بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام

ترجمة: عبداللطيف القرشي  |  30 سبتمبر 2021

التغذية فعل اجتماعيّ شامل بامتياز. هذا ما يحاول «بول أريي Paul Ariès» صاحب كتاب «نحو تاريخ سياسي للتغذية»، ورئيس تحرير مجلة «Les Z’Indigné(e)s» إبرازه من خلال أبحاثه التي تجمع بين التاريخ والسوسيولوجيا وعلم السياسة، حيث يسعى إلى استكشاف ما تفصح عنه أطباقنا وأذواقنا.

ما الذي يدفعكم إلى القول بأن وجبة طعام تشكِّل فعلاً سياسيّاً بامتياز؟

– لأن المائدة والسياسة تتداخلان على الدوام. فالتغذية هي مسألة توزيع وقواعد، وهو المجال الذي يتحدَّد فيه الأصدقاء والخصوم. من المُحتمل جدّاً أن تخزين الطعام والنار التي استعملت لطبخه كانا أول المُمتلكات المُشتركة للإنسانيّة. ومن هنا يمكن التصريح بأن السياسة وُلدت من خلال التغذية. وبخصوص الرهان الكبير لعصرنا فإن الأمر لا يتعلَّق باستيطان المجال، بل بكيفية توفير الغذاء لثمانية أو اثني عشر مليار إنسان. ولهذا يجب علينا أن نتعرَّف على ما كان يعنيه فعل الأكل في الماضي.

نحن اليوم عند مفترق الطريق: على ماذا سوف نتغذَّى بعد بضعة عقود؟ تبدو الزراعة الخلوية كإحدى الإمكانات المطروحة، حيث يمكننا صناعة مواد غذائية من خلال استخلاص خلايا جذرية نزرعها لنصنع غذاء حسب الرغبة. نظرياً يمكننا مثلاً من خلال 150 بقرة أن ننتج كلّ كمّية الحليب المُستهلكة اليوم في كوكبنا. هذا بالطبع إذا صدقنا الوعود التي تفصح عنها التكنولوجيات الحيويّة.

هل يمكن حمل الزراعة الخلوية على محمل الجد؟

– ستحظى هذه الزراعة بمزيد من الاهتمام في المُستقبل. فخلال الثورة البلشفية مثلاً كان السوفيات يحلمون بالأغذية المُصنَّعة دون أن تتوفَّر لديهم آنذاك الإمكانيات التقنية. ولربّما سنتمكّن لأوّل مرّة في التاريخ من تحقيق هذا الحلم الخرافي.

منذ عشرة آلاف سنة خلت كانت هناك قطيعتان كبيرتان في تاريخ الإنسانيّة. الأولى عندما تمكَّنت أَقلّيّة محدودة للغاية من التحكُّم في المخزون الغذائيّ. هذه اللحظة هي التي عبَّرت عن الانتقال من العصر الحجريّ القديم إلى العصر الحجريّ الحديث. وخلالها تخلّت الإنسانيّة عن الصيد والالتقاط لتنتقل إلى الزراعة والتدجين. وظهرت بالتتابع المُعتقدات الدينيّة والتفاوتات الاقتصاديّة. فقد أصبح الأقوياء يحتكرون الغذاء وصار عليهم بالمُقابل تغذية الشعب. وترتَّب عن هذا نتائج عديدة. فعندما قامت الانتفاضات الأولى في مصر القديمة على سبيل المثال كان الدافع إليها هو ضمان التزوُّد بالحصص اليوميّة من الخبز والشراب، وهو لفظ يجمع في كلّ ما هو حيوي بالنسبة للناس آنذاك.

منذ متى صارت الوجبات الغذائيّة تكشف عن التفاوتات؟

-على الأَقلّ منذ ظهور مدن الدول الأولى، وهذه هي القطيعة الثانية الكبرى في تاريخ الإنسانيّة. وهو ما أسمِّيه بالانفصال الغذائيّ. لم يعد الأثرياء يرغبون في تناول الشيء نفسه الذي يتناوله العوام، ولا تناوله بالطريقة ذاتها. وهنا سيتطوَّر الطبخ الرفيع الذكوري في مقابل الطبخ اليوميّ الأنثوي.

يمكننا أن نجسِّد هذا مع النخبة المصريّة التي تخلَّت عن تناول لحم الخنزير، الذي أصبح منذئذ مخصَّصاً للفئات الاجتماعية الدنيا. فنبذ الخنزير الذي نجده في عدد من العقائد الدينيّة، كان في الأصل مؤشِّراً على التمايُز الاجتماعيّ.

هل هذا يعني أننا في اختياراتنا الغذائيّة مجرَّد ورثة للأسلاف؟

– بكلّ تأكيد، فالمائدة الفرنسيّة مثلاً تبدو لي مدينة لمائدة العصور القديمة على ثلاثة مستويات:

– فهي مدينة للمائدة المصريّة بتمثُّل المائدة كلغة. إذ إن رمزاً هيروغليفياً واحداً كان يدل على فعلي «أكل» و «تكلم». فقد ابتكر المصريون القدماء الأطعمة الرمزية الأولى، اثنان منها يسترعيان انتباهي بشكلٍ خاص: الخبز كرمز للخلود، والشراب كرمز للأنسنة.

– وهي مدينة للمائدة الإغريقيّة بتمثُّل المائدة كتقاسم. فهناك لفظ واحد في الإغريقيّة القديمة للتعبير عن فعلي «أكل» و«تقاسم». ومن هنا فإن كلمتي زميل (copain) ورفيق (compagnon) في اللّغة الفرنسيّة تحيلان على مَنْ نتقاسم معه الخبز.

– وهي مدينة للمائدة الرومانيّة ببُعد آخر: المائدة كمتعة. إذ لم تنفق أيّة حضارة على مائدتها مثل ما أنفقت الحضارة الرومانيّة، إلى حدّ إصدار تشريعات لتقنين الإنفاق المُبالغ فيه على الطعام.

إنّ هذه الأبعاد الثلاثة، أي اللُّغة والتقاسم والمُتعة، تشكِّل جزءاً من المُعادلة التي ينبغي حلّها لنسير نحو التغذية السليمة، أي القدرة على توفير الغذاء الكافي لكلّ البشر في المُستقبل.

من المعلوم جيّداً بأن وجبات الطعام تساهم بدورها في تشكيل الهويّات الوطنيّة…

– في هذا الجانب يمكننا أن نأخذ مرّة أخرى مثال فرنسا. فقبل «لويس الرابع عشر» عندما كان المرءُ يرغب في أن يأكل بشكلٍ جيّد، يتناول الطعام الإيطاليّ. وهو طعام مرتكز على الاستمتاع والوجبات الحلوة. وفي هذه المرحلة بدأ السعي إلى ابتكار مائدة فرنسيّة، لقد كان هذا قراراً سياسيّاً. ولكي نبسِّط الأمور، فهذه المائدة الوطنيّة سترتكز على المطبخ الإيطاليّ مضافاً إليه فنّ الصلصات مع اهتمامٍ كبير بالحلويات. وصناعة الحلويات تُعَدُّ فرعاً من الهندسة، لأنها تسمح بخلق أشكال هندسيّة غاية في الدقة. ومن هنا اعتبر رمزياً أن أكل الحلويات يُشير إلى الاعتراض على الظلامية الدينيّة.

ثمَّ جاءت الثورة الفرنسيّة التي استحوذت على خطاب عصر الأنوار. خُذ على سبيل المثال الأونسيكلوبيديا (الموسوعة) التي وضعها «ديدرو»، نجد أن المقالات المُخصَّصة للمطبخ صاغها الفارس «لويس دو جوكور». الذي كان شخصاً يعتبر بأن الأكل السليم هو الأكل الشعبي، لأنه الأكل الحقيقيّ والواقعيّ والطبيعيّ. ففرض فكرة أن الشخص ذا الذوق الرفيع، بمعنى المُواطن الصالح، يتكوَّن حول مائدة الطعام، لأن اكتساب القدرة على التمييز بين الأذواق يفضي إلى اكتساب القدرة على التمييز بين الأفكار. لذا عندما أدخلت الثورة الفرنسيّة تغييراً على المدرسة، أسندت للفرسان السود (التعبير الذي أطلقه «شار بيغي» على رجال التعليم) ثلاث مهام: تعليم الصبيان القراءة والكتابة، تعليمهم الحساب، وتعليمهم القدرة على التمييز بين الأذواق. ولا زلت أذكر جيّداً في فترة طفولتي عندما كان يطلب منّا في المدرسة، أن نميِّز بعيون مغلقة أو مغمضة، رائحة الخل عن رائحة الخردل.

ما الذي يمكننا القيام به لكي نوفِّر الغذاء الكافي لعشرة مليارات من البشر؟

-هناك تصوُّران محتملان: القفز على الجدار مع البيوتكنولوجيا الغذائيّة، أو تسريع الخطى على الجانب الآخر مع الزراعة الإيكولوجيّة. في هذا المنحى الثاني سوف تكون ضيعة المُستقبل متعدِّدة التخصُّصات، تنتج الفواكه والخضر والحبوب والقطاني، وكذلك الحليب والبيض، وأيضاً روث الحيوانات الذي يغذّي دبال التربة. إنها زراعة موجَّهة نحو تلبية الاحتياجات المحلّية دون أن تكون زراعة منكفئة ذاتياً. لأنها لا تلغي التسويق من حساباتها كلّيّاً، بل هي بكلّ بساطة زراعة تعيد الاعتبار لعمل الزراعي وللبيئة وتراعي المواسم الفلاحية ولا تستنزف الكثير من الماء. يقتضي هذا الأمر تنويع الاختيارات، وهي اختيارات سياسيّة. هل يجب أن نغذّي سكّان كوكبنا بملياري مزارع صغير، أو بخمسمئة ألف مسير ضيعة زراعيّة؟ إن إنتاج الطعام يستهلك اليوم عشرة أضعاف ما ينتجه من السعرات الحرارية/ الكالوريهات، لأننا نحتاج إلى الكثير من المحروقات لصناعة المُخصِّبات والمُبيدات الحشرية. والجميع على وعي اليوم بأن هذه المنظومة غير قابلة للاستمرار، فلن ندافع عن البيئة دون أن نعيد التنوُّع البيولوجيّ لأطباقنا.

حوار: لوران تيستو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

مجلة «Sciences Humaines» العدد (338) يوليو 2021

https://www.scienceshumaines.com/la-politique-est-nee-a-table-rencontre-avec-paul-aries_fr_43536.html

مواضيع مرتبطة

باتريك موديانو: يمكن حذف عناوين رواياتي للحصول على كتاب واحد
ترجمة: مونية فارس07 سبتمبر 2022
منصف الوهايبي: السجال حول «قصيدة النثر» بدأ قبل ظهور «قصيدة التفعيلة»
حوار: السيد حسين07 سبتمبر 2022
إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية
ترجمة: عبدالله بن محمد02 فبراير 2022
يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية
ترجمة: حياة لغليمي02 يناير 2022
ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
جدل البيو.. حماية للصحة أم انتهازية تجارية؟
جمال الموساوي02 يناير 2022
حرب الخوارزميّات بعد سَكتَة الفيسبوك
آدم فتحي01 نوفمبر 2021
فكِّر مثل الفيروس
ترجمة: أسماء كريم06 أكتوبر 2021
780 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

إدغار موران: كان علينا أن نستعدَّ للكوارث
13 مايو 2020

حتى وهو في معزله الصِّحيّ ببيته بمدينة مونبلييه، يبقى الفيلسوف إدغار موران وفيّاً لنظرته الشموليّة للمجتمع. إنّ هذه الأزمة الوبائيّة، حسب تصريحه لنا، يجب أن نتعلَّم منها كيف نفهم العِلمَ بشكلٍ أفضل، وأن نعيشَ باللايقين، وأن نستعيدَ شكلاً من الأنسنة.  ألقت...

اقرا المزيد