بعضُ الأقوال حول كرة القدم

ترجمة: يحيى بوافي  |  10 نوفمبر 2022

“تؤكِّدُ لنا كرة القدم أن تطوُّر كل لاعب وازدهاره الشخصي يجد عموماً شروطَهُ الأولى في التّطوُّر والنماء بصورةٍ جماعية، وليس بداخل صراع الأنوات وأشكال الاعتداد بالنفس، وفضلاً عن ذلك، هل كان بإمكان كل من «إينستا Iniesta» و«غزافيي Xavi» أن يصيرا ما هما عليه لو كان داخل فريق «أنتر» الذي دربه «هلينيو هيريرا Helenio Herrera» (لنفكِّر هنا في مسيرة هذا اللاعب العبقري جان مارك غيلو، والتي تمَّ إفشالها جزئياً؟ لكن بمجرَّد ما تُخْلي هذه القيم الأساسية المكان لهوْسِ «ألّا نخسر المباراة» (والنظام البوسماني بأكمله يدفع في هذا الاتجاه)، اتضح أن كرة القدم لا يمكنها إلّا أن تغير طبيعتها إلى حد تصير فيه مدرسة ممتازة لـ«النزعة الأنانية» النيوليبرالية، والعديد من اللاعبين، لاسيما من الأجيال الجديدة، يقدِّمون عنها نموذجاً محزناً فعلاً…”

ما هي كرة القدم من وجهة نظرك؟ ما ماهيتها؟ هل هي نشاطٌ رياضي؟ أم هي واقعةٌ اجتماعية؟ هل هي فنٌ؟ أم هي صناعة؟

– جون كلود ميشيا: من الواضح أن كرة القدم هي كل هذا في الوقت نفسه! إنها أوّلاً وقبل كل شيء رياضة، وُلِدَت، بهذا التصوُّر، من رغبة زملاء النخبة البريطانية إبّان القرن التاسع عشر في تكييف ممارسة اللعبة القديمة (القديمة قِدم البشرية) مع الروح العقلانية والمُساواتية للحداثة الصناعية، مع بذلهم مجهودات بالتزامن مع ذلك لأجل المُحافظة على بُعد المجانية المُكوِّن لها، وعلى تلك الأخلاق الخاصة باللعب الحُر (cette éthique du fair-play) التي كانت في الأصل وثيقةَ الصلة بالقيم الأرستقراطية. ويمكن القول بأن الأمر يتعلَّق بـ«فن» من حيثُ إنّ كرة القدم عملت باستمرار على تعبئة وتحريك الجدل بين العبقرية الخلَّاقة والمُبدعة، و بين القاعدة (تحفظ لنا الذاكرة الجماعية في متحف مخيالها بذكرى «آثار» هذا الفن الأكثر بروزاً ولفتاً للانتباه، سواء تعلَّق الأمر على سبيل المثال، بحركة بيليه المُدهشة التي لا تصدَّق أمام «مازوركيفيتش – Mazurkiewicz» في نصف نهائي كأس العَالَم سنة 1970، أو مباراة هنغاريا والأروغواي في مونديال 1954، لكن من المُؤكَّد أيضاً أن كرة القدم صارت صناعة أيضاً، وهو ما لم يتحقق إلّا بفضل الرساميل التي صارت تتدخل فيها، والأرباح التي تمَّ جنيُها منها. وهي في الأخير واقعة اجتماعية، بالمعنى الذي تبدو فيه هذه الرياضة إحدى المرايا الأساسية التي تنعكس عليها جميع تناقضات المُجتمع اللّيبرالي الحديث، صالحها وطالحها.

ألا تمثّلُ كرة القدم في نهاية المطاف قمة الليبرالية؟

– عكس الحضارات السابقة، نجد أن النظام الرأسمالي تحرِّكُهُ وتنشِّطُهُ دينامية ثورية -هي تلك الخاصة بالمُراكمة المُستمرة والمُتواصلة للرأسمال- دفَعتْه إلى أن يُخْضِعَ تدريجياً جميع مناطق العَالَم، وكل مجالات ودوائر النشاط الإنساني لقوانينه، بيد أنَّه فعل ذلك دائماً وفقاً لكيفيتين تتميَّز إحداهُما عن الأخرى، وهو أمرٌ غالباً ما تتناساه الانتقادات الطُّهرانية الجديدة، لـ«الأيديولوجيا الرياضية». فهو من جهةٍ يعمد إلى أن يخلق من عدم ممارساتٍ مُعاكِسةً لروحه تماماً (نذكر على سبيل المثال تليفزيون الواقع، ألعاب الفيديو أو المُوسيقى الصناعية)، ومن جهةٍ أخرى، سعْيُه الدؤوب لاسترداد كل المُمارسات والتقاليد لصالحه والالتفاف عليها، وهي المُمارسات والتقاليد التي غالباً ما تكون من أصلٍ شعبي، ومنفلتة على الخصوص من منطقه القائم على الحساب، وهو ما نراه بوضوح على سبيل المثال، مع تلك «الدلالة» التقدُّمية للأحياء الشعبية القديمة التي تميِّز المُدن الغربية الكبرى. ولعبة كرة القدم تكشف بوضوح عن الحالة الثانية وتنمُّ عنها، بحيث توجد دائماً في المُمارسة التي يحدِّدها ويميِّزها عدد من العناصر المجانية التي لا تتلاءم ضرورةً وإنْ حصل ذلك فبصورةٍ سيّئة مع المنطق «النيوليبرالي»، لذلك لا يمكننا القول بأنها تمثِّلُ «تتويجاً وأوجاً لتسليع المُجتمع»، حتى و لو كان منطق السوق قد ألحق ضرراً فعلياً بماهيتها. فمن الواضح جداً وجود اختلاف كبير دائماً بين شعبية نبيلة(2)»، المعروفة على الخصوص بصيتها وشهرتها، وبين شعبية ليونيل ميسي ويوهان كرويف وإريك كانتونا.

هل جسَّدت كرة القدم دائماً الرياضة الشعبية بامتياز؟

– طيلة القرن العشرين كانت كرة القدم، إلى جانب ملحمة طواف فرنسا، رياضة شعبية بشكلٍ أساسي، سواء بالنظر إلى الأصل الاجتماعي لمُمارسيها أو معجبيها، فقد كانت كما سبق للمُؤرِّخ «إريك هوبسباوم Éric Hobsbawm» أنْ كتب «ديانة البروليتاريا»، من هنا ازدرائها لمدةٍ طويلة من قِبل الأنتلجنسيا (لاسيما في فرنسا)، لكن اتضح أن خضُوعها المُتزايد للمنطق الليبرالي -الذي يشكّل «قانون بوسمان»(3) المرحلة الحاسمة فيه- في طور تغيير هذا المُعطى؛ في بداية الحياة الاحترافية للاعب لا يكون ممكناً قانونياً أن يكسب أكثر من ضعف أجرة عامل مؤهَّل. أما اليوم فمن الجلي أن نجوم هذه الرياضة صاروا جزءاً من عالَم التميُّز والحظوة.

هل هي بحق «مملكة الولاء والإخلاص الإنساني الذي يمارَس في الهواء الطلق»؟

– كان ذلك هو تعريف غرامشي لها، لكن منذ أن عمل منطق السوق على تشويه طبيعة اللعبة ذاتها، صارت مطابقة هذا التعريف للواقع أقلّ، وتراجعت شيئاً فشيئاً، (لنفكِّر في استعمال اليد من قِبل تييري هنري، ومن طرف ديغو مارادونا)، فضلاً عن أن بعض اللاعبين ما هم إلَّا مرتزقة (مسيرة باولو مالديني أو ريان جيجز لم تعد حتَّى ممكنة التصوُّر اليوم)، كما أن ضرورة الفوز وتحقيق الانتصار بأي ثمن صارا يظهران بدرجة كبيرة غير متوافقة مع اللّعب النظيف الذي كان الأصلَ في الروح الرياضية.

عندما استحضر«جورج أورويل» كرة القدم في نصِّه «الروح الرياضية» وصفَها بعباراتٍ قاسيّة نوعاً ما («ينبوع عداوة لا ينضب» و«النسخة المشوهة أو سيمولاكر الحرب»، «لطالَمَا كنتُ مندهشاً من سماع أشخاص يُعلنون أن الريَّاضة تشجِّع الصداقة بين الشعوب»، «نلعب من أجل الفوز، واللعب لا يعود له معنى يُذكر إذا لم يبذل المرءُ كل ما في طاقته من أجل الفوز به»). ما الذي توحي لك به هذه العبارات لـ«جورج أورويل»؟

– ما من شكٍّ في أن «أورويل» على هذا الصعيد كانت تفصله مسافاتٌ هائلة عن كامو وباسوليني! بعد هذا، أقول بأننا ننسى، بصورةٍ دائمة تقريباً، التأكيد على أن هذا النص تمَّت كتابته سنة 1945، أثناء الدوري الإنجليزي لدينامو موسكو (فريق الخدمات الأمنية لستالين!)، وهو الدوري الذي وضع النظام السوفياتي تصوره صراحةً من أجل الدعاية والتّلاعب بالرأي العام الإنجليزي، هو ما تمرَّد ضده جورج أورويل بوضوح، غير أن نظرته إلى الرياضة كانت في الواقع أكثر تعقيداً من ذلك (وهو ما تحتاط الأيديولوجيا الرياضية من التذكير به)، هكذا عندما بحثَ عن عرض وإيضاح فكرة أن «هناك أموراً لا يجب الامتناع عن إتيانها») -وذاك هو مبدأ للآداب العامة- غالباً ما تبادر إلى ذهنه فوراً مثال الرياضة (لا سيما الكريكت). وعندما عمل على وصف الإطار اليومي الحقيقي للثقافة الشعبية الإنجليزية، لم يعوزه التحديد الدقيق لـ«النادي ولمُباراة كرة القدم، الحديقة الخلفية التي توجد خلف المنزل، الركن الذي توجد فيه المدفأة وكوب الشاي الدافئ». ومن البديهي أن تكون كل الأشياء مستهجنة تماماً بنظر المُثقف الناشئ.

هل صار اللاعبون اليوم «أقنومات العَالَم الحديث المُقدَّسة»؟

– تماماً على غرار مارادونا، ورولين ستونز وليدي غاغا! من المُؤكَّد أن التصنيم ليس بالأمر الجيد أبداً، لكن لماذا تكون علاقة مُعجب متحمِّس ببيليه أو ديستيفانو أكثر «طفولية وصبيانية» من تلك العلاقة التي تربط قارئاً لجريدة «ليبراسيون» بـ«جوي ستار Joey Starr»، و«إيمريك كارون Aymeric Caron» أو «ستيف جوبز Steve Jobs»؟

ما الذي تدركه حين تعاين شخصيات مثل إبراهيموفيتش أو رونالدو: هل هم موهوبون أم فنّانون؟ أم أنهم على العكس منتجات خالصة للمُجتمعات الليبرالية؟

– توجد ثلاثة أشياء -كما سبق للفلاسفة القدماء أن قالوا- تميل إلى فصل الإنسان عن عين ذاته، وعن أمثاله وأشباهه وعن الواقع العادي هي: السلطة والمال والمجد (وكما نقول اليوم «الشهرة»)، وانطلاقاً من اللحظة التي ولج فيها نجوم كرة القدم عالَم أصحاب الامتيازات المحظوظين، فمن العادي جداً أن تتطوَّر عندهم كل الباثولوجيات الأخلاقية والسيكولوجية، بعد هذا أجد أن المثالين اللَّذين قدَّمتهما لم يتم اختيارهما بشكلٍ جيد، لأن وضعهم الممتاز والمُتميِّز اجتماعياً ليس له لحد الآن أي تأثير على العبقرية الخلَّاقة والمُبدعة لهؤلاء اللاعبين (على العكس من ذلك هؤلاء المُؤلِّفين الذين لهم كتب أكثر مبيعاً بكثير، قد صاروا أغنياء ومشهورين، لم يتمكنوا من إنتاج شيء اللَّهم ما كان من إعادة تدوير تلك الوصفات التي ضمنت وأمّنت لهم نجاحهم الأول)، وبالمُقابل، أنا قلق جداً لأجل الأجيال الجديدة من لاعبي كرة القدم الذين لهم أجور إعجازية بملايين الدولارات، بينما لا زالوا لم يثبتوا بعد شيئاً، مما يجعل تلك الأجور منطوية على خطر أن تكبح في الوقت نفسه مميزاتهم كلاعبين وفضائلهم الإنسانية.

أليسوا نتاجاً لنوع من النزعة الليبرالية التحرُّرية التي انحدرت من مايو/أيار 1968؟

– إنهم أولاً وقبل كل شيء نتيجة قانون أو نظام بوسمان! (l’arrêt Bosman) بوصفه قراراً تمّ فرضه سنة 1995 من قِبل «محكمة العدل الأوروبية» الشهيرة جداً على الكيانات التي تتولى تدبير وإدارة كرة القدم، وهو ما جرى تحت تصفيقات أحزاب اليسار.

هل تكون كرة القدم قد صارت إحدى تجارب مجتمعنا بوصفه مجتمع التسلية والفرجة؟

– في مجال الطّب يشير السواغ إلى مادة نقوم بإضافتها إلى العنصر النَّشِط لدواء من الأدوية من أجل تحلية حبات الدواء والمُساعدة على تناولها، لذلك تبقى صيغتك ملائمة ومناسبة على نحوٍ خاص، فمن اليقيني أنَّ الصناعة الرياضية الحديثة، لاسيما تلك الخاصة بكرة القدم، تُمثّل بنظر الطبقة المُهيمنة عنصراً حاسماً وهذه القوة الناعمة (soft power) أو هذا التحكم والضبط المُتوفر لزمن الدماغ إنما هو موجَّهٌ إلى تمرير الجُرعة الليبرالية المرة، ونفس الأمر تضطلع به صناعة الموضة والعَالَم الرقمي ميدان المُوسيقى العالمية وحفلاتها الضخمة، مع وجود هذا الاختلاف الجدير بالإشارة والمُتمثّل في استحالة ممارسة نظرة نقدية تقريباً، ولو في حدودها الدنيا، تجاه دينامية الرأسمالية، من خلال اتخاذ موقع داخل عالَم الموضة مثلاً – لأن هذا العَالَم لا يمثِّل إلّا تعليقاً شاعرياً على هذه الدينامية غير الإنسانية، بينما عالَم كرة القدم لازال يقدِّم عدداً من زاويا النظر غير الرأسمالية إلى الحياة.

كتبتم أن الهدف لم يعد من الآن فصاعداً «بناءً من أجل الفوز، بل هو الهدْمُ حتى يتم تجنُّب الخسارة». وشيئاً فشيئاً صارت الفِرق تختار كرة قدم طموحة ودفاعية (برشلونة، بايرن، دورتموند، أرسنال)، فهل كرة القدم في طور التغيُّر؟ وهل كرة القدم السلبية لـ«هيريرا» في طور الاستئصال؟

– أنتم تصفون هنا واجهة العرض الحديثة الخاصة بكرة القدم، وبتعبير آخر، أنتم تصفون مجموعة 14، التي تضم في الوقت الحاضر الأندية الأكثر غنى في العَالَم، كتلك الأندية التي تضم بالتعريف، أفضل اللاعبين في العَالَم (جزئياً، لأنهم يمتلكون الوسائل المالية لبناء مراكز تكوين للأندية الأخرى)، وبالتالي فليس من المُدهش في شيء أن يحرصوا على تأمين الحد الأدنى من هذه الفرجة الضروري لتحقيق «عائد للاستثمار».

لكن بمجرَّد ما نترك هذا العَالَم المُتلألئ والبرَّاق، كي نجد، على سبيل المثال، عالَم البطولة الأولى (la Ligue 1)، سنرى أن كرة القدم لعبة مملة ودفاعية، وفقيرة جداً من الناحية التقنية، وتنحو، على العكس من ذلك، إلى أن تصير معياراً. وبكلمةٍ واحدة نقول بأن قرار بوسمان قاد منطقياً إلى خلق لعبة قدم تسير بسرعتين حتى أنني أخشى أن يأتي علينا حينٌ من الدّهر يتمُّ فيه تنظيم بطولة للأندية الأوروبية تكون وقْفاً على الأندية المرموقة فقط، تلك الأندية التي تحتكر القسم الأساسي من الدعم المالي والإعلامي، بينما ستكون الأندية الأخرى حبيسة الصناديق الفقيرة للبطولات المحلية، والتي ستكون فائدتها الرياضية بالضرورة ضعيفة جداً، بهذا تكون لعبة كرة القدم قد كَفَّت عن أن تكون لعبة شعبية، بالمعنى الأول للفظ، كي تصير مجرَّد بديل للكرة الدوارة، بخلفية من المُصفقين والفواصل الإعلانية التي لا تفتر.

وفيما يتعلَّق باللعبة في ذاتها، ما هو تعريفك لـ«الجميل» في مجال كرة القدم؟

– سأحتمي هنا خلف مُدَرِّبيْن اثنين أكِنُّ لهما تقديراً كبيراً، فمع «جوسيلين غورفينيك Jocelyn Gourvennec»، أقول إنّ «التمريرة علاقة بين اللاعبين، وهي الأمر الأكثر أهمية» (ويضيف غورفينيك على نحوٍ منطقي بأنه يستحيل أن يقبل ولو لاعباً واحداً يحتقر التمريرة ويقلِّل من شأنها». ومن جهتي، أقول، بخصوص الروح الجماعية للعب، مع «كريستيان غوركوف» إن الانتصار لا يمثّل هدفاً للعب بقدر ما يُمثّل نتيجته الطبيعية، إنها صياغة تنمُّ عن الذكاء يثير الإعجاب، وهي تعني أن الاختصاص الأول لكرة القدم الفرجوية، وبالتالي الهجومية، والتي يتمُّ بناء لعبها بصورة جماعية، هو متعةُ لعِب الواحد من أجل الآخر على قاعدة فلسفة مشتركة ومتقاسمة، فتمرير الكرة يمثّل الأساس الطبيعي لهذه المُتعة؛ تلك هي كرة القدم التي مارسها ولعبها -على سبيل المثال- فريق برشلونة الذي كان يدربه غوارديولا، أو الفريق الكبير لهنغاريا في الخمسينيات من القرن العشرين، (وفضلاً عن ذلك لا يتردَّد «غوستاف سيبيس Gusztàv Sebes» و«بيل شانكلي Bill Shankly» في الحديث «عن كرة قدم اشتراكية»!)، وهو ما يعني بصورةٍ طبيعية معرفة كيفية تنويع أنظمة اللعب المُجسِّدة لهذه الفلسفة الدفاعية -حتى أثناء المُباراة- بدلالة المُشكلات المطروحة من طرف الفريق الخصم (وتلك هي القوة الكبرى لـ«جوزي مورينو»، في إطار فلسفة لعب مختلفة هي للأسف الشديد فلسفة مختلفة جداً)، لكن يبدو أن مَنْ جاءوا بعد غوارديولا لازالوا لم يفهموا ذلك بعد، مما يعود، دون شك، إلى غياب امتلاك إبداعية فلسفية تكون معادلة ومكافئة لتلك التي يتمتع بها هو.

تعمل كرة القدم على جعل الأفراد ينخرطون داخل مصير جماعي يلتزمون به، وفي أيامنا هذه، في الوقت الذي نجد فيه الليبرالية أحرزت المعركة الأيديولوجية، ألّا تكون كرة القدم مجرَّد سلاح في يدها، أم يمكن اعتبارها، من حيث هي بناءٌ جماعي، بمثابة عنصر لـ«مقاومة نمو منطق السّوق والعمل على كبحه»؟

– إنّ كرة القدم، كما سبق لي القول، عندما يتمُّ وضعها تحت علامة «اللعب الجميل»، تكون منطويّة على عدد من العناصر التي لا تتوافقُ مع منطق السوق، إذ من حيثُ هي رياضة، تتأسس أولاً وقبل شيء على ما أسماه «غاليانو Galeano» بـ«متعة اللعب لأجل اللعب»، مما يتعارض بصورةٍ واضحة مع التايلورية التي تُوجِبُ على كل حركة بشرية أن تكون «ذات مردودية وعائد» بشكلٍ فوري ومبرمجة تقنياً (ماذا كان سيكون ظنُّ تايلور بكل من «غارينشا Garrincha» أو «كوبا Kopa»)؟ وبوصفها رياضةً جماعية، تؤكِّدُ لنا كرة القدم أن تطوُّر كل لاعب وازدهاره الشخصي يجد عموماً شروطَهُ الأولى في التّطوُّر والنماء بصورةٍ جماعية، وليس بداخل صراع الأنوات وأشكال الاعتداد بالنفس، وفضلاً عن ذلك، هل كان بإمكان كل من «إينستا Iniesta» و«غزافيي Xavi» أن يصيرا ما هما عليه لو كان داخل فريق «أنتر» الذي دربه «هلينيو هيريرا Helenio Herrera» (لنفكِّر هنا في مسيرة هذا اللاعب العبقري جان مارك غيلو، والتي تمَّ إفشالها جزئياً؟ لكن بمجرَّد ما تُخْلي هذه القيم الأساسية المكان لهوْسِ «ألّا نخسر المباراة» (والنظام البوسماني بأكمله يدفع في هذا الاتجاه)، اتضح أن كرة القدم لا يمكنها إلّا أن تغير طبيعتها إلى حد تصير فيه مدرسة ممتازة لـ«النزعة الأنانية» النيوليبرالية، والعديد من اللاعبين، لاسيما من الأجيال الجديدة، يقدِّمون عنها نموذجاً محزناً فعلاً.

 

هوامش:

1- Jean-Claude Michéa, QUELQUES PROPOS SUR LE FOOTBALL , La Découverte | «Revue du MAUSS» 2015/2 n° 46 | pages 41 à 49

أُجْري هذا الحوار مع الفيلسوف جون كلود ميشيا من طرف مجلة «FootMondial» (كرة القدم العَالَمية)»، في مايو/أيار سنة 2014، لكن المجلة سرعان ما توقّفت قبل أن يتمَّ نشر نص الحوار، لذلك أعاد الكاتب نشره بمجلة «موس»:

https://www.cairn.info/revue-du-mauss-2015-2-page-41.htm

2 – في إشارة إلى نجمة تليفزيون الواقع نبيلة بيناتيا…

3 – عرف القانون باسم اللاعب جان مارك بوسمان، الذي رفع على نادي لييج البلجيكي قضية، لمنعه من الانتقال إلى نادٍ كروي آخر بعد انقضاء مدة عقده معه، وقد أسفرت هذه القضية التي امتد التقاضي فيها خمس سنوات، إلى هذا القانون الذي غيَّر عالَم اللعبة، مجيزاً انتقال اللاعبين المُنتهية عقودهم بشكلٍ حُر ودون موافقة النادي، وكذلك حرّية انتقال اللاعب الأوروبي داخل نطاق دول الاتحاد الأوروبي واعتباره كلاعب محلي.

مواضيع مرتبطة

حكاياتٌ حول كأْسِ العَالَم
مصطفى كيسوس10 نوفمبر 2022
عولمة كرة القدم تعزِّز الانفتاح
ترجمة: مروى بن مسعود10 نوفمبر 2022
كأننا لم نُترجِم إدوارد سعيد
شوقي بن حسن07 سبتمبر 2022
باتريك موديانو: يمكن حذف عناوين رواياتي للحصول على كتاب واحد
ترجمة: مونية فارس07 سبتمبر 2022
منصف الوهايبي: السجال حول «قصيدة النثر» بدأ قبل ظهور «قصيدة التفعيلة»
حوار: السيد حسين07 سبتمبر 2022
إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية
ترجمة: عبدالله بن محمد02 فبراير 2022
يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية
ترجمة: حياة لغليمي02 يناير 2022
ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
90 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

ما وراء شرارة الميادين
10 نوفمبر 2022

انسابَ الزمنُ العربي وصولاً إلى لحظة صار فيها هذا الوطن المُفتَّت يلملم جراحاته ويحاول الالتئام مرّةً أخرى «حول مشترك ما»، وكالعادة تكون كرة القدم هي الوسيلة وفُسحة التنفس، لكن الفسحة هذه المرّة جزء من أرض هذا الوطن العربي، إنها رئته؛ إنها قطر 2022، قطر الصغيرة...

اقرا المزيد
إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
02 فبراير 2022

في شهر سبتمبر/أيلول عاد «إدغار موران» للتو من «الدوامة الإعلامية» الخاصة بعيد ميلاده المئة، بعد أن قام بجولة على بلاتوهات التليفزيون والإذاعة مستجيباً دون توقف لزميلاتنا الصحافيات وزملائنا الصحافيين، كان استقباله لنا عبر تقنية التناظر الرّقمي، حيث يخلد...

اقرا المزيد
يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف
02 فبراير 2022

إنّه أحدُ أكثر الفلاسفة الأحياء الذين تخلقُ كلمتُهم صدى وتَجاوباً، لكنه أيضاً أحد أكثرهم استعصاءً على مستوى قراءة أعماله، في سنِّ الثانية والتسعين تحدَّث «يورغن هابرماس» إلى طاقم تحرير المجلة (مجلة فلسفة الفرنسية) باللّغة الألمانية بكيفية مفهومة على نحوٍ...

اقرا المزيد