«انتصار الموت» هجائيّة أخلاقيّة للحياة البشريّة

نورة محمد فرج  |  01 أبريل 2020

عام 1562 أنهى الرسَّام الهولنديّ بيتر بروغيل الأكبر لوحته «انتصار الموت»، التي استوحاها من فريسكو «نقش جداري» سُمِّي بالاسم ذاته لفَنَّانٍ مجهولٍ داخل قصر سكلافاني في باليرمو – صقلية، وكما استوحى بروغيل لوحته من المقبرة القديمة لكاتدرائية مدينة بيزا، وهي اليوم معروضة في متحف البرادو بمدريد.

هذه اللّوحة تصوير أليجوري لجائحة (الطاعون) الذي اجتاح أوروبا بين عامي 1347 و1352، وقد سُمِّي حينها بالموت الأسود. كما استفاد بروغيل من تعبير (رقصة الموت) الذي كان مُنتشراً في إيطاليا.

تعجُّ اللّوحة بجحافل الهياكل العظميّة، راجلة أو راكبة أو رافعة أعلامها، في جيوشٍ منتظمة أو هياكل منفردة، عدا عن أكوامٍ من الجماجم المُتجمِّعة والمنثورة على امتدادِ اللّوحة. 

في المُقدِّمة، في الزاوية السفليّة اليُمنى نرى تروبادور (شاعر/ موسيقي جوّال) يعزف على العود بصحبة زوجته التي تبقي له كتاب النوتات مفتوحاً، الاثنان غارقان في عالمهما الخاصّ، غير مدركين للهيكل العظميّ/ الموت الذي يتربَّص بهما ويشاركهما في سخرية العزف على الجيتار، بينما نرى إلى جوارهما ناياً وحيداً مرميّاً.

تبدو الآلات الموسيقيّة حاضرة في اللّوحة، فثمّة فرقة تنفخ في الأبواق، والهيكل العظميّّ على البناء/ السجن/ المصيدة يقرع الطبول، فيما الجالس على عربة الجماجم يعزف بسعادة على آلة وترية (هارجي جاردي) تنتمي إلى الفلكلور القروسطي، بينما عربته تسحق مجموعة بشر دون اكتراث.

تقول اللّوحة إن الموت لا يوفِّر أحداً أو جنساً أو عُمراً، فالموت يطال الملوك، كما في يسار اللّوحة، ويطال النساء النبيلات، كما في يمينها، وهو يطال العثمانيين الذين نعرفهم من عمائمهم في اللّوحة، ويصل إلى المُلونين والسود، والرهبان والخاطئين، والكاردينال أيضاً. والموت في القلعة كما في الخلاء لا فرق بينهما.

لكن اللافت في اللّوحة، هو أن الطاعون لم يكن ليوقف أنماط الحياة الخاطئة أو اللاهية أو الظالمة، فنحن نرى هيكلاً عظميّّاً يسرق العملات الذهبيّة من البراميل، فيما نرى أحجار اللعب وكروت لعبة الورق مرميّة على الأرض، وكذلك الطاولة المستديرة، التي يحاول المُهرِّج الهروب تحتها.

لكن الأنكى هو الاستمرار في القتل، فثمَّة هيكل عظميّّ ينحر حاجاً من أجل الحصول على ماله، وآخر في خلفية اللّوحة يهمُّ بقطع رأس رجل شرب النبيذ للتو، وآخر يشنق إنساناً، فيما ثمَّة آخر مشنوق، وغيره مُعلَّق من رقبته على شجرة، في جوفها رجل مطعون في ظهره، وثمَّة مجموعة بشريّة تموت حرقاً فيما يشبه الاحتفالية.

هياكل أخرى تقوم بعمليّات الدفن في مناطق مُتعدِّدة في خلفية اللّوحة، وهياكل عظميّة بشريّة وحيوانية ملقاة على امتدادها.

يختلف الموت هنا في أن الطاعون يحصد البشر حصداً، يظهر ذلك من خلال الآلة الحاصدة (المحش/ المنجل) التي يحملها العديد من الهياكل العظميّة.

نرى في خلفية اللّوحة حرائق تتداخل بالظلمة، وفي الأفق على خط البحر سفناً تحترق، وسفن أخرى غارقة أو آيلة للغرق، فيما الهياكل العظميّة تقطع الشجر بالفؤوس، بالقرب منهم أناس محبوسون في برج داخل البحر. وداخل اليابسة البحيرة الوحيدة غادرها السمك ليموت بجوارها، فيما هيكلان يقرعان جرسين يعلنان حالة الموت.

يُساق الناس في حالة تدافع أو هروب أو صراع إلى ما يشبه مصيدة صندوقية عليها صلبان، تقبع فوقها الهياكل بسعادة، الجنود والفقراء والفلاحين والنبلاء، وهم في حالة حرب غير متكافئة وخاسرة مع الهياكل العظميّة التي ترتدي ملاءات بيضاء على عريها كسخرية من دروع الحرب ومدرعاتها التي لا تقي من الموت.

تحاول العديد من الهياكل العظميّة رمي البشر في البحيرة، وهناك جثة منتفخة طافية، وأسفل القلعة المُتهدِّمة هناك جوقة تنفخ في الأبواق، يجلس إلى جوارها هيكل عظميّ حزين، هو الوحيد الحزين في اللّوحة.

لكن الأغرب في اللّوحة، حدَّ الفكاهة وسط الموت، هو المخلوق خلف عربة السجن في وسط اللّوحة، الذي يظهر في صورة كاريكاتورية وهو يحاول تخويف الناس برفع يديه، وبقرونه المُتطايرة وهيئته السوداء الظلية.

إن عربة الموت التي يقودها هيكل يحمل في يده جرساً صغيراً تدوس امرأة تحمل في يدها مقصّاً وخيطاً، كرمز إلى انقطاع الحياة البشريّة، وقد أخذ بروغيل هذا الرمز من الموثولوجيا اليونانيّة، من خلال حكاية الأخوات الثلاث اللواتي يرمزن إلى الأقدار، وكذلك رمز المغزل في يد المرأة الأخرى، وقد كان رمزاً تقليديّاً يشير إلى حياة الإنسان.

يتجاور الكاردينال والملك في اللّوحة، فالكاردينال الساقط في لحظاته الأخيرة يحمله هيكل عظميّ ساخر على رأسه قبعة حمراء، فيما الملك في حالة ذهول لا يستطيع حراكاً وأمواله إلى جواره ينهبها هيكل عظميّ يرتدي درعاً حديديّة، بينما هيكل عظميّ آخر يسند الملك بيدٍ ويريه بيده الأخرى ساعة رملية، تشير إلى نفاد وقته/ زمنه، لكن الملك لا يراها، فعيناه في الفراغ، ويداه مرفوعتان باتجاه ذهبه وأمواله، وليس على محياه ما يُشير إلى توبته..

يصطاد الموت الناس جماعات في شبكة كالحيوانات، فيما واحد آخر يضع على وجهه -على سبيل السخرية- قناعاً بشريّاً مُتحجِّراً، ويرتدي زيّاً تنكريّاً، وهو يسرق قوارير الخمر، فيما الطاولة العريضة فارغة إلّا من خبزٍ قليل بلا رفاهية، وطبق جمجمة في الوسط، وهيكل عظميّ آخر ساخر يرتدي زيّاً أزرق ذي أذنين يحمل طبق جمجمة آخر، ليروِّع المرأة الذاهلة التي أمامه، فيما هيكل آخر يلاحق امرأة يحاول احتضانها وهي تفرُّ منه.

إنّ اللّوحة تحمل صفة هجائيّة أخلاقيّة للحياة البشريّة، وللمجتمعات التي لا تكفُّ عن ممارسة الفساد دون اتّعاظ، حتى في أسوأ أوقاتها، فالطاعون الذي كان يحصدها ويعبث بحيواتها عبثاً ليس سوى عقاباً إلهياً، لكنه يقيها من غرورها الذي يأخذها إلى مصيرها النهائي المحتوم.

مواضيع مرتبطة

«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
خالد بلقاسم02 أغسطس 2020
أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟
‬أمجد‭ ‬جمال01 أغسطس 2020
الفنّ والحرب
طلال معلّا21 يوليو 2020
ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون
إبراهيم الحَيْسن21 يوليو 2020
بذْلة الغوّاص
آدم فتحي15 يوليو 2020
المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع
صبري حافظ19 يونيو 2020
حوار نجيب محفوظ وَكلود سيمونْ.. الفُرصة الضائعة
محمد برادة19 يونيو 2020
دوائر العُزلة
فخري صالح19 يونيو 2020
الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟
آدم فتحي08 يونيو 2020
تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة
صبري حافظ13 مايو 2020
206 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

ماراثون
12 مايو 2020

ذكّرتني هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحو مسطح، برواية (غرارغنتوا وبنترغويل) لرابليه. فعلى نحوٍ اعتباطيّ ساخر تمتلئ الرواية بأرقام الموتى، وكلّ ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة...

اقرا المزيد