الخيال الوبائي.. روايات لـمستقبل محتمل!

رشيد الأشقر  |  03 مايو 2020

في سياق حالة الحجر، والحظر، والطوارئ الصحية، التي يعيشها العالم اليوم، طفت على سطح المشهد الثقافي، في الآونة الأخيرة، بعض الأعمال الروائية التي أثارت اهتمام المنابر الإعلامية والثقافية الدولية، بقدرتها العجيبة على توقّع واستشراف ما يُشبه الجائحة الوبائية الحالية، منذ سنوات وعقود، قبل أن يشهد الناس هذه «الكورونا» التي تزحف على العالم وتحاصره منذ شهور. وليس المقصود هنا ذلك الصنف من الروايات التي تناولت أوبئة وجوائح «حقيقية» عمّت البشرية ذات فترة من تاريخها العليل، كرواية (الجبل السحري)، 1924، للألماني «طوماس مان»، و (الطاعون)، 1947، للفرنسي «ألبير كامو»، و(حب في زمن الكوليرا)، 1985، للكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز»؛ فمثل هذه الروايات الخالدة، إنما تقدّم واقعاً داهمته- بالفعل- أوبئة حقيقية، كالسلّ والطاعون والكوليرا. بينما الروايات التي يتناولها هذا المقال تحكي عن مستقبل بشري يُحتمل أن يعمّه مثل هذا الوباء، لذلك فهي روايات لا «تحاكي» واقع الوباء، وإنّما «تستبق» وقوع الوباء، وتستشرفه، وتُنذر بحصوله. إنها روايات الخيال «الوبائي»، على غرار قصص وحكايات الخيال «العلمي» التي دأبت على تخييل أحداث ووقائع محتملة قد تصير، في المستقبل، حقائق واقعية.

تأتي رواية (نهاية العالم) للكاتب الأميركي الشهير «ستيفن كينغ»، في مقدِّمة هذه الروايات الاستشرافية التي لفتت انتباه القرّاء عبر العالم في هذه الأيام، نظراً لما لمحوه فيها من تشابه واضح بين ما ترويه أحداثها، وبين ما يجري الآن؛ فعلى غرار ما يفعله بالعالم اليوم فايروس «كوفيد 19»، تحكي الرواية عن جيل رهيب من فيروس الإنفلونزا، يتسرّب من إحدى المختبرات العسكرية، ليفتك بأكثر من تسعين في المائة من سكان العالم. 

(نهاية العالم) الصادرة سنة 1979، رواية ضخمة بصفحاتها التي تصل الألف وخمسمئة صفحة، وتشابك حبكاتها الرئيسية والفرعية، وتعدّد شخصياتها وفضاءاتها. وهي من الكلاسيكيات السردية الرائدة لـ«ستيفن كينغ»، ومن الروايات الاستباقية لما يعيشه العالم اليوم من وباء. إنها بمثابة «كوريغرافيا» لانهيار عالم لا يحتلّ فيه البشر سوى موقع أقلّ من فيروس قذر.

(نهاية العالم) التي أصبحت مطلب القرّاء ومبتغاهم في هذه الأيام، من أجل استكشاف مجاهل الوباء، وكسر روتين الحجر المنزلي. اعتُبرت (نهاية العالم) من أكثر الروايات اقتراباً وتطابقاً، في بعض مظاهرها، مع واقع الوباء الحالي. وهذا ما دفع بـ«ستيفن كينغ» إلى التدخل عبر حسابه الشخصي على التويتر، لينفي كلّ تشابه مطلق بين الفيروس الذي تخيّله في روايته، وبين الذي يدمّر العالم اليوم، منبّهاً قرّاءه بقوله: (لا، الكورونا ليس كما الوباء الذي أحكي عنه في «نهاية العالم»، فهو لا يصل بتاتاً إلى خطورته. الوباء الحالي يمكن تجاوزه قريباً، فلا تجزعوا، وخذوا ما يلزم من حذركم). نفس الرأي، سبق أن عبّر عنه «كينغ» خلال مقابلة تليفزيونية، خصّ بها شبكة CNN، قال فيها: (منذ سنوات، كتبت «نهاية العالم»، وهي رواية تحكي عن وباء أباد غالبية الجنس البشري. نحمد الله، أن الوباء الحالي ليس بهذه الدرجة من الشراسة، ولكن منذ أن كتبتُ ذلك في العام 1979، لم نفعل شيئاً غير أن ننتظر؛ ليأتينا الوباء). وهو بهذا الكلام، إنما يتوجَّه بالنقد إلى خصمه اللدود، الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، محمّلاً إياه مسؤولية التردّد والتأخّر في تدبير أزمة الكورونا بالولايات المتحدة. 

سنتان بعد ظهور (نهاية العالم)، ينشر «دين كونتز»، المنافس العنيد لـ«ستيفن كينغ» في مجال الكتابة السردية التي تتلاعب بهواجس القارئ ومخاوفه، روايته المثيرة (عيون الظلام)، الصادرة سنة 1981. وهي رواية لا يملك حيالها القارئ سوى أن يفغر فاه، وهو يتابع وقائعها التي تجري عند نهاية 2019 وبداية 2020. تقول الرواية في بعض فقراتها: (عالم صيني يفرّ من بلده، ويلجأ إلى الولايات المتحدة، حاملاً معه أسرار أخطر سلاح بيولوجي صيني، تمّ ابتكاره في العقود الأخيرة يُدعى «يوهان 400». وإنما سُمّي كذلك لأن تطويره تمّ داخل مختبرات تقع بضواحي المدينة التي يحمل اسمها). وتضيف الرواية: («يوهان 400» سلاح فتّاك، لا يُصيب غير الجنس البشري، ولا يُمكن لكائن آخر أن يحمل عدواه. وهو شبيه بداء «الزهري»، إذ لا يستطيع فيروس هذا الوباء أن يعيش خارج الجسم الإنساني أكثر من دقيقة واحدة). بل إن رواية (عيون الظلام) استطاعت أن تستبق حتى أطروحة «المؤامرة» التي تتردّد بقوة هذه الأيام على هامش الأزمة الصحية العالمية التي تسبّب فيها فايروس «كوفيد 19»، إذ يرد على لسان أحد شخصيات الرواية قوله: (حسب ما فهمت، يمكن للصينيين، بواسطة «يوهان 400»، أن يدمّروا مدينة أو دولة بكاملها. وعندها لن يحتاجوا في غزوهم للعالم إلى عمليات ترميم، وإعادة بناء مكلّفة، وطويلة المدى).

ومع ذلك، لم تحظَ (عيون الظلام) منذ صدورها، سنة 1981، بأدنى اهتمام قرائي أو نقدي، إلى أن حلّت بنا جائحة «كورونا» لتضع الرواية على واجهة العناية الإعلامية، وعلى رأس ما تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي من مواد فنّيّة وأدبيّة تلبّي تطلعات الجمهور في ظروف الاجتياح الوبائي والحجر الصحي. وهكذا أصبحت (عيون الظلام)، التي لم تكن مصنفة من ضمن لوائح الروايات المرغوب في اقتنائها، هاجس ملايين القرّاء عبر العالم، ممّا رفع من ثمن النسخة الواحدة منها إلى مئات الدولارات، بعدما كانت بعض طبعاتها الاقتصادية لا تتعدّى الدولارين أو الثلاثة دولارات. وقد بلغت إحدى نسخ طبعتها الأولى، الموقَّعة بخط يد كاتبها، ألف دولار، في حين تجاوز ثمن نسخة نادرة من الرواية، منشورة سنة 1989، وملفوفة داخل علبة خشبية أنيقة، الألفي دولار. 

الكاتب الأميركي «دين كونتز»، وإن لم يكن من الأسماء المتداولة بكثرة خارج الولايات المتحدة، إلّا أنّه أحد العلامات الرائجة داخل سوق النشر الأميركي في صنف روايات الرعب والخيال العلمي. ومن أشهر أعماله، رواية (الأشباح) التي تم تحويلها، على يد السيناريست والمُخرج الأميركي «جو شابيل»، إلى فيلم سينمائي عام 1998. وهي من الأعمال التي يتكهّن فيه «كونتز»- أيضاً- بوباء خطير من فصيلة بيولوجية كيميائية. 

أمّا رواية «حجر صحّي»، للصحافي والسيناريست الإسكتلاندي «بيتر ماي»، التي كُتبت قبل خمس عشرة سنة، ولم تُنشر إلّا قبل أيام قليلة فقط في نسخ إلكترونية متوفِّرة على كبريات مواقع المكتبات الرقمية، فلربَّما كانت أكثر هذه الروايات إثارة وتشويقاً للقرّاء عبر ربوع العالم، ليس لأنها تتجاوز سابقتيها في توقّع الوباء، والاقتراب بسردها وأحداثها إلى ما يعيشه العالم اليوم، وإنما لحكايتها الغريبة مع مغامرة النشر والطباعة.

ففي سنة 2005، كتب «بيتر ماي» رواية حول جائحة وبائية تعيث في الأرض موتاً وخراباً، وخلالها تبدو مدينة «لندن» كبؤرة للوباء الذي يغزو العالم. وقتها، وُصِفَت مخطوطة الرواية بأنها «لا واقعية» و«غير منطقية»، وبالتالي رفضتها كلّ دور النشر؛ بداعي طابعها «السوداوي» القاتم. اليوم، وبعد مرور عقد ونصف من الزمن، تعود رواية (حجر صحي) لتتصدّر واجهات الإصدارات الروائية داخل المشهد الثقافي «الموبوء» الذي يعيشه العالم حالياً. 

وكان «بيتر ماي»، بعد أن تمّ رفض روايته، قد أهمل مسودّتها داخل أحد أدراج مكتبه، إلى أن اتصل به- مؤخَّراً- أحد الناشرين، يطلب منه أن يكتب شيئاً عن وباء «كورونا» الذي يجتاج العالم في هذه الأيام، وما أن روى الكاتب للناشر قصّة الرواية، حتى كاد هذا الأخير أن يقع من فوق كرسيّه، حسب وصف « بيتر ماي»، في حوار له مع الموقع الإخباري الإلكتروني «إي نيوز». وبعد أن قرأ الناشر الرواية في ليلة واحدة، قرّر نشرها في اليوم التالي على الفور. 

وقد عبَّر الكاتب، نفسه، عن «اندهاشه» للتشابه الكبير بين الأزمة الوبائية الحالية، وبين ما ورد في روايته؛ إذ يقول (فعندما عدت لقراءة المسودّة، فاجأتني شدّة دقتها في وصف العزلة المنزلية، وكيفية تطبيق حالة الطوارئ الصحية، فكلّ شيء فيها كان يتطابق- إلى حدّ كبير- مع ما يجري أمام أعيننا الآن). 

وفي تصريح لشبكة (CNN)، حاول «بيتر ماي» تفنيد تهمة (الإغراق في اللاواقعية واللامنطق) التي حرمت روايته (حجر صحي) من رؤية نور النشر، والخروج بالتالي إلى القرّاء، وذلك بالقول إنه قد حرص كلّ الحرص، أثناء كتابته للرواية على ألّا تعوزه هذه «الواقعية»، وذلك باستناده إلى وثائق رسمية صادرة عن السلطات البريطانية والأميركية، تتضمَّن الاستعدادات والإجراءات التي يُمكن اتخاذها في حالة اجتياح وبائي محتمل، كان يحذّر، من عاقبة وقوعه، العلماء والخبراء في تلك الفترة. وفي هذا الصدد يقول «ماي»: (لقد كانت فرضية مرعبة، لكنها حقيقة محتملة الوقوع، حسب ما استنتجته بعد بحث معمّق في الموضوع، وهذا ما أوحى لي بالفكرة التالية: ماذا لو انطلق الوباء من لندن؟ وماذا لو وجدت مدينة كهذه نفسها داخل حصار صحي شامل؟).

ولعلّ من أكبر المفارقات التي يصادفها قارئ هذه الرواية، تكمن في ذلك المشهد الرهيب الذي يصوّر مدينة «لندن» وهي ترزخ تحت وطأة إنفلونزا كاسحة تسمّى بـ«H5N1»، لتُجبر سلطات المدينة على تحويل (إكسيل)، مركز المعارض الفنية الشهير بالعاصمة البريطانية، إلى مجمع استشفائي للطوارئ، يضمّ أربعة آلاف سرير طبّي. وهو نفس المشهد الذي رأى فيه الناشرون قبل خمس عشرة سنة (تمثيلاً غير مستساغ لـ«لندن»، ولا يُمكن للمدينة أن تكون كذلك أبداً) !. 

تلكم- إذن- أهمّ روايات التخييل «الوبائي» التي شغلت القرّاء، وتصدّرت واجهات المنابر الثقافية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، في هذه الأيام الموسومة بالوباء وبالحجر الصحي الإجباري. وهي روايات أدّى الفضول الشديد لمعرفة حقيقة توقّعاتها وتفاصيل تكهّناتها، إلى طرح عدد من الأسئلة الجوهرية، من قبيل: هل يتعلّق الأمر- فعلاً- بـ«مؤامرة» تدبّرها القوى العالمية الكبرى في إطار لعبة السيطرة على العالم، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محض «تشابه بالصدفة»، ما دام أن التاريخ يكرّر نفسه، بشكل أو بآخر؟

مواضيع مرتبطة

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
ترجمة: عثمان عثمانية30 أغسطس 2020
بيروت أو جروح الضوء!
خالد بلقاسم30 أغسطس 2020
فايز صُيّاغ.. رحيل مثقَّف موسوعيّ
فخري صالح29 أغسطس 2020
أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟
محمد برادة15 أغسطس 2020
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
‬أمجد‭ ‬جمال02 أغسطس 2020
مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!
ترجمة: حياة لغليمي15 يوليو 2020
صناعة النشر بعد الوباء
ترجمة: عبدالله بن محمد03 يوليو 2020
اقتصادُ التنمية الذاتيّة
محمد الإدريسي03 يوليو 2020
أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»
ترجمة: عبدالرحيم نورالدين22 يونيو 2020
في رحيل آدَم حَنين.. وَريثُ الصَّلابَة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
509 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
02 يوليو 2020

في التاسع عشر من شهر يونيو/ حزيران الماضي، تُوفي بـ«بيفرلي هيلز»، بمدينة «لوس أنجلوس» الأميركيّة، الروائيّ الإسبانيّ «كارلوس رويز زافون»، عن عمر لا يتعدَّى الخامسة والخمسين سنة، بعد مرضٍ عُضال لم ينفع معه علاجٌ منذ سنتين. ويُعَدُّ الروائيّ البرشلونيّ...

اقرا المزيد