تزفيتان تودوروف: نحن غالباً ما ننسى دروس التاريخ

ترجمة: عبدالرحيم نورالدين  |  18 مارس 2017

يُلخِّص هذا الحوار الأخير والحصري الذي أُجري مع المُفكِّر الفرنسي تزفيتان تودوروف (1939 – 2017) قُبيل رحيله، مشاكل العالم الحالية والمتراكمة منذ عقود، فإلى آخر أيامه كان صاحب «أعداء الديموقراطيّة الحميمون» غير متفائل ولا متشائم في آنٍ؛ يُصرِّح بصوت مرتفع أن رأي الشعب، في الوقت الحاضر لم يعد مفهوماً نبيلاً، كما رسَّخت ذلك الفلسفة السياسيّة الكلاسيكية، بل إن تودوروف يصف الصورة الراهنة للشعوب بالكتل البشريّة الجماعية التي يمكن التلاعب بها وجرها إلى هذا الاتجاه أو ذاك بواسطة وسائل الاتصال الجماهيري المُعاصِرة. وعلى هذا المحك يدعونا للتساؤل: كيف يكون ممكناً، باسم حرّيّة الشعب ذاته وباسم التقدُّم، تحريف فكرة الديموقراطيّة وإفراغها من محتواها؟ الخطر السياسي كبير في نظر تودوروف ويمكن أن يقودنا إلى العيش في عالم تهيمن فيه فقط المطالب الاقتصاديّة وأهواء اللحظة، المُهَيجة والمتلاعب بها من طرف الأدوات التكنولوجية، والتي لم نتعلَّم بعد السيطرة عليها بشكلٍ صحيح.. فهل يوجد حلّ في جيوبنا؟ 

يقول تودوروف: إذا كنّا نحن من جلب جزءاً من هذه المشاكل، فإننا من الناحية المبدئية قادرون أيضاً على إيجاد الحلّ لها. ليس تاريخ البشريّة بطريق مُزيَّن بالورود. لا أظنّ أنه ينبغي الحلم بعالم مُتحرِّر نهائياً من تناقضاته ومن صراعاته الداخلية. إن القيام بذلك الحُلم الكامل والخالص إلى حَدٍّ مبالغ فيه، هو تحديداً ما يُهدِّد عالمنا بأن يصير أكثر جنوناً مما هو عليه الآن…

– مجلّة ماريان: يتصدَّى منجزك لمساءلة الأحداث الجارية المباشرة والواقعية، وللتأمُّل التاريخي بالتناوب مع مزيد من التراجع والمسافة النقديّة. كيف تجمع بين المقاربتين؟

– تزفيتان تودوروف: أحاول بالفعل التأرجح بين منحدرين، إذا أمكن ذلك. أحدهما تاريخي، تاريخ الأفكار بالأساس في حالتي، والثاني سياسي، موجَّه أكثر نحو الأحداث الجارية والعالم المُعاصِر. يتعلَّق الأمر بفهم الأحداث التي تقلب أوضاعنا، سواء على المستوى الوطني أو العالمي والاجتماعي أو الثّقافي. هذه هي طريقتي في العمل. بعد تأليف كتاب تاريخي مُعمَّق، أشعر بأني محتاج إلى الاهتمام بأحداث الساعة. وبالعكس، فبعد بحث حول العالم المحيط بنا، أعود إلى التاريخ وأغوص في الماضي. سنة 2011 مثلاً، كان بحثي حول الرسام غويا Goya انغماراً في الماضي، حتى وإن كنت أنظر إلى تشكيل عالم قديم بعينيّ رجل من القرن 21. أنا لا أتردَّد في استحضار الأصداء التي يمثِّلها منجز غويا بالنسبة إليَّ وتردُّدها مع العالم الذي نعيش فيه، لكن كتاب «في ظل الأنوار» يبقى مع ذلك، بحثاً حول رسَّام إسباني من القرنين 18م و 19م. لقد كنت أثناء كتابته غارقاً في مئتي سنة من تاريخ إسبانيا. وهي مادة لم يكنْ لي علم بها في البداية. كنت أعرف طبعاً بعض الأشياء عن منجز غويا، مثل جميع الناس، لكن في دراستي، كان ينبغي الغوص فعلاً لعِدّة سنوات في هذا التشكيل والتفرُّغ له. في النهاية، شعرت فجأة بتعطُّش وحاجة إلى الربط بين أهمِّية أفكار ذلك الزمان وبين العالم المُعاصِر. من هنا هذا الذهاب والإياب، إن صدور كتاب «غويا» جاء بعد مُؤلَّف عن «جيرمين تيليون- Germaine Tillion» اشتغال التفكير، ومتبوعاً بـ«أعداء الديموقراطيّة الحميمون».

– «أعداء الديموقراطيّة الحميمون» هو تحديداً بحث سياسي أوردت فيه، منذ 2012، أن «الديموقراطيّة مريضة بغلوها: إذ صارت الحرّيّة فيها استبداداً، وتحوَّل الشعب إلى كتلة مُعرَّضة للتلاعب، وتغيّر شكل الرغبة في ترويج التقدُّم ليصبح شبيهاً بغزوة صليبية» في الوقت الذي يضرب الإرهاب مجتمعنا بشكلٍ مرعب، كيف تضعف قوة أوروبا أيضاً من الداخل؟

– لقد تغيَّر العالم منذ سقوط جدار برلين، فهذه اللحظة التاريخية تبقى مهمّة بما ترمز إليه بالنسبة للتاريخ القريب: لقد لعبت أطوار نهاية اليوتوبيا الشيوعية ما بين 1989. وعلاوة على ذلك هو إعلان بكيفية ما، عن نهاية القرن العشرين. لقد فتح اختفاء الدول الشيوعية الطريق أمام التحوُّل العميق للبلدان المعنيّة بهذا النظام في أوروبا وبقيّة العالم. لم يعد بالإمكان اليوم، في البلدان التي لا زال حكم الدولة الشيوعية موجوداً فيها، الحديث حقّاً عن دولة شمولية بالمعنى الكلاسيكي… انظروا إلى ما صارت إليه الصين أو فيتنام مثلاً، في مقابل تبقى حالة كوريا الشمالية مختلفة؛ إن هذه الديكتاتورية تُمثِّل تهديداً، وإِنْ كان بشكلٍ معزول. إنها ليست نموذجاً للتطوُّر كما جرى مع شيوعية القرن 20. لقد تميَّز هذا الأخير في أوروبا بمواجهة مُتعدِّدة الأوجه بين الديموقراطيّة والشمولية. من بينها تقديم المذاهب الشمولية التي ظهرت خلال الربع الأول من القرن لنفسها كصنف من الدواء لأمراض العالم البورجوازي، وهو اللفظ الذي كان مستعملاً آنذاك، دواء ضدّ الديموقراطيّة العجوز والمنهكة والرخوة والضعيفة. انهال الكثير من المؤاخذات والمعاتبات على الديموقراطيّة طيلة النصف الأول من القرن وإلى حدود الحرب العالمية الثانية. كثيرة هي الأذهان التي كانت، للأسف، ضحية إغواء الصورة الذكورية للمذاهب الشمولية، الفاشية والنازية، في غرب أوروبا، أو الشيوعية في الشرق، في روسيا وفي بلدان أخرى. انتهت هذه المرحلة رمزياً وبكيفية مُعيَّنة مع انهيار جدار برلين.

إلّا أنه لم يعد يكفي، في الوقت الحاضر، تأكيد تفوُّق الديموقراطيّة على الشمولية، وهو ما قمت به طويلاً خلال عقود، إذ كان كفاحي الأساسي والمستمرّ منذ أن هربت من بلغاريا ووصلت إلى فرنسا. صار انتصار الديموقراطيّة الآن شيئاً بدهياً. ومع ذلك فالمشكل يبقى كاملاً، بل يبدو أكثر تعقيداً مما قبل. ليست الديموقراطيّة، في أيامنا هذه، مُهدَّدة فقط من أعدائها الخارجيين: إرهاب وتيوقراطية في حالة جنينية، في البلدان التي تسعى إلى فرض ذاتها كقوى إقليمية، لكن التهديد ينخر أيضاً الديموقراطيّة من داخلها.

– كيف يمكن قياس الأخطار التي تثقل كاهل الديموقراطيّة من الداخل، والتي تُهدِّد حتى وجودها، مثل الانحراف الشعبوي الغربي والأوروبي، أو التنامي الخطير لإرهاب الأجانب؟

– إذا كان يجب على الديموقراطيّة إيجاد وسائل حماية نفسها ضدّ هجمات الخارج الإرهابية، فإنه من المفروض عليها أيضاً تفادي الأخطار الداخلية، المختلفة جدّاً، مثل الشعبوية والليبرالية المُتطرِّفة أو عقيدة الخلاص ( Le messianisme )، والتي هي أعداء حميمة للديموقراطية. لنأخذ مثالاً عن هذا الصنف من التهديد. تكمن قيمة الديموقراطيّة أو مبدؤها المكون في إمكانية تحسين الوضعية الحاضرة، من أجل الرفاهية الجماعية أو الازدهار الفردي. أجل، هذا أكيد، لكن ينبغي تمييز أيديولوجيا التقدُّم عن مفهوم «قابلية الاكتمال»، ذلك المصطلح العزيز على روسو، والذي اُستعمل كثيراً خلال القرن 18م: دائماً ما تكمن حدّة الذهن في جعل تحويل الحاضر، إلى مستقبل جيد، ممكناً، من دون التسليم مع ذلك بالأيديولوجيا المفرطة لحركة خطية للتاريخ البشري الذي قد يكون تطوُّراً دائماً وبلا عيوب. انظروا على سبيل المثال إلى الأضرار الإيكولوجية أو البيئية. في حركة «القابلية للاكتمال» الممكنة دائماً، والتي ينبغي دعمها طبعاً، هل هو مطلب يتمّ فرضه على الآخرين، أم يجب بداية توجيهه للذات نظراً للاكتراث بالتراجع وبالرفاهية الجماعية؟

– لكن كيف نُفسِّر هذا التراجع وهذا الشكل من العمى بداخل نموذجنا، وإن كنّا اليوم بصدد الوعي به أكثر؟

– إن هذا يربطنا مجدَّداً بخاصية قديمة للعالم الغربي، تلك التي تريد دائماً وبشكلٍ مفارق، أن تكون مسؤولة عن الإشعاع في العالم. في هذا الوهم، يوجد الكثير من الأضرار التي لحقت بالمُعاصِرين. إنها ما أُسمِّيه عقيدة الخلاص السياسيّة، التي تتأتَّى من بنية للتفكير: فكرة أننا نتقدَّم بالضرورة نحو مستقبل زاهر، وأنه ينبغي التدخل لتسريع حدوث هذا المستقبل الذي يُقيم نوعاً من الجنّة على الأرض. لقد عاشت عقيدة الخلاص الدينية، والمسيحية خاصّة، زمن مجدها عبر الألفيات المختلفة للمرحلة الكلاسيكية، للقرنين 16م و17م . كان يعتقد أن الرب يفرض هذا السير للجنّة على الأرض، وأنه من الواجب مساعدته لتسريع حركة التاريخ. لم يعد وارداً، مع الثورة الفرنسية، التسليم بسير مطلق للعناية الإلهية، لكن فُرض قانون للتاريخ يلعب الدور نفسه. وهكذا أخذ الإنسان، في انحرافه وتخطِّيه للحدود، يتخيَّل قوانين للتاريخ المحكوم أو المُوجَّه بالإرادة البشريّة… إنه يختار الآن تشكيل العالم على صورته، تبعاً لإرادته الخاصّة، ويعتبر نفسه إلهاً. من المُؤكَّد أن عقيدة الخلاص السياسيّة منفصلة عن القوة الإلهية، لكن فعلها يقتصر على تعويض القانون الإلهي في مركز الكون بإرادة البشر في تحقيق مصيرهم. وبمجرَّد تحقيق مصيرنا في بلدنا، نفرض مشروع التكميل المذكور على الخارج. من بين المراحل التاريخية الكبرى لهذه السيرورة، هناك تصدير الحروب الثورية والنابوليونية، وهكذا يتحوَّل المثل الأعلى إلى أيديولوجيا مفروضة بالقوة. يُمكن لمشروع ديموقراطي عميق، مُكوَّن من حرّيّة ومساواة، أن يغرق في ضدّه: نفي حرّيّة الآخرين والمساواة بين الشعوب والإخاء بين البشر، الوسيلة المُستعمَلة تلغي الغاية المُستهدَفة. 

– هل تعتقد أن هذا الانحراف لا زال قائماً اليوم؟

– لقد ساد لزمنٍ طويل، وربما أنه لا زال مستمراً. تصوَّروا أنه خلال القرنين 19م و 20م كان هناك نوع من الإلزام المفروض على الأمم الأكثر استنارة، وأساساً الفرنسيون والبريطانيون الذين كان واجبهم «الأخلاقي» يتمثَّل في جلب السعادة ومعرفة العالم إلى الشعوب الأدنى: إلزام تربية الآخرين كما لو كانوا أطفالاً. هذه التربية عينها، المجانية والإجبارية التي نمدح طبعاً آثارها على التعليم في فرنسا وما تجلبه من تقدُّم، هل كان ينبغي فرضها بتلك الطريقة على نصف إفريقيا وجزء من آسيا؟ كانت فرنسا وبريطانيا العظمى، في وضعيات مختلفة، تدَّعيان أن لهما حقّ فرض نموذج عيشهما كرسالة. من هنا جاءت المغامرة الاستعمارية.

بعد طور التحرُّر من الاستعمار، الذي اُعتبر كشيء مفروغ منه، وإنْ كانت الأضرار لا تزال حاضرة، ومع نهاية الحرب الباردة وتوازن الرعب اللذين هيمنا على العالم غداة الحرب العالمية الثانية، ما زلنا نعثر على مجازفة فرض «الخير»، الذي يعتبر الغرب نفسه أحياناً تجسيداً له. لحسابنا الخاص، ينبغي مساءلة ممارسة التدخل الإنساني من جهةٍ أولى، ومساءلة ممارسة الديموقراطيّة للحرب على ذاتها من جهةٍ ثانية. يجب ألّا ننسى أن الحرب في ذاتها ليست أبداً ديموقراطيّة أو إنسانيّة، كما لا يمكنها إطلاقاً خلق شروط ازدهار ما. ينبغي أن نحاول الاقتراب من الحاضر، وأن نُحلِّل الأحداث التراجيدية منذ بداية القرن 21م، وأن نفهم معنى الحروب على أفغانستان والعراق وليبيا.

– ما هي نظرتك إلى الشعبوية المتعاظمة في الغرب حالياً؟

– لا بدّ من التذكير أولاً بأن الديموقراطيّة في معناها الاشتقاقي، هي نظام يمتلك الشعب فيه الحكم. لكن إذا كان الشعب أساساً أوليّاً ومطلباً ديموقراطيّاً، فإن لدينا انطباعاً بأن الحرص على التوازن مع قيم ديموقراطية أخرى قد ضاع، وأنه بنوع من الإفراط، لم يعد هناك سوى مبدأ واحد نشط في العالم. إن الخصم الأول للديموقراطية هو التبسيط الذي يختزل المُتعدِّد في الوحيد، وبهذا الشكل يفتح الطريق للغلو الشعبوي. للأسف، لم يعد رأي الشعب، في الوقت الحاضر، مفهوماً بالمعنى النبيل، ذاك الذي أعطته الفلسفة السياسيّة الكلاسيكية، بل بمعنى كتلة جماعة بشريّة يمكن التلاعب بها بواسطة وسائل التواصل المُعاصِرة، والتي يمكن بسهولة، للأسف، جرّها إلى هذا الاتجاه أو ذاك. انظروا إلى وسائل الاتصال الجماهيري وإلى أدوات مثل «تويتر». ينبغي التساؤل: كيف يكون ممكناً، باسم حرّيّة الشعب ذاته وباسم التقدُّم، تحريف فكرة الديموقراطيّة وإفراغها من محتواها؟ بالفعل إن الخطر السياسي كبير ويمكن أن يقودنا إلى العيش في عالم تهيمن فيه -فقط- المطالب الاقتصاديّة وأهواء اللحظة، المُهَيجة والمتلاعب بها من طرف الأدوات التكنولوجية، والتي لم نتعلَّم بعد السيطرة عليها بشكلٍ صحيح.

– كيف تستطيع الديموقراطيّة، في رأيك، استعادة توازنها وتفادي المزيد من الغرق في الديماغوجية والتلاعب بالعقول؟

– إذا كنا نحن من جلب جزءاً من هذه المشاكل، فإننا من الناحية المبدئية قادرون أيضاً على إيجاد الحلّ لها. ليس تاريخ البشريّة بطريق مُزيَّن بالورود. لا أظنّ أنه ينبغي الحلم بعالم مُتحرِّر نهائياً من تناقضاته ومن صراعاته الداخلية. إن القيام بذلك الحلم الكامل والخالص إلى حَدٍّ مبالغ فيه، هو تحديداً ما يُهدِّد عالمنا بأن يصير أكثر جنوناً مما هو عليه الآن. جميع المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة والإيكولوجية هي من إنجاز البشر. لكن كيف نؤثِّر فيها؟ إن الأكيد هو عدم امتلاك فرد ما أو شخصية سياسيّة لوصفة جاهزة وفعّالة بكيفية آلية. علينا ألّا ننسى أن هناك أُطراً ديموقراطية. هذه المًؤسَّسات لا تزال موجودة عندنا. يجب اعتمادها من أجل محاربة الانحرافات المُتطرِّفة وإظهار درجة تهديدها البالغ. من المُهم جدّاً نشر الأفكار الإنسانيّة وإيجاد الأشكال المناسبة لفعل ذلك.

نحن غالباً ما ننسى دروس التاريخ. أنا أُؤكِّد مثلاً على فضح التعذيب: ينبغي الابتهاج من كون التعذيب صار مبعداً من ديموقراطياتنا، مبدئياً على الأَقلّ، لأنه إذا غدا التعذيب، في الديموقراطيّة الأولى في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية، قانونياً وشرعياً أو مقبولاً، فمعنى ذلك أننا أمام تراجع قوي. من المُهم أن يتجنَّد ديموقراطيو جميع الدول ويندِّدوا بهذا النوع من الانحراف ويفضحوه. يتوجَّب على الأمم الأوروبية، وهي بلدان حليفة للو.م.أ.، إعلاء صوت الاحتجاج، عوض الاستفادة من معلومات منتزعة بالتعذيب في الو.م.أ. ليس دور الحلفاء هو الموافقة على ما يفعله أقواهم، أو التأكيد عليه، لكن التبليغ أيضاً عن الانحرافات الموجودة.

– كيف يمكن المحافظة على تعدُّدية وجهات النظر وانفتاح النقاش والمبادلات في ديموقراطية حقيقية؟

– بالفعل، فإذا لم تكنْ ثمّة وصفة جاهزة مُطبَّقة في الديموقراطيّة، فهناك على الأَقلّ سلسلة من التدخلات والأفعال الديموقراطيّة بإمكانها الاتكاء على ما هو أكثر رسوخاً في مؤسَّساتنا: استقلالية العدالة، الحوار الإعلامي والمحادثة العمومية، تعدُّدية الصحافة، وسائل التواصل المُتنوِّعة، تعدُّدية الأحزاب وتنوُّع الآراء. نعم، إن كلّ ما ذُكِرَ يُشكِّل مكتسبات الديموقراطيّة الأكثر وَطَدَاً في العالم. ينبغي الاستناد إلى ذلك من أجل الفعل والدفاع ضدّ الأخطار الحاضرة، في انتظار أخطار الغد. بيد أنني أحب العبارة التالية لـ«بنجامان كونستان Benjamin Constant»، الذي قال وهو يتحدَّث عن الحياة الحميمة للأفراد: «إن ما يفلت من بين يديك هو مختلف بالضرورة عن الشيء الذي يتبعك». هي أيضاً مفارقة سياسيّة: إن الديموقراطيّة التي تنقصنا هي أكثر روعة من تلك التي نتوفَّر عليها الآن. من الواجب إذن محاربة الإرهاب اليوم كما حاربنا الشمولية بالأمس، بالقوة نفسها وبالحماس نفسه. ينبغي أيضاً، وفي أبعاد أخرى، مراقبة ما يحدث أمام أعيننا. فإخضاع مجتمعنا للنقد هو جزء من مكتسبات هذا النظام السياسي عينه وفكر الأنوار الذي يلهمه. لا مبدأ يكفي بمفرده لضمان جودة الدولة. لقد جاء شافيز إلى السُّلطة بالانتخابات، وكذلك الأمر بالنسبة لبرلسكوني في إيطاليا، بل حتى عِدّة مرّات. إن الديموقراطيّة لا تُختزَل في خاصية وحيدة، بل إنها تتطلَّب تمفصل وتوازن العديد من المبادئ المنفصلة.

– ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الديموقراطيّة على المستوى الدولي؟ وما هي في نظرك حصيلة سياسة فرنسا العالمية خلال مُدّة حكم فرنسوا هولاند، منذ انتخابه في مايو/أيار 2012؟

– في الوقت الحاضر، السياسة الفرنسيّة مجازفة كثيراً على المستوى العالمي. إنها تقريباً على خط عقيدة الخلاص السياسيّة ذاته. ويأتي ضعفها من سلبية عدم اعتبار الإطار الأوروبي. رغم التقدُّم الذي أحرزته، تبقى أوروبا منقسمة وضعيفة. في بعض الأحيان تجد فرنسا نفسها وحيدة، وتتصرَّف أو تفعل مثل قوة استعمارية قديمة لا تزال محتفظة بمصالحها في إفريقيا، ولاسيما في بلدان الغرب. ففي حين أن الاضطرابات والأحداث مُقلقة بشكلٍ خاص، في هذه المنطقة من العالم، ينبغي ألّا تتدخل فرنسا فقط بمنطق وإلزام الحفاظ على مصالحها. استعادة السلم، نعم، لكن ليس لإعادة تأسيس النظام والتاريخ الماضيين، حينما كانت فرنسا تلعب دوراً بصفتها قوة استعمارية. إذا كان لزاماً على فرنسا أن تتدخل من أجل منع تكاثر الإرهاب في هذا الجزء من إفريقيا، فإنه يجب عليها ألّا تحارب لوحدها الإرهاب الذي يضرب ويستهدف كلّ البلدان الأوروبية. هل من الممكن أن تبقى بعض بلدان أوروبا عديمة الشعور بالتهديد الإرهابي ولا تعمل بشكلٍ منسجم مع الأمم الأخرى؟! أمام رعب الإرهاب، ما هو نمط الحماية الاجتماعيّة التي ينبغي إقامتها؟ سؤال صعب. تذكَّروا الجواب الرمزي الذي شكَّله القيام بحربي أفغانستان والعراق. لقد وُلِدَ الإرهاب الأفغاني وحرب أفغانستان التي تلته لاجتثاثه، انطلاقاً من تواجد قوة عسكريّة مُسلَّحة على أرضه. ألا يزيد العلاج المُختار من حِدّة الشر الذي من المفترض أنه جاء لمحاربته؟! يبدو حقاً أن ذلك جدير بالمناقشة. في وقت يُجسِّد الإرهاب تهديداً واقعياً، ينبغي التساؤل رغم كلّ شيء عمَّا إذا لم يكنْ تدخل بلد ما على الصعيد العالمي يُخفي إرادة هيمنة أو إرادة التحكُّم في السلطة في جزء من العالم. لا يجب أبداً أن يكون تدخل الديموقراطيّة من أجل ذلك، بل من أجل حماية حرّيّة الأفراد والسكان ضدّ التعصُّب والتطرُّف.


المصدر:

مجلّة ماريان (Marianne) عدد 1039 ، 24 فبراير2017

حوار: أليوشا فلاد لاووسكي

مواضيع مرتبطة

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
ترجمة: عثمان عثمانية30 أغسطس 2020
بيروت أو جروح الضوء!
خالد بلقاسم30 أغسطس 2020
أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟
محمد برادة15 أغسطس 2020
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
‬أمجد‭ ‬جمال02 أغسطس 2020
مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!
ترجمة: حياة لغليمي15 يوليو 2020
صناعة النشر بعد الوباء
ترجمة: عبدالله بن محمد03 يوليو 2020
بيونغ تشول هان.. مآل الطقوس الجماعيّة
ترجمة: رشيد الأشقر03 يوليو 2020
اقتصادُ التنمية الذاتيّة
محمد الإدريسي03 يوليو 2020
أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»
ترجمة: عبدالرحيم نورالدين22 يونيو 2020
في رحيل آدَم حَنين.. وَريثُ الصَّلابَة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
181 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»
22 يونيو 2020

إن الأزمات الكبرى لا تستدعي فقط الإتيقا المدنيّة والمسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة. إنها تفيد في تمييز المتعالي عن الطارئ الملحق، والأساسيّ عن السطحيّ. في هذه المُقابلة، تحذِّر الفيلسوفة أديلا كورتينا من الدوغمائيّات الأيديولوجيّة والقوميّات التي تبني...

اقرا المزيد