القصّة القصيرة فـي قطـر

محمَّد مصطفى سليم  |  07 يوليو 2021

بدا أمر الذاكرة الفنّيّة للقصّة القصيرة القطَريّة مهدَّداً بالتشويه الحقيقي الذي قد يسهم في تضليل الحكم النقدي على الإبداع الأدبي ذاته، وهو ما حرصنا على التقليل منه، وتفادي الوقوع في الأحكام الوثوقية الخاصّة برصد إنتاج القصّة القصيرة في قطر، الأمر الذي توخينا فيه الحرص والدقّة، ونزعم أننا، في ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر، قد حافظنا على ذاكرة الإبداع الأدبي القطري في مجال (القصّة القصيرة)، وبصورة تحقِّق نسبة عالية من الرضا بمصداقيَّتها وقيمتها التاريخية، وقيمتها الفنّيّة. وما كان هذا ليتمّ لولا الانضباط المنهجي الدقيق الذي غرسه أ.د.صبري حافظ في أداء الفريق البحثي، وكذلك لولا الجهد الـكبير الذي أنفقه د.إكرامي فتحي في عمليَّتَي الجمع والتدوين.

 

الريادة في القصّة القصيرة القطَريّة

يسود اتّفاق واضح بين الدارسين على أن القصّة القصيرة القطريّة تأخَّرت في الظهور، وشأنها في ذلك شأن وضعية الجنس الأدبي نفسه في دول مجلس التعاون الخليجي، الـتي ظلَّت فترة طويلة بعيدةً عن مظاهر المجتمع المدني الكامل، وتكاد لا تخلو دراسة نقدية متعلّقة بالقصّة القصيرة الخليجية من تأكيد أن المجتمع الخليجي تأخَّر في الأخذ بأسباب النهضة الثّقافيّة والتعليم والصحافة الـتي لم تُعرف إلّا مع ظهور النفط، الذي أدخل الواقع الخليجي كلّه في حراك مجتمعي مدني، لعب فيه التعليم دوراً بارزاً في تنمية الوعي، وأدَّت الصحافة الدور الأكبر في بروز القصّة القصيرة القطريّة؛ ليستوعب تداعيات هذا الحراك على المستويَيْن؛ الإنساني، والاجتماعي، وخاصّة بعد أن واجه الإنسان حالةً تشبه فقدان الذات، حين رُصد ما يشبه انتقال المجتمع، شيئاً فشيئاً، من المفهوم القبلي إلى المفهوم الأسري، وهو ما أسهم في تصدُّع قيم كبيرة، وظهور قيم حديثة واكبت المرحلة.

وكان للمصادر الصحفية الأولى الثمانية: «أخبار شركة نفط قطر» التي أصبح اسمها في ما بعد «المشعل»، و«الدوحة»، و«العروبة»، و«الخليج الجديد»، و«العهد»، و«الجوهرة»، و«العرب»، و«الراية»، فضل المثاقفة بين كتّاب القصّة في قطر؛ قطريِّيْن وغير قطريِّيْن، والقرّاء، والمعنيِّين بالثّقافة، بوصفها منابر ثقافية، من جهة، ثم احتضان التجارب والبدايات الأولى للقصّة القطريّة، من جهة ثانية. غير أن الدارسين والنقّاد وقفوا منها مواقف متباينة إزاء تحديد الجنس الأبي، ولاسيّما مع تحديد البداية الفنّيّة الحقيقية لجنس أدبي، هو وليد في قطر(1).

غير أننا نواجه خلافاً شديداً بين النقّاد حول احتساب الريادة الفنّيّة الناضجة للقصّة القصيرة المفردة، وكانت البداية ممثَّلةً في ما تناوله محمَّد كافود، الذي عَدَّ قصّة «الحنين» (18 فبراير، 1971) لإبراهيم صقر المريخي، أوَّل قصّة قصيرة ناضجة فنِّيّاً، إذ يقول: «ولعلّ أوَّل قصّة ظهرت، وكانت بقلم كاتب قطري، تقترب -إلى حَدّ ما- من القصّة القصيرة بمعناها الفنّي الحديث، هي قصّة «الحنين» الـتي كتبها الأستاذ إبراهيم صقر المريخي، ونشرتها مجلّة «العروبة» في العدد الخامس والخمسين، وهي تصوِّر بعض التناقضات التي تدور في المجتمع في فترة الانتقال، فهي تصوِّر الصراع بين جيل محافظ يريد التمسُّك بكلّ ماضيه، وجيل الشباب المثقّف الواعي الذي يسعى للتغيير والانطلاق»(2)، واستبعد ما كتبه يوسف النعمة، في مجموعاته القصصية الثلاث، الـتي تسبق -زمنيّاً- ما كتبه إبراهيم المريخي، وعَدَّها مجرَّد محاولات، تفتقر، في كثير منها، إلى البيئة القطريّة، والمناخ القطري؛ لأنه كان ينقل الأحداث إلى مجتمعات خارجية، مثل بيروت والقاهرة.

غير أن محمَّد عبدالباقي، عاد بالريادة الـتي أسهمت في تقديم أدب قصصي قطَريّ إلى يوسف النعمة، بالتحديد، عام (1962)، مع صدور مجموعته الأولى «بنت الخليج» الـتي نحتفظ منها بطبعة (1970) الموجودة في دار الـكتب، ثم تلاها – بحسب تعبير محمَّد عبدالباقي الذي سار فيه على ما ذكره محمَّد كافود- بمجموعتَيْن، هما: «لقاء في بيروت» عام (1970)م، و(الولد الهايت) عام (1971)م.

والحقيقةُ أن الرجل لم يكتب سوى مجموعتَيْن؛ لأن «الولد الهايت» مسرحية، وليست مجموعة قصصية أو قصّة طويلة، وله مجموعات، أو نصوص قصصية أخرى، تكاد تكون حكايات عامّة تصلح للسمر؛ لذا يبدو فيها البناء الفني للقصّة القصيرة ضعيفاً جدّاً لترهُّله، وربُّما أدّى افتقارها إلى السمات الفنّيّة المعروفة في القصّة القصيرة، إلى أن يحجم كاتبها عن إعادة نشرها، فهي، حتى الآن، مطبوعة طبعة خاصّة، وللكاتب، أيضاً، أعمال أخرى أشار إليها، لـكنها غير موجودة تماماً، منها: «بقايا حبّي» [طبع في بيروت]، و«عمالقة الفنّ العربي» [طبع في القاهرة]، و«اذهب إلى زوجتك»، و«القاهرة لا تنام»، و«الأمل يتحقَّق»، و«لا نوم في بيروت».

وبعيداً عن هذا، نستغرب اعتماد هذه الأعمال على أساس فنّي ناضج، لدى محمَّد عبدالباقي، وحسن رشيد، ومراد عبدالرحمن مبروك، وقد أقرَّ الأوَّل؛ تأثُّراً بما أورده محمَّد كافود، بأن المجموعات يطغى عليها أسلوب الخطابية والإخبارية والحكاية، ويركِّز فيها الكاتب على وصف الشباب ومغامراتهم السياحية في العواصم العربية، بالإضافة إلى ما يتخلَّلها من الآراء والمناقشات السياسية، وهذه المجموعات تفتقر إلى البناء الفنّي والوحدة، فضلاً على أنه يبقى فيها استلهام مناخات يوسف السباعي وغيره واضحاً لا خفاء فيه(3).

وقد عاد كل من محمَّد عبدالباقي ونضال الصالح إلى اعتماد قصّة «اليتيم» (فبراير، 1960) لعيسى منصور على أنها البداية، وإن كانت القصّة مجرَّد نصّ خطابي وعظي يفتقر إلى أجواء السرد القصصي المتناغم في تقديم حدث، أو حالة فنّيّة جيِّدة؛ فهي مجرَّد محاولة. ولعلَّ ما كان يتبعه مؤلِّفا كتاب «جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات، 1999)، حسن رشيد، ومراد مبروك، من اعتماد جملة (الجيل الأول) و(جيل الروّاد) و(كوكبة الرعيل الأوَّل)(4) يُعَدّ تخلُّصاً علمياً لطيفاً ينأى عن إطلاق أحكام عامّة، قد تستنطق في النصوص فنّيّات ليست فيها، وخاصّةً مع أعمال يوسف النعمة وغيره، وهو الذي نقرّ بأنه أوَّل من قدَّم مجموعة قصصية، حرص فيها على أن تكون نبراساً للشباب بعده؛ كي يستضيء بها في ما يكتب أو يفعل.

وإذا كنّا -بالمعنى التاريخي الحرفي والسبق الزمني- نذكر، عام (1960)، عيسى منصور بنشر أوَّل نصّ قريب من القصّة «اليتيم»، وعام (1962) يوسف النعمة، بنشر أوَّل مجموعة قصصية «بنت الخليج»، فإننا نودّ -بالمفهوم الفني والاصطلاحي للقصّة القصيرة- أن نعدّ قصّة «ذكرى لن تموت» (مجلّة العروبة، ع23، 9 يوليو، 1970) لأحمد عبدالملك هي أوَّل قصّة فنّيّة في القصّة القصيرة القطريّة، إذا ما قارنّاها بقصّة «الحنين» (مجلّة العروبة، ع 52، 18 فبراير 1971) لإبراهيم صقر المريخي، أو قصّة «اليتيم» (فبراير، 1960) لعيسى منصور؛ لما تتحلّى به من طاقة سردية جيِّدة، تلعب فيها اللّغة على دفع إيقاع السرد للنموّ بالإحساس والشعور، والاحتفاء بالتداعيات الـتي تتعلَّق بذكرى طالب غريب، اقتحم عالم أستاذه بتصرُّفاته الباعثة على التأمُّل، وقد طالعتنا الفقرات السردية على رواسب الحياة وتداعياتها الـتي أسبغت هالة الدهشة على تصرُّفات ذلك الطالب، الذي يتقدَّم وعيه بالحياة مع تقَدُّم انكساره فيها. والأمر الذي يتشبَّث به الشيخ عبدالله في قصّة إبراهيم المريخي «الحنين» يتمثَّل في الحنين إلى داره القديم الذي هجره، في استجابةٍ مُكرهة لتطوُّرات الحياة، وتغيُّر وعي الأجيال؛ فظل هائماً بحنينه إلى التفاصيل المسكوبة في دهاليز داره المعتَّق بالأحبّة والماضي، فبدا كأنه ماثل في براثن الحنين، باستسلام، ولم تتعزَّز تداعياته بلمحات حدثية تعمِّق فيه تداعيات البعد عن هذا المكان، أو ذلك البيت الضارب بجذوره في قلبه، أو يتخلَّق لحظة تنوير تضيء تلك التداعيات برؤية جديدة، وهو الأمر الذي حقَّقته قصّة أحمد عبد الملك، إلى حَدّ كبير.

 

قضايا فنّيّة في متواليات الإبداع

أفضت الببليوغرافيا، في حَدّها الوصفي، إلى جملة من القضايا الفنّيّة المتعدِّدة، التي أمكن استنباطها وتوضيحها، تفسيرياً، من واقع البحث الإجرائي في عملية الرصد والوصف الخاصَّيْن بالنصوص القصصية القطريّة، نسوق منها:

* للكاتب محمَّد عبدالعزيز الباكر جملة من الأعمال المسمّاة (مجموعات قصصية)، بحسب ما أورده في طباعته ونشره لما يكتب، أثبتنا منها أربع مجموعات قصصية فقط، وتوجد للكاتب إصدارات أخرى، لـكن من الصعب تصنيفها ضمن مجال القصّة القصيرة؛ وذلك لـكونها أقرب إلى المقال السياسي السردي، وهي: «إنني أعلم الحقيقة»، و«إنني أودِّع الأرض»، و«سفر النهاية»، و«نعم لمحمَّد، لا لميكافيلي». ويوجد إصداران للكاتب نفسه، مكتوب على كلٍّ منهما (مجموعة قصصية)، وكلّ إصدار منهما يشكّل قصّة واحدة مطوَّلة، لا تتحقَّق فيها شروط القصّة القصيرة، هما: «البداية»، و«الوهم»، وإن امتلك الكاتب طاقة سردية جيِّدة، لـكنها غير مؤطَّرة فنِّيّاً بما هو معروف في كتابة القصّة القصيرة الفنّيّة، ولعلَّ أبرز السلبيات الفنّيّة الـتي يمكن رصدها، عند محمَّد الباكر، تتمثَّل في وجود إطار حكائي ممتدّ، ينشغل بالتفاصيل؛ ما يرهِّل البنية القصصية القصيرة القائمة على التكثيف والاختزال، بالإضافة إلى وجود إطار وعظي شديد العمق؛ إذ يحرص، في نهاية كلّ كتاب (يسمّيها مجموعة قصصية على ضفاف الخليج، أو حكايات على ضفاف الخليج)، على أن يدرج خاتمة بعد نهاية القصّة، يقول فيها: «أخيراً، أجد من الواجب والأمانة أن ….». ويأتي، أحياناً، بختام يكون مجالاًلإيراد آراء فقهية مستقاة من القرآن والسنّة.

والأمر كذلك مع مجموعتَيْ «بريق الأمل»، و«نسيم الفجر» لعائشة القاضي؛ فهما مجموعتان قصصيَّتان من واقع الحياة، كما ُكتب على غلافَيْهما، والقصص الواردة فيهما مليئة بالتفاصيل الـتي تجعل البناء القصصي مترهِّلاً، ويخلو من الإحكام البنائي؛ لأن الغاية هي تقديم موعظة من خلال أحاديث ووقائع حياتية مألوفة.

* وجود حالة تبدو مثيرة للتأمُّل، تلك الـتي تتعلَّق بالاستمرار في النشر تحت اسم مستعار (سارة) و(أم أكثم)، وهما اسمان لكاتبة واحدة، نشرت في بداية علاقتها بالقصّة القصيرة القطريّة في مجلّة «الدوحة» منذ العدد (30)، يونيو (1978) إلى العدد (81)، سبتمبر (1982)، ووصل عدد ما نشرته إلى (15) قصّة، وقد صدر تنويه من إدارة المجلّة عنها في العدد (31) يوليو (1978)، ذُكِر فيه: «السيِّدة الفاضلة (أم أكثم)، كاتبة قصصية موهوبة، تُعَدّ الآن مجموعتها الأولى للنشر، وهي إحدى العناصر الخليجية الشابة الـتي انضمَّت إلى مجلّة «الدوحة» مسهمةً بقلمها المبدع… وقد قرأ القرّاء قصَّتها «شتاء الإسكيمو» في عدد يونيو الماضي، …..». وقد نشرت، تحت اسم (سارة)، في مجلّة «الدوحة»، (4) قصص؛ بدايةً من العدد (115)، أبريل «1985» حتى العدد (122)، يوليو، «1985»، ولوحظ أنه لم يجتمع الاسمان: (أم أكثم)، و(سارة) في عدد واحد؛ ما يؤكِّد ما أورده حسن رشيد، ونورة آل سعد من أنهما اسمان لشخصية واحدة، فضلاً على أن (سارة) شاركت ضمن أعمال أخرى غير قصصية، مثل إجراء حوارات أو تحقيقات مع بعض الكتّاب، والأمر كذلك مع راشد الشيب الذي كان يلقب نفسه بـ«خيال الأبجر».

* ظاهرة إبداعية دأب على تعزيزها أدباء قطر يون، وتمثَّلت في ما يمكن تحديده بــ (القصص المتسلسلة)، شارك فيها كتّاب كثيرون، من بينهم يوسف النعمة «سعادة المدير، أبو حمدان الهزار»، ومريم آل سعد «شاهد يا بحر»، وكلثم جبر «وداعاً أيها الحبّ». مع ملاحظة تنوُّع وضعيّة الكتّاب الثلاثة ما بين جيل الروَّاد (يوسف النعمة)، والمتوقِّفين، وإن اشتهروا بدورهم في الرواية (مريم آل سعد)، والبارزين في مجال القصّة القصيرة على مستوى فنّي (كلثم جبر).

* وقفت الببليوغرافيا على نصوص، ارتأت انتماءها إلى جنس القصّة القصيرة، وهي للكاتب جاسم صفر في كتابه «الإبحار وجسور العطش» (1988)، حيث تضمَّن الكتاب نصوصاً قصصية ذات مستوى سردي عالٍ، ربَّما لم يسعَ كاتبُها إلى تصنيفها الأدبي بقدر ما كان مشغولاً بأن يقدِّم كتابة أدبية في استطاعتها أن تستوعب قضايا ذاتية أو عامّة، ولـكن تحلَّي هذه النصوص بطاقاتٍ سرديّة مفعمة بالوصف، والاستبطان الذاتي للشخصيات بتتبُّع ما تتركه الأحداث فيها من تأثير وظلال، فضلاًعلى إحكام اللّغة السردية وكثافتها، حيناً، ورهافتها، حيناً آخر، قَرَّبها إلى جنس القصّة، وخلَّصها من َأسْر الخاطرة، إلى درجة أنه يكاد يصدق على كتابتها بأنها تمزج -في بعض نصوصها- بين القصّة (الحكاية ذات الإطار العامّ) والخطاب (طرائق سرد القصّة)؛ الأمر الذي جعلنا نقف على (28 نصّاً) تنتمي، فنِّيّاً، إلى القصّة القصيرة، وإن جاء في ختام بعضها ما يشبه التعليق الدلالي المحلِّق بأفكار وصور خيالية مكثَّفة، مُعَنْوَنة بـ (قطرات).

* تتبلور ظاهرة فنّيّة أخرى، يشكِّل فيها ناصر عبدالله المالـكي حالة خاصّة، يوقف لها كلّ أعماله: «ناصر ورابح» (2008)، و«لعنة البحر»، (ج1، 2008) و«لعنة البحر»، (ج2، 2008)، وهي ما يمكن تسميتها بالمتوالية القصصية؛ فالأولى تدور أحداثها، بشكل رمزي، حول طائرين، هما: ناصح، ورابح، من خلال (24) نصّاً سردّياً تجسِّد مواقف مختلفة، وأحداثاً متباينة مَرَّ بها الطائران. ولـكن الأمر يبدو مختلفاً في «لعنة البحر» (2008) بجزأيها؛ لأنها تدور حول شخصية واحدة، هي «عبدالله»، وإن بدا كلّ جزء منهما متواليةً قصصيةً، فإنهما يشكِّلان معاً متوالية واحدة، قوامها (21) نصّاً سردياً، وكلّها لم تغادر عالم «عبد الله» وسيرته التاريخية، وكأنها عمل روائي؛ لهذا أدرجت في هذه الببليوغرافيا الخاصّة بالقصّة القصيرة، على أساس التعامل مع نصوص الجزأين تعاملاً مؤطَّراً بمنهجية القصّة القصيرة، ويمكنك، في الوقت نفسه، عَدَّها عملاً روائيّاً؛ فجلّ نصوصيهما تدور حول فرد «عبدالله»، من أجل تعميد سيرته الرجولية وبطولته الفذّة، فإذا كانت متوالية الجزء الأوَّل مبنيّة على (ثمانية) نصوص، ومتوالية الجزء الثاني مبنيّة على (ثلاثة عشر) نصّاً، فإنك لا تشعر بأيّة حاجة فنّيّة أو كمِّيّة للفصل بين الجزأين؛ فالتنقُّل من نصٍّ إلى نصٍّ داخل المتوالية الواحدة، أو عبـر المتواليتَيْن، هو تنقُّل تاريخي محكوم بمنطق القصّة ذات المخيِّلة الشعبية، والسيرة الحياتية المتوالية في تصاعد تاريخي يفتقر، في غالبيَّته، إلى الخيال الروائي الفنّي، إلّا ذاك الفضاء الأنثروبولوجي السخي حول عالم البحر، وما يكتنفه من غموض ومخاطر وأدوات ذات اتِّصالٍ حميٍم بالسفن والغوص ومتطلبَّاتهما، الـتي أتقن ناصر المالـكي إدغامها في نسيج الحكي؛ لتعكس شيفرة ثقافية مضمرة، هي ثقافة التراث العميق للإنسان القطري، والإنسان الخليجي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، فضلاً على ما صاحَبَ النصوص الحكائية المكتوبة من موروث شعبي خاصّ؛ أظهرته وصفيّاته للملبس والمأكل والطقوس اليومية العتيقة، من جهة، ثم عبـَّرت عنه، بوجعٍ، من جهة أخرى، الأغنيات الشعبية الـتي تردَّدت في فضاء الاحتفال بمواسم الغوص، أو تلك الـتي صاحبت الغوّاصين من حنجرة (النهّام) في رحلة الغوص، وفي كُلٍّ ثمّة أناس ألفوا ثقافة العيش مع البحر وللبحر؛ حبّاً فيه، وكرهاً له؛ حين يعيد الرجال إلى أُسَرِهم بالخير وبهجة الحياة، وحين يتخطَّف أرواحهم في غضبة الموت(5).

* ثمّة قصص قصيرة قطَريّة شديدة التجريب، تمثَّلت في نصوص كلٍّ من صيتة العذبة (النوافذ السبع: أقاصيص لاهثة) الـتي وظَّفت فيها تقنية الهايبرتكست، وجمال فايز «الرحيل والميلاد»، ومجموعات نورة محمَّد فرج، وغيرهم. ولبشرى ناصر عدد من النصوص القصصية الـتي تقف ما بين القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّاً، تمثِّل لقطات حيّة من واقع الشعور النفسي والعالم الداخلي لذاتٍ ممزَّقة، وهذه النصوص منشورة في جرائد يومية من دون أن تحمل مسمَّى قصّة أو قصّة قصيرة أو أقصوصة. ولا يدخل في هذا الإطار ما رصدناه من قصص فردية للكاتب عبد الرحمن المناعي، تلك الـتي جاءت تحت سلسلة «أوراق من البحر»، فهي إذ حملت طابعاً تجريبيّاً مبكِّراً، فإنه جاء وليد التأثُّر الشديد من قِبَل هذا الكاتب المسرحي بعالم مسرح النوخذة وتفاصيله؛ إذ تضمَّنت نصوصه عَنْوَنة جانبية فرعية، مع سمة غريبة هي إلحاقه القصّة بمعجم خاصّ يشرح مفردات عالم الغوص والبحر والنوخذة، الـتي اشتملت عليها القصّة.

* لجمال فايز مجموعة مكتوبة باللّغة الإنجليزية، هي «العابرون إلى الداخل» (الدوحة، وزارة الثّقافة والفنون والتراث، 2013)، تضمّ (33) قصّة، في (125) صفحة، وهي عبارة عن مختارات من أعمال الكاتب القصصية السابقة، نُشرت مترجمة.

مجموعتا «أنين الورد» و«لأني لك» منشورتان في كتاب واحد لأمينة العمادي، بعنوان «أنين الورد، ولأني لك»، ومع ذلك تُدرج المجموعتان على نحو مستقلّ في كثير من الببليوغرافيات السالفة الذكر.

* تُعَدّ مجموعتا «أوراق نسائية» (1 و 2) لأحمد عبدالملك من قبيل الخواطر، الـتي قُدّمت في إطار سردي يحتفي بالواقعة، من دون أن تكون هناك عناية كبيرة بالبناء الفنّي، وإن تحلَّت ببعض العناصر السردية المميّزة، الـتي تضفي على النصوص المكتوبة طابعاً مشوّقاً يقرِّبها من مجال القصّة؛ حيث كان هناك التزام بعناصر ثلاثة، شكلَّت جسراً من التواصل الدافئ بين الكاتب والقارئ، هي:

– توظيف ضمير المتكلِّم في النصوص السردية للجزأين، وقوامها (244) نصّاً.

– لغة السرد لغة مجازية عالية تتَّضح فيها كثافة الصور.

– يأتي ختام القصّة بسؤال يتكرَّر كثيراً، هو: «هل، يا ترى..؟»، وهذا الالتزام نتيجة منطقية لما يتطلَّبه العمل الصحافي الدوري.

 

ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر

يبقى قول أخير، ُتحتِّمه طبيعة العمل الببليوغرافي الذي يسلك هذا الدرب، وما يمكن أن يشكِّل له بعض الصعوبات على مستوى المصادر، من جهة، ثم على مستوى إتاحتها كاملةً، من جهة أخرى. وأمّا بيان الحال على المستوى الأوَّل فنحدِّده على النحو الآتي:

– بنيت الببليوغرافيا على مصادر متنوِّعة، كان في مقدِّمتها الحصاد الحقيقي من القوائم الببليوغرافية السابقة، وقد أشرنا إليها، موضِّحين ما بها من بعض المسالب الـتي تُرَدّ، في جملتها، إلى كون هذه الجهود لم تكن تستهدف تقديم عملٍ ببليوغرافي ذي منهجية واضحة؛ فالأمر في مجمله، لا يعدو كونه اجتهاداً فرديّاً أو غير فردي يتبنّى عملاً إحصائيّاً عامّاً، قد يخدم دراسة أدبية معيَّنة مثلما حدث مع محمَّد كافود، ونضال الصالح، وغيرهما، أو يلبِّي هدفاً إقليمّياً يتقصَّد الحفاظ على ذاكرة المبدعين الخليجيين، مثلما كان الأمر في شأن ببليوغرافيا أدباء الخليج سالفة الذكر، الـتي كانت صدى قرار من قرارات مجلس التعاون.

– وكان من بين المصادر، أيضاً، التعامل مع أوعية المعلومات الإحصائية الموجودة في المكتبات؛ العامّة والخاصّة؛ أي في دار الـكتب، ومكتبة جامعة قطر، ثم مكتبات الأفراد المهتمّين بالشأن الثّقافي القطري، وفي مقدِّمتهم علي الفياض الذي لم يبخل على الفريق بما لديه، في مكتبته الخاصّة التي سدَّت فجوات كبيرة، بما أتاحته من العثور على ما كان في عداد الببليوغرافيا من المفقود الذي لا سبيل إلى تأمينه للتعرُّف إلى توصيفه ببليوغرافيا، سواء أكان ذلك ممثَّلاً في دوريات أم كان ممثَّلاً في أعمال مجموعات قصصية فُقِدت نسخها من المكتبات، ومن عند مؤلِّفيها.

– مثَّلت الإصدارات المتاحة في المكتبات ودور النشر، والتواصل المباشر مع الكتّاب والمبدعين في مجال القصّة القصيرة، والاطِّلاع على المدوَّنات الشخصية (مدوَّنة القصّة القطريّة)، والصفحات الشخصية لبعض الكتّاب، وكذلك مواقع: القصّة العربية، وأدباء الخليج في شبكة الإنترنت… وغيرها، رافداً مهمّاً، أيضاً، في استكمال بيانات المجموعات القصصية، وضبط معلوماتها وبياناتها. وعلى صلة بهذا، ينبغي التنويه إلى أنه قُبَيل مثول مادّة الكتاب إلى المطبعة، وقع الفر يق البحثي على ثلاثةٍ من كتّاب القصّة القطر ية، هما:

– جواهر آل ثاني، التي نشرت ثلاث قصص قصيرة تتمتَّع فيها بلغة سردية جيِّدة، وبنية قصصية محكمة، وقصصها هي: «قيثارة»، و«جراح ليل»، و«الخيال».

– محمَّد مأمون، وتتَّسم قصصه بضعف فنّي واضح، وقصصه هي: «ليتني تكلمت». و«عشر دقائق من الرعب»، و«مأساة كتاب».(6).

– ندى الشهراني، وصدرت لها مجموعة في ديسمبر (2015)، عنوانها «ثمن الخطيئة .. وقصص أخرى»، عن (الدار العربية للعلوم، بيروت).

وأمّا على المستوى الثاني؛ مستوى الصعوبات الـتي واجهت الببليوغرافيا، فإنها كانت محصورة في الآتي:

– فقدان الأعداد الأولى من الدوريّات والمجلّات الـتي كانت مهتمة بشأن الإبداع القصصي في قطر، مثل فقدان (22) عدداً من مجلّة «العهد»، وكذلك (19) عدداً من مجلّة «العروبة»، ولم نعثر على أيِّ عدد في دار الـكتب أو في مكتبة جامعة قطر، أو لدى الشخصيات المهتمّة بالقصص الفردية.

– التخبُّط الشديد في المعلومات الموجودة لدى المؤسَّسات الثّقافيّة حول كتاب القصّة القصيرة القطَريّة، إذ يسودها الخلط على مستوى الإنتاج، وكذلك على مستوى المجال الإبداعي نفسه … وغير ذلك.

– فقدان بعض الإنتاج القصصي على مستوى المجموعات، الـتي من الممكن أن تعطي مؤشِّراً تاريخًّيّا وفنًّيّا على مسار القصّة القصيرة القطَريّة، وهو ما حدث مع بشرى ناصر وغيرها من الكتّاب والكاتبات.

وبناءً على ذلك، بدا أمر الذاكرة الفنّيّة للقصّة القصيرة القطَريّة مهدَّداً بالتشويه الحقيقي الذي قد يسهم في تضليل الحكم النقدي على الإبداع الأدبي ذاته، وهو ما حرصنا على التقليل منه، وتفادي الوقوع في الأحكام الوثوقية الخاصّة برصد إنتاج القصّة القصيرة في قطر، الأمر الذي توخينا فيه الحرص والدقّة، ونزعم أننا، في ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر، قد حافظنا على ذاكرة الإبداع الأدبي القطري في مجال (القصّة القصيرة)، وبصورة تحقِّق نسبة عالية من الرضا بمصداقيَّتها وقيمتها التاريخية، وقيمتها الفنّيّة. وما كان هذا ليتمّ لولا الانضباط المنهجي الدقيق الذي غرسه أ.د.صبري حافظ في أداء الفريق البحثي، وكذلك لولا الجهد الـكبير الذي أنفقه د.إكرامي فتحي في عمليَّتَي الجمع والتدوين.

 

———————————————————————————————-

(الهوامش)

1 – لمّا شرع د.كافود في كتابه «القصّة القصيرة في قطر: النشأة والتطوُّر»، (دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، 1985) في اعتماد مجلّة «العروبة» (1969) بداية أولى لنشر القصص الناضجة فنِّيّاً، سار وراءه النقّاد، على أساس أن المصادر الـتي قبلها، وهي بمقام نشرات مصاحبة لبعض شركات النفط، لم تقدِّم النصوص الفنّيّة الـتي تعكس المستوى الفنّي المطلوب، حيث نشرت فيها بعض القصص المتواضعة من حيث مستواها الفنّي، وهي أقرب إلى فنّ الحكاية، وتهتمّ بالوعظ والحثّ على القيم والأخلاق، فالهدف الأخلاقي أو الديني يطغى على الجانب الفنّي فيها، ويستثنى من ذلك بعض النقّاد الذين رجعوا بالمدّة الزمنية إلى (1960) على سبيل الرصد فقط، وهم:

-محمَّد عبدالباقي، «القصّة القصيرة في قطر : نشأتها، وأعلامها، وملامحها الفنّيّة»، طبعة خاصّة، (1992).

– نضال الصالح، «تحوُّلات الرمل الحكائي والجمالي في القصّة القصيرة في قطر»، (منشورات دائرة الثّقافة والإعلام-الشارقة، 1999).

– حسن رشيد، ومراد مبروك، «جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات»، (الدوحة، المجلس الوطني للثّقافة والفنون والتراث، 1999).

2 – محمَّد عبد الرحيم كافود : «الأدب القطري الحديث»، (الدوحة، دار قطري بن الفجاءة، الطبعة الثانية، 1982، ص: 119 و120). وراجع ما ذكره حول استبعاد أعمال يوسف النعمة من الريادة في المرجع نفسه، ص:118 و119، وكتابه «القصّة القصيرة في قطر: النشأة والتطوُّر»، (دار قطري بن الفجاءة، 1985)، ص: 9 و10.

3 – حسن عبد الله رشيد، ومراد عبد الرحمن مبروك: (جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات» (الدوحة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 1999، ص28).

4 – محمد عبد الرحيم كافود: (الأدب القطري الحديث)،كما جاءت الإشارة في كتاب «نماذج من الإبداع الشبابي في قطر: دراسة ومختارات من القصص الـتي نوقشت في فاعليّات ورش القصّة القصيرة والصالون الأدبي (1995/9/7 – 1997/1/8)، إلى «أن الكاتب راشد الشيب كان يلقِّب نفسه بـ«خيّال الأبجر»، ولذلك ظلّ يناقش أعماله وينشرها في الفترة الأولى حتى 13/ 1/ 1996، باسم «خيّال الأبجر»، ثم، عدل بعد ذلك إلى كتابة اسمه الحقيقي «راشد الشيب». ص62.

5 – راجع دراسة لنا حول الرواية القطريّة، ستُنشَر ضمن كتاب: THE [OXFORD] HANDBOOK OF THE .2015 ,ARABIC NOVEL، وحول إشكالية التجنيس والمتعة المزدوجة بين القصّة والرواية، وراجع لصبري حافظ «الرواية والحلقات القصصية وإشكاليات التجنيس»، (مجلّة فصول، مج12، جـ2، ع1، ربيع 1993م)، وراجع كتابنا «القصّة وجدل النوع»، ص: 69 و 70.

6 – يمكنك الاطّلاع على هذين النموذجين في موقع القصّة العربية:

http://www.arabicstory.net/index.php?p=author&aid=375

(المصدر):

القصة القصيرة في قطر، بييليوجرافيا شاملة ودليل وصفي تحليلي، إعداد: أ.د. صبري حافظ، د. محمد مصطفى سليم، د. إكرامي فتحي حسين، الطبعة الأولى، 2016 وزارة الثقافة والرياضة، قطر

مواضيع مرتبطة

فرج دهام.. فنَّان اللامرئيّ
محسن العتيقي01 يناير 2021
فرج دهام.. على مِحَكِّ المُعاصَرة
بنيونس عميروش01 يناير 2021
سعيد الكفراوي.. ختام مرحلة
صبري حافظ17 نوفمبر 2020
سعيد الكفراوي: في نفس المشهد كنت قد بكيت!
حوار: علي النويشي16 نوفمبر 2020
استعادة غالب هلسا، بعد ثلاثين عاماً من الغياب
فخري صالح01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
ضجرٌ لا كالضجر
خالد بلقاسم02 يونيو 2020
480 عدد المشاهدات