«الفاكنيوز».. وباء مُضاعف

جمال الموساوي  |  08 يناير 2021

حسب التعريف المُتداول تتمثَّل الأخبار الزائفة في «إنشاء معلومات كاذبة أو تمَّ التلاعب بها ومشاركتها لخداع الجمهور وتضليله إمّا بهدف دفعهم للوقوع في الخطأ واتخاذ قرارات خاطئة أو لتحقيق مكاسب سياسيّة أو شخصيّة أو ماليّة». وهي بذلك تؤثِّر بشكلٍ سيئ على قرارات الدول والأفراد على السواء، وقد تساهم في اضطرابات سياسيّة واقتصاديّة، وفي حروبٍ أحياناً.

عندما يجلس أحدهم خلف شاشة الحاسوب، ويفكِّر في نشر خبر يعرف أنه غير حقيقيّ، فهو في الغالب لا يكون على وعي بكلّ الآثار التي ستترتَّب عنه، وأحياناً ينشره فقط ليرفِّه عن نفسه أو يمزح مع أصدقائه. ما يحدثُ أن هذا النوع من الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة أكبر ممّا يتخيَّله صانعوها، سواء كان الخبر يهم فرداً أو جماعة صغيرة، أو كان يضع علامات استفهام بخصوص قضايا تهمّ الدولة أو قضايا حيويّة في السياسة الدوليّة.

قبل بسط بعض الآثار المُترتِّبة عن الأخبار الزائفة في علاقاتها بالاقتصاد في العالم، لابدّ من الإشارة إلى أن صناعتها ليست دائماً من اختصاص أفراد «أشرار» أو عابثين وفكهين أو متهورين، بل إن الدول تصنع أخبارها الزائفة أيضاً للتأثير في مجرى الأحداث أو تحقيق مكاسب سياسيّة أو اقتصاديّة، أو توجيه الرأي العام داخلياً نحو قضايا بعينها. ويمكن، في هذا السياق، العودة إلى فيلم روبرت دي نيرو «ذيل الكلب» (1997) لمُشاهدة نموذج فنّي لهذه الظاهرة، ذي دلالة بشأن كيف يمكن تحويل اتجاهات الرأي العام وتضليلهُ لتحقيق أهداف شخصيّة مثل الفوز في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة. كما يمكن، للاستزادة، العثور على عناصر وافية في كتاب «لماذا يكذب القادة؟، حقيقة الكذب في السياسة الدوليّة» لجون جي ميرشمير الصادر في ترجمة عربيّة ضمن سلسلة عالم المعرفة.

إن ظاهرة الأخبار الزائفة تنتشر أكثر في الحالات التي تسود فيها الحيرةُ والقلقُ، خاصّة إذا كان ذلك مقروناً بتدفُّق لا محدود للمعلومات التي تنهمر من كلِّ حدبٍ وليس فقط من الجهاتِ ذات التخصُّص كما حدث طيلة سنة 2020. فما من شكّ في أنّ جائِحة كورونا رافقتها جائِحة لا تقل خطراً تمثَّلت في الكمّ الهائل من الأخبار غير المُؤسَّسة والإشاعات بخلفيات وأهداف مختلفة مع التعتيم على المعلومات الحقيقيّة أو التلاعب فيها. لقد غذَّت الأخبار الزائفة حجم الذعر الذي عاشه العَالَم خلال سنة 2020، ولكنها بالمُقابل ربّما تكون ساهمت في التراخي الذي تعامل به بعض الناس مع الوباء نتيجة تضارب المعلومات ونتائج الدراسات التي تنتجها هيئات يفترض أنها تشتغل بشكلٍ علميّ صرف، من قبيل منظَّمة الصحّة العالميّة، ممّا ساعد على زيادة انتشاره وفتكه.

بيد أن آثار الأخبار الزائفة تتعدَّى هذه الصورة، على قتامتها، إلى ما هو أكثر خطورة خاصّة على الاقتصاد الوطنيّ لكلّ دولة وأيضاً على الاقتصاد العالميّ. آثار قد تؤثِّر على توجُّهات المُستهلكين والمُستثمرين على السواء، وعلى حركة رؤوس الأموال والأسواق الماليّة مع ما لكلّ ذلك من انعكاسات بالتبعية على المُستويين الاجتماعيّ والسياسيّ. وتزداد حدة هذه الانعكاسات السلبيّة مع سرعة الانتشار والتداول التي تغذّيها شبكات التواصل الاجتماعيّ.

ويصنِّف المُنتدى الاقتصاديّ العالميّ الأخبار الزائفة ضمن المخاطر الكبرى التي تواجه الاقتصاد العالميّ، إلى جانب ارتفاع معدَّلات البطالة وضعف الاستثمارات وهشاشة البنيات التحتية وانهيار الأنظمة المالية وغيرها. إن هذا التصنيف مؤشِّر في غاية الأهمِّية للوقوف على تأثير هذا النوع من الأخبار على الاقتصاد، بل إنها قد تشكِّل أحد الأسباب الرئيسيّة في تفاقم المخاطر الأخرى المذكورة بالنظر لارتباطها ببعضها أحياناً. فمثلاً قد يتسبَّب خبر زائف حول وجود تهديدات إرهابية في بلد معيَّن وهشاشة أجهزته الأمنيّة في تذبذب ثقة المُستثمرين والامتناع عن إنشاء مشروعات استثماريّة في هذا البلد، أو سحب استثمارات قائمة، ممّا يؤدِّي إلى تفاقم البطالة على سبيل المثال، وأيضاً قد يتسبَّب الخبر ذاته في تراجع أعداد السياح وتأثُّر سلسلة المهن المُرتبطة بهذا القطاع، وكذلك الشأن بالنسبة للأخبار المُتعلِّقة بالكوارث الطبيعيّة أو عدم الاستقرار السياسيّ أو الاستعدادات العسكريّة وغير ذلك.

في دراسة لجامعة بالتيمور الأميركيّة تمَّ نشرها في أواخر سنة 2019، قُدِّرت الخسائر المُباشرة للاقتصاد العالميّ، نتيجة هذا النزع من الأخبار، بنحو 78 مليار دولار سنويّاً (و100 مليار إذا أضيفت الخسائر غير المُباشرة)، موزَّعة على عدّة قطاعات مثل البورصة والصحّة والنفقات السياسيّة وحماية السمعة (الأشخاص والماركات التجاريّة) على الإنترنت وغيرها. فعلى سبيل المثال تسبَّبت الأخبار الزائفة في خسائر للقطاع الصحّي قُدِّرت بنحو تسعة ملايير دولار. وهذه التقديرات قد تكون صالحة فقط إلى غاية نهاية 2019، حيث كان وباء كورونا مجرَّد فيروس في مدينة ووهان الصينيّة.

بيد أن انتشاره بعد ذلك والضبابية التي كان سبباً فيها والشكوك المُثارة بشأنه على مستويات عدّة غذّت أكثر فأكثر الشائعات وأنتج كمَّاً هائلاً من الأخبار المُتضاربة الصادرة ليس فقط عن مؤسَّسات دوليّة ووطنيّة وعن خبراء في الصحّة والاقتصاد وعن سياسيّين، بل كذلك من تلك الأخبار التي صنعها أفراد عابثون وآخرون بأهداف تخريبيّة كما يحتمل أن تكون شاركت في إنتاجها وحدات صناعة الأدوية منذ ظهور الوباء. كلّ ذلك من المُحتمل أن تكون له بالإضافة إلى الانعكاسات الصحّية بسبب التشكيك في فعالية اللقاحات التي تمَّ إنتاجها، مثلاً، وأيضاً في «نوايا» صنَّاعها بما في ذلك فكرة «المُؤامرة»، انعكاساتٌ اقتصاديّة، حيث سيكون على الدول إنفاق مزيد من الأموال على الحملات التواصلية لإقناع الناس بأهمِّية اللقاحات وكذلك على حملات مطاردة الأخبار الزائفة ومروّجيها التي تتطلَّب موارد مالية وبشريّة إضافية، دون الحديث عن تراجع مردوديّة العاملين والمُوظَّفين بسبب الخوف والقلق.

لذلك إذا كانت الأزمة الصحّية قد خرَّبت بقدرٍ كبير مقوِّمات الاقتصاد العالميّ، خلال سنة 2020 بأكملها، وألقت بشكوك عالية حول إمكانيات تعافيه على المدى القصير فإن الأخبار الزائفة من شأنها أن تعمِّق أمد هذا الخراب، خاصّة أنها تنتشر أسرعَ من كلّ التوقُّعات ومن جهود الدول لمكافحتها، وذلك بمُساعدة الإنترنت عموماً ومواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ خاص. إنها تنتشر بشكلٍ مضاعف مقارنةً مع الأخبار الصحيحة، بسبب اتساع هوة عدم ثقة المُواطنين في مؤسَّساتهم، وميلهم بالتالي إلى تصديق وتبنّي أي خطاب أو أخبار تضع ما تقوله هذه المُؤسَّسات موضع شكّ، حتى إن هذه الأخيرة لا يمكن لبياناتها وتصريحاتها أن تصحح المعلومات الزائفة المُنتشرة إلّا في نطاقٍ محدود للغاية. ففي مقال نشرته جريدة «ليزيكو» الفرنسيّة سنة 2018 اعتماداً على دراسة في هذا الشأن، أشارت إلى أن الخبر الزائف يصل إلى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ أكبر بمئة مرّة من العدد الذي يصل إليه الخبر الصحيح (100000 مقابل 1000)، مع احتمال لتقاسم الأوّل من طرف المُستخدمين بشكلٍ أوسع مقارنةً مع الثاني، والتأكيد على أن هذا التقاسم يقوم به أشخاص طبيعيّون وليس روبوتات (برامج) مُعدَّة لذلك، وهو ما يعني أن للأخبار الزائفة حظاً أوفر لتترسَّخ كحقائق لا يرقى إليها الشكّ مادام تداولها واسعاً إلى هذا الحَدّ، وما دامت مواقع التواصل الاجتماعيّ تحوَّلت إلى مصادر رئيسيّة للأخبار تستعين بها، للمُفارقة، الكثير من وسائل الإعلام التقليديّة!

وإذا كان ثمَّة من حقيقة تجب الإشارة إليها في النهاية فهي أنّ الدولَ فقدت احتكارها للتضليل الإعلاميّ مع تنامي الشبكات الاجتماعيّة على الإنترنت، وبالتالي تحوَّلت من منتج «للأكاذيب» والأخبار الزائفة، كما قدَّمها بتفصيل كتاب «لماذا يكذب القادة؟» إلى رهينة أحياناً لهذه المُمارسات التي ينفِّذها في الغالب أفرادٌ ساخطونَ أو جماعاتٌ مناوئة للتوجُّهات الحكوميّة القائمة. وفي الحالينِ، تدفع الدول ثمناً باهظاً، جزءٌ كبيرٌ منه مخصَّص لمُلاحقة هؤلاء والحدّ من انتشار ما يدوِّنونه، وهي عمليّاتٌ لا تحقّق إلّا نتائج ضعيفة، وعادةً ما تُواجَه باستنكار الرأي العام الذي يعتبرها تضييقاً على حرّيّة التعبير. لذلك وأمام عجز الإجراءات القانونيّة والإداريّة التي يمكن للدول أن تتبنَّاها في مواجهة الأخبار الزائفة (قانون ديسمبر 2018 لمُكافحة الأخبار الزائفة في فرنسا مثلاً)، من المُحتمل أن تجد هذه الدولُ نفسها مجبرةً على التعامل بحَدٍّ أقصى من الشفافية سواء مع مواطنيها أو مع شركائها، والشركاتُ مع مستهلكي منتوجاتها وعموم زبائنها ومموليها. وقد يكون ذلك حلاً أنسبَ للتقليص من حجم الأخبار الزائفة، وبالتالي من الخسائر المُترتِّبة عنها.

مواضيع مرتبطة

الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!
ترجمة: ياسين المعيزي06 أكتوبر 2021
كيف شوَّهت الرّقمنة والجَائِحة لغة الجسد؟!
ترجمة: شيرين ماهر30 سبتمبر 2021
بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام
ترجمة: عبداللطيف القرشي30 سبتمبر 2021
بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة
ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر26 مايو 2021
المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
672 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

اقتصاد ما بعد كورونا.. هل سينطلق من الصفر؟!
13 مايو 2020

يطلق كثيرٌ من المُحللين الاقتصاديّين والمُتتبعين لمستجدات الأحداث الدوليّة مقارناتٍ بين ما يحدث منذ بداية السنة الجارية 2020 والأزمات الاقتصاديّة التي عرفها العالم على الأقلّ منذ أزمة 1929 التي مهَّدت للحرب العالميّة الثانية، وما تمخَّض عنها بعد نهايتها،...

اقرا المزيد