطيفي نحو اللون الأحادي (مونوكروم) المائل نحو الرّمادي المنصهر داخل أطياف وتكوينات عضوية متشاكلة، أظهرت دخوله في حوارات تجريبية مباشرة مع اللوحة التجريدية الحديثة، تنطلق من الأشياء البسيطة، انسجاماً مع قول الفنَّان «فاسيللي كاندانسكي»: «كلّ شيء يبدأ من نقطة صغيرة».
في هذه التجربة، تتمازج الألوان في لوحاته الفنّيّة، وتتكوَّم مثل رمال هادئة في صحراء ممتدّة، سرعان ما تتفجَّر وتتعدَّد، لتنبعث، من عمقها، ألوان وتكوينات طيفية تمضي نحو اتّجاهات متنوِّعة، لكنها- مع ذلك- بقيت محافظة على تراصّها وتماسكها..
ألوان شفيفة تذوب في لجّة أخرى داكنة، وألوان أخرى غامقة تعانق الفواتح من الألوان.. تآلف قزحيّ جماليّ مفعم بالشاعرية اللونية، يصعب فصله عن فكر الفنَّان الذي آمن طوال حياته، بثقافة الاندماج والتلاحم من أجل القوّة والتكامل؛ من ثَمَّ عُدَّ فنّه- كحياته- مبدعاً إنساناً، وإنساناً مبدعاً يفيض بالكثير من القيم الإنسانية النبيلة..
ضمن هذا الأفق الجمالي، تتبدَّى الآثار اللونية، في لوحاته، متراكبة يعمُّها الاندماج والانصهار، فهي أنجزت على مراحل، قد تكون متباعدة أو متقاربة التنفيذ، بحسب طقوس الاشتغال وحالات التأمُّل والتشكيل التي عاشها الفنَّان، والأكيد أنها تظلُّ، في كلّ هذه الحالات، نابعة من الفكر الذي يؤسِّس للإبداع بما يستلزمه الأمر من انسجام تامّ يضمن الحدّ الأدني من خصائص التصوير الحديث والمعاصر.
وبكثير من المزامنة – Contemporanéité، تعايشت التوليفات اللونية والكتل المتعاضدة في لوحاته، على إيقاع التجريد الموسوم بالتشخيص والتجريدات الصباغية المدعَّمة بالطباعة والتقطيع والتغرية/ Découpage-Collage المدمجة في ثنايا اللون، وفي جسد اللوحة. وقد «ساعدت أعمال التّلصيق الفنَّان الكامل على قراءة فضائه وعلى صياغته بحكمة كبيرة؛ ذلك أنّ الفضاء التّشكيلي، للوحة الكامل، مَصوغ بنوع من التّقليص في الألوان والتّركيز في الاختيار حتّى صارت اللّوحة إلى فضاء لونيّ موحّد تطفو الأشكال على سطحه كما تبرز من رحمه، في تباين ضوئيّ، وفي تقارب لونيّ واضحَيْن»(4).
أمّا ذهن الفنَّان، فظلَّ يشتغل بحسٍّ لونيّ يقظ، يتَّجه نحو إعادة صياغة المشاهد والمعاينات المرئية صياغة تجريدية ظهرت نتائجها طويلاً فوق السند؛ بذلك ظلَّ المبدع رفيق الكامل «يختبر أنظارنا، ويترجم -بلا كلل – مشاعرنا وأحلامنا»، كما قال «جاك لانغ – J. Lang» وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، والمدير الحالي لمعهد العالم العربي في «باريس»، مضيفاً، في شهادة خلال تكريمه؛ كون «إتقانه الأنيق للألوان وذكاء ملامحه، جعله أحد أكثر الرسّامين تأثيراً في المشهد الفنّي العربي المعاصر»(5).
فمن يرى فنّ هذا الرسّام المبدع سيدرك أن يده أتقنت، بالفعل، دروب التشخيص والتجريد، حيث أجاد الرسم والتصوير بمثل إتقانه للتعبير باللون والتحكُّم في تحوُّلاته البصرية فوق السند، بذكاء إبداعي نادر جعل لوحاته وتصاويره محطّ أنظار النُقَّاد والمتلقِّين. وسط هذه الدروب، تتوارى دلالات أيقونية عديدة؛ الأمر الذي يحتاج إلى أدوات خاصّة لاستيعاب المعاني بالشكل الذي نسجها فيه الفنَّان بإبداع واسع، وبمعرفة فنّيّة وافية.
في السنوات الأخيرة من عمره، تضاءلت النشاطات الإبداعية الخارجية للفنَّان رفيق الكامل؛ جرَّاء التعب والإعياء، قبل أن يعتزل وينهي مشواره الفنّي هادئاً، صموتاً ومعتكفاً داخل مرسمه الكائن في المرسى، غير بعيدٍ عن تونس العاصمة، إلى أن رحل رحلته الأبدية كبيراً مثلما عاش متواضعاً، وبقيت إبداعاته وجماليّاته الرَّاقية شاهدة على فنّه وإنسانيَّته..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هوامش:
1 – Zoubeir Lasram: Rafik El Kamel. Éditeur: Ceres- Tunis (1 janvier 2003).
2 – فاتح بن عامر: «رفيق الكامل: قضايا الفضاء التّشكيلي بين خطاب التّقنية وحسّية التّجريد ومقتضيات الانتماء»، مقتطف من من أطروحة «التجريد بتونس في الستينات والسبعينات: مبحث جمالي ونقدي» التي نوقشت يوم 8 أبريل/ نيسان (2005)، في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس.
3 – خليل قويعة: «أسفار الرؤية ومدارات التجربة التشكيلية لدى الفنَّان رفيق الكامل»- مجلّة الحياة الثقافية، العدد (108) – السنة (24)، تونس، أكتوبر/تشرين الأول 1999.
4 – فاتح بن عامر مصدر سابق.
5 – واردة ضمن شهادة مؤرَّخة بتاريخ (16) مارس/ آذار (2021).

مواضيع مرتبطة

في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
خالد بلقاسم07 يوليو 2021
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
خالد بلقاسم26 مايو 2021
جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»
رشيد بنحدو26 أبريل 2021
تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا
عبد الرحمان إكيدر24 فبراير 2021
علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”
محمد برادة03 يناير 2021
رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ
خالد بلقاسم10 ديسمبر 2020
محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!
إبراهيم الحَيْسن04 نوفمبر 2020
«في انتظار البرابرة» الشخصيّة الكولونياليّة في عُزلتها وتمرُّدها
أحمد ثامر جهاد03 نوفمبر 2020
مدينة في ورشة نزار صابور
أثير محمد علي02 أغسطس 2020
إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة
فخري صالح02 أغسطس 2020
334 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!
04 نوفمبر 2020

برحيل الفنَّان التشكيليّ محمد المليحي مساء الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بأحد مشفيات باريس في فرنسا إثر تأثّره بمُضاعَفات فيروس كورونا «كوفيد – 19»، وعن سنٍّ تناهز 84 سنة، تكون الساحة التشكيليّة العربيّة والمغربيّة قد فقدت واحداً من الرواد الذين أبدعوا...

اقرا المزيد
ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون
21 يوليو 2020

ماذا يستهلك الرسّامون والمصوِّرون من أشربة وأطعمة؟ ما هي حاجتهم إلى الأكل(1)؟ وما هو نسقهم الغذائي؟ وكيف جسَّدوا علاقتهم الطبيعية مع الطهاة؟ وإلى أيِّ مدى أسَّسوا أنظمتهم الذوقية – Gustème وفقاً لطقوسهم الإبداعية الخاصّة؟ وهل هناك أغذية معيَّنة تساعدهم...

اقرا المزيد
هل تجاوز الفَنّ التشكيليّ في موريتانيا مرحلة التأسيس؟
02 يونيو 2020

لا تنفصل البواكير الأولى للفَنِّ التشكيليّ في موريتانيا عن الظروف التي مرَّت منها خلال الفترة الكولونياليّة، حيث تمَّ احتضان فنون الأهالي Arts indigènes وإدماج الفَنّ في التلقين المحليّ تحت الوصاية البرَّانيّة، وذلك ضمن برامج المركز الثقافيّ الفرنسيّ سانت...

اقرا المزيد