بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة

ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر  |  26 مايو 2021

«بيتر أدامسون» أكاديمي أميركيّ وأستاذ الفلسفة العربيّة والقديمة المُتأخرة بجامعة «لودفيج ماكسيميليان» في ميونخ. أصدر عدداً من الكُتب المُهمَّة في الفلسفتين القديمة والقروسطية؛ لاسيما الأفلاطونيّة المحدثة «Neoplatonism» والفلسفة في العالَم الإسلاميّ، من بينها سلسلة من الكُتب بعنوان «تاريخ للفلسفة من دون ثغرات» كان آخرها كتاب عن «الفلسفة الهنديّة الكلاسيكيّة» (2020)، و«الفلسفة في العالم الإسلاميّ: مقدمة موجزة» عن دار نشر جامعة «أكسفورد» (2015)، و«دراسات في الفلسفة العربيّة القديمة» عن دار «روتليدج» (2016)، وآخر كُتبه «إياك أن تفكِّر بنفسك: السلطان والاعتقاد في الفلسفة القروسطيّة» عن دار نشر جامعة «نوتردام»، وكتاب«الرّازي» الذي صدر في مارس/آذار الماضي (2021) عن دار نشر جامعة «أكسفورد».

هل كان مرماك الرئيس من شرح الفلسفة الإسلاميّة بلغةٍ سهلة في كتابِك «الفلسفة في العالَم الإسلاميّ» (المُجلّد الثالث من كتاب «تاريخ للفلسفة من دون ثغرات») الترويج للفلسفة الإسلاميّة، أم استمالة الباحثين في الحقل الأكاديمي أيضاً؟

– أدامسون: يستهدف الكِتاب القارئ العادي لحدٍّ بعيد، لكنّي أظن رغم ذلك أنّ النهج المُفصَّل الذي اتبعه الكِتاب يجعله مفيداً للمُتخصِّصين؛ ذلك أنّي أودُّ على نحوٍ خاص أن يتبنّى باحثون آخرون بعض الأفكار المطروحة في الكتاب، مثل دمج دراسة الفلسفة اليهوديّة ضمن تصوُّر الفلسفة في العالم الإسلاميّ، وإيلاء مزيد من الاهتمام بالتفكير ما بعد الكلاسيكيّ، خاصّة كلّ ما جرى بعد القرن الثاني عشر الميلادي.

في رأيك ما هي أسباب إهمال الفلسفة الإسلامية طيلة التاريخ الحديث؟

– لم تُهمَل الفلسفة الإسلاميّة في كلّ البقاع بطبيعة الحال؛ إذْ دائماً ما كانت البلدان الإسلاميّة تشهد اهتماماً بالأعراف الفلسفيّة القديمة. لكن في أوروبا برزت رغبة لتبجيل الشخصيّات التي تُرجمت كتاباتها إلى اللّغة اللاتينيّة إبّان القرون الوسطى، مثل ابن سينا وابن رشد؛ بسبب ما لتلك الشخصيّات من تأثير على الفلسفة الأوروبيّة. أمّا الفلاسفة العظام الذين جاءوا لاحقاً مثل فخر الدين الرازي أو صدر الدين الشيرازي؛ مِمَّنْ لم يُترجَم لهم شيء لأي من اللُّغات الأوروبيّة، فلم يسترعوا انتباه الباحثين بتلك اللُّغات.

هل ترى أنّ فلسفات كثير من الثقافات لم تُدمج في تاريخ الفلسفة في الغرب؟ أو أنّ الفلسفة الإسلاميّة طُرحت هنا باعتبارها أحد «فلسفات العالم» إلى جانب الفلسفات الصينيّة والبوذيّة والهنديّة، وغيرها من الفلسفات؟

– نعم، هذا صحيح؛ إذْ لا يزال هناك اتجاهٌ في أوروبا وشمال أميركا لجمع كلّ التقاليد غير الأوروبيّة في شيء واحد أطلقوا عليه اسم «الفلسفة غير الغربيّة» أو «الفلسفة العالميّة» (World Philosophy). لا اعتراض لديَّ على ذلك من بعض النواحي؛ إذْ تبدو خطوة أولى مفيدة في سبيل جذب الاهتمام إلى تلك الفلسفات. لكن الاطلاع على الفلسفة الهنديّة لا تربطه صِلة حقيقيّة بالاطلاع على الفلسفتين الإفريقيّة أو الأميركيّة اللاتينيّة، وما نحتاج إليه في واقع الأمر هو بحث أكاديمي ينقطع لدراسة كلّ فلسفة على حِدة، وهذا ما يجري الآن بصورةٍ متزايدة. لكن وضع الفلسفة الإسلاميّة يُثير العجب بشكلٍ خاص؛ حيثُ يُنظر إليها في الغالب باعتبارها واحدة من الفلسفات غير الغربية، رغم أنّها -أي الفلسفة الإسلاميّة- ردٌّ على الفلسفة الأوروبيّة لحدٍّ كبير، ولا سيما أرسطو، على نقيض ما نجده في الهند أو الصين أو إفريقيا أو الأميركتين فترة ما قبل الاستعمار.

هل لاصطلاح «الفلسفة الغربيّة» دلالة حقّاً؟ وهل ترى أنّ الاصطلاح ليس سوى إحالة لذهنية كولونياليّة؟

– إشكالية هذه العبارة هي التباس ما ينبغي أن يندرج تحت «الفلسفة الغربيّة»، فلو كان المقصود إحالة لمنطقة جغرافيّة؛ بمعنى كلّ الفلسفات التي ظهرت في أوروبا، وبعدئذ في أميركا الشماليّة والبلدان «الغربيّة» الأخرى، فلابد آنئذ أن تشمل «الفلسفة الغربيّة» جانباً كبيراً من الفلسفة الإسلاميّة؛ لأنّ المُسلمين ببساطة حكموا إسبانيا لفترةٍ طويلة، وبعض المُفكِّرين المُسلمين واليهود ألَّفوا كُتباً هُناك باللّغة العربيّة، ومع ذلك لا تُعَدُّ الفلسفة الإسلاميّة في الغالب جزءاً من الفكر«الغربيّ». أمّا لو كان المقصود من «الفلسفة الغربيّة» كلّ الفلسفات التي تعود أصولها للإغريقيّين، فلابدّ أن تندرج تحتها شخصيّات مثل ابن سينا الذي عاش في آسيا الوسطى؛ وهي منطقة شهدت نفوذاً هائلاً للثقافة الهلينيّة.

كيف ترى ما ذهب إليه (المُؤرِّخ والكاتِب الفرنسي) «أرنست رينو Ernest Renan» أنّ الفلسفة الإسلاميّة «تحتقر» العلم، رغم ما قاله نبي الإسلام محمد (صلّى الله عليه وسلّم): «فضل العالِم على العابِد كفضلي على أدناكم»، و: «العلماء ورثة الأنبياء»؟

– فكرة أنّ الفلسفة أو العلم يدعمهما الوحي تعود إلى القرون الوسطى في واقع الأمر؛ إذْ تستطيع أن تجدها في كتابات ابن رشد على سبيل المثال، وبوجهٍ عام لا شكّ أنّه إبّان الفترتين الكلاسيكيّة والقروسطيّة اعتقد كثيرٌ من المُفكِّرين المُسلمين أنّ الإسلام يحثّ على الاستكشاف العقلانيّ للعالم. لكنّي أودُّ أن أتحرَّى الدقة هُنا ولا أفترض غياب اتجاهات أخرى داخل الإسلام. فعلى سبيل المثال ظهر فقهاء آخرون لم يشجعوا على الاستعانة بالمصادر العلميّة الأجنبيّة، أو قالوا إنّ كلّ ما نحتاجه من معرفة موجود في الوحي القرآني والأحاديث النبويّة. ومن ثَمَّ فالمشهد معقَّد.

كيف برَّر الفلاسفة المُسلمون دراسة أفلاطون وأرسطو؟ تُشير إلى ردّ الكندي على منتقديه الذين عارضوا الاستعانة بالنصوص الفلسفيّة الإغريقيّة، وتقول إنّ الكندي حاجج بضرورة احترام الحقيقة أينما نجدها. لكن رغم أنّ الفلاسفة لم يشكّكوا في الوحي، إلّا أنّهم اضطروا لتوضيح لِمَ كانت دراسة الفلسفة الإغريقيّة ليست زائدة على الحاجة؛ حتّى وإن كانت تعاليمها صحيحة. بكلماتٍ أخرى؛ ألا تكفي دراسة القرآن والكتاب المُقدَّس؟ هذه مسألة جوهريّة لفهم تفاعل العالَم الإسلاميّ مع الفلسفة الإغريقيّة.

– هذه حقيقة. وكما قلت فقد عارض بعض الفقهاء في حينه دراسة الفلسفة الإغريقيّة. نحنُ نجهل هويّة الرجل الذي كان يردّ عليه الكندي بدفاعه عن الاستعانة بالحكمة الإغريقيّة، لكنّ هناك مثالاً آخر يتعلَّق بالجدل الذي دار حول قيمة المنطق. فهَهُنا النحوي أبو سعيد السيرافي الذي نفى وجود ما يدعو لدراسة المُؤلَّفات التي وضعها الإغريق عن المنطق.

أظنُّ أنّ ثمَّة شكلين اثنين في حقيقة الأمر يُمكن أن تتبنّاهما مناوأة الفلسفة الإغريقيّة: الأول هو التشكّي ممّا بين الفلسفة الإغريقيّة والإسلام من تعارُض، إذْ تؤكِّد الأولى على أبدية العالَم مثلاً في حين يؤمن المُسلمون أنّ العالَم مخلوق، والثاني هو أنّ الفلسفة الإغريقيّة زائدة على الحاجة، لأنّ كلّ ما فيها من حقائق موجود في الوحي أيضاً. وقد ردّ الفلاسفة على كلتا التهمتين بطبيعة الحال؛ من خلال تقديم حجج فلسفيّة ضد أبدية العالَم، أو إنكار تقيُّد القرآن بعالَم زائل. أمّا بالنسبة لتهمة الزيادة على الحاجة، فإنّ ردّهم المُعتاد هو المُحاججة بأنّ الفلسفة أداة مفيدة في واقع الأمر لفهم وتأويل القرآن، وأنّ الفلاسفة ربّما هم أفضل مَنْ يفسّرونه. هذا هو ما رأينا ابن الرشد يفعله لاحقاً على سبيل المثال، كذلك كتب الكندي أطروحتين حول استعمالات الفلسفة في تفسير القرآن.

هل ترى أنّ يحيى بن عدي جسر بين الفلسفة الإسلاميّة وورثتها في الفلسفة المسيحيّة؟

– ليس لهذا الحدّ، لكن ابن عدي يُظهر أنّ الفلسفة في أواخر عصر التكوين القروسطي كانت مشروعاً متعدِّد الأديان؛ ذلك أنّ المسيحيّين واليهود تعاونوا مع المُسلمين في ترجمة وتأويل الفلسفة اليونانيّة. ولِكم يسترعي الانتباه كذلك المدى الذي بلغه استعمال الفلسفة في النقاشات بين الأديان المُختلفة، مثل تفنيد ابن عدي لمآخذ الكندي على التثليث.

هل ترى أنّ نظرة «هيجل» للتاريخ باعتباره تقدّم الوعي بالذات، يُمكن تبريرها تاريخيّاً؟ أو بشكلٍ أكثر تحديداً، هل يمكن تمييز الفلسفة إلى عصرين اثنين؛ عصر الفلسفة القديمة وعصر الفلسفة المسيحيّة الحديثة، ومن ثَمَّ المثالية الألمانيّة؟

– كلا، لا أقبل بهذه المُقاربة الغائية لتاريخ الفلسفة؛ إذْ لا أعتقد أنّ الفلسفة ترتقي وفق مسار مُقرَّر سلفاً، أو حتّى متوقَّع، صوب بتّ «Resolution» قاطع ما.

في واقع الأمر، لم يكن «هيجل» وحده مَنْ يظن أنّ الفلسفة تتجه صوب بتٍّ ما. إذْ يُمكن العثور على هذه الفكرة في كتابات فلاسفة التحليليّة الجُدد، الذين يفترضون أنّ مقاربتهم تجعل كلّ الفلسفات السابقة عليهم منقضية، ولعَلّ مردّ ذلك استرشاد الفلسفة التحليليّة بالعلوم الحديثة. لكني لا أقبل هذه النظرة أيضاً، بل أعتقد أنّ لكلّ عصر وثقافة في تاريخ الفلسفة حكايته الخاصّة، وأنّه في احتياج لتقييمه وفق مفرداته الخاصّة؛ ذلك أنّ النواميس المُختلفة تُثير أسئلة مختلفة بدلاً من محاولة الإجابة عن نفس الأسئلة دائماً.

كيف ترى الدهرية؟ وهل تعتقد أنّ أبا بكر الرازي مثلاً كان يُنكر النبوة؟

– لديَّ قراءة مُغايرة لموقف الرازي، مفادها أنّه لم يكن يتطاول على النبوة إجمالاً في واقع الأمر، بل أراد الهجوم على مذاهب بعينها داخل الإسلام يبدو أنّ الشيعة الإسماعيليّة واحدة منها، ذلك أنّه كان يعتقد أنّ هذا النهج يعول على سلطان الأئمة أكثر ممّا يلزم. ومن ثَمَّ أرى أنّ خصوم الرازي من الإسماعيليّين شوهوا نقاشاً مشروعاً داخل إطار الإسلام، وصوروه على أنّه يتطاول على الوحي وعلى النبوة.

أغفلت في الجزء الخاص بالفلسفة الإسلاميّة الحديثة في الكِتاب، بعض أهمّ الفلاسفة المُعاصِرين من أمثال أحمد فارديد ومرتضى المطهري وجواد طباطبائي وحسين نصر. لِمَ لَمْ تتناول الفلسفة الإسلاميّة المُعاصِرة؟ هل لإغراقها في السياسة؟

– أشرت في واقع الأمر إلى طباطبائي ونصر، لكن ما تقوله صحيح عن مروري السريع على فلسفة القرن العشرين، وإغفالي الفلسفة الإسلاميّة خلال القرن الحادي والعشرين. ومردُّ ذلك سببان اثنان؛ أولهما أنّي لست على دراية واسعة بالموضوع، وثانيهما اتّساع مادته الهائل. وأتصوَّر أنّ الكتابة بشكلٍ صحيح عن الفلسفة الإسلاميّة المُعاصِرة تحتاج إلى كتابٍ كامل منفصل. لذلك حاولت التعليق على بعض المُفكِّرين المُحدثين الذين استلهموا المرويات التاريخيّة المُبكِّرة التي غطّاها الكِتاب؛ مثل محمد أركون ومحمد عبده وحسين نصر.

ما هو هدفك التالي؟ وهل تودُّ الاستمرار بنفس النهج؟

– هذا هو الكِتاب الثالث من سلسلة طويلة أطمح في الانتهاء منها في المُستقبل. وقد صدر منها حتّى الآن خمسة كُتب، منها كتاب عن الفلسفة الهنديّة المُعاصِرة شارك في تأليفه «جوناردون جانيري Jonardon Ganeri». وسوف تتضمَّن الكُتب القادمة الفلسفة الإفريقيّة والصينيّة، إضافة إلى التطوُّرات اللاحقة التي شهدتها الفلسفة الأوروبيّة.

في رأيك، ما هي الأوضاع الراهنة للفلسفة الإسلاميّة؟

– حسناً؛ مرّة أخرى، لست مُلمّاً على نحوٍ كاف بالوضع الراهن للفلسفة الإسلاميّة، لكن لديَّ انطباع أنّه يختلف كثيراً من دولةٍ لأخرى. إذْ لا يزال لدى إيران مثلاً تقليد لافت للنظر هو الاشتباك مع أفكار الماضي؛ لاسيما في المدرسة الصدرية، حيثُ لا تزال شخصيّات مثل السهروردي وابن سينا مؤثِّرة هُناك. لكن ثمَّة باحثين إيرانيين أيضاً يُمارسون الفلسفة التحليليّة أو يدرسون «كانط» و«هايدجر»، وتقترن أحياناً هذه الدراسة باستحضار صدر الدين الشيرازي. وهذه إيران فحسب!

أعتقد بوجهٍ عام أنّ الفلسفة في العالَم الإسلاميّ ديناميّة ومتشابكة كما هو الحال في أوروبا أو أميركا الشماليّة. لكن ما أودّ أن أراه هو مزيد من الحوار والتبادل بين العالَمين (الغربيّ والإسلاميّ)؛ كي تتعلَّم الأوساط الأكاديميّة من بعضها البعض. ولهذا سرّتني كثيراً الدعوة للحديث معك، لهذا السبب تحديداً!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حاوره: أمير علي مالكي

المصدر:

مجلّة «Philosophy Now»، العدد (143)، أبريل – مايو 2021م.

https://philosophynow.org/issues/143/Peter_Adamson

مواضيع مرتبطة

إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
ترجمة: مروى بن مسعود26 أبريل 2021
البطيئون في مواجهة الحداثة
ترجمة: مروى بن مسعود17 مارس 2021
نقَّاد يوتيوب.. «صديق الأفلام» المُتهم بإفساد النقد السينمائيّ
‬أمجد‭ ‬جمال17 مارس 2021
ديفيد فينشر.. الأفلام على طريقة بيكاسو
ترجمة: أمجد جمال24 فبراير 2021
المُجتمع المفتوح في السياق الإسلاميّ
محمد أيت حمو08 فبراير 2021
185 عدد المشاهدات