«الفردوس» لعبدالرزاق قُرنح.. أوجاع الحيوات المتروكة

صبري حافظ  |  02 يناير 2022

بعد أن تعرَّفنا، في العدد السابق، إلى الرحلة الصعبة التي قطعها «عبدالرزاق قُرنح» من زنجبار إلى بريطانيا، وكيف عمل لسنوات (تومرجيّاً) حتى يوفِّر لنفسه فرصة الدراسة الجامعية، لابدّ من العودة إلى السياق الذي وفد فيه إلى بريطانيا. فقد كانت سنوات الستينيات قد شهدت تصاعد العداء ضدّ المهاجرين، ومواطني الكومنويلث الذين تدفَّقت أعداد كبيرة منهم إلى بريطانيا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ سنوات (Enoch Powell) عام (-1912 1998) الذي كان عضواً بالبرلمان عن حزب المحافظين (1950 – 1974)، وبعد ذلك عن حزب (أليستر الاتحادي) في شمال أيرلندا (1974 – 1987)، والذي اشتهر بحديثه الشهير عن أنهار من الدماء (Rivers of Blood) عام (1968)، الذي شنّ فيه هجوماً شديداً على المهاجرين القادمين من المستعمرات الإنجليزية السابقة. كان هذا في العام التالي لوصول الأخوين قُرنح. وكان «باول» وكثيرون من أمثاله يدعون لإرسال المهاجرين إلى البلدان التي أتوا منها، وطردهم من بريطانيا، وكان كثير من البيض لا يتورَّعون عن سبّ المهاجرين مباشرةً، ودون خجل، حينما يلتقون بهم في الشوارع.

كانت سنوات الترحيب بالمهاجرين -حينما كان الاقتصاد الإنجليزي في حاجة ماسّة لهم، عقب الحرب العالمية الثانية – قد انصرمت، وكانت ازدهار الخمسينيات الاقتصادي قد انحسر مع الثلث الأخير من الستينيات، وخاصّةً بعدما تدفَّق عدد كبير المهاجرين من شبه القارّة الهندية، وبلدان الكومنويلث المختلفة. وأخذ التنافس على الوظائف المحدودة، وقبول المهاجرين لأجور متدنّية يؤجّج عداء العمالة الإنجليزية غير الماهرة لهم، بل يدفعهم إلى القيام بأعمال العنف ضدّهم. في هذا المناخ، درس «عبدالرزاق قرنح» الأدبَ، وعاش الكثير من مواقف هذا العداء السافر للمهاجرين من أبناء المستعمرات الإنجليزية السابقة؛ ما شدَّه إلى دراسة آثار التجربة الاستعمارية على الأدبَيْن؛ الأدب المكتوب من أبناء المستعمرات السابقة، من ناحية، وأدب الإنجليز الذين يتناولون التجربة الاستعمارية، من ناحية أخرى.

وما إن انتهى من رسالته للدكتوراه عن معايير النقد الأدبي للرواية في غرب إفريقيا (Criteria in the Criticism of West African Fiction)، عام (1982)، حتى عمل مدرِّساً بجامعة «بايرو بكانو» في نيجيريا، لمدّة ثلاث سنوات، وكانت هي عاصمة الجزء الإسلامي في نيجيريا كما نعرف؛ ما وطَّد علاقته بأطياف العالم الذي تركه وراءه في زنجبار. عاد بعدها للعمل في جامعة «كانتربري»، فواصل العمل فيها حتى أصبح أستاذاً لآداب ما بعد الاستعمار، وظلّ يعمل بها حتى تقاعده عام (2017). لكن اهتمامه بالرواية، بصفته باحثاً جامعيّاً، رافقه اهتمام آخر بها، بصفته كاتباً روائيّاً عاش تجربة الشتات والنفي، والخروج من بلده نتيجة مناخ طارد تخلَّقَ فيها لأسباب شديدة التعقيد، والارتباط في الوقت نفسه، بما يدور في العالم الواسع من حوله، وما مارسه الغرب في بلاده، كما عاش، أيضاً، تجربة رفض المهاجرين من مجتمع يتعصَّب ضدَّهم، وينكر عليهم أدنى الحقوق. لكن أهمّ ما دفعه، فيما يبدو، لكتابة الرواية، هو الحنين إلى تلك الحياة التي تركها وراءه، والعالم الثري الذي ظلَّ يعمر مخيّلته؛ ذلك لأن أبطال جلّ رواياته – باستثناء رواية واحدة – مولودون في زنجبار.

استطاع «عبدالرزاق قرنح» أن يخلق عالماً سرديّاً متماسكاً عبر عشرات القصص القصيرة، وعشر روايات تتابعت بوتيرة شبه منتظمة، كتبها كلّها باللّغة الإنجليزية، مع أن لغته الأمّ هي السواحيلية، التي يتسرَّب الكثير من مفرداتها الدالة إلى رواياته، ومعها بعض المفردات العربيّة؛ ما يمنح لغته الإنجليزية نكهتها الخاصّة. ويجمع بين هذه الروايات نوع غامض من الحنين إلى الحيوات المتروكة التي يصعب التخلّي عنها أو نسيان تجاربها وجراحاتها، حيث ظلت أطياف ما تركه وراءه، في زنجبار، تناوشه طوال حياته. وجعلته تجربته الثرية خارج المكان (Displaced) -بتعبير إدوار سعيد الأثير- كاتب تلك الهوامش المثقلة بالحزن، والرغبة في التحقُّق في التجربة الإنسانية التي تزداد إلحاحاً مع مرور الوقت، وتعدُّد العوامل الطاردة، وتعنُّت الشمال في إحكام إغلاق أبوابه أمام ضحاياه التاريخيين في كثير من بلدان العالم.

د. صبري حافظ

لكن السبب الرئيسي في فوزه بجائزة «نوبل»، في اعتقادي، هو غنى رواياته وثرائها بالتقنيات الروائية الجديدة التي تمنحها مستويات متعدِّدة من المعنى، وتضفي عليها جماليّات جديدة تجعل من تلك الحيوات المتروكة عالماً زاخراً بالمشاعر الإنسانية، والقضايا الاجتماعية، والقضايا السياسية المهمّة، وقد بدأت مسيرته السردية برواية (ذكرى الرحيل – Memory of Departure) عام (1987)، وأعقبتها (طريق الحجاج – Pilgrims Way)  عام (1988)، ثم (دوتي – Dottie) عام (1990) وهي الرواية الوحيدة التي لم تولد شخصيتها الرئيسية (دوتي) في زنجبار، ثم (الفردوس – Paradise) عام (1994) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» الإنجليزية في العام التالي، ثم (احترام الصمت – Admiring Silence) عام (1996)، و(بجوار البحر –  By the Sea)  عام (2000) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة «بوكر»، و(هجران – Desertion) عام (2006)، ثم (النعمة الأخيرة – The Last Gift) عام (2011)، و(قلب حجري – Gravel Heart) عام (2017) وأخيراً (حيوات مرجأة – Afterlives) عام (2020) التي لم تظهر حتى في قائمة «بوكر» الطويلة التي أُعلنت في الرابع من أكتوبر هذا العام، برغم توقُّع الكثيرين ممَّن قرأوا الرواية، وكتبوا عنها، ظهورها فيها؛ وفاجأ لجنة تحكيمها فوزه بجائزة «نوبل» بعد ذلك بأربعة أيّام.

والواقع أن خبر فوزه بجائزة «نوبل» فاجأه هو نفسه كما فاجأ الكثيرين ممّن يتابعون المشهد الروائي في العالم. لكنني أظن أن الجائزة كانت شديدة التوفيق في اختيار كاتب كرَّسَ عالمه لمن تدفعهم الحياة إلى دروب الشتات والمنفى؛ لأن الشتات والمنفى لم يعودا من الموضوعات الثانوية، بل أصبحا من أهمّ قضايا عالمنا المعاصر، من آسيا وإفريقيا حتى أميركا اللاتينية والولايات المتَّحدة الأميركية. وحينما أقول أن خبر فوزه فاجأ الكثيرين فإنني لا أستثني نفسي منهم، برغم أن الأقدار شاءت أن أعرفه، شخصيّاً، منذ زمن طويل كما ذكرت. لأنني لم أقرأ له غير رواية واحدة، هي (الفردوس)، حينما وصلت إلى قائمة «بوكر» القصيرة قبل سنوات طويلة؛ لذلك سأتريث قليلاً عند هذه الرواية كي يتمكَّن القارئ من تكوين فكرة عن أهمِّيّته بصفة روائيّاً متمكِّناً من فنّه، ناهيك عمّا تزخر به هذه الرواية من رؤًى واستقصاءات جديرة بالاهتمام. حيث تهتمّ الرواية، بتعدّد اللُّغات، وتعدُّد الأعراق في زنجبار، من منظور النخبة الناطقة باللّغة السواحيلية، ومن منظور نقديّ يكشف عن خفايا كثير من قضايا الحداثة، وإشكاليات آداب ما بعد الاستعمار.

تدور أحداث الرواية في الفترة بين (1900) و(1914)، وهي فترة الاستعمار الألماني القصيرة لـ«تنجانيقا»، وتأثيرها على الجزيرة المواجهة لها، زنجبار، إذ حاول الألمان استعمارهما دون أن يقيّض لهذا الاستعمار الاستمرار طويلاً، كما هو الحال مع مستعمرات بلدان أوروبية أخرى. حيث يهيمن على الرواية موضوع الرحلة إلى «قلب إفريقيا»، وهي الرحلة التي تستدعي، تناصّيّاً، رحلة رواية «جوزيف كونراد» إلى (قلب الظلام – Heart of Darkness) في قاربه المبحر في نهر الكونغو. وإن كان «عبدالرزاق قُرنح» لم يربط إفريقيا بالظلام، بل طرح قلب إفريقيا في مواجهة قلب الظلام، في نوع من الحوار التناصّي المهمّ مع «كونراد»، من ناحية، ونقض رؤى روايات المرحلة الاستعمارية، وما انطوت عليه من أفكار استشراقية سطحية وممجوجة، من ناحية أخرى. كما تستدعي، فضلاً عن ذلك، ما يسمّى، في الخطاب الاستشراقي الغربي، بالرحلات الاستكشافية: مثل رحلة «جون سبيك»(1) لاستكشاف منابع النيل، التي انطلقت من الساحل المواجه لجزيرة زنجبار، ورحلة «ريتشارد بيرتون»(2) المماثلة.

الفردوس المقلوب وقصص مَنْ لا نسمع عنهم

تبدأ الرواية في «كاوا – Kawa»، وهي مدينة تجارية صغيرة تقع فيما كان يعرف بـ«تنجانيقا»، تحتلّ مكانة بينيّة؛ فلا هِيَ جزء من ثقافة الساحل العربية السواحيلية، ولا هِيَ متروكة أو غارقة، تماماً، في بربرية مجاهل إفريقيا. إلى هذه المدينة الصغيرة، يجلب «السيِّد عزيز – Seyyid Aziz» -وهو تاجر عربي ثري- تجارته من الساحل، بالقطار، كي يتوغَّل بها، فعلاً، في «قلب إفريقيا». أمّـا يوسف، الذي نرى الأحداث من وجهة نظره وهو في الثانية عشرة من العمر، فإنه ابن تاجر صغير يدير دكّاناً متواضعاً، وفندقاً بسيطاً للسيِّد عزيز، تراكمت عليه الديون، فرهن ابنه يوسف هذا للعمل في خدمة «عزيز» ضماناً لديونه أو سداداً لها. والواقع أن يوسف الذي يدعو «السيد عزيز» كثيراً، في سرده، بـ«العمّ عزيز» قد توهَّم، في بادئ الأمر، أن «السيِّد» قريبه، فقد كانت أسرته تحتفي به في زياراته القليلة لهم. وكانت زيارات عزيز -باعتباره من كبار التجار «tajiri mkubwa»- تجلب لأسرة يوسف قدراً من الفخر والشرف؛ وهو الأمر الذي جعل يوسف الصبي يتصوَّر أنه أهمّ أقاربهم.

وتُعَدّ رحلة يوسف للتحرُّر من الأوهام، التي هدهدها لزمن طويل، أحد خيوط رحلته نحو النضج والفهم والاختيار الحرّ في نهاية الرواية. كما أن كتابة الرواية لشخصية «يوسف» هي كتابة عن المسكوت عنهم وعن تجاربهم الإنسانية الثريّة، رغم قبوعهم في ذلك الهامش المثقل بالاغتراب والنفي والرفض. وهي قصّة مكتوبة بهدوء شديد، وثقة مفرطة في إنسانية أبطاله المهمَّشين، رغم كلّ ما يعانونه من رفض وقهر وزراية من الواقع، ومن الآخرين.

وتبدأ رحلة «يوسف» تلك بتحوّله، وهو في الثانية عشرة من عمره، إلى ما يسمّى، باللغة السواحيلية (rehani)، حين دفعه أبوه للسيِّد «عزيز» سداداً لدينه. وهي كلمة يبدو أنها مشتقّة من كلمة «رهن» العربيّة، وإن كان معناها، في السواحيلية، وفي الرواية معاً، يتَّصل بالرقّ، لأنه نوع من التبادل (لا يتَّصل بمفهوم الرهن العربي الذي يمكن استرداده عند سداد الدين) يصبح فيه الشخص المرهون عبداً بأيّ معيار من المعايير، أخذه الدائن سداداً لديونه، ومن حقَّه أن يفعل به ما يشاء، بما في ذلك إعارته للآخرين كما سيحدث مع «يوسف». هكذا، انتقل «يوسف» ليعمل في خدمة السيِّد (Seeyid) -أي عزيز- بالمعنى الذي يستدعي فكرة (السيِّد والعبد) الهيجلية، فيجيء «يوسف» إلى مدينة «العمّ عزيز» الساحلية ليعمل صبيّاً في متجره، مع عامل آخر أكبر منه بخمس سنوات هو «خليل»، الذي رهنته أسرته هو، أيضاً، للعمّ «عزيز» سداداً لديونها. ويقع المتجر قرب منتجع «السيِّد» أو قصره المنيف المحاط بحديقة جميلة، يتسلَّل إليها «يوسف» في بعض الأحيان، بحجة مساعدة «مزيع حمداني» البستاني وحارس الفردوس معاً، وهو، أيضاً، أقرب إلى العبد منه إلى البستاني، رغم تفانيه في رعاية «الفردوس»، والحدب على أشجاره ونباتاته. وفي أثناء الزمن السردي، يقوم «عزيز» بإعارة «يوسف» أو تأجيره إيّاه إلى «حميد سليمان»، وهو صاحب متجر آخر في مدينة غير مسمّاة تقع في سفوح جبل كليمنجارو.

وتتكوَّن الرواية، في الواقع، من ثلاث رحلات: رحلة عزيز إلى قلب إفريقيا لتحقيق صفقة تجارية كبيرة ومربحة، ورحلة يوسف نحو التكوين، وهو الأمر الذي يجعل الخيط السردي الذي تتبلور عبره قصّة «يوسف»، في الرواية، نوعاً من روايات التكوين (Bildungsroman) أو رحلة أوجاع عملية التنشئة والتطوُّر، التي نكتشف فيها معه مجموعة من الثنائيات المهمّة التي تبلورها الرواية، جغرافيّاً، عبر ثنائية الساحل والعمق الإفريقي، ودينياً عبر طرح الإسلام في مواجهة صيغ الأرواحية (Animism) الإفريقية المختلفة، ولغوياً حيث تحتلّ كلّ من العربيّة والسواحيلية مكانة النقيض المتحضِّر للُّغات الإفريقية المختلفة. أمّا الرحلة الثالثة فهي تلك التي تدفعنا لاسترجاع فكرة «إدوار سعيد» المهمّة عن الجغرافيات المتخيّلة (Imaginary Geographies) حيث الفضاءات التي تقع على الهامش، أو خارج عالم الذات المعروف، سواء أتعلَّق الأمر بالجغرافيات المهملة، أم تعلَّق بالممارسات الاجتماعية غير التقليدية والمسلَّم بها، أو حتى بالأدوار المرسومة فيما يتعلَّق بالجنس أو النوع، تتبدّى وكأنها تجسيد للتخلُّف والخطر والوحشية.

ومع الرحلات الثلاث، تميّز الرواية بين ثلاثة فضاءات: فضاء النخبة العربيّة السواحيليّة، الذي ينتمي إليه «السيِّد عزيز»، ويتَّسم بالثقافة والحصافة والثراء، الذي تجسِّد رقيَّه الفني وتحضره حديقة بيت «السيد» عزيز الفردوسية؛ والفضاء البيني الذي تجسّده مدينة «كاوا»، حيث تمتزج فيه بعض ملامح التحضُّر الساحلي بجلافة وعنف الأدغال غير المطروقة، والتي تقع على حدود الدكّان تقريباً؛ أمّا الفضاء الثالث فهو فضاء قلب إفريقيا البكر المثقل بالصخب والعنف والصراع من أجل الحياة التي تتهدّدها قوى خارجية غير مفهومة. لكن كلّ تلك الفضاءات المختلفة تقع في الرواية تحت وطأة عنف يهدِّدها جميعاً، ويتمثَّل في الاستعمار الألماني الذي يستوي لديه تحضُّر الساحل وهمجية العمق القارّي، وعنفه، فكلاهما- في نظره- بربري، ولا ينتمي إلى الجنس الأبيض/ الأرقى/ الآري. فالرواية كلّها واقعة في قبضة أنواع متباينة من القهر، والعنف، والتحلّل، والتمييز العنصري.

لكن أكثر أجزاء الحبكة الروائية دراميّةً هو ذلك المتعلِّق برحلة «السيِّد عزيز» عبر البحيرة الكبرى «بحيرة فيكتوريا» إلى قلب إفريقيا، أي إلى عاصمة الرئيس الإفريقي القوي «تشاتو – Chief Chatu» الشهير بقسوته وتعطُّشه للدم، وهي الرحلة التي تبلغ غايتها، حينما يصل ببضائعه التي يريد أن يبادلها بالعاج، كي يحقِّق أرباحاً وفيرة منها، إلى أرض رئيس القبيلة «تشاتو»، ويعسكر بالقرب منه. لكن «تشاتو» يهاجم معسكر «السيد عزيز» ليلاً، ويقتل أغلب مَنْ فيه من رجال عزيز، وينهب كلّ ما معهم من متاع وعتاد وبضائع. وكان «عزيز» محظوظاً لأنه نجح في الهرب مع «يوسف»، وقليل من رجال قافلته. وتوشك تعرية «السيِّد عزيز» تلك أن تدفع القارئ للتفكير في حقيقته، واكتشاف مكامن ضعفه؛ لأن «عزيز» التاجر القويّ والمسيطر، إذا لم يستطع شركاؤه الوفاء بديونهم لديه، فإنه يأخذ أبناءهم أو بناتهم رهائن (rehani) أو -بالأحرى- عبيداً لديه، ونحن نعرف، من سياق السرد، أن لديه ثلاثة عبيد: يوسف ، وأمينة -الزوجة/ الجارية- ومزيع حمداني، البستاني، وخليل مدير الدكّان. كما نعرف، أيضاً، أن «عزيز» لم يبنِ ثروته بالعمل الجادّ، إنما بخضوعه لغوايات زوجته الأولى، وإغراءاتها، حينما كانت تغمره بالعطايا والأموال من أجل أن يتزوّجها، واعتمد، بعد زواجه منها، على ثروتها ليطوِّر تجارته، ثم تمادى بعد ذلك في إهمالها. وحتى زوجته الثانية «أمينة»، التي لاتزال صبيّة، فإنه لم يخترها، أيضاً، كما يختار الرجل الحقّ المرأة التي يريدها، ويوقعها في غرامه أو ويتزوَّجها، بل قُدِّمت إليه وفاءً لدين أبيها له. وما يؤكِّد موقف الرواية السلبي من رجولة «عزيز»، برغم كلّ ما له من جاه وسلطان، هو أنه لم ينجب ابناً يحمل اسمه؛ وهو الأمر الذي ينتقص من رجولة الرجل في ذلك النوع من المجتمعات.

وإذا ما عدنا، من جديد، إلى «يوسف» -راوي الرواية وبطلها الأساسي ومحلّ جذب كثير من شخصياتها، لجماله وصباه- سنجد أن رحلته مع النضج والتكوين، ومع مفهوم الرجولة والحرّيّة معاً، من أكثر الرحلات أهمّيّةً في هذه الرواية، فقد جعلته الرواية محلّ عناية الكثير من شخصيّاتها، إن سلباً أو إيجاباً. بدءاً بالعلاقة القويّة بين «يوسف»، و«خليل» الذي يبدو وكأنه الوحيد الذي يعامل «يوسف» بشكل سيِّئ أو صادم، أحياناً. ولكن علاقته به تتكشفَّ عن علاقة رفقة وأخوّة، ووعي بالمصير المشترك، تحدوها رغبة «خليل» في أن ينقل ما علّمته الحياة إلى «يوسف» كي يتجنَّب مزالقها الكثيرة، فيعلّمه ما يجب أن يفعله، وما عليه أن يتجنَّبه، كما أنه ينقل له كلّ ما عرفه عن «السيّد عزيز» من محاسن أو مساوئ. و«خليل» هو الذي ينبِّه «يوسف» الذي توهَّم أن «عزيز» عمد إلى وضعه كعبد في منزل «يوسف».

وعندما يعير «السيِّد عزيز» «يوسف» لأسرة «حميد»، يذهل الأسرة كلّها، فحميد لم يذهب إلى المدرسة كي يتعلَّم القرآن، لأن أبناء الساحل من المسلمين يدعون أنفسهم أهل الشرف (waungwana) باللّغة السواحيلية؛ الشرف النابع من وعيهم برقيّ ديانتهم وقيمهم في عالم من الوثنيِّين والبرابرة، والفرق بين الإسلام وما ينتشر في إفريقيا من صيغ بدائية من الوثنية أو الأرواحية (Animism) وعبادة الأحجار أو الأشجار. والواقع أن «حميد» يلعب مع «يوسف» دور الأب، ويشجّعه على أن تكون له حديقته الخاصّة، ويرسله إلى المدرسة كي يتعلَّم القراءة والكتابة، ويحفظ القرآن، كما يصحبه في رحلاته إلى المدينة كي يؤدِّي معه صلاة الجمعة في مسجدها، وكي يلعب فيها، أيضاً، كرة القدم، أو يمارس السباحة، ويبحر مع الصيادين، وكأنه يقوم بدور الأب البديل الذي يحرص على أن يرتقي به في دروب الحياة الوعرة، ويقوده إلى الطريق القويم، أو -بالأحرى- يجتاز به طقوس العبور إلى مرحلة الرجولة والمسؤولية الدينية منها، والاجتماعية، والأخلاقية التي تجعل منه رجلاً يحتلّ مكانه المحترم في هذا المجتمع.

وهذا هو الحال مع «ما عجوزة» التي تذكِّرنا، إلى حَدّ ما، بفاطمة بنت محجوب في رائعة الطيّب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) في جرأتها، وثورتها على الدور السلبي المخصَّص للنساء في هذا المجتمع، ورفقتها للرجال، وكأنها واحد منهم، بل توشك أن تكون امرأة مقلوبة (أو رجلاً متخفِّياً) بضخامتها، وقوَّتها، وصوتها الآمر الذي يذعن له الكثيرون، وأهمّ من هذا كلّه بقيامها بدور الرجل الذي يعلن شغفه بمن يحبّ وهي تصرّح بشغفها بـ«يوسف»، وتقبض عليه في حضنها بقوّة توشك أن تقضقض عظامه، بينما يجهد هو في التملُّص منها، وهي تعلن أنه حبيبها وزوجها… إنها (رجل مقلوب)، فهي في الأربعين، وتعلن عن رغبتها في الاقتران بصبيّ يخطو نحو المراهقة، وهو الأمر المقبول بالنسبة إلى رجل في هذا المجتمع، لا بالنسبة إلى امرأة.

أمّا الفردوس الذي يؤطِّره عنوان الرواية، فإنه أقرب ما يكون إلى الفردوس المقلوب، حتى في أكثر تجلِّياته جمالاً في حديقة «العمّ عزيز» الملحقة بقصره الساحلي المنيف، والمقسّمة إلى أربعة أقسام، تتوسَّطها بركة عامرة بالأسماك والنباتات المائية المزهرة من الزنابق والسوسن، تتدفَّق منها قنوات إلى أرجائها الأربعة، وتتوزّع في أنحائها الأشجار والغياض والأزهار والنباتات العطرية والرياحين وشجيرات الحنّة والصبّار. لكن هذا المنظر الخلاب يخفي وراءه بنية قائمة على القهر الاجتماعي، والتمييز العرقي؛ لأن «مزيع حمداني» الذي يرعى ما تعجّ به الحديقة من نباتات، ويتفانى في إبراز جمالها، لا يزيد عن أن يكون عبداً، يعامله السيِّد كما يعامل أيّ حيوان لديه. أمّا زوجة «العمّ عزيز» الأولى، والتي تشوَّه وجهها، فإن جولاتها المتكرّرة في تلك الحديقة الغنّاء تحيلها إلى فضاء مسكون بشبحها الغريب. تخفي تشوُّهات وجهها المفتوحة بالشادور الذي لا ينجح في إخفاء المرض الأكبر الذي يعشش في كلّ أرجاء بيت «عزيز». كما أن غرامها بـ«يوسف»، ومحاولاتها للإيقاع به يوشك أن يكون نوعاً من الشذوذ. أمّا زوجة «عزيز» الجديدة، الصبيّة الصغيرة «أمينة»، والتي يغرم بها «يوسف»، فإنها مثله قُدِّمت لعزيز سداداً لدين أبيها، وهو غرام لا أملَ منه. وهكذا، إن ما يبدو أنه فردوس يتكشَّف لنا، في حقيقة الأمر، عن جحيم إنساني، استطاع أن يأسر جلّ الشخصيات التي استعبدها «السيِّد عزيز»، وأن يزرع العبودية في أغوارهم. فلا يتصوَّر أيٌّ من عبيده (خليل وأمينة، ومزيع) أن باستطاعتهم الهرب، بل يعتقدون بأن الهرب منافٍ للشرف، وأن عليهم البقاء في تلك العبودية سداداً لديون آبائهم له. إلّا «يوسف» الذي تدفعه رحلته مع النضج إلى الهرب.

وهناك الفردوس المضادّ الذي يمتدّ وراء متجر «حميد سليمان» في سفح الجبل، والذي تحوَّل إلى مكبّ للنفايات ومأوى للثعابين والحيوانات البرِّية، وتتصاعد منه سموم التحلُّل وجحافل من الجراثيم. وبدلاً من الظلال الوارفة، والأزهار التي تعمر حديقة «مزيع حمداني» الفردوسية، نجد هنا تلك الحيوات السرِّية المترعة بالأخطار والسموم. أمّا الفردوس المضادّ الآخر الذي يتبدّى في تلك المناظر الطبيعية الخلّابة، في أثناء رحلة «العمّ عزيز» التجارية إلى قلب إفريقيا، فهو فردوس الطبيعة الحوشية، بما فيها من جمال ومخاطر.

وفي نهاية الرواية، يوشك وقوع «يوسف» في أسر ضابط التجنيد الألماني -برغم وعيه بما ينطوى عليه التجنيد في الجيش الألماني، من قسوة وعنصرية- أن يكون رسالة تخبرنا بأنه اختار أهوَن الشرَّيْن، وأن عنف السلطة الاستعمارية الغاشم قد يبدو، بالنسبة إليه، أقلّ من جحيم الحياة في ذلك الفردوس السواحيلي المقلوب؛ وهو الأمر الذي يجعل الخيط السردي، الذي تتبلور عبره قصّة «يوسف»، في الرواية، نوعاً من روايات التكوين، أو رحلة أوجاع عملية التنشئة والتطوُّر. بينما يوازي خطَّ هذه الرحلة الصاعد، خطٌّ سرديٌّ آخر نازلٌ، يجسِّد لنا عمليّة التحلّل والتدهور اللذين عاشهما مجتمع الساحل الإفريقي، قبيل الاستعمار، في تلك الفترة من تاريخه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1- John Speke Discovery of the Sources of the Nile (1863).

2- Richard Burton’s The Lake Regions of Central Africa (1860).

مواضيع مرتبطة

دون كيخوطي.. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم
خالد بلقاسم06 أكتوبر 2021
«النار ما تورِّث إلّا رماد»: هيمنة ثقافة المطابقة على المغايرة
ربيع ردمان06 أكتوبر 2021
شادي عبْد السَّلام.. سينِما المُهَندِس المِعْماري
بنيونس عميروش07 يوليو 2021
في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
خالد بلقاسم07 يوليو 2021
التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل
إبراهيم الحَيْسن26 مايو 2021
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
خالد بلقاسم26 مايو 2021
جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»
رشيد بنحدو26 أبريل 2021
تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا
عبد الرحمان إكيدر24 فبراير 2021
علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”
محمد برادة03 يناير 2021
رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ
خالد بلقاسم10 ديسمبر 2020
306 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

رحلة باريس الثانية وسنوات الغليان في صالون توفيق الحكيم
30 سبتمبر 2021

كُنت في تلك السنواتِ أبقى كثيراً في مكتب الحكيم، حتى ينصرف الجميع، ويصعد إليه عادةً الرسَّام صلاح طاهر من مكتبه/ مرسمه كي يوصله في طريق عودته إلى منزله، وفي بعض الأحيان يوسف إدريس في الأيام التي لا يحضر فيها صلاح طاهر إلى مبنى الأهرام. ولأنني كُنت أسكن أيضاً...

اقرا المزيد
موقف المثقَّف بين المتنبِّي والمعرّي وطه حسين
20 مايو 2021

نستكمل، في هذا المقال، ما بدأناه في العدد الماضي من الكشف عن أن طه حسين، في كثير من دراساته التي كتبها عن الأدب القديم، كان يزن الكُتَّاب والشعراء، بميزان الجدل العقلي والنقد الموضوعي الذي يموضع الكاتب أو الشاعر في العصر الذي انبثق منه، ومارسَ فاعليَّته...

اقرا المزيد
جدل التناقض بين طه حسين و المتنبي
26 أبريل 2021

لم يحظَ شاعرٌ عربيّ -قديماً أو حديثاً- بما حظي به المتنبي من اهتمام ومكانة. وكثرت عنه الدراسات قديماً وحديثاً. لكن ما استوقفني في كتاب طه حسين عنه، هو أطروحته المُهمَّة في هذا الكتاب، والتي جعلت العودة للتراث سبيلاً إلى تمحيص الكثير من قضايا الحاضر، واستخدامه...

اقرا المزيد
مريد البرغوثي.. كتابة فلسطين الجديدة
20 فبراير 2021

يأتي رحيل مريد البرغوثي (1944 – 2021) بعد ستّ سنوات من رحيل زوجته ورفيقة دربه رضوى عاشور (1946 – 2014) كنوعٍ من التذكير المُستمر برحيل زمن مغاير، يبدو الآن بعيداً ومتنائياً. وهو رحيل يقترب معه الموت بخطوه الدؤوب ممَّنْ بقي من أبناء هذا الجيل، جيلي، الذي كان مترعاً...

اقرا المزيد
سعيد الكفراوي.. ختام مرحلة
17 نوفمبر 2020

رحل الصديق سعيد الكفراوي وسط انشغالي بالبحث والكتابة عن طه حسين، فكشف لي هذا الرحيل عن البون الشاسع بين مرحلتَيْن في تاريخنا الأدبي الحديث، من ناحية، وعن ختام مرحلة، كان فيها للثّقافة دور وسحر ونفوذ، من ناحية أخرى. ذلك أن انشغالي بالفترة الباكرة من حياة...

اقرا المزيد
غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
01 يوليو 2020

كان غالب هلسا، عند لقائي الأخير به في ملتقى القصّة الخليجي، في الكويت، عام 1988، وقبل عام من رحيله، مشتاقاً إلى العودة إلى قاهرته، مليئاً بذكرياته الحلوة فيها، وبإحساسه بالتحقق في قلب حركتها الأدبية. كان لقاؤنا هذا بعد غياب سنوات من التشريد فرّقت أبناء رحلة...

اقرا المزيد
المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع
19 يونيو 2020

أنهيت حديث الذكريات في مقال الشهر الماضي بالكشف عن أن قراءتي المُتأخرة لكتاب محمود أمين العالم (فلسفة المُصادفة) قادتني إلى تمحيص معنى تلك المُصادفة التي غيَّرت حياتي، حينما أتاحت لي السفر إلى أوروبا. ذلك لأن تعريفه للمُصادفة باعتبارها «التقاء غير متوقع...

اقرا المزيد
تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة
13 مايو 2020

منذ أن ألمّت جائحة (كرونا) الراهنة بالعالم، وبدأ تأثيرها يمتد إلى حياة الأفراد المحيطين بي، و إلى حياتي اليومية، شخصيًّا، بصورة غيَّرت إيقاعها ومساراتها تغييرًا جذريَّا، وأنا أفكر في تصاريف الزمن الماكرة، وقدرته على فرض منطقه وتغيراته علينا، حتى لو بصورة...

اقرا المزيد
ذكريات عن طه حسين (الحلقة الرابعة)
06 أبريل 2020

عندما‭ ‬انصرفت‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬طالت،‭ ‬حتى‭ ‬وفدت‭ ‬السيدة‭ ‬زوجته‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬أن‭ ‬تطول‭ ‬أكثر‭ ‬وترهقه،‭ ‬كانت‭ ‬تتنازعني‭ ‬مشاعر‭ ‬الفرح‭ ‬والاستياء‭...

اقرا المزيد