المترجم التونسي عبد الجليل العربي: أصعب ما ترجمته

حوار: فيصل رشدي  |  08 فبراير 2021

المترجم التونسي عبد الجليل العربي، من مواليد 29 مايو (1975)، مدينة سليانة، تونس. هو أستاذ اللّغة والأدب العربي المعاصر في جامعة «نوفا لشبونة». له العديد من الترجمات الروائية، من بينها: «هيّا نشترِ شاعراً»، للكاتب البرتغالي «أفونسو كروش» (2017)، و«بائع الماضي»، للكاتب الأنغولي «جوزي إدواردوا أغوالوزا»، (2016)، و«ميتتان لرجل واحد»، للكاتب البرازيلي «جورج أمادو» (2015)، و«ماراثون الخلود»، للكاتب «أندريه أوليفيرا»، (2015). وترجم، مؤخَّراً، رواية، «نصب الدير التذكاري» ، للكاتب البرتغالي «جوزيه ساراماغو» (2020).

بحكم انتمائك إلى تونس، كان من المتوقَّع أن تختار اللّغة الفرنسية لغةً للدراسة، لكنك توجَّهت إلى اللّغة البرتغالية. ما الدافع الذي قادك إلى تعلُّم اللّغة البرتغالية؟

– آفاق الدراسة في بلداننا العربيّة مقسَّمة، عموماً، بين توجُّهين؛ توجُّه فرنكفوني، وآخر أنجلوساكسوني، لكن هناك من الباحثين مَنْ سَلَك طريقاً آخر، واختار ثقافات أخرى مثل الألمانية أو الإسبانية أو اليابانية. أنا اخترت البرتغال؛ لرغبة شخصية في تحقيق بعض الإضافات ضمن مجال الدراسات الأدبيّة، والثّقافيّة المعاصرة حول هذا البلد العريق، الذي تربطنا به علاقات تاريخية معروفة.

قدَّم لك معهد «كامويش» منحة للدراسة في البرتغال، فاخترت الدراسات الإسلامية، مع ميولك الأدبيّة. ما الذي كان متاحاً لك لإبراز الإسلام المتنوِّر؟

– أشكر كثيراً معهد «كامويش» على تلك المنحة. كان توّجُّهي الأوَّل مشدوداً إلى حقل الدراسات الإسلامية الإيبيرية في البرتغال، ضمن منهج الأديان المقارنة، ويعود ذلك إلى رغبة مني في مواصلة تخصُّصي الجامعي الذي بدأته في تونس، في دراسات الماجستير في الحضارة العربيّة الإسلامية القديمة، وذلك بالانفتاح على الإرث الثّقافي العربي والإسلامي في البرتغال، لكن – للأسف- كانت الاهتمامات الجامعية القليلة في البرتغال، بهذه المسألة، مرتبطة بمادّة التاريخ أساساً، فاضطررت لتغيير ذلك الهدف نحو الدراسات الأدبيّة.

ما لبثت أن غيرت تخصُّصك، بعد ذلك، من الدارسات الإسلامية إلى الأدب. كيف وجدت نفسك داخل الأدب البرتغالي الذي أُنتج في البرتغال، وفي الدول الناطقة بالبرتغالية؟

– مررت بمرحلة اكتشاف تاريخ هذا الأدب، وأعلامه، ومدارسه، ثم تخصَّصت في الدراسات الأدبيّة المقارنة. أعتبر نفسي محظوظاً باطِّلاعي على هذا الأدب واشتغالي على بعض قضاياه في أكثر من بلد ناطق بالبرتغالية، إذ وقفت على بعض خصوصيّاته وجماليّاته الأدبيّة، وسأنشر هذه النتائج في كتاب، مستقبلاً.

وُفِّقت في ترجمة الأعمال الأدبيّة، فما هي خطتك التي اعتمدتها في ترجماتك الموفَّقة؟

– لا أدري إن كنت قد وُفِّقت أم لم أوَّفَّق؛ فهذا المنجز مازال في بداياته، ومسألة تقييمه تعود لغيري من المختصِّين. أمّا بخصوص الخطّة لإنجاز الترجمات الصادرة إلى حدّ الآن، فقد ارتبط أمرها، في البداية، بترجمة عمل روائي من كلّ قارّة (البرتغال، البرازيل، أنغولا)، لكن الرحلة آخذة في التشكُّل ضمن توجُّه مدروس يقوم على التنوُّع في الأجناس المختارة والتي قد تحقِّق ترجمتها إضافة إلى الثّقافة العربيّة. وآمل أن أساهم، مع زملائي المترجمين الآخرين، في إثراء المكتبة العربيّة، كمّاً ونوعاً، بهذا الأدب.

ترجماتك توافق تخصُّصك الأكاديمي، فهل التخصُّص يقيِّد عمل المترجم، أم من الممكن أن يجعله يتطلَّع إلى ترجمة أعمال أخرى خارج إطار تخصُّصه، كالفلسفة، والفنّ التشكيلي، والعلوم؟

– التخصُّص مهمّ في الترجمة، لكنه لا يقيِّد عمل المترجم كثيراً؛ فلكلّ عمل لغته الخاصّة ومفاهيمه وعوالمه، وما إن امتلك المترجم تلك الأدوات حتى أصبح من حقِّه أن ينفتح على مجالات أخرى.

ترجمت روايات كبرى، لأدباء كبار. لو توقَّفنا عند رواية «جوزي ساراماغو» «نصب الدير التذكاري» التي تحتلّ مكانة خاصّة في قلب مؤلِّفها، كيف عشت تجربة هذه الترجمة؟

– هذه الرواية هي من بين أبدع ما كتب «ساراماغو»، وهي التي وضعته بين كبار الروائيين في العالم، سواء من ناحية الأسلوب المتمرِّد على شكل الكتابة التقليدية أو من ناحية القضايا المطروحة. لم تكن ترجمتها للُّغات الأجنبية سهلة، وهي من أصعب الترجمات التي قمت بها، وأتمنّى أن تكون موفَّقة.

ترجمت، أيضاً، رواية إفريقية بعنوان «بائع الماضي» للكاتب الأنغولي «جوزي إدواردوا أغوالوزا». كيف وجدت نتاج هذا المبدع الإفريقي؟ وهل استطاعت هذه الرواية الإجابة عن الأسئلة الإفريقية المقلقة بخصوص بناء الهويّة الوطنية ما بعد الاستعمار؟

– الأدب الإفريقي المكتوب بالبرتغالية يزخر بطاقات إبداعية أدبيّة متنوِّعة، ومواكبة لتحوُّلات العصر الفكرية والإيديولوجية، وغيرها، وكتابات «أغوالوزا»، في أغلبها، هي تمرين إبداعي على مساءلة تلك التحوُّلات، ودورها في تشكيل هويّات المجتمعات أو البلدان الإفريقية في مرحلة ما بعد الكولونيالية. هذه المسألة ظهرت في رواية «بائع الماضي»، في رواية «نظرية عامّة للنسيان» للكاتب نفسه، أيضاً، أيضاً، ولحسن الحظ ظهرت في ترجمة عربيّة ممتازة، أنجزها المترجم سعيد بنعبد الواحد.

ماذا عن ترجمة الشعر؟ هل لديك مخطَّطات مستقبلية؟ هل تقبل، على سبيل المثال، عرضاً بترجمة ملحمة «اللوسياد» للشاعر البرتغالي «لويس دي كامويس ويش»؟

– أقبل، طبعاً. أحبّ ترجمة الشعر؛ فمعه بدأت تجربتي في الترجمة من خلال التدريب على ترجمة بعض القصائد المحبَّبة إليّ. وستصدر لي، خلال السنة القادمة، ترجمة لأحد دواوين «فرناندو بيسوا»، بالإضافة إلى ملحمة «كامويش» التي ذكرت.

انتشرت الترجمات الوسيطة، بشكل متسارع، في العالم العربي. فهل يمكن أن تكون حلّاً، ولو بشكل مؤقَّت، في ظلّ تراجع الترجمة الجادّة؟، وما أضرارها على الأدب؟

– الترجمة الوسيطة مهمّة ومطلوبة، إذا انعدم أو قلّ عدد المترجمين في اللّغات قليلة الانتشار. كانت الترجمات الروسية أو اليابانية أوالصينية، مثلاً، تأتينا عبر الفرنسية أو الانجليزية، ولم يُنقِص ذلك، بتاتاً، من قيمتها؛ فلولاها لما عرفنا شيئاً عن تلك الآداب. مادامت الترجمة جيِّدة فلا يهمّ، في تقديري، إن كانت من اللّغة الأصلية أو من لغة وسيطة، وليس لها أيّ ضرر على الأدب، وإنما لها فوائد.

عرف العرب الترجمة، في العصر العباسي، على شكل جماعات، وقد أعطت الترجمة ثمارها. هل الترجمة الجماعية أفضل من الترجمة الفردية، في نظرك؟

– الترجمة حاجة معرفية بشرية ضرورية لكلّ الحضارات واللّغات، على مرّ العصور. أما المفاضلة بين الترجمة الفردية والترجمة الجماعية، فغير مجدية؛ إذ في كلّ ترجمة إفادة. الترجمة الجماعية ترعاها مؤسّسات، وتهتمّ -عادة- بالموسوعات أو الأنطولوجيات التي تتطلَّب مجهوداً جماعياً، وهذا جيِّد، كما أن الترجمة الفردية (وهي الأكثر انتشاراً) ضرورية، وفضائلها كبيرة.

 يلاحظ، في السنوات الأخيرة، اقتصار الترجمة على الأدب، دون سواه من العلوم الأخرى.

– انتشار الترجمة الأدبيّة مهمّ في كلّ الأحوال، وكلَّما ازدادت الترجمة وتراكمت فإن نتيجتها، دائماً، إيجابية ومفيدة. وأمّا دورها فهو -أساساً- ليس الارتقاء بأيّة ثقافة، بل فتح إمكانات عديدة للتفاعل والتقارب والتعاون، وتبادل الأفكار والتجارب بين اللّغات والثّقافات، كما أنني لا أرى أنّ واقع الثّقافة العربيّة سيِّئ كما يتوهَّم البعض. الفنون والآداب واسعة الانتشار، وجمهورها واسع، وتقبُّلها سهل، عكس العلوم؛ ولهذا تنتشر الترجمات الأدبيّة أكثر في أغلب البلدان، وليس في العالم العربي وحده.

لو أتيح لك العودة إلى بلدك تونس، يوماً ما، فما هي المشاريع الثّقافيّة التي ستعمل عليها هناك؟

– ليست عندي فكرة واضحة لمشروع ما، في بلدي، مستقبلاً. ما يشغلني هو استغلال الحاضر في تحقيق أهدافي البحثية.

مواضيع مرتبطة

محمّد ساري: الكاتب يحبّ الإطراء، ويمقتُ النقد!
حوار: نوارة لحرش17 مارس 2021
كافكا والسّنواتُ الحاسمة
ترجمة: محمد الفحايم17 مارس 2021
بشير مفتي: لا أكتب لأطلب مالاً أو شهرة
حوار: السيد حسين14 يناير 2021
لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة
حوار: حسن الوزاني11 يناير 2021
هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل01 يناير 2021
خالد خليفة: كُتّاب وكاتبات يعتبرون الوصول إلى الشهرة قضيّة حياة أو موت
حوار: عماد الدين موسى09 نوفمبر 2020
عبد الكريم كاصد: ما أكثر الترجمات البليدة في الشعر، حتى عند أمهر المترجمين!
حوار: عاطف عبد المجيد01 نوفمبر 2020
يوسا في بيت بورخس.. حوار لم يُنشر!
ترجمة: أحمد عبد اللطيف21 أغسطس 2020
محمد حلمي الريشة: ترجمتُ قصائد، اشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها
حوار: عاطف عبد المجيد06 أغسطس 2020
سيزا قاسم: تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً
حوار: سالي شبل03 يونيو 2020
427 عدد المشاهدات