الحوار مع الغَائِب الأندلسيّ

نزار شقرون  |  17 مارس 2021

تحتاج المُجتمعاتُ من حينٍ لآخر إلى تقليب ذاكرتها الرمزيّة، ومعاينة «سرديّاتها»، ومنها سرديّتها التاريخيّة لفترةٍ من الفترات، قد تبدو بعيدةً في الزمن، ولكنّها ثابتة ولا تفتأ عن الظّهور. ومن هذه السّرديّات، سرديّة «العصر الأندلسيّ»، وإذ نطلق لفظة «العصر» على القرون الثمانية التي عمَّر فيها العرب المُسلمون بإسبانيا، فلأنّنا نفترض أنّ ما امتدَّ على تلك القرون لا يمكن اختزال مداه في الأثر النفسيّ الذي يشعر به عرب مسلمون كثْرٌ من فقدانِ «فردوس»، في صيغة استعاديّة لا واعية للفقدان الأوّل، وتحميل شعور الخطيئة الأولى من جديد للأجيال، ووضع كلمات الأميرة عائشة أم أبي عبد الله الصغير كخلاصةٍ ترميزيّة للحظة توصيف قاسية لسقوط غرناطة حين قالت له «ابكِ كَالنساءِ مُلكاً لم تُحافظ عليه مثل الرّجال». إذ نرجِّح أنّه خارج دائرة «الأندلس» الرمز، ظلَّ ذلك العصر قريباً وبعيداً في آنٍ واحد، فهو عصرٌ حيّ في «الدراسات الأندلسيّة» ولدى المُختصين فيها من حيثُ إجراء المباحث فيه، وهو عصرٌ حاضر في ذاكرة العرب المُسلمين من حيثُ أبعاده النفسيّة لا غير، وهو عصرٌ غائب في الهويّة الإسبانيّة الراهنة من حيثُ إنكاره رمزيّاً وعدم التفكير فيه كمُكوِّن لتلك الهويّة.

ورغم أنّه لا يُمكننا عزلَ ذلك «العصر» عن سياقه الحضاريّ، فإنَّنا نفترضُ أنّ تميُّزه في ذلك السياق يجعلنا نعود إلى مساءلة تلك المُميِّزات التي جعلت منهُ تجربةً فريدة على المُستوى المعرفيّ، وشاهداً على حوارٍ ثقافيّ عميق بين «شرق وغرب»، ومؤثِّراً في نهضة أوروبا لا محالة. وتقودنا هذه الاستعادة إلى اللحظة المُؤسِّسة لذلك «العصر» التي نجملها في رمزيّة «العبور» من المغرب إلى إسبانيا عبر المضيق، تلك اللحظة التي بدت خطوةً عسكريّة توسُّعيّة، ولكنّها دشَّنت «عصراً معرفيّاً» ما زالَ محتاجاً إلى الاستكشاف والحفر ودراسة بنيته المعرفيّة الضّمنيّة.

لم يكن مضيق جبل طارق مجرَّد موقع تتصارع حوله قوى إقليميّة للسيطرة عليه، فقد ظلَّ في ذاكرة العرب المُسلمين رمزاً للخطوة التي قطعها طارق بن زياد في القرن الثامن للميلاد، ليدشّن «عصراً جديداً» حمل في داخله بذور الاختلاف والتميُّز في الحضارة العربيّة الإسلاميّة. لقد استطاع طارق البربري، حاكم مدينة طنجة أن يعبر إلى الأندلس عام (92 هـ – 710م)، فلم يدخلها فارساً وفاتحاً فحسب، وإنّما دخلها أديباً وخطيباً أيضاً، فما تزال كلماتُ خطبته تلهبُ حماسَة الرومانسيّين الذين ظلّوا ينظرون إلى الأندلس باعتبارها «فردوساً مفقوداً»، وأصبحت فاتحة الخطبة مثلاً سائراً «أيّها الناسُ أين المفرّ؟ البحر من ورائكم والعدوّ أمامكم».

لقد شهد هذا الجبل الذي كان يُسمَّى بـ«جبل الزّقاق»، عبور العرب المُسلمين، إلى أوروبّا، وبعد أن كانَ غير معمورٍ صارَ عامراً بحركة العابرين، ومستقرّاً للعلماء أيضاً، ومنذ العبور في اتّجاه طليطلة، بدأت حياةٌ جديدة لإسبانيا، التي كانت تربطها علاقاتٌ عابرة مع شعوب مختلفة مثل الفينيقيّين، واليونانيّين، والقرطاجيّين والوندال في السّلم والحرب. ولكن لم يكن لتلك العلاقات من تأثيرٍ قويّ وحاسم في تشكيل هويّة مخصوصة للشعب الإسبانيّ، حيثُ بدا المُؤثِّر الروماني والمُؤثِّر الإسلاميّ، هما العاملان الأساسيّان في نحت خصوصيّة الإسبان، فقد كانت اللّغة اللاتينيّة والنّظم القضائيّة والأدبيّة والفنِّيّة والدينيّة سليلة الرومان، ولم يكن للإسبان إلى حين دخول الفاتحين من علومٍ تُذكر، غير أنّ دخول العرب المُسلمين شحن إسبانيا بروح الحياة الجديدة، وشكَّل منعطفاً حضاريّاً لم يميِّز به ذلك الفضاء وحده.

د. نزار شقرون

لا يعني ذلك أنّ الفضاء العربيّ الإسلاميّ في تلك الفترة لم يتأثَّر بدوره بالنتاج العلميّ والفكريّ والأدبيّ لأبناء الأندلس بعد أن نهلَ منهُ، ولكنّه تميَّز عنه في آنٍ واحد، فقد اتَّسمت البيئةُ الأندلسيّة بقبولِ الآخر، ونعني به الآخر الشّقيق، وهو الفكر المشرقيّ بمختلف أبعاده المعرفيّة، دون أن ينساق الأندلسيّون إلى مجاراة ما وقع في المشرق العربيّ من تنازع المذاهب والفرق الكلاميّة، فقد شهدت بدايات الوجود العربيّ في إسبانيا استقبالاً للثقافة العربيّة الإسلاميّة في المشرق، وبعد أَقلّ من قرنين صارت الأندلس قبلة أهل الشّرق. وبعيداً عن مقولة مغرب عقلانيّ ومشرق عاطفيّ، فإنّ الأندلسيّين شرعوا بعد استيعاب علوم وآداب وفكر إخوانهم في الشرق، في تدشين تجربة تخصّهم على جميع المُستويات.

ولكنّ الموروث الأندلسيّ ظلَّ غائباً عن التداول طيلة قرون إلى غاية القرن التاسع عشر، وحين تمَّت استعادته في القرن العشرين، غلبت صورة الأندلس عن خزانها الرمزيّ، وشاع التناول الرومانسيّ لحضارة بلغت مرحلة الأطلال في الذاكرة الجماعيّة، وطغى الاهتمام بأسباب سقوط الأندلس على أسباب بلوغ الحضارة فيها أَوْجَ ازدهارها، وبدل أن ينصبَّ الاهتمام على عوامل التميُّز الحضاريّ، وممكنات الاستفادة منه، خيَّم خطاب الفقدان على خطاب الاستعادة النشيطة لمُحرِّكات البناء الحضاريّ.

ومن العجيب أنّ علماء الأندلس الذين شاعت فضائلهم بين أهل الشرق وفي الغرب، عاشوا تجربة غربة الفكر شأنهم شأن كلّ العلماء، وقد عبَّر عن ذلك ابن حزم الأندلسيّ في قوله «أمّا جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى بهِ المثل السّائر أزهد الناس في عالِمٍ أهلهُ»، ولكنّ هذه الغربة مازالت متلبسة بفكر أهل الأندلس عامّة إلى يومنا، وكَمْ نحتاج إلى مساءلة ذلك العصر بما يحتويه من ثراء ومميِّزات تفرَّد بها أهلهُ عن أبناء زمانهم، وظلَّت آثارها إلى الآن مبثوثة في فكرنا المُعاصِر.

مواضيع مرتبطة

برنار نويل.. رحيل كاتب مُلتَزِم
أسماء كريم26 مايو 2021
«البرفورمانس» والنصّ المتحرّك
آدم فتحي26 مايو 2021
لماذا تخجل هوليوود من تاريخها؟
‬أمجد‭ ‬جمال21 مايو 2021
موقف المثقَّف بين المتنبِّي والمعرّي وطه حسين
صبري حافظ20 مايو 2021
الدبلوماسية الثقافيّة.. ما قبْل وما بعد!
آدم فتحي26 أبريل 2021
جدل التناقض بين طه حسين و المتنبي
صبري حافظ26 أبريل 2021
آلية الترجيح في الترجمة
خالد بلقاسم26 أبريل 2021
غيابُ الكِتاب في الإذَاعة والتليفزيون
آدم فتحي17 مارس 2021
مريد البرغوثي.. كتابة فلسطين الجديدة
صبري حافظ20 فبراير 2021
الحياة بوَصفها حُلماً
خالد بلقاسم15 فبراير 2021
323 عدد المشاهدات