داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 

عبد الرحمان إكيدر  |  03 يوليو 2020

شكل النفي، في معظم الأحيان، حدثاً قاسياً ومحنة شديدة الوطء على حياة المبدع، حيث يغدو المكان فضاءً لا يطاق، وجحيماً لا يُحتمل، وتظل فكرة العودة هاجساً مؤرقاً، بَيْد أن هناك العديد من التجارب التي تكشف لنا أثر هذا الحدث في بزوغ أعمال إبداعية نالت إعجاباً وشهرة؛ وذلك لما قد يوفره فضاء المنفى من حرية ورحابة، وهذا ما يسعى الكاتب «داني لافرير – Dany Laferrière» أن يبينه في كتابه «المنفى يستحق السفر –  L’exil vaut le voyage»، من إصدار دار النشر «غراسي – Grasset» في مارس، 2020، ويمكن اعتبار هذا العمل شهادة مبدع عاش تجربة المنفى بشكل مغاير غير معتاد.

عُدّ داني لافرير روائياً استثنائياً وكاتباً متفرداً بأسلوبه الأدبي، وتناوله للمواضيع الجريئة ذات البعد الإنساني. ولد في مدينة بورت أو برنس في هايتي، سنة 1953، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية، وقائد فيلق الشرف، وقائد الفنون والآداب، والحائز على الوسام الكندي من درجة ضابط… حصل على سبع دكتوراه فخرية من جامعات كندية، وأمريكية، وفرنسية، ونال العديد من الجوائز الأدبية كجائزة مونتريال الأدبية الكبرى، وجائزة  ميديسيس.

ارتبطت جل أعماله بتيمَتَي المنفى والهوية؛ انتقد فيها الصور النمطية المعادية للأجانب، إضافة إلى تطرقه إلى التمييز الاجتماعي العنصري، بالكثير من الفكاهة والخيال. ومن أبرز هذه الأعمال: (رائحة القهوة)، 1991، و(بلد بلا قبعة)، 1996، و(بكاء الطيور المجنونة)، 2000، و(أنا كاتب ياباني) 2008، و(لغز العودة) 2009، و(صورة ذاتية لباريس مع قطة)، 2018. ليعود، من جديد، في كتابه المعنون بـ(المنفى يستحق السفر)، لطرح موضوع المنفى محافظا على طبيعة المواضيع المطروقة عنده، إلا أنه، في هذا الكتاب، عمل على رصد التفاصيل الدقيقة لتجربته الشخصية في المنفى، إضافةً إلى الانزياح المرتبط بالشكل؛ فالكتاب جاء في حجم كبير، مكتوب بخط اليد، بالكامل، تتخلله خطوط ورسومات وألوان، ويمتد ذلك من بداية الكتاب إلى لائحة البيبليوغرافيا، بل وحتى رقم ISBN، وحقوق الطبع والنشر.

يشير «داني لافرير» إلى أنه اضطر للهروب في جنح الظلام، سنة 1976، من هايتي إلى مونتريال الكندية، وهو ابن 23 سنة، وقد بدأ، حينها، حياة المنفى. كانت المغادرة بطريقة صادمة ووحشية، دون جمع للأمتعة أو توديع للأحبة، يقول: «كنت في الثالثة والعشرين من عمري، صحفياً ضد دكتاتورية «دوفاليي -Duvalier»، الذي قتل أصدقائي، وقد اضطررت لمغادرة البلاد على عجل، أنا الآن على وشك مواجهة أكثر الوحوش المخيفة المجهولة».

يتساءل المؤلف، في مقدمة الكتاب: هل هذه تجربة فظيعة كما يقال؟ ليعقد، بعد ذلك، مقارنة بين تجربته الشخصية وتجارب عدد من الكتّاب المنفيين العظماء؛ من أمثال «فيكتور هيغو – Victor Hugo»، و«مدام دي ستال – Madame de Staël»، «خورخي لويس بورخيس – Jorge Luis Borges»، «فرجينيا وولف – Virginia Woolf»، «نابوكوف – Nabokov»، «أوفيد – Ovide»، «غراهام غرين – Graham Greene»، والروائي الكوبي العظيم «خوسيه ليزاما ليما – José Lezama Lima»، والعديد من الشخصيات التاريخية مثل القائد «الهايتي توسان لوفرتور – Toussaint Louverture»، ومن عازفي الجاز المنعزلين في المقاهي المزدحمة. يقول «لافرير»: «وإذا كان المنفيّون لهم نصيبهم من الصراع والوجع، فإنهم، أيضاً، يمنحون رؤية مغايرة للعالم؛ ومن هنا هم منفيون مثمرون، لقد لاحظت أن المنفيين يتحدثون عن المنفى بنبرة حزينة، مليئة بالأنين. لكن، بالنسبة إليّ، لم يكن عقاباً بل كان ترفيهاً … لقد قادني المنفى لإعادة اكتشاف الحياة، بعد أن وضعت أسسها على (مأساة يونانية)، وقد مكنتني هذه التجربة من التعرف إلى ثقافة جديدة، ومعرفة أشخاص جُدد، وتبـَـني عادات غذائية أخرى، وكل هذا، من بلد إلى آخر، هو ما يحدث أمام أعيننا».

تتسم هذه الرواية بطابع غير مألوف في الكتابة، فهي رواية كاليغرافية مشبعة بالمرسومات، تنفجر بالألوان، وتقدم للقراء طريقة مختلفة في القراءة. يقول في هذا الصدد: «وأنا أستمتع بغناء (نينا سيمون) في نادٍ صغير لموسيقى الجاز في مونتريال، تولدت لديَّ فكرة كتابة رواية باليد، وبألوان وأحلام وخطوط؛ وهذا سيضفي طابعاً فنياً لكتابي، سيجعل من  المنفى رحلة تستحق كل هذا العناء: قصة مرسومة ومكتوبة باليد وليس هناك شيء أفضل من ذلك. إن كلمة المنفى التي نفهمها، تكون، في معظم الأحيان، مصحوبة بـالمعاناة والدموع والحزن … وهذا ما أردت تجاوزه. إن الخط، واختيار الألوان، وكتابة النص باليد … كل هذه الأشياء تعكس العواطف الصريحة والحيوية التي تملأ هذا العالم المصغر بمواجهاته الحقيقية والفنية (…)، فلا يوجد موضوع معين لهذا الاتجاه الجديد في كتاباتي. أجد أنه من الطبيعي أن أكتب باليد. هذه الكتابة اليدوية التي يتحدث عنها «جان كوكتو – Jean Cocteau» عندما يقول إن الكتابة هي طريقة أخرى للرسم. إلى جانب ذلك، إن الأطفال الذين يكتبون ويرسمون، في الوقت نفسه، يعرفون ذلك جيداً (لطالما اعتقدت أن الفن مصدره الطفولة). من خلال الكتابة والرسم، أردت العودة إلى طفولة الفن».

يقول المؤلف: «عندما تولد في بلد مثل هايتي، تواجه حالات استثنائية شبه يومية، تتساءل، من خلالها، كيف تهرب. لقد بدأت بالقراءة، ثم جاءت اللحظة التي تكون فيها حياتنا في خطر. اضطررت لاتخاذ قرار حاسم: أن أذهب إلى المنفى أو أذهب في رحلة. أدركت أن هدف الدكتاتور هو جعل حياتي درباً طويلاً من الحزن، وعندها قررت أن حياتي ستكون سلسلة لا نهاية لها من الرحلات. غالباً ما يحدث أن أشعر -بقلق- خاص، أنا متحمس في معظم الأوقات، كطفل متشوق يريد معرفة نهاية قصة رائعة تحكيها والدته. إن هذا التناوب بين الحزن والفرح هو الذي يبني وضعي بصفتي كاتباً».

ويضيف: «بصفتي كاتباً، بدأت أفكر في وضعي الحقيقي، كنت شاباً في مقتبل العمر، عشت في مونتريال تلك المدينة الجميلة، في غرفة ضيقة، حيث يمكنني التحكم في مصير جيبي. كان أول شيء فعلته إنشاء مكتبة، على رفوفها عدد من المنفيين. كنت سعيداً في ذلك الوقت، وأدركت ذلك، كما قال صديقي «هنري ميلر». لقد اندهشت من أن جميع هؤلاء الكتاب المنفيين الذين قرأتهم، تحدثوا عن المنفى بلكنة من الألم. بينما يوجد في المنفى هذه الإمكانية للعثور على حياة مفعمة وجذابة، وهذا حلم كل شاب وصل، للتو، إلى مدينة جديدة».

ومع هذا كله يبقى «لافريير» مشدوداً، دائماً، إلى وطنه، بَيْد أنه يرفض أن يبقى سجيناً داخل جدران مكان ولادته. فهو يعرّف عن نفسه منذ زمن بعيد بأنه (كاتب) يتخطى الحدود والانتماءات على أساس الهوية، كما هو الشأن في كتابه (أنا كاتب ياباني). لا يشعر بأنه مهاجر إلا أمام رجال الجمارك، ولايستطيع التفكير إلا في أثناء رحلاته، ذهاباً وإياباً إلى مسقط رأسه، في أن كل إنسان طبيعي هو غريب حتى داخل عائلته، وأن السفر والعودة يمثلان تحركا يقوم به الناس، باستمرار، في أثناء حياتهم، وأن من لا يفعلون ذلك هم أشخاص محدودون، يخشون الغريب وكل ما هو جديد.

إذا كانت كلمة المنفى، في كل من القاموس ومعجمنا اليومي، مرتبطة بنوع من العقاب والقمع الممارس من الأنظمة الاستبدادية، فإن المؤلف أعطى لهذه الكلمة معنى آخر؛ فالمنفى عنده رحلة نحو فضاء أرحب وأفق مغاير وحياة جديدة بكل تحدياتها، رحلة تستحق خوض كل تلك الصعاب والآلام. يقول : «يجمع هذا العمل جميع ألوان المنفى الزاهية. لأنني سئمت من أننا نربط المنفى فقط بالألم».

يبرز المؤلف في هذا العمل القوى الأدبية المذهلة في المكان والزمان؛ يقدم لنا نثراً رائعاً، هو بمثابة خلاصة تجربة حياة، يخبرنا فيها هذا المبدع عن كل شيء يبعث بالأمل والتفاؤل ومواصلة الحياة. إنه كتاب مليء بالمشاعر الإنسانية، والشعر، والنغم، والومضات التي نلتقي فيها «بورخيس»، و«هيغو»، و«باسكيات» وغيرهم، ليتأكد لنا أن المنفى، مثل جميع المواقف الصعبة، يمكن أن يعاش بسعادة معينة. 

إن المنفى -وفقاً لـ«داني لافرير»- يخفي، أيضاً، ثرواته وابتساماته ومواجهاته الرائعة: «إنها فرصة لمقابلة أشخاص جدد، مع كتاب ونساء وقطط!، فالعالم مليء بالثروات، وهذا الكتاب يجعلنا نكتشفها بسحر وروح الدعابة، ولكن، أيضاً، في بعض الأحيان، بغنائية متواضعة».

وهكذا، يعرض لنا «لافرير» وجهة نظر مغايرة حول الشعور بالنفي، معتبراً أن تقبلنا لهذا الحدث، والترحيب به عن طريق فتح أعيننا وعقولنا، سيُثرينا بلا شك.

مواضيع مرتبطة

إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة
فخري صالح02 أغسطس 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
حجاب التلقّي في قصيدة النثر العربيّة
رشيد طلبي03 يونيو 2020
رحلة محمد الحارثي الأخيرة
إبراهيم‭ ‬سعيد06 أبريل 2020
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع06 أبريل 2020
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض06 أبريل 2020
265 عدد المشاهدات