”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا

ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني  |  11 أغسطس 2020

في يوم الثلاثاء: 17 مايو/أيار، 1980، غادر قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» المحطّة التشيلية في رحلة روتينية. تألّفت القافلة من عربة البريد وعربة أخرى لشحن السلع وعربتَين لمسافري الدرجتين: الأولى والثانية،على التوالي.

كان عدد قليل جدًّا من الركّاب يسافرون فيه، ونزل معظمهم في «كالاما»، في منتصف الطريق الطويل حتى حدود «بوليفيا». وأولئك الذين بقوا، هم أربعة في عربة الدرجة الأولى، وثمانية في عربة الدرجة الثانية، استعدّوا للنوم متمدّدين على المقاعد، يهدهدهم، بمسرّة، اهتزاز القطار الذي سيصعد، ببطء متعب، ثلاثة آلاف من الأمتار بزيادة قليلة، إلى أن يصل إلى سفح بركان «أولاغوي» والمدينة التي تحمل الاسم نفسه.

وهنالك، كان على المسافرين الذين يرغبون في مواصلة رحلتهم إلى «أورورو» أن يركبوا قطارًا بوليفيًا، وسيستمرّ قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» السريع، في سيره لمسافة مئة كيلومتر أخرى، تقريبًا، عبر الأراضي التشيلية حتى التوقّف في «أوخينا»، محطّة نهاية الرحلة. لماذا كان يُطلَق على القطار السريع اسم «أنتوفاغاستا – أورورو»، وليس- ببساطة- «أنتوفاغاستا – أوخينا»؟؛ ذلك شيء لم يفهمه أحد، على الإطلاق، ولا يزال الأمر مستمرًّا على هذا النحو.

كانت رحلة مملّة. لقد ماتت سهول «بامبا ملح البارود» منذ فترة طويلة، ولم تقدّم القرى المهجورة، حتى من قِبَل أشباح عمال المناجم، أيّ مشهد جدير بالذكر. حتى «الغواناكو»، الذين كانوا يعانون من السأم، أحيانًا، وهم يشاهدون عبور القطار بملامح تعبير بلهاء، كانوا ضجرين. كان المرء يرى واحدًا منهم كما لو أنه يراهم جميعًا.

كان يسافر، في عربة الدرجة الأولى، رجل وامرأة متزوّجان حديثًا. كانا يرغبان في التعرّف إلى بوليفيا (كانا يخططان للوصول حتى تياهواناكو)، وتاجر ملابس داخلية لديه قضايا عالقة في «أورورو»، ودارس متعلّم لحلاقة الشعر كان قد فاز بتذكرة ذهاب وإياب إلى «أوخينا» في مسابقة بالراديو. سافر حلّاق المســتقبل غير المقتنع كثيرًا بأن مثل هذه الجائزة تكافئ- إلى حدّ، ما وبشكل عادل- الإجابة الصحيحة على الأسئلة العشرين في مسابقة «السينما وأنت».

في عربة الدرجة الثانية، كان يحاول النوم ملاكمٌ من وزن «ويلتر»، والذي سيكون عليه، بعد ثلاثة أيّام، أن يواجه في «أورورو» بطل الهواة البوليفي من فئة الوزن نفسه، ومعه وكيله، والمدلّك، وخمس أخوات راهبات صغيرات من المؤسّسات الخيرية. لم تكن الراهبات ينتمين إلى الوفد الرياضي، فقد بقين في «أوياغوي» لممارسة بعض طقوس الخلوة الروحية.

كان القطار يحمل سائقين للقطارات، والمكلّف بعربة البريد، ومراقب التذاكر.

كانت قاطرة الديزل تسحب قافلة العربات بسلاسة، ودونما مشاكل. لقد قضوا، خلال رحلتهم، ثماني عشرة ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا»، وكانوا يمضون بمحاذاة المنحدرات الأولى التي تحرس بركان «سان بيدرو» وارتفاعاته التي تشارف ستّة آلاف متر، تقريبًا. بقيتْ حوالي خمس ساعات أخرى من السفر، حتى يدخلوا «أوياغوي» مقلقين الخفافيش في أبراج الأجراس.

لاحظ سائق القطار الذي كان في القيادة، بغتةً، ظهور كتل من الضباب، لكنه لم يهتمّ بالأمر. لقد كانت كتل الضباب تشكّل تفاصيل روتينية، لكنه- تحسُّبًا لكلّ طارئ- أبطأ سرعة القطار. قائد القطار الآخر كان نائمًا وهو جالس، وعندما شعر بالحركة التي قام بها زميله، فتح عينيه.

– ماذا يحدث؟ اللامات المتوحّشة، مرّةً أخرى؟

– هناك ضباب كثيف جدّاً.

– تصرّفْ بشكل عاديّ. لا أقلّ ولا أكثر.

اقتحمت القاطرة كتل الضباب مثل سهم، واكتشف قائد القطار شيئًا غير عاديّ. شعاع ضوء العاكس لم يكن يخترق الضباب، بل كان يرتسم دائريًّا، كما لو كان يسقط على جدار رماديّ ورطب. وبشكل غريزي، زاد السائق تقليص السرعة إلى الحدّ الأدنى، وفتح رفيقه عينيه مرّةً أخرى.

– ماذا يحدث؟

– الضباب. لا شيء يُرى. لم يسبق لي أن رأيت ضبابًا بمثل هذه الكثافة.

– أنت على حقّ. من الأفضل أن توقف الآلة.

وهذا ما فعلاه. تراجع القطار بضع سنتيمترات، ثم توقّف.

فتح سائق القطار الذي في غرفة القيادة نافذة، وأطلّ برأسه محاولاً النظر نحو الحزمة الضوئية للشعاع، لكنه لم يرَ حزمة الضوء القويّة للأضواء الأمامية. في الواقع، لم يرَ شيئًا على الإطلاق. وفي حال من الذعر، أدخل من جديد رأسه. وعندما نظر إلى الأمام، لم يستطع، أيضًا، أن يرى العاكس مشتعلًا.

– يا للقرف! لقد احترقت شمعة الإشعال.

أخذوا شمعة إشعال جديدة وخرجوا إلى الممشى يحملان صندوق أدوات العدّة. كان الرجلان يحملان في أيديهما مصباحَيْن يدويَّيْن. أوّل الخارجين تقدّم خطوتَيْن ثم توقّف. كان يعتقد أن مصباحه قد تعطّل، لكنه لمّا وجّهَه نحو الأعلى، تأكّد من أنه كان مشتعلًا. لم يكن الضوء يتمكّن من اختراق الضباب، فقد كان يسلّط على بعد بضعة ميلليمترات من الزجاج، ثم يموت.

– شريكي، هل أنت هناك؟

– نعم، أنا خلفك، لكني لا أراك.

– أنا مفزوع . أعطني يدك.

تحسّسا المكان في الظلام الدامس، وأمسك كلّ منهما بيد الآخر، وبجسديهما التصقا بدرابزين الممشى، ثم تقدّما حتى العاكس. لقد كان مشتعلًا. وعند تمرير اليد فوق الزجاج الواقي، كانت حزمة الضوء القويّة تصير شفّافة، لكنها لا تستطيع اختراق حتى سنتيمتر واحد في الضباب.

– دعنا نرجع. لا ينبغي أن ننتظر أكثر من ذلك، ليس أكثر من ذلك.

وعند العودة إلى قمرة القيادة، شغل القائد الثاني للقطار مقبض الراديو للإبلاغ عن التوقّف، وعن التأخير المحتمل في الوصول إلى محطّة «أوياغوي».

– يا لها من لعنة كبرى!

– والآن، ماذا هنالك؟

– الراديو. لقد مات! إنه لا يعمل.

– لم يعد ينقصنا سوى هذا. ماذا نفعل؟

– يجب أن ننتظر، ونصبر.

بدأت الساعات تمضي بطيئة، كما هو الحال في جميع وضعيات الالتباس. حلّت الساعة الرابعة صباحًا، ثم الساعة السادسة، ثم الساعة المحتمَلة للوصول إلى «أوياغوي»: الساعة السابعة. لقد اكتملت أربع وعشرون ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا». واستمرّ الضباب على حاله، كثيفًا، لدرجة أنه كان يمنع مرور ضوء النهار، ولمعان الضوء الممزِّقُ للصباحات الأنديزية.

– يجب التحدّث إلى المسافرين.

– حسنًا. ولكن، دعنا نذهب معًا.

ونزل سائقا القطار من القاطرة، يمسك أحدهما بيد زميله، ملصقَيْن جسدَيْهما إلى القطار، ووصلا حتى عربة البريد. لقد ابتهج المسؤول عندما سمعهما، وأوصلهما إلى عربة الدرجة الأولى، فصعدا إليها. المراقب، الذي كان يرفع صوته، وهو يحاول تقديم تفسيرات لتاجر الملابس الداخلية، استقبلهما بارتياح.

– حتّامَ سنظلّ متوقّفين؟ أنا تنتظرني أعمال مهمّة في «أورورو»، تحجّجَ الرجل.

– ألم تطلّ من النافذة؟ ألا ترى الضباب الموجود في الخارج؟ قال أحد السائقين.

– وماذا بعد؟ مسارات السكك تستمرّ على الأرض، أضاف.

– كن متعقّلًا. قائدا القطار يعرفان ما يفعلانه، قالت المتزوّجة حديثًا.

– شريكي، اذهب للبحث عن ركّاب الدرجة الثانية. من الأفضل أن يكونوا كلّهم مجتمعين.

عبَر المشار إليه إلى العربة الأخرى، وكان أوّل من ظهر هم: الملاكم والتقنيان المرافقان له. أبقى الملاكم الباب مفتوحًا لكي تمرّ الراهبات.

دارت مناقشة قصيرة، كشفت عن أن المتزوّجَيْن حديثًا، ومتعلّم الحلاقة كانوا هم الوحيدين الذين يتمتّعون بالصبر داخل المجموعة، وتمّ الاتفاق على الخطّة التي يجب أن يتّبعوها.

ووفقاً لحسابات قائدي القطار، كانوا موجودين في مكان قريب جدًّا من بركان «سان بيدرو»، في جزء من المنحنيات الحادّة التي يُنصح فيها بعدم تحريك القطار وسط ذلك الضباب، ولكن من المحتمل، أيضًا، أن كتل الضباب لن تكون جدّ واسعة. ولربّما تنتهي في المنعطف التالي، وإذا كان الأمر كذلك، فإنهما مستعدّان لاستئناف الإقلاع عندما يعبرون المنعطف. لكن، قبل ذلك، يجب أن يكونوا في أمان؛ ولهذا ينبغي أن يكون هنالك متطوّع يرافق أحد قائدي القطار مشيًا، للاستكشاف عبر مسار السكّة. تطوّع الملاكم للتوّ، معلّلًا بأن قليلًا من الحركة سيكون مفيدًا له.

وحتى لا يكونا مضطرَّيْن للسير، ممسك أحدهما بيد الآخر، ربط الملاكم والقائد الثاني للقطارجسديهما، عند الخصر، بحبل، كما يفعل متسلّقو الجبال، وشرعا في السير. لكن ما إن خطَوَا أكثر من خطوة حتى افتقدهما المسافرون، ولم يعودوا يروهما. لكن الغياب لم يدم طويلًا.

وهو يسحب الملاكمَ الذي لم يفهم سبب قرار الرجوع، عاد قائد القطار إلى الجماعة.

– نحن فوق جسر، قال السككي.

– ماذا؟ ليس هناك أيّ جسر في مسار الرحلة كلّها! قال الآخر.

– أعرف ذلك، مثلك تمامًا، لكننا الآن فوق جسر. تعال معي.

فكّوا رباط الملاكم، وتمّ ربط السائقين معًا بواسطة الحبل.

لم يكن كلّ من الرجلين يرى الآخر. وكانت رطوبة الضباب تجعل التنفّس صعباً.

– دُس النائمين. سوف نخطو خطوتين. أنت جاهز؟. حاول الآن وضع قدمك ما بين النائمين.

كان السككي الآخر على وشك فقدان توازنه. اجتازت قدمه الضباب، دون أن تجد مقاومة.

– يا للمصيبة! هذا صحيح. أين نحن؟

– هل لديك شيء ثقيل؟ أريد أن أعرف إن كان ثمّة ماء في الأسفل.

– فهمت. انتبه. سوف ألقي المصباح اليدوي.

انتظرا، وهما يحبسان أنفاسهما، كلّ الوقت، ما استطاعا ذلك، لكنهما لم يسمعا الضوضاء.

– حسنًا. يبدو أنه عالٍ. أين نحن؟

عادا إلى العربة، ووجهاهما الحائران أخرسا المسافرين.

وزّعت الراهبات ما تبقّى من القهوة التي كنّ قد حملنها معهنّ في (الترمس)، وراجع تاجر الملابس الداخلية جدول التزاماته.أما العروسان فقد أمسك كلّ منهما بيد الآخر، ومشى الملاكم بعصبية من طرف العربة إلى الطرف الآخر، بينما كان مدبّر أعماله يلعب لعبة الداما مع المدلّك، بينما أخرج متعلّم حلاقة الشعر، في خجل، راديو ترانزستور من حقيبته.

– فكرة جيّدة! ربّما هناك أخبار عن أحوال الطقس، فالساعة الآن، هي السابعة صباحًا، وقد حان موعد الأخبار، صرخ أحد السائقين.

احتشدوا قرب الفتى. وبالفعل، استمعوا إلى نشرة الأخبار، بتكذيب، أوّلاً، وبعدئذ باشمئزاز، وأخيرًا بخضوع أمام الوضوح.

تحدّث المذيع عن الانحراف المأساوي لقطار «أنتوفاغاستا – أورورو» عن سكّته، والذي حدث في الليلة الماضية بالقرب من بركان «سان بيدرو». يبدو أن سائق قافلة العربات المقطورة، وبسبب عطب في نظام الكبح، قد قفز عن مساره، وسقط في منحدر، ولم يكن هناك بين المسافرين ناجون، وكان من بين الضحايا الرياضي البارز …

نظر كلّ منهم إلى الآخر في صمت. لا أحد منهم سينفّذ خططه أو سيصل، في الوقت المناسب، إلى موعده المحدّد. دعوة أخرى غامضة وغريبة، مع مرور الوقت، سوف تستدعيهم للعبور إلى الجانب الآخر من الجسر، عندما سيتلاشى الضباب.


حقّق لويس سيبولفيدا شهرة عالمية من خلال أعماله السردية، وخاصّة روايته «العجوز الذي كان يقرأ روايات الحب» (1988). عاش فترة الاعتقال السياسي بعد انقلاب «بينوشيه»، ثم تجربة المنفى في العديد من دول أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، وعاش اللحظات الحاسمة لانتصار الثورة السندينية في «نيكاراغوا»، قبل أن ينخرط في حركة النضال من أجل البيئة. من أشهر أعماله: باتاغونيا اكسبرس (1995)، اسم مصارع ثيران (1994)، عالم نهاية العالم (1996)، حكاية النورس والقطّ الذي علّمه الطيران (1996)، حكايات هامشية (2000)، الخطّ الساخن (2000)، أسوأ حكايات الأخوين غريم، ومصباح علاء الدين (2008)، ظلّ ما كنّاه (2009)، حكاية الكلب المسمّى ليال (2016)، قصّة الحلزون الذي اكتشف أهمّيّة البطء (2018)، قصّة حوت أبيض (2019) . توفّي نتيجة إصابته بفيروس (كورونا  19)، في 16 أبريل/ نيسان، 2020.

مواضيع مرتبطة

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل31 يوليو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“
ترجمة: عزيز الصاميدي01 يونيو 2020
69 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

”وردة النار“ كارلوس زافون
06 أغسطس 2020

وهكذا، في 23 من أبريل/نيسان، التفت سجناء الرواق لينظروا إلى «ديفيد مارتين»، الذي كان يضطجع في عتمة زنزانته، بعينيه المغلقتين، والتمسوا منه أن يحكي لهم قصّة يطردون بها الضجر، فقال: «سأحكي لكم قصّة». «قصّة كتب، وتنانين، وورود، مثلما يمليه التاريخ، ولكن، وعلى...

اقرا المزيد
رحيل إرنيستو كاردينال.. شاعر الثورة السندينية
08 أبريل 2020

في‭ ‬بداية‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬رحل‭ ‬شاعر‭ ‬نيكاراغوا‭ ‬الأوّل‭ ‬إرنيستو‭ ‬كاردينال‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬95‭ ‬عاماً،‭ ‬بعدما‭ ‬‮«‬أمضى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والعلاجات‭ ‬في‭...

اقرا المزيد