الهلع وتوقُّع الكارثة

فيصل درّاج  |  13 مايو 2020

لا ينتمي الهلع الذي أثاره «كورونا» إلى ألوان الرعب السابقة. فقد اتخذ لنفسه من البشريّة كلّها مسرحاً، ولم يشر إلى موعد الوصول أو تاريخ المُغادرة، وواجهها ساخراً سافر الغطرسة، مبرهناً أن البشريّة كلّها بأسلحتها وأساطيلها ومخابراتها وجلّاديها ووعّاظها أعجز من أن تنتصر على «فيروس» لا يُرى بالعين المُجرَّدة وتُرى آثاره القاتلة في كلِّ مكان.

وصل وباء كورونا، الذي يضرب البشريّة الآن، حاملاً إشارات ثلاث: المرض الغامض الذي يسقط على غير توقُّع، منتقلاً من آسيا إلى أوروبا إلى الأميركيتين، كما لو كان جيشاً عجيب الانتصار، تساقطت أمامه جدران العواصم كلّها. يتلو الوباء بداهة الموت المُتغطرس الذي لم يلتقِ بعد بعلاجٍ يصده، ما يجعله موتاً موسَّعاً يجتاح الأرواح البشريّة بدأبٍ واجتهاد.

وإذا كانت كلمتا: الوباء والموت ترميان على الإنسان بالخوف والقلق والحزن، فإن الإشارة الثالثة المرعبة ماثلة في «انتظار الوباء» القاتل، الذي يتسلَّل على غير انتظار، لا يُحاصر ولا يُقاتل، بل ينقله البشر لبعضهم بعضاً، دون أن يقصدوا ذلك، أو يعلموا به، ما يسخر من قاعدة «الإنسان أخ الإنسان» سخريةً فظّة، ذلك أن «ابتعاد الإنسان عن الإنسان» قاعدةٌ ذهبيّةٌ في الوقاية والحماية.

الكورونا وباءٌ قاتل ماكر ساخر، يأتي مُستسراً تاركاً أعراضه تتلوه، يصيب جميع الأعمار، ينتقل بالملامسة، ويعلق بالتراب، ولا دواء له إلّا «البقاء في البيت»، كما لو كان من أنصار العُزلة والاعتكاف، لا يفصل بين الأجناس والأعراق والطوائف، يصيب الجميع،… ومع أنه في مساواته بين الأعمار والأديان والأعراق يبدو «ديموقراطيّاً»، فإنه كاره للأطفال والعُمَّال والتلاميذ وللبشريّة كلّها، ذلك أنه أجبر «نصف البشريّة» حتى الآن على ملازمة البيوت.

لا شيء منذ الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) بدَّل حياة البشر مثل الكورونا، ساوى بين القوي والضعيف، والأسود والأبيض، وعبث بالأقوياء كما يريد، فَهُم الآن «الأشدُّ سقوطاً». ذلك أن المرض الماكر ضرب الصين أولاً، وانتقل لاحقاً إلى أوروبا- إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا- وألحق بهذه البلدان «القويّة» إصاباتٍ كثيرة، ثم حطّ رحاله في البلد الأوّل في العالم: الولايات المتحدة، وأنزل بها الحدَّ الأعلى من الوفيات.

في رؤية مرض عاتٍ لا يفصل بين الأقوياء والضعفاء، وتأمُّل مرض علاجه الوحيد «البقاء في البيت» ما يثير الهلع، وفي وباء يفرض إفراغ الشوارع وإغلاق المدارس والحدائق العامّة ويعبر القارات ما يوسّع الخوف، وفي شرٍّ مسلَّح يمنع المُزارِع من بيع محصوله، والشاب عن زيارة أمّه، والعاشق عن محبوبته ما يوقظ العجر إلى حدود البكاء، وفي دموع شاب لا يستطيع ملامسة رأس أمّه الراحلة بالوباء ما يشلّ اللسان ويخنق الروح ويسقط صامتاً في أرجاء: الهلع.

الهلع خوفٌ شديدٌ يجتاح الإنسان ويزعزع كيانه إلى تخوم العجز والشلل، إنه ما يضع الإنسان خارج كيانه وإرادته، أو يحتفظ بإنسان مبتور الكيان عاطل الإرادة، وهو ما يلغي أمراً قديماً متعارفاً عليه، ويستعيض عنه ببديل مقيت لا يرحّب به. يقول علماء الاجتماع: «استبداد العادة أعلى أشكال الاستبداد استبداداً». برهنت الكورونا إلى الآن، أنها قادرة على اجتياح العادات جميعها، بما فيها فروض الصلاة في الجامع وزيارات الأهل إن افتقد الإنسان رؤيتهم.

خوف أو هلع أو رهاب أو ماذا؟

ما شعور إنسان يرى شاحنات متلاحقة تكدَّست فيها الجثث، وما يدور في خاطره إنْ رأى حفرةً واسعة تتَّسع لعشرات الأرواح الراحلة، وما الذي يهجس به إذا رأى صفّاً من الجثث الملفوفة بالبياض تراصفت في نهاية شارع؟ الشعور لا يُعبَّر عنه، لأن الكلمات لا تساوي مواضيعها دائماً، إنْ لم يكن دور الكلمات حجب المعاني. ولهذا تحضرنا كلمة: الخوف، أو الخوف الشديد، والخوف أعمى على ضوء الحساب العقلاني، يترجم إحساساً قابضاً يعرف جميع البشر. وقد يتمُّ تعديل الكلمة قليلاً فيُقال: الخوف البارد، الذي يجتاحنا حين نسمع عن «البرّادات – المقابر»، أو أن نتحدَّث عن: «الخشية من العدوى». حيث يبدو الخوف مستوراً، أو أن نرى شوارع العالم فارغةً تماماً بعد السادسة مساءً، ويحتلّنا «الرعب»، أو نستمع إلى عدد الوفيات في نيويورك، ونصاب «بالذعر»، وصولاً إلى اختناق روحي يسائل معنى الحياة والموت وقدرة الإنسان وعجزه مجلاه الذي لا يعبّر عنه هو: الروع، الذي يستأصل كيان الإنسان ويلقي به في الفراغ.

جاء في رواية نجيب محفوظ «ملحمة الحرافيش»، طبعة عام 1988 ما يلي: «دبّت في ممر المقبرة حياة جديدة…. يسير فيه النعش وراء النعش. يكتظ بالمُشيعين. وأحياناً تتتابع النعوش كالطابور. في كلّ بيت نُواح. بين ساعةٍ وأخرى يُعلَن عن ميتٍ جديد. لا يفرِّق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل، إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء. ص: 55». تشبه «الشوطة» التي تحدَّث عنها محفوظ وباء الكورونا، وتختلف عنه، تشبهه ولا تشبهه في المرض الخاصّ بمصر آنذاك دون غيرها، والمجهول الهويّة، لا يعرف أحد من أين جاء ولا إلى أين يذهب، على خلاف «كورونا» وفدت من الصين وتسافر إلى حيث تشاء.

أضاف الوباء المستجد كارثةً جديدة إلى الكوارث البشريّة المألوفة، وشكلاً غير مألوف إلى أشكال الخوف المعروفة. كان الفيلسوف الإنجليزي «هوبس» في كتابه «لوفيتان» قد حذَّر الإنسان من الإنسان، وجاء الفرنسيّ «غوستاف لوبون» وحذَّر من «الجماعات» التي يطلق اجتماعها نزوعات مدمّرة، وندَّد «عبد الرحمن الكواكبي» في كتابه «طبائع الاستبداد» الأنظمة القمعية، حيث المواطن النموذجي لا يحسن الكلام، وتعميم الخوف المبدأ الأوّل في التربية السُّلطوية.

وإذا كان الرعب من السلطان الجائر أمراً قديماً، فإن أشكالاً أخرى من الخراب أحاقت بالإنسان وأحاطت به، مجلاها الكوارث الطبيعيّة التي تشهد عليها الزلازل والأعاصير والفيضانات، والرعب من «الجوع العاري»، الذي حدَّث عنه المُؤرِّخ المصري المقريزي، وحرائق المدن الكبيرة، أو تهجير شعب من أرضه بقوة السلاح وتكثير المجازر.

لا ينتمي الهلع الذي أثاره «كورونا» إلى ألوان الرعب السابقة. فقد اتّخذ لنفسه من البشريّة كلّها مسرحاً، ولم يشر إلى موعد الوصول أو تاريخ المُغادرة، وواجهها ساخراً سافر الغطرسة، مبرهناً أن البشريّة كلّها بأسلحتها وأساطيلها ومخابراتها وجلّاديها ووعّاظها أعجز من أن تنتصر على «فيروس» لا يُرى بالعين المُجرَّدة وتُرى آثاره القاتلة في كلِّ مكان.

الهلعُ انتظارُ شرٍّ غير مألوف، إذ في الانتظار ما يهصرُ القلبَ، وفي الشرِّ ما يرهقُ الروحَ، وفي اللامألوف توقُّع الكارثة.

مواضيع مرتبطة

«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
خالد بلقاسم02 أغسطس 2020
أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟
‬أمجد‭ ‬جمال01 أغسطس 2020
الفنّ والحرب
طلال معلّا21 يوليو 2020
ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون
إبراهيم الحَيْسن21 يوليو 2020
بذْلة الغوّاص
آدم فتحي15 يوليو 2020
المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع
صبري حافظ19 يونيو 2020
حوار نجيب محفوظ وَكلود سيمونْ.. الفُرصة الضائعة
محمد برادة19 يونيو 2020
دوائر العُزلة
فخري صالح19 يونيو 2020
الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟
آدم فتحي08 يونيو 2020
تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة
صبري حافظ13 مايو 2020
464 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
01 يوليو 2020

بعد أن أنجز هلسا أعمالاً روائية متميّزة، احتضنت «الضحك، والخماسين، وثلاثة وجوه لبغداد»، استعاد شبابه الأوّل والزمن الذي سبقه في روايته الأكثر اكتمالاً: «سلطانة»، حيث تحضر الطفولة، والصبا، وأطياف غائمة وأخرى أكثر وضوحاً. كما لو كان ادّخر خبرة كتابية؛ لتنقل...

اقرا المزيد
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
01 يونيو 2020

يقود الإنسان العاقل حياته بوسائل عاقلة تقيه الأذى، ويتصرَّف العقل اللامسؤول بطرائق مغايرة تلحق به ما لا يريد. ويغدو استعمال العقل سؤالاً ضرورياً في أوقات الأزمات حال ما نعيشه اليوم، ويأخذ اسم: (كورونا). يثير هذا المرض الذي يجبر الناس على ملازمة بيوتهم، سؤالاً...

اقرا المزيد