جابر عصفور.. التراث من منظور الوعي بالحاضر

حسن مخافي  |  07 سبتمبر 2022

سؤالان يلخِّصان إشكالية مركزية ومنهجية في الخطاب العربي المعاصر: كيف يتحقَّق الوعي بالعلاقة بين «الأنا» المنتمية والمنحازة إلى زمنها، وبين التراث الذي ينبغي أن يكفّ عن كونه مادّة محايدة؟، وإلى أيِّ مدى يمكن الزجّ بالتراث والتراث النقدي في حمأة الاختلاف النقدي الذي يعبِّر، في عمقه، عن اختلاف حول الرؤية إلى الحاضر؟

حول هذه الإشكالية، نستعيد في هذا الملفّ الخاصّ منجز المفكِّر المصري الراحل جابر عصفور (1944 – 2021)، الذي برهن، منذ وقت مبكِّر، عن إدراك واضح لأهمِّيّة المنهج في قراءة التراث النقدي؛ فهو يُعَدّ من أبرز النقّاد العرب المعاصرين الذين كرَّسوا أهمّ إنجازاتهم في مجال الدراسات النقدية لمساءلة التراث النقدي، من منظور يتَّسم بالشمولية في الرؤية، وبالدقّة في المنهج…

 

(1)

نما الاهتمام بمسألة المنهج في قراءة التراث النقدي، حينما بدأ النظر إلى «النقد العربي القديم» في إطار ما أصبح يُعرَف، في الخطاب العربي المعاصر، بإشكالية التراث، التي خُصِّصت لها مشاريع فكرية، وتخصَّص فيها باحثون ومفكِّرون كرَّسوا جهودهم لدراسة الجوانب المتعدِّدة لهذه الإشكالية، في أبعادها المختلفة.

ورغم أن الدارس لا يعدم، في مقدِّمات كتب الأدب، وكتب تاريخ الأدب، بشكل خاصّ، إشارات إلى أهمِّيّة المنهج في معالجة الظاهرة الأدبية في العصور العربية القديمة، لم تكن المقاربات التي كانت تقرأ النقد العربي القديم، تهتمّ، إلّا لماماً، بصقل المفاهيم التي تستعملها.

وإذا كان الوعي بالمنهج، في الدراسات الأدبية العربية، قد أعلن عن نفسه منذ عشرينيات القرن العشرين، على أقلّ تقدير، حينما بسط طه حسين وجهة نظره في الطريقة التي رأى أنها أكثر نجاعةً من غيرها في سبيل تأريخ الشعر الجاهلي(1)، فإن ما تَمَّ تبنِّيه من أدوات قرائية لا ينمّ عن حضور فاعل للهاجس المنهجي لدى روّاد مؤرِّخي ودارسي النقد العربي القديم في العصور الحديثة.

ولعلّ أوضح مثال على تغييب مسألة المنهج في مقاربة النقد العربي القديم، كتاب «النقد المنهجي عند العرب»؛ ذلك أن محمَّد مندور أكَّد، في ذلك الكتاب، أهمّية المنهج في دراسة الأدب، بوجه عامّ، والنقد، بوجه خاصّ، حين جعل النقد والمنهج متلازمَيْن، وهو ما يفصح عنه عنوان كتابه، ويكشف عنه، أيضاً، تركيزه على تعريف المنهج في النقد حين عرف النقد المنهجي بقوله: «… والذي نقصده بعبارة النقد المنهجي هو ذلك النقد الذي يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية أو تطبيقية عامّة، ويتناول، بالدرس، مدارس أدبية، أو شعراء، أو خصومات، يفصل القول فيها، ويبسط عناصرها، ويبصِّر بمواضع الجمال والقبح فيها»(2). لكنه لم يخصِّص أيَّ حيِّز من كتابه لحصر الآليّات المنهجية التي تناول بها النقد العربي القديم.

هذا لا يعني أن الكتاب يخلو من الحسّ المنهجي، بل إن (مندور) الذي كان بصدد إنجاز تأسيسي، ربَّما، لم يكن يمتلك الرؤية المنهجية الواضحة التي تسمح له بدراسة التراث النقدي، بوصفه جزءاً لا يتجزَّأ من التراث، عامّةً، لأن إشكالية التراث لم تتبلور، بشكل واضح، في العالم العربي، إلّا بعد هزيمة (1967)، التي لعبت دوراً بارزاً في صياغة الأسئلة الكبرى والإشكالية للفكر العربي الحديث(3).

والواقع أن «النقد المنهجي عند العرب»، إذا ما قورِنَ بغيره، ووُضِع في سياقه الثقافي، كان متقدِّماً، في هذا الباب على كثير من المؤلَّفات التي تناولت «النقد العربي القديم»، ومنها ما صدر بعده بسنوات، بل بعقود.

إن (محمَّد مندور) اكتفى بملامسة إشكالية قراءة التراث النقدي، وإن لم يعمِّق البحث فيها، حين ألمح إلى التقاطع بين ثنائية التراث/الغرب: «وفي الحقّ إن في الكتب العربية القديمة كنوزاً، نستطيع، إذا عدنا إليها، وتناولناها بعقولنا المثقّفة ثقافة أوربية حديثة، أن نستخرج منها الكثير من الحقائق التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وإن كنّا حريصين على ألّا يُستَفاد من الدعوة إلى تناول التراث القديم بعقولنا الحديثة، أيّ إسراف بإقحام ما لم يخطر على عقول أولئك المؤلِّفين القدماء من نظريّات أو آراء. كما أننا حريصون على ألّا نجهل (أو نتجاهل) الفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربي وغيره من الآداب الأوربية، بما يستتبعه ذلك من تفاوت كبير في مناهج النقد، وموضوعاته، ووسائله»(4).

من هنا، يمكن الاطمئنان إلى أن القراءات العربية المعاصرة للنقد العربي القديم، لم ترقَ إلى درجة القراءات العربية المعاصرة للتراث النقدي، بالمفهوم الحديث للقراءة، إلّا عندما صاغ الخطاب العربي المعاصر إشكالية التراث، كما تبدَّت في مشاريع حسين مروة، والطيب تيزيني، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وتلامذتهم.

ولعلّ الدافع إلى هذا الربط بين قراءة التراث، بوجه عامّ، وقراءة التراث النقدي، بوجه خاصّ، كما سنرى في سياق هذه الدراسة، نابع من التقاطع الذي يطبع مكونِّات التراث العربي الإسلامي المكتوب؛ إذ لا يمكن -بأيّ حال من الأحوال- أن يُدرَس الفقه وأصوله خارج المجالات الواسعة للعلوم اللغوية، والبلاغية، وخارج ما أصبح يعرف، اليوم، بعلم الدلالة(5).

وهذا ما حدا بالمفكِّرين العرب، من أصحاب المشاريع الذين سبقت الإشارة إلى بعضهم، إلى ملامسة قضايا تُعَدّ من صميم البلاغة والنقد الأدبي، وهو ما أدّى إلى أن المراجع الأساسية التي تمثِّل التراث النقدي كانت (وما تزال) تشكِّل، في الوقت نفسه، إطارات مرجعية لا غنى عنها لدارس علم الكلام، وأصول الفقه، وغيرهما(6).

ومن هنا، يمكن القول إن القراءات العربية المعاصرة للتراث قد وجّهت -بشكل مباشر، أو غير مباشر- الدارسين العرب للنقد العربي القديم، إلى ضرورة الوعي بأهمِّيّة المنهج في قراءة التراث النقدي، بالدرجة نفسها التي أحاط بها منظّرو التراث مسألة المنهج من عناية.

كما أن القضايا التي واجهت النقد العربي الحديث والمعاصر، حتَّمت عليه البحث في التراث النقدي، وخاصّةً عندما أصبح يواجَه، من لدن ذوي النزعات السلفية، بتهمة التغريب من كثرة اعتماده على المرجعيّات الغربية التي أمدَّته بمفاهيمه؛ النظرية، والإجرائية على السواء(7).

وكما سيتبيَّن لاحقاً، إن وطأة المناهج النقدية الغربية كانت شديدة على النقد العربي الحديث، وإن تلك المناهج لعبت دوراً مزدوجاً في بناء الأداة المنهجية لقراءة التراث النقدي.

ولا بدَّ من الإشارة، قبل الدخول في المفاهيم العامّة للمسألة المنهجية في قراءة التراث النقدي، إلى أن دارسي هذا التراث قد انتبهوا إلى أهمِّيّة المنهج في وقت متأخِّر، نسبياً، ويرجع هذا، بالأساس، إلى تقدُّم الأبحاث في التراث العربي المكتوب، الذي وفَّر تراكماً كمِّيّاً، أدّى، في مرحلة لاحقة، إلى محاولات الخروج من القراءات الاستنساخية التي نتجت، في مجملها، عن الدرس الأكاديمي في الجامعات العربية، الذي تميَّز، لمدّة طويلة، بروحه المحافظة. وقد تَمَّ التخلّي عن تلك القراءات الحرفية عندما شرع الدارسون العرب في تأسيس قراءات للتراث النقدي تندرج في ما سيسمّى، فيما بعد، نقد النقد.

ورغم أن النقّاد العرب مارسوا، بشكل أو بآخر، نقد النقد بمفهومه الواسع منذ وقت مبكِّر، لم يعرف الحديث عن هذا المجال من الممارسة النقدية طريقه، بشكل واعٍ إلّا في بداية الثمانينيات. وكانت الصيغة الغربية لهذا النوع من الدراسة، قد شاعت قبل ذلك بسنوات، تحت ما يُعرَف، في اللّغة الفرنسية، بـ«Critique de la critique»، ووجدت انتشاراً في العالم العربي، بعد ذلك، وخاصّةً بعدما أصدر «تزفنتان تودوروف – T. Todorov» كتاباً يحمل العنوان نفسه «نقد النقد – Critique de la critique»، تُرجِم إلى العربية سنة (1986)(8).

ويبدو أن مفهوم «نقد النقد» قد بدأ تداوله، في البلاد العربية، منذ بداية الثمانينيات، وهو تاريخ ظهور الكتاب المذكور بلغته الأصليّة؛ فقد صدر، للناقد العربي نبيل سليمان، كتاب تحت عنوان «مساهمة في نقد النقد العربي»(9)، تضمَّن إشارة إلى «الثغرة المتمثّلة في ضعف نقد النقد»(10) في الوطن العربي، التي يبدو أن كتابه كان يطمح إلى المساهمة في ملئها، من خلال معالجة النتاج النقدي الذي ظهر في الستينيات والسبعينيات.

ومن الإنصاف أن نقرّر أن الإحساس بأهمِّيّة نقد النقد قد تَمَّ التعبير عنه بصيغ مختلفة، قبل هذا التاريخ، تحت إلحاح التشبُّع بالمناهج النقدية الغربية، فلا غرابة في أن تخصِّص مجلّة «فصول»، التي ظلَّت تشكّل علامة بارزة في مسار النقد العربي الحديث لسنوات عدّة، مجالاً واسعاً لقراءة المقاربات النقدية، إلى حَدّ الدعوة إلى ممارسة نقد النقد في أحد أعدادها المبكِّرة: «يبدو أننا في حاجة ماسّة إلى نشاط من نوع آخر، وهو ما يمكن أن يسمّى بنقد النقد، أو ما بعد النقد. وكما أن الأعمال الأدبية تحتاج إلى دارس يبحث لها عن أنظمة، يحتاج النشاط النقدي، أيضاً، إلى دارس متميِّز لم تفرزه الحياة النقدية حتى الآن، يبحث عن أنظمة داخل الكتابات النقدية. وسيكون عمله على جانب كبير من الأهمِّيّة والخطورة؛ لأنه سيرشد أو -على الأقلّ- سيضع حَدّاً لما يسمّى بفوضى اللغات النقدية»(11).

ويتَّضح، من خلال هذا التوصيف، أن نقد النقد هو، في المقام الأوَّل، وجه آخر من وجوه الممارسة النقدية، وهو -رغم أن الحديث عنه بدأ بهذه الصورة الواعية، منذ أوائل الثمانينيات- ما زال مغمط الحقّ في الدراسات النقدية العربية الحديث، إلى اليوم.

صحيح أنه يمارَس بأشكال مختلفة ومتفاوتة، سواء بالنسبة إلى التراث النقدي أو بالنسبة إلى النقد العربي الحديث نفسه، لكنه لم يصبح، بعد، مجالاً ذا معالم محدَّدة ومضبوطة من الناحيتَيْن؛ المنهجية، والموضوعاتية.

وتُعَدّ محاولة جابر عصفور، التي قُدِّمت، في إحدى الندوات العلمية، عملاً متقدِّماً على درب الإضاءة المنهجية لما يمكن أن نسمِّيه نقد التراث النقدي(12).

 

(2)

لقد برهن جابر عصفور، منذ وقت مبكّر، عن إدراك واضح لأهمِّيّة المنهج في قراءة التراث النقدي؛ فهو يُعَدّ من أبرز النقّاد العرب المعاصرين الذين كرَّسوا أهمّ إنجازاتهم في مجال الدراسات النقدية، لمساءلة التراث النقدي من منظور يتَّسم بالشمولية في الرؤية، وبالدقّة في المنهج.

بدأ اهتمام جابر عصفور بالتراث النقدي، منذ بداية عهده، بمجال الكتابة النقدية والنشر، قبل ما يقرب من خمسين سنة، عندما أصدر كتابه عن «الصورة الفنّيّة في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»(13)، الذي عرف النور، لأوَّل مرّة، سنة (1974). ويبدو أن هذا العمل فتح عينيه على مجال من مجالات الدراسة النقدية التي تذكي شهيّة البحث؛ إذ ما لبث أن أصدر، سنة (1978)، كتاباً آخر هو «مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي»(14)، عُدَّ خطوة متقدِّمة، مقارنةً بكتابه الأوَّل. وفي عام (1991)، ظهر له كتاب «قراءة التراث النقدي».

والمتتبِّع للإنتاج الغزير، الذي شَكَّل محصِّلة عمل جابر عصفور، يلاحظ أن الناقد لم ينقطع عن التأمُّل في التراث النقدي، والاجتهاد في قراءته؛ وهو ما تدلّ عليه، أيضاً، الدراسات الكثيرة التي نشرها في المجلّات المختصّة، في الفترات التي تفصل بين صدور كتبه، وهي دراسات يربطها بالتراث النقدي أكثر من سبب، من أمثال «محمد مندور والتراث النقدي»(15)، و»نظرية الفنّ عند الفارابي»(16)، و«قراءة محدثة في ناقد قديم»(17)، وغيرها.

كما أن تتبُّع هذه الدراسات، وتتابعها، يكشفان عن تطوُّر كبير في الأداة القرائية لدى جابر عصفور، وهو تطوُّر أملاه التراكم الكمّيّ الذي وفَّره في هذا المجال، كما أنه يعكس تطوُّر حركة النقد العربي طيلة خمسة عقود أو أكثر من حياة عصفور النقدية، لكن ذلك يعبِّر، أيضاً، وبشكل أساسي، عن تطوُّر في منظور الناقد العربي المعاصر للتراث النقدي، استجابةً لحاجات نقدية فرضَتها ثقافة العصر.

ففي كتابه الأوَّل، بدا جابر عصفور مهووساً بما يمكن أن نسمِّيه النقد المقارن ذا المنهج التكاملي، الذي يشحذ كلّ المعارف من أجل شرح الظاهرة، وبيان أبعادها. وقد كلَّفه ذلك المزاوجة بين مبضعيَنْ نقديَّيْن مختلفَيْن في طبيعتهما وأهدافهما: يتمثَّل الأوَّل في التعامل مع التراث النقدي، والبلاغي «على أساس من علاقته المتفاعلة بغيره من العلوم والمعارف التي ساهمت في إثرائه أو توجيه مسار قضاياه الأساسية المرتبطة بمبحث الصورة، مثل الفلسفة، وعلم الكلام، واللّغة، والتفسير»(18).

ويتجلّى الثاني في النظر إلى التراث من خلال ما يسمّيه «فهماً معاصراً»(19)، لأن تقديرنا للظروف التاريخية للتراث، «لا ينبغي أن يمنعنا من اتِّخاذ موقف نقدي منه في ضوء وعينا المعاصر، وما يؤرِّقه من مشاكل وقضايا. ولا بأس في أن يتغيَّر هذا الموقف مع تغيُّر العصر، وتطوُّر قِيَمه. فالمهمّ هو أن يكون لنا، باستمرار، موقف واضح من التراث، ليكون هذا التراث متفاعلاً مع حاضرنا، لا مجرَّد صفحات موجودة في كتب مطبوعة أو محفوظة، نكتفي بالإشارة إليها».(20)

ويعبِّر هذا الموقف، الذي يعلن عنه جابر عصفور إزاء التراث، عن إحساس طافح بأن دراسة التراث تعترضها صعوبات منهجية نابعة من طبيعة الرؤية التي نحملها عنه؛ ما يؤدّي، حتماً، إلى طرح العلاقة بين «الأنا» المنتمية والمنحازة إلى زمنها، وبين التراث الذي ينبغي أن يكفّ عن كونه مادّة محايدة، ويصبح مادّة حيّة فاعلة ومنفعلة، باختراقها الزمان. وهذا ينمّ، بالدرجة الأولى، عن رغبة في الزجّ بالتراث والتراث النقدي في حمأة الاختلاف النقدي الذي يعبِّر، في عمقه، عن اختلاف حول الرؤية إلى الحاضر.

 

(3)

إن الوعي بالتراث، باعتباره إشكالية من صلب الخطاب العربي المعاصر، بالمفهوم الذي بَلْوَرَه محمَّد عابد الجابري في مشروعه حول «نقد العقل العربي»(21)، لم يعلن عن نفسه، بعد، لدى جابر عصفور، إلّا من خلال تعرُّضه لـ«مفهوم الشعر» في التراث النقدي، حيث سيتشكَّل هذا الوعي في صيغة إرهاص أوَّلي، في المقدّمة التي استهلَّ بها الكتاب. وحيث يتقدَّم جابر عصفور خطوة أخرى نحو بناء رؤيته الخاصّة للتراث النقدي، إذ سينطلق من أن المشكلة الأساسية ليست في قلّة هذا التراث أو كثرته، بل «في وجهة النظر التي نتعامل بها مع هذا التراث، وفي المنهج الذي نعرض التراث من خلاله. إن وجهة النظر المصاحبة للمنهج تفرض طبيعة المعالجة، كما تفرض زوايا الاختيار، وتحدِّد، في النهاية، نقاطاً للحوار، يتمّ فيها الجدل بين الماضي والحاضر، دعماً للحاضر الذي هو نقطة البدء والمعاد».(22)

إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا التحليل قد توصَّل إليه جابر عصفور منذ سنة (1977)، في وقت كان فيه المنهج التاريخي الموسوم بنزعة مدرسية صارمة، هو السائد في دراسة «النقد العربي القديم»، أدركنا مدى خطورة ما كتبه ذلك الناقد الشابّ، آنذاك، على الدراسة التي ستتناول التراث النقدي بعده.

وتنبني هذه الخطورة على نظرة متجدِّدة لذلك التراث، تجعله يسهم في بناء «الحاضر النقدي» العربي. فالنقد العربي القديم ليس مجرَّد معلومات وتواريخ وأفكار، فحسب، بل هو  -بالأساس- طريقة في النظر والتأمُّل ترمي إلى خدمة النقد العربي المعاصر؛ من هنا لا ينبغي النظر إليه باعتباره ماضياً فقط، بل ماضياً، وحاضراً في الوقت نفسه. وما يجعل منه حاضراً هو المنهج الجديد الذي نقاربه به، والذي يفصح، بدوره، عن رؤية واضحة للحاضر الذي ليس، في نهاية الأمر، سوى الواقع بمعناه الواسع.

وبناءً على هذه العلاقة المتجدِّدة، يوجّه جابر عصفور نقداً لاذعاً للدراسات التي تتناول التراث النقدي خارج إطار الزمن، مجرَّداً عن حمولته المعرفية التي يمنحه إيّاها العصر، بدءًا بكتب تاريخ النقد التي «تؤرِّخ لتراثنا النقدي في الشعر وغيره؛ بدءًا من الجاهلية الجَهْلاء حتى مشارف العصر الحديث، دون أن يكون لها منهج واضح، ودون أن يتوفَّر لها القدر الدقيق من استقصاء المادّة، وتتبّعها في منحنياتها المتعرِّجة..».(23)

إن هذا الإلحاح على المنهج في تناول التراث النقدي، كان يبدو، في سبعينيات القرن الماضي، جديداً، ذلك أن محاولات كثيرة قد سبقت (جابر عصفور) إلى إثارة مسألة المنهج في قراءة الأدب العربي القديم؛ شعراً ونثراً، كما تمَّت الإشارة إلى ذلك، ولكن قلَّما كان الدارس يعثر على إحالات منهجية فيما يخصّ قراءة «النقد العربي القديم»، التي كان يغلب عليها الطابع التاريخي.

إن هذا الاهتمام بأداة القراءة، لدى جابر عصفور، قد تكوّن تحت تأثير عاملَيْن؛ سبقت الإشارة إلى واحد منهما، وهو ما يتمثَّل في نشوء حركة فكرية قويّة تدرس التراث العربي من زاوية إسهامه في صياغة «الحاضر» العربي. أمّا الثاني فإنه يتلخَّص في أن النقد العربي الحديث كان مشغولاً، في جزء كبير منه، في تلك المرحلة، بالبحث عن هويته الخاصة، التي كان منظّروه يلخِّصونها في البحث عن «نظرية نقدية عربية».

وكان من الطبيعي أن ينشأ عن هذا البحث اهتمام بالتراث النقدي، باعتباره رافداً من روافد الأصالة النقدية؛ ومن أجل هذا كان لا بدّ من قراءة تتناغم مع هذا الهدف الذي كان يتَّخذ طابعاً استراتيجياً عند أغلب النقّاد العرب، في ذلك الوقت.

لقد كان هذا الهدف يشكِّل، بالنسبة إلى جابر عصفور، موجِّهاً أساسياً في قراءة التراث النقدي، لكنه لم يتبلور لديه إلّا عبر مراحل، كان كتابه «مفهوم الشعر» يعبِّر عن أُولاها، ويتبيَّن هذا من خلال التصنيف الذي لجأ إليه الكاتب حينما تحدَّث عن الذين سبقوه إلى قراءة التراث، وهو تصنيف يقوم على وجود تصوُّرَيْن عن التراث: «تصوُّر يتعامل مع التراث باعتباره كتلة من الأحداث والمفاهيم والقيم، مستقلّة عن وعينا وعن وجودنا تماماً، ويمكن أن تعالج معالجة محايدة تحاول الوصول إلى الكينونة المتعالية لهذه الكتلة (…)، ومن المستحيل، عمليّاً، أن نتعامل مع التراث على هذا النحو؛ لسبب بسيط مؤدّاه أن التراث موجود بنا وفينا في الوقت نفسه. فضلاً عن أن وجوده الموضوعي لا يعني انفصاله المطلق عنا، بل يعني أنه، رغم بعده التاريخي، ما زال يؤثِّر فينا بالقدر الذي نؤثِّر فيه، كأنه يشكِّلنا بقدر ما نشكِّله».(24)

ومن المعلوم أن هذا التصوُّر يقترب من الكتابات الاستشراقية عن التراث النقدي، التي تأثَّر بها الدارسون العرب، والتي كانت الجامعات العربية مرتعاً لها، لسنين طويلة، فهي تلجأ إلى عزل التراث عن سياق قراءته، تحت ادِّعاء الموضوعية والعلمية، متجاهلةً أن زمن القراءة يُعَدّ جزءاً لا يتجزَّأ من المقروء.

أما التصور الثاني، وهو الذي ينحاز إليه جابر عصفور، فيتعامل «مع التراث من منظور الوعي بالحاضر، والإدراك للوجود الآني»؛(25) وهذا ما يؤدِّي، بالضرورة، إلى اختلاف الرؤى حول التراث، وهو اختلاف ناتج عن اختيارات وقناعات تتكوَّن تجاه الواقع. فإذا كان التراث محصِّلة لصراع إنساني، عبر مراحل تاريخية مطبوعة بأبعاد اجتماعية وفكرية متباينة ومتعارضة، فإن تلك الأبعاد يمكن أن تتجاوب مع «أبعاد الحاضر ومستوياته المتباينة المتعارضة. وفي داخل كلّ مستوى عناصر يمكن أن تتَّجه، أو تُوَجَّه صوب اتِّجاهات متباينة. وذلك طبيعي؛ لأن التراث، في النهاية، محصِّلة لصراع إنساني، عبر مراحل تاريخية ذات أبعاد اجتماعية، وأخرى فكرية متباينة ومتعارضة، يمكن أن تتجاوب مع أبعاد الحاضر ومستوياته المتعارضة والمتباينة في آن معاً».(26)

 

(4)

يبدو هذا الاقتباس ملخّصاً وجامعاً لرؤية جابر عصفور إلى التراث، بشكل عامّ، وإلى التراث النقدي، بشكل خاصّ. وإذا كان، في عمقه، صياغة أخرى أضيفت إلى صياغات التعامل مع التراث التي انتشرت منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، فإنه يحمل، في طيّاته، زاوية أخرى للنظر إلى التراث النقدي.

من ثمّة، إن الحديث بهذه الطريقة عن التراث النقدي، كان يحمل -بالنظر إلى سياقه- جرأة كبيرة، وتعبِّر هذه الجرأة عن نفسها من خلال إثارة مفاهيم كانت تعتبر، آنذاك، جديدة في مقاربة التراث النقدي.

وأوَّل هذه المفاهيم مفهوم «التاريخية» الذي أضفى نوعاً من الواقعية على التراث، وجعله نسبيّاً في أحكامه ومناهجه، وهو مفهوم جوهري ترتَّب عنه إرجاع «التراث» إلى الأرض بعدما كان يتمتَّع بسموّ، وتعالٍ جعلا أيّ نقد له من باب المسّ بالمحرَّمات.

وفي التراث الأدبي العربي، كما نعرف، محَرَّمات كثيرة، جعلت العديد من الشعراء والنقّاد يتعرَّضون للاضطهاد؛ لأنهم ثاروا على الأنموذج الذي يُعَدّ، في نهاية المطاف، شكلاً من أشكال التعبير الاجتماعي التي قُنِّنت بموجب محاربة الرأي والرأي الآخر، وهو ما سيخصِّص له جابر عصفور نفسه دراسةً وافية.

إن تجريد التراث النقدي من صبغته المتعالية، التي كادت تجعل منه نصّاً مقدَّساً لدى بعض مؤرِّخي الأدب العربي، والتعامل معه من منطلق أنه نصّ «واقعي»، كان محكوماً -كغيره من النصوص- بشرطه التاريخي، أدّى إلى استحضار الصراع الإيديولوجي الذي كان قائماً حول قضاياه المختلفة، وهو صراع تكشَّفت عنه الخلافات العميقة التي كانت تتوزَّع النقّاد القدامى بشأن القديم والحديث، واللفظ والمعنى، وغيرهما من القضايا التي لا تخفى على المتتبّع امتداداتها المذهبية في النشاط الفكري العربي الإسلامي، وهذا، بالضبط، ما يمنح إمكاناً لتعدُّد القراءات التي تصبح، في هذه الحالة، أمراً طبيعياً ومطلوباً.

وهكذا، إن كلّ قراءة للتراث النقدي، هي قراءة «متحيِّزة بالضرورة. وعلينا أن لا نؤِّرق أنفسنا بذلك كثيراً، أو نخجل منه، لأننا لا نستطيع أن نفهم القدماء فهماً محايداً تماماً. إنما نحن نفهمهم في ضوء ما يؤِّرقنا من مفاهيم معاصرة، ونبحث لديهم عن إجابات أو حلول لمشاكل تحيط بنا».(27)

من هنا، يقرِّر جابر عصفور أن التراث النقدي لا ينبغي أن يُدَرس لذاته، بل إن لكلّ قراءة له بعدين رئيسين: أوَّلهما يصبّ في التراث نفسه من أجل إدراك منطقه الداخلي، وثانيهما يرمي إلى ربطه بالنقد العربي الحديث، كي يساهم في تطويره. ولا شكَّ في أن القبض على هذَيْن البعدَيْن يطرح إشكالات منهجية لم يتأتَّ لعصفور حلَّها، وتقديم مقترحات بشأنها إلّا بعد مضي أكثر من عشرين عاماً على إعلان هذه الأهداف.

ومع ذلك، يمكن القول إن الجانب النظري لديه كان يتَّسم، منذ ذلك الوقت، بالوضوح؛ ما جعل الطموح يتجاوز واقع الحال المنهجي، إذا صحَّ هذا التعبير. فحين يقرِّر جابر عصفور أن فهمنا للتراث النقدي يجب أن يتَّسم -رغم التداخلات المشار إليها سابقاً- «بأكبر قدر من الموضوعية، باعتبارها شرطاً ملازماً لإدراك المنطق الداخلي للمؤلَّفات القديمة، وأن يؤدّي بنا ذلك الفهم إلى إثراء التراث نفسه، باعتباره جانباً أصيلاً في تكويننا، وعاملاً فعالاً في حياتنا المعاصرة»(28)،وأن هذا النوع من الفهم الموضوعي يقود إلى إغناء النقد الحديث؛ لأنه يضفي عليه طابع الأصالة، فإن هذا الطرح ذا الطابع المثالي، الذي لا نعدم أمثالاً له في الأدبيّات العربية المعاصرة حول التراث، يحتاج إلى نضج كبير كي يصير مستساغاً من الناحية العملية.

ولعلّ أسطع دليل على ذلك أن الكاتب، عندما جُوبِه بنماذج حيّة من التراث النقدي، من خلال دراسته لكتب كلٍّ من قدامة بن جعفر، وابن طباطبا العلوي، وحازم القرطاجني، لم يحقّق أهدافه المعلنة إلّا بشكل جزئي. فقد صرَّح بأن إحدى المشكلات التي «تؤرِّق حياتنا النقدية المعاصرة مرتبطة بمفهوم الشعر، خاصّةً بعد التحوُّلات الجذرية التي طرأت على القصيدة العربية، منذ ما يزيد على ربع قرن، وقد فرض هذا التغيُّر طرح قضيّة الشعر بأسرها، على المستوى النظري»؛(29) وهو ما يوحي بأن الدراسة ستنصبّ على البحث عن وشائج تربط القديم بالجديد.

ولكن القارئ، عندما ينتهي من قراءة «مفهوم الشعر»، يخرج بنتيجة، مفادها أن (جابر عصفور) نجح، فعلاً، في أن يقرِّب هذه النصوص النقدية إليه، ولكنه لم يوفَّق كلّ التوفيق في تجسيد ما بشَّرَ به في مقدِّمة الكتاب، بإيجاد علاقة ما بين مفهوم الشعر كما بَلْوَرَه أولئك النقّاد، وبين هذا المفهوم كما تعبِّر عنه القصيدة العربية الحديثة. بل إن المرء ينتابه انطباع بأن المؤلِّف قد نسي التزامه المعلَن تماماً، ولذلك لم يتعرَّض بالذكر لهذه الغاية التي تحرِّك العمل كلّه؛ ألا وهي تقديم قراءة تتميَّز بالقّوة الاقتراحية الكافية التي ترمي إلى وضع مسافة بين «من يعود إلى الماضي ليثبت أو يؤكِّد وضعاً متخلِّفاً في الحاضر، ومن يعود إلى الماضي ليؤصّل وضعاً جديداً قد يطوِّر الحاضر نفسه، وينفي بعض ما فيه من تخلُّف».(30)

ويظهر أن (جابر عصفور) قد كتب ما كتبه عن وجوب تقديم قراءة للتراث النقدي، تتجاوز التقوقع في الماضي، وتتطلَّع إلى المستقبل، تحت تأثير القراءات التي انتشرت في السبعينيات للتراث، والتي لعب فيها الماركسيون العرب، أنذاك، الدور الطليعي، وهي -في أعمِّها- قراءات تمنح الأولوية للإيديولوجي على حساب المعرفي، انطلاقاً من القول إن «ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، من أجل بناء هذه المعرفة على أساس من إيديولوجيا القوى الثورية نفسها في الحاضر، أي القوى التي لها علاقة تاريخية موضوعية بالأساس الاجتماعي لإنتاج التراث الفكري في الماضي؛ نعني بها القوى الاجتماعية السابقة المنتجة للأسس المادِّيّة التي انعكست في أشكال الوعي الاجتماعي (الفلسفة، والعلم، والأدب، والفنّ) المكوِّنة لهذا التراث».(31)

هذا هو الأنموذج العامّ الذي كان سائداً في قراءة التراث، إبّان الربع الأخير من القرن الماضي، وهو أنموذج، إن قيس بما سواه، آنذاك، فإنه كان يشكِّل قراءة متقدِّمة في قراءة التراث، والتراث النقدي.

ينبغي أن نسجِّل، هنا، أن القراءات الراهنة، التي تدَّعي لنفسها السبق في أيَّامنا هذه، ما زالت تحت تأثير هذا النوع من القراءة، وأنها مجرَّد تنويع أكسَبها التراكم الكمّي، والتراكم الكيفي طابعاً آنيّاً؛ لذلك ينبغي التنويه إلى أن ما قدَّمَه حسين مروة، والطيب تيزيني، وحسن حنفي، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري، بالإضافة إلى الملاحظات الثاقبة التي ضمَّنها عبد الله العروي كتبه المتعدِّدة، كلّ هذا ما يزال شاهداً على روح الاجتهاد التي طبعت أعمال هؤلاء، سواء فيما يخصّ «إشكالية التراث»، أو بعض مظاهره الخاصّة، كالتراث النقدي. لقد أعادت هذه الدراسات التراث العربي إلى التاريخ، بعدما لم يعد هناك تمييز بين زمن كتابته وزمن قراءته، وأصبح كتلة من الأفكار والمعارف تُدرس معزولة عن كلّ سياق.

كما لاحظ حسين مروة أنه، منذ «العصر الحديث الذي صدر عنه تراثنا بمختلف أشكاله، حتى الحقبة الراهنة في عصرنا، ظلتَّ دراسة هذا التراث رهن النظرات والمواقف المثالية الميتافيزيقية التي تتَّفق جميعها، بمختلف مذاهبها وتيّاراتها، على خطّ عامّ مشترك تحكمه رؤية أحادية الجانب للمنجزات الفكرية في العصر العربي الإسلامي الوسيط، أي رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخيَّتها؛ بمعنى أن هذه الرؤية ظلَّت قاصرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية غير المباشرة بين القوانين الداخلية العملية للإنجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي؛ لذا بقي تاريخ الفكر العربي الإسلامي تاريخاً ذاتيّاً سكونيّاً، أو «لا تاريخيّاً» لقطع صلته بجذوره الاجتماعية، أي بتاريخه الموضوع».(32)

وقد شكَّلت هذه الملاحظة التي تلخِّص، بصيغة حازمة، استراتيجية قراءة التراث لدى الرعيل الأوَّل ممَّن يمكن أن نسمِّيهم (إبستمولوجيِّي) التراث العربي، على اختلافهم، انطلاقةً جديدة للتعامل مع التراث، وغدت لحظة قراءته بالطرق التي يقترحها هؤلاء، تكتسي الأهمية نفسها التي تكتسيها لحظة اكتشافه مع أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ ذلك أن المنطلقات التي اعتمدوها في قراءة التراث، رغم أنها تبدو، الآن، متجاوزة ، قد فتحت الطريق أمام جيل من الباحثين الذين استفادوا من ثمار تجربة أولئك الروّاد، وأضافوا إليها من تجاربهم الخاصّة.

ولعلّ من مظاهر هذه الجهود، المحاولات الجادّة التي واجهت التراث النقدي بمفاهيم جديدة، وجعلت «قراءته» جزءاً من خطاب نقدي عربي، يمتح من التراث؛ بحثاً عن المناعة والتماسك.

وبما أن المكان لا يتَّسع لاستعراض كلّ النماذج التي سارت على هذه الخطى، سيواصل البحث الرحلة مع جابر عصفور بوصفه أحد المتخصِّصين القلائل في البحث عن منهج لمقاربة التراث النقدي، متوقّفاً عند باحثين آخرين، متى اقتضت الضرورة ذلك.

 

(5)

يأخذ جابر عصفور على القراءات العربية المعاصرة للتراث النقدي، أنها تعمد إلى الفصل التامّ المتعسِّف بين التراث والتراث النقدي، و-كما سبقت الإشارة إلى ذلك- لم يكن هذا الفصل،لدى دارسي النقد العربي القديم من المعاصرين، فصلاً منهجياً، فحسب، بل كان فصلاً موضوعياً أدَّى إلى عزل النقد العربي القديم عن سياقه، أيضاً. وكانت النتيجة أن أغلب القراءات التي مورست عليه كانت أفقية؛ ولذلك غلب عليها الطابع التأريخي بالمفهوم التعاقبي، لا بالمفهوم الشمولي الذي يأخذ بعين الاعتبار كلّ الأبعاد والظلال المكوِّنة للظاهرة النقدية، لأن «تاريخية التراث النقدي لا تنفصل عن تاريخية التراث العربي، بعامَّة. من ثَمَّ، تصبح قراءة التراث النقدي وشيجة الصلة بقراءة التراث في مجمله».(33)

إن هذه الصلة، التي ركزّ عزّ الدين إسماعيل على بعدها التاريخي، هي التي فرضت، من الناحية المنهجية، النظر إلى النقد العربي القديم باعتباره جزءاً لا يتجزَّأ من التراث العربي، عامّةً. وهذا ما يفرض على الدارس البحث عن مفاهيم إجرائية لمقاربة النقد القديم، تمكِّنه، من جهة، من التركيز على البعد التاريخاني لهذا النقد، برَدِّه إلى سياقه الفكري العامّ، وتسمح له، من جهة أخرى، بإبراز خصوصية الخطاب النقدي القديم، بطريقة تجعل النقد العربي المعاصر يستفيد منه.

وعلى الرغم من أن هذه الفكرة مثَّلت لدى كثير من النقّاد العرب، طموحاً، أثار عند بعضهم مسألة تأصيل النقد العربي المعاصر، بشكل جعلهم يتكلَّمون عن «نظرية نقدية عربية معاصرة»، إلّا أنها أدَّت إلى تداعيات جوهرية على طريقة النظر إلى النقد العربي القديم، من الناحية المنهجية؛ ومن هنا، ركَّز الدارسون العرب، في السنوات الأخيرة، خاصّةً، اهتمامهم على مبدأ مؤدّاه أن وحدة الخطاب تفرض، بالضرورة، وحدة القراءة.

ويقوم هذا المبدأ، عند جابر عصفور، على أن «فعل قراءة التراث، بوجه عامّ، فعل واحد، لا ينفصم من حيث المنظور المنهجي، ولا يختلف، في آليّاته أو إجراءاته، من حقل معرفي إلى حقل آخر من حقول التراث، فهو فعل متَّحد متكرّر الكيفية والتوظيف والأداء في كلّ الحقول التراثية؛ من هنا يظلّ الإشكال المعرفي للقراءة إشكالاً واحداً في قراءات متعدِّدة متباينة بتعدُّد حقول التراث وتباينها، أدبية أو نقدية أو فلسفية أو علمية، ما ظلَّت علاقة الذات القارئة بموضوعها المقروء واحدة على مستوى الإدراك»(34).

والواقع أن هذه الوحدة المنهجية، التي ينادي بها عصفور، ما هي إلّا تأكيد لما سبق للنقّاد الإحيائيِّين أن توصَّلوا إليه في دراساتهم للأدب العربي القديم، من أن هناك تقاطعاً بين شتّى المعارف والفنون، وأن هذا التقاطع يؤدِّي، بالضرورة، إلى تداخل بين الأنشطة الفكرية، والإبداعية، يصعب على الدارس تجاهلها. فقد أشار طه حسين إلى أن قراءة قصيدة لأبي نواس تحتِّم الاطِّلاع على الفكر الاعتزالي، وعلى فكر النَّظّام، بصفة خاصّة، وأن الحاجة ماسّة إلى الفلسفة، بكلّ فروعها، لقراءة المتنبِّي وأبي العلاء المعرِّي.(35)

وهذه هي الخلاصة نفسها التي توصَّلت إليها مدارس التأويل، بمختلف مشاربها، فقد بات معروفاً أن التفكيكية، على سبيل المثال، ترفض التصوُّر القاضي بالتمييز بين الأدوات القرائية التي تأخذ النصّ الفلسفي موضوعاً لها، وبين تلك التي يعالَج بها النصّ الأدبي، على الرغم من توصُّل بعض الهرمنوطيقيِّين إلى أن تأويل النصّ الفلسفي والنصّ النظري، بعامّة، يكون أكثر قابليّةً للتقعيد بالمقارنة مع النصّ الأدبي(36)؛ لذلك خلص بعض الدارسين إلى أن كلّ نصّ مكتوب هو، عند جاك داريدا، نصّ أدبي بالمعنى الحديث للمفهوم(37)، وهو ما استقرَّ عليه رأي أصحاب مدرسة «يال» التفكيكية الأنجلو أميركية حين أشاروا إلى اعتماد الاستعارة في النصّ الأدبي كما في الفلسفة، والقانون، والسياسة، وغيرها.(38)

وإذا كانت كلّ قراءة تنطوي على نوع من التأويل بالضرورة، فإن جابر عصفور يقترح مفاهيم إجرائية لقراءة/تأويل التراث النقدي، تشكِّل، بالنسبة إليه، قواعد للتأويل.

وأوَّل هذه المفاهيم مفهوم وحدة المنهج. فقد لاحظ أن أهمّ ما يميزِّ الدراسات الحديثة للتراث النقدي، أنها تعتبر ذلك التراث جزراً متقطّعة، لا علاقة بينها، توحي بأن النصّ النقدي له «دلالة ساكنة»(39).

ويهدف جابر عصفور، وهو ينطلق من وحدة المنهج، إلى إقامة علاقة عضوية تعيد بناء التراث النقدي بطريقة تجعل منه خطاباً نقدياً، خضع للتطوُّر وفق منطق التسلسل التاريخي الذي يجعل السابق يؤدِّي إلى اللاحق.

وقد قاده توظيف هذا المفهوم إلى اعتبار الموقف النقدي القديم موقفاً ذا امتدادات سوسيو ثقافية، من منطلق أنه تعبير جمعي وليس فردياً؛(40) وهذا هو ما يدعم المبدأ العامّ الذي انطلق منه في مقاربة التراث النقدي بارتباط كامل مع التراث عامّة، اعتماداً على ما يسمّيه وحدة المقروء التي «تعني، على المستوى الجزئي، إدراك النصّ أو الكتاب المقروء في علاقته المتباينة من حيث ما يشبهه أو ما يناقضه في المجال المعرفي، أوَّلاً، أو التيّار الفكري للتراث، ثانياً. وعلى مستوى كلِّيّ، تغني وحدة المقروء إدراك التراث، بوصفه وحدة كلِّيَّة تنطوي على التنوُّع، أو تقوم به (أو عليه) على نحو يكشف عن ثوابت لا يمكن فهمها إلّا في علاقتها بالمتغيِّرات، وفي الوقت نفسه، فهم المتغيِّرات في علاقتها بالثوابت»(41).

إن هذا الطرح الذي يدعو إليه جابر عصفور في قراءة التراث والتراث النقدي، والذي يعتريه غموض، قد يعود إلى أنه، في أصله، جاء في تصريح شفوي، يضع -رغم ذلك- قراءة التراث النقدي في سياق أعمّ وأشمل، يصفه عزّ الدين إسماعيل بالتاريخية، حين ذهب إلى أن الإشكالات المعرفية والمنهجية التي يواجهها قارئ التراث، في حقوله المختلفة، هي «الإشكالات نفسها التي يواجهها قارئ التراث النقدي، وكلّ هذا يؤكّد الوحدة المنهجية لحدث القراءة».(42)

بمعنى آخر، إن وحدة المنهج تؤدِّي إلى وحدة الرؤية من خلال تصوُّر علائقي يجعل «كلّ نمط من أنماط قراءة التراث النقدي يندرج في سياق أوسع، سواء من حيث النظرية الأدبية، أو النقدية التي يتغذّى منها هذا النمط، ويغذّيها، أو من حيث النظرية الفكرية الكبرى أو النسق المعرفي الذي يتحرَّك فيه، وبه، كلّ من النظرية الأدبية النقدية، ونمطها القرائي».(43) ويقوم ذلك التصوُّر على ركيزتَيْن: أولاهما النظر إلى التراث النقدي في إطار الإشكالية العامّة للتراث؛ لأن «الإشكال المعرفي للقراءة يظلّ إشكالاً واحداً في قراءات متعدّدة ومتباينة بتعدُّد حقول التراث وتباينها (أدبية أو نقدية أو فلسفية أو فكرية أو اجتماعية أو علمية)، ما ظلَّت علاقة الذات القارئة بموضوعها المقروء واحدة، على مستوى الإدراك».(44)

أمّا الركيزة الثانية فتتلخَّص في ما يسمِّيه محمد مفتاح «المنهجية البنيوية النسقية» التي تستمدّ بنيويَّتها من اعتمادها على تحليل بنيات الخطاب الكبرى وبنياته الصغرى، وتعتمد، في نسقيَّتها، على إيجاد علاقات وظيفية بين أنواع مختلفة من الخطاب. وتكون هذه الأنواع الخطابية «مستقلَّة في المنهاجية البنيوية، ومتداخلة البنيات والوظائف في المنهاجية النسقية».(45)

ولكن هذا التداخل بين مجالات التراث قد يجهز على خصوصية كلّ خطاب واستقلاليَّته ومميزاته، بجعله يذوب في التراث بمعناه العامّ. فمن المعروف أننا، ونحن نتكلَّم على التراث النقدي، نكون إزاء متن مكتوب، يشكِّل نوعاً خاصّاً من الكتابة التي لها مفاهيمها الخاصّة؛ لذلك فإن السؤال الذي يبرز ههنا هو: كيف يوظف الدارس المبادئ العامّة في قراءة التراث، وفي الوقت نفسه يبرز الخصوصية التي يتمتَّع بها التراث النقدي؟

فإذا كانت قراءة التراث النقدي معزولاً عن محيطه العامّ، الذي هو التراث، تؤدِّي إلى «غياب هذا المبدأ الأساسي في تناول الحقول المعرفية للتراث، حيث يؤدّي عزل الحقل إلى نظرة جزئية تعكِّر سلامة رؤية الحقل نفسه»(46)، فإن الإغراق في هذا الربط غير القابل للجدل، يحمل، في طيّاته، خطورة من نوع ما.

فعندما نربط إعادة قراءة التراث النقدي بمجمل قراءة التراث، فثمّة خشية من «تعويم المسألة أو المشكلة النقدية في إطار أعمّ، وهو إعادة قراءة التراث التاريخي، الفلسفي، الفكري..».(47)

أمّا الثاني فإنه ينهض على أساس التطوُّر الخطّي الذي عرفه التراث النقدي نفسه، والذي يرمي إلى إعادة بناء «النقد العربي القديم»، بشكل يجعل منه نسقاً يربط السابق باللاحق كما تمَّت الإشارة إلى ذلك سابقاً. ولا يعني هذا الربط، بالضرورة، السقوط في ما يسمّيه جابر عصفور «النزعة التاريخية» التي طغت، لمدّة طويلة، على مقاربات التراث النقدي. فقد حوَّلت هذه النزعة تاريخَ النقد العربي إلى «تاريخ ظواهر طبيعية. تبدأ وليدة من أدنى نقاط التطوُّر في العصر الجاهلي، وتتحرَّك فتيّةً صاعدة سُلَّم التطوُّر، حتى تصل ذروته ما بين القرنَيْن؛ الرابع، والخامس، ثم يحلّ بها ما يحلّ بالكائنات أو الأعضاء من شيخوخة، وتحلُّل».(48)

هذا المفهوم للتاريخ يجعل التطوُّر الذي عرفه التراث النقدي أفقيّاً، يتَّسم بالسطحية والاختزال، والركون إلى الوثوقية التي تفرضها القراءة من زاوية واحدة؛ وهو ما يجعله يتنكَّر للمنهج التاريخي نفسه، لأنه «يقضي على وحدة الظاهرة واستقلالها، ويرجعها إلى عناصر مادِّيّة، وإلى عوامل تاريخية، مع أن هذه العناصر المادِّيّة إن هي إلّا عوامل للفكر، وليست مصدراً لموضوعاته. فالطبيعة لا تنتج فكراً، بل هي محرِّرة للفكر».(49)

أمّا المنهج التاريخي، بمفهومه العلمي الدقيق، فهو الذي يتلخَّص في البحث عن «الوقائع التاريخية أو الاجتماعية، ووضعها متجاورة، وترتيبها، ثم الإخبار عنها أو التعريف بها، باعتبارها الظاهرة الفكرية ذاتها».(50) وبهذا التحديد، الذي يلخِّص ما يسمِّيه محمد أركون (المنهجية التراجعية)، يصبح الركون إلى التاريخ من أجل إضاءة نصوص التراث النقدي، وسيلة للتوصُّل إلى «الآليّات التاريخية العميقة، والعوامل التاريخية التي أنتجت هذه النصوص، وحدَّدت لها وظائف معيَّنة»(51)

إن نسقيّة التراث النقدي، وفق هذه الرؤية، تكمن في أن «كلّ نصّ من نصوص التراث النقدي، لا يمكن أن نقرأه في عزلة عن غيره من النصوص؛ فالتراث النقدي وحدة سياقية واحدة، داخل وحدة سياقية أوسع، هي التراث كلّه».(52) وهي النتيجة التي توصَّل إليها جابر عصفور بعد تقويم قاسٍ للمقاربات التي ظلَّت تهيمن على دراسة النقد العربي القديم، التي «تكاد تتحرَّك في منطقة واحدة محدودة من مناطق التراث النقدي، وتنظر في مادَّتها نظرة جزئيّة تفصل الظواهر عن سياقها، وتعالج المعطيات معالجة نقلية اتِّباعية، تقصر حتى عن الوصول إلى الآفاق الرائدة التي وصل إليها أمين الخولي، أو طه حسين أو طه إبراهيم في ثلاثينيات القرن الماضي».(53)

إن الأهمِّيّة القصوى لهذا المنظور القرائي، الذي يدافع عنه عصفور، تكمن في الوصول إلى توضيح مفهوم لا يقلّ أهمِّيّةً عن المفاهيم الإجرائية التي تشكِّل آليّة القراءة عنده، وهو مفهوم الموضوعية.

يتحدَّد مفهوم الموضوعية في التصوُّر الذي يقترحه جابر عصفور، من أجل قراءة التراث النقدي، من خلال استدعاء عدد من المفاهيم الأخرى، القريبة في معناها من «الموضوعية»، وعلى رأسها «الحياد»، يحيل على العلاقة بين أطراف القراءة لفحص هذا المفهوم، لأن الموضوعية رهينة بإقامة علاقة متوازنة مع هذه الأطراف؛ من هنا كانت الدعوة إلى «الحضور الفاعل لهذه العناصر في علاقتها المتكاملة (54)»، أمراً ضرورياً قبل الحديث عن أيّة «موضوعية».

 

(6)

وبناءً على الفاعليّة والتكامل، في العلاقة بين القارئ والمقروء والسياق، راح يتفحَّص التجارب القرائية التي سبقت، انطلاقاً من مقياس مراعاة التوازن في تلك العلاقة؛ ومن أجل ذلك توجَّه بالنقد اللاذع إلى الدراسات التي تناولت تاريخ «النقد العربي القديم».

وعلى الرغم من أن جابر عصفور يعترف بالدور الريادي الذي قامت به القراءة التاريخية للتراث النقدي، من خلال الإشادة ببعض نماذجها البارزة(55)، فإنه يرى أن القراءة التاريخية تهتمّ بإقامة «تاريخ صرف» للنقد؛ ويعني بذلك أنها تفتقر إلى البعد الشمولي الذي يدعو إليه في قراءة التراث، لأن «التاريخ يُعَدّ عملاً بلا جدوى في غياب الاستقصاء الدقيق للمعطيات التاريخية، وفي غياب المنهج المتكامل في المعالجة. ومع ذلك، ما أكثر الكتب التي تؤرِّخ لتراثنا النقدي، في الشعر وغيره، ابتداءً من الجاهلية الجهلاء حتى مشارف العصر الحديث، دون أن يكون لها منهج واضح، ودون أن يتوفّر لها القدر الدقيق من استقصاء المادة وتتبُّعها في منحنياتها المتعرِّجة، ومخطوطاتها المتناثرة، ومجالاتها المتنوِّعة تنوُّع التراث القديم كلّه!».(56)

ويبدو أن (جابر عصفور)، بإعلانه هذا الموقف من «تاريخ النقد»، يتمثَّل موقفَ بعض النقّاد الذين يذهبون إلى أن «التاريخية تؤدِّي إلى العلمنة، والمبالغة في التفاصيل، والاستخفاف بقيم العمل الفنّي، وافتقاد كامل لمعايير التقويم، وتؤدّي إلى الانتقائية التعسُّفية».(58) ولذلك لم يتأخَّر في اتِّهام كتب «تاريخ النقد» بأنها تُوهِم «القارئ أنه قد عرف كلّ شيء عن التراث النقدي، مع أن هذا القارئ لم يعرف شيئاً ذا بال، في حقيقة الأمر. فضلاً عن أن هذه الكتب تسطِّح الأشياء، فلا تعالج شيئاً رغم ادِّعائها أنها تعالج كلّ شيء».(58)

والواقع أن تلك الدراسات قد طغت على قراءة التراث النقدي العربي لسنين عديدة. وكان الدرس الأكاديمي، في الجامعات العربية، قد كرَّسها طريقةً مثلى للنظر في «النقد العربي القديم»؛ درساً وتحليلاً وتقييماً. ولم يكن هذا المنهج ليهيمن على الباحثين العرب لولا تأثُّرهم البالغ بالمناهج الفيلولوجية التي انتشرت في الغرب، طيلة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وليس من باب الصدفة أن نجد (محمد مندور) يصدر كتابه عن «النقد المنهجي عند العرب»، متبوعاً بترجمة بحث يتناول موضوع «منهج البحث في تاريخ الآداب» لـ«لانسون».(59)

على أن النظر إلى النزعة التاريخية بالمعنى الضيِّق الذي طبَّقه الدارسون العرب على «النقد العربي القديم» لا يلغي أهمِّيَّة التاريخ في قراءة التراث النقدي. وعندما يعلِّق عليه جابر عصفور هذه الأهمِّيّة القصوى، فإنه يحرص على تحديد مفهومه الخاصّ لما يسميّه «البعد التاريخي» لتلك القراءة، التي يعتبرها «عملية تاريخية متكرِّرة ومتغيِّرة، وذلك من حيث ارتباطها بطرح متجدِّد لأسئلة أساسية ثابتة في كلّ مرحلة أدبية أو مدرسة نقدية. ومن حيث ارتباطها، في الوقت نفسه، بإجابات متغيِّرة بتغيُّر هذه المراحل والمدارس».(60)

وبما أن الأمر يتعلَّق بعلاقة القراءة بالتاريخ، يجنح إلى الدارس معنى معيَّن يجرّد المنهج التاريخي من مضمونه التطوُّري الخطّي الذي ظلَّت الدراسات العربية المعاصرة للنقد القديم تخلص له، ليبني أفقاً آخر للتاريخ يقوم على أن البعد التاريخي هو الذي يجعل الدارس ينتقل من «التأريخ» إلى «القراءة»، وبذلك يؤكِّد «أن تعدُّد القراءة محكوم بتعدُّد الشروط التاريخية وتغيُّرها من عصر إلى عصر، ومن ثَمَّ صفة النسبية التي ليس من الضروري أن تتناقض والموضوعية في القراءة».(61)

وبما أن أوَّل شرط لتحقيق الموضوعية لأيّ خطاب يتمثَّل في إخضاعه للسياق التاريخي، شكَّل البعد التاريخي لقراءة التراث النقدي، الركيزة المنهجية الثالثة في تصوُّر جابر عصفور المنهجي، وهذا يستدعي وعياً عميقاً بالتاريخ.

إذا كان مؤرِّخو النقد العربي القديم قد أنتجوا، من خلال أبحاثهم، دراسات لا تستجيب لشروط مفهوم القراءة، كما تحدِّده الهرمنوطيقا الحديثة، بمختلف مشاربها واتِّجاهاتها، فإن ذلك راجع إلى أن تلك الدراسات «تخلو من أيِّ وعي نظري بموضوعها، خلوّها من أيّ تأمُّل نقدي لمنهجها».(62) وبما أن الوعي بالموضوع وبالمنهج هو، في نهاية المطاف، وعي بالتاريخ بمعناه الجدلي، فإن إحدى نقط ضعف تلك الدراسات تكمن، بالضبط، في افتقارها إلى العمق التاريخي.

ويتَّخذ التاريخ، بالمعنى الذي يستعمله جابر عصفور وغيره من الذين حاولوا تقديم قراءة للتراث، شكل خطٍّ يضرب في أعماق الماضي، ويمتدّ ليلامس آفاق المستقبل، باحتكامه إلى أسئلة الحاضر وهمومه.

فكلّ قراءة محكومة بظروف معيَّنة لظرفية تاريخية معيَّنة؛ وبهذا المعنى نحن، دوماً، ندشِّن «قطيعة مع القراءة للتراث، إلّا إذا استطعنا أن نتنازل، تماماً، عن ظرفيَّتنا الحالية لكي نتقمَّص ذلك التراث في إطاره المعرفي، وإطاره التاريخي».(63)

وإذا كانت «القطيعة»، هنا، تحمل مضمون التجديد والتغيير في النظرة إلى التراث، من مرحلة إلى أخرى، فإن الرجوع إلى مسألة التوازن بين أطراف القراءة، التي سبق للبحث أن ألمح إليها، تبدو في غاية الأهمِّيّة؛ ذلك أن القبض على هذا التوازن هو الذي يعطي للسؤالين: كيف نقرأ التراث النقدي؟، ولماذا نقرأه؟ شرعيَّتهما المعرفية.

من هنا، كان لا بدَّ من التذكير ببعض الدوافع التي جعلت مسألة التراث والتراث النقدي تحظى بكلّ هذا الاهتمام في الدراسات العربية المعاصرة، خاصّةً أن التراث الذي يدعو إليه الخطاب العربي المعاصر ظلَّ يشكِّل سلاحاً «من أسلحة إيديولوجية الكفاح أكثر منه مفهوماً ثقافياً ذا أبعاد تاريخية معرفية».(64)

ويفسِّر عبد الله العروي هذه الظاهرة بالتصدُّع الذي هَزَّ الهويّة العربية في العصور الحديثة، فحين «لا يمكن الإمساك بالأنا، بصورة مباشرة، يلجأ الناس إلى الماضي لضمان هويَّتهم. وحين لا تبقى الأصالة سوى بحث قائم على الحنين، تتمّ مماثلتها باستمرارية تاريخية مطروحة».(65)

من هنا، ظلَّت تلك الكتابات، برجوعها إلى الماضي،  متأثِّرةً بمناخ النضال ضدّ المستعمر وضدّ الهيمنة، أكثر ممّا هي حريصة على إعادة تفحُّص ودراسة الموضوعات الأكثر عرضة للخلاف والجدل في المجال العربي والإسلامي، دون تقديم أيّة تنازلات، سواء على المستوى القومي أو الديني».(66)

إن مسألة الهويّة التي يعبِّر عنها مفهوم «الخصوصية» في كتابات كثيرة، احتلَّت مكانة بارزة في السجال حول ما يسمّيه بعض النقّاد «نظرية نقدية عربية». والواقع أن القول بمثل تلك النظرية النقدية، أَمْلته رؤية مزدوجة الأبعاد إلى ذلك التراث:

– البعد الأوَّل يقتضي النظر إلى التراث النقدي من خلال طبيعته التاريخية ذاتها؛ ونعني بذلك السياق التاريخي الذي أنتجه، والذي يمتدّ على مساحة زمنية ومساحة مكانية شاسعتَيْن، تجعلان من المستحيل النظر إليه باعتباره نصّاً، أو مجموعة نصوص متجانسة. فعندما «ننظر في تراثنا النقدي العربي، نجده تراثاً ضخماً يمتدّ على مساحة عشرة قرون. عرف، خلالها، عصوراً من القوّة والضعف، فعكَسَ التاريخ العربي في حركة مدّه وجزره، وتردُّده بين حركة التجديد والعقلانية وحركة المحافظة والنصِّيّة».(67)

ومن الواضح أن تغييب هذا البعد في قراءة التراث النقدي، لدى بعض دارسي النقد العربي القديم، قد أدّى إلى إصدار أحكام لم تكن في صالح التراث. فقد اعتاد هؤلاء أن يقدِّموا أعمال النقّاد العرب القدامى في صورة نصوص تتضمَّن حقائق لا غبار عليها. والحال أن أهمَّ الأعمال النقدية العربية القديمة قد أُنجِزت ضمن شروط الصراع الفكري الذي كان محتدماً بين الفرق والمذاهب الإسلامية.

– أمّا البعد الثاني فإنه يزج بالقارئ في أتون عمليّة التأويل. وإذا أردنا استحضار مفاهيم القراءة، فإن القارئ العربي «المعاصر» يلج باب التراث النقدي، وهو مسلَّح بوجهة نظر مسبقة، يريد إثباتها من خلال قراءته؛ وهذا يجعل التراث النقدي شاهداً على عصره، أي عصر إنتاجه، وشاهداً على العصور اللاحقة، أي عصر قراءته.

وكما أن للتراث النقدي بعداً تاريخياً هو الذي حدَّد شروط إنتاجه، فإن لقراءته بعداً تاريخياً يتجسَّد في استجابته لـ«هموم» القارئ الذي لا يألو جهداً من أجل أن يصبح التراث النقدي ناطقاً بما ينضح به من أفكار، ورؤى. وهذا البعد يؤكِّد أن «تعدُّد القراءات محكوم بتعدُّد الشروط التاريخية، وتغيُّرها من عصر إلى عصر؛ و-من ثَمَّ- صفة النسبية التي ليس من الضروري أن تتناقض والموضوعية في القراءة».(68)

وهذا يؤدّي إلى أن التراث النقدي ينتمي إلى الحاضر بقدر ما ينتمي إلى الماضي، فأن أقرأ «كتاباً ينتمي إلى الموروث النقدي، معناه أن أسعى إلى إقامة حوار معه، انطلاقاً من الحاضر كما أتمثَّله، وأستوعبه، ومن خلال الأدوات المتاحة لاستعادة الماضي وإدماجه في أسئلة الحاضر».(69)

إن أخذ البعدَيْن السابقَيْن بعين الاعتبار، يضع مسألة «الحياد» في قراءة التراث النقدي موضع تساؤل؛ ذلك أن التراث النقدي جزء لا يتجزَّأ من التراث بحساسياته المختلفة وتشعُّباته، التي تتجاوز كونه ماضياً، إلى اعتباره أحد مكوِّنات الحاضر. وإذا كان الحياد يعني الفصل بين الذات وموضوعها، فإن مثل ذلك الفصل يغدو، عند قراءة التراث، مستحيلاً، لأننا عندما نقرأه «ننطلق من مواقف فكرية محدَّدة، لا سبيل إلى تجاهلها. ونفتِّش، في التراث، عن عناصر للقيمة الموجبة أو السالبة، بالمعنى الذي يتحدَّد إطاره المرجعي بالمواقف الفكرية التي ننطلق منها».(70)

هكذا، كانت قراءة التراث النقدي حدثاً معرفياً، ولكنه ينتج معرفة نسبيّة، و»نسبيَّته تاريخيَّته، وتاريخيَّته قرينة شرط إنتاج معرفته في عصر القارئ. ولا مجال، والأمر كذلك، للحديث عن حياد موهوم، وانفصال زائف بين الذات والموضوع. فعندما يكون القارئ بعض المقروء، والموضوع بعض أزمة الذات، فإن القراءة لن تكون بريئة أو محايدة».(71)

ولكن غياب «الحياد» لا يعني، بالضرورة، غياب الموضوعية، فدراسة التراث النقدي، هنا، ليست سوى مقدِّمة لاستلهامه من أجل بناء نقد عربي حديث. ومن أجل هذا، أيّة قراءة «لا تستطيع أن تدَّعي لنفسها الحياد أو الانفصال عن المقروء؛ أي انفصال الذات عن موضوعها. لأن الذات القارئة أصبحت جزءاً من المقروء، كما يشكِّل المقروء جانباً من أزمة الذات القارئة، خصوصاً إذا تذكَّرنا تاريخية هذه الذات».(72)

إن الإلحاح على العلاقة بين التراث النقدي (المقروء)، وبين الناقد العربي المعاصر (الذات القارئة)، يجعل سؤال قراءة التراث النقدي يحيل على سؤال أكبر وأوسع؛ هو سؤال النقد العربي الحديث في علاقته بالتراث النقدي؛ وهذا هو التوجُّه العامّ الذي حَكَم (جابر عصفور) في قراءته للتراث النقدي.

___________________

الهوامش:

1 - طه حسين، في الشعر الجاهلي، تقديم د. عبد المنعم تليمة، دار النهر للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى، القاهرة (بدون تاريخ). وقد أعيد توزيع الطبعة نفسها التي صودرت سنة (1926)، كما يذكر تليمة في المقدِّمة، سنة 1997.

2 - محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة القاهرة (دون تاريخ الطبع، ولا رقم الطبعة)، ص 5.

3 - للاطّلاع على نماذج من الربط بين التراث والهزيمة، يُنظر -على سبيل المثال- في كتابات جورج طرابيشي في الموضوع، وخاصّةً كتابَيْه، «مذبحة التراث في الثّقافة العربية»، الصادر عن دار الساقي بلبنان، سنة (1993)، و«المثقَّفون العرب والتراث»، الصادر عن دار نجيب الريس في لندن، سنة (1991). حيث يرى طرابيشي أن هزيمة (1967) شكَّلت، للذات العربية، جرحاً نرجسيّاً عصيّاً على الالتئام، نجم عنه (خصي) بالمعنى الفرويدي، وأدَّى إلى قتل الأب (جمال عبد الناصر)، والبحث عن أب جديد من خلال الاحتماء بالتراث. كما يمكن الرجوع إلى كتاب جابر عصفور «هوامش على دفتر التنوير» الصادر عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء وبيروت سنة (1995)، حيث يشير الكاتب إلى تحوُّل التراث من دعامة للتقدُّم، إبّان الخمسينيات، إلى فضاء للعزاء بعد كارثة السابع والستين، التي سيصبح التراث معها تعويضا نفسيّاً عن انكسارات الحاضر.

4 - محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب (مرجع سابق)، ص 6 .

5 - يراجع كتاب محمد عابد الجابري: «بنية العقل العربي»، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثّقافة العربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، يناير (1986). حيث يدرس الجابري قضايا لها علاقة مباشرة بالنقد العربي، ويبيِّن تقاطع «العلوم»، وتمفصلها في التراث العربي، ويخصِّص قسماً كاملاً، من الكتاب، لدراسة «البيان»، بوصفه أحد النظم المعرفية الثلاثة التي تحكم ذلك التراث.

6 - يقول محمد عابد الجابري في «بنية العقل العربي» السالف الذكر: «... ولا شكّ أن الباحث سيرتكب خطاً كبيراً إذا هو اعتقد أن الاهتمام بـ«البيان»، بأساليبه وآليّاته وأصنافه، كان من اختصاص علماء البلاغة وحدهم، (...)، فالبلاغيون الذين اتَّجهوا هذا الاتِّجاه كانوا آخر من ظهر على مسرح الدراسات البيانية»، ص 9.

7 - هذا اتِّهام شائع من طرف نقّاد «السلفية الجديدة»، وقد كان -كما سيتبيَّن لاحقاً- وراء نوع من الدراسات أضرَّت بالتراث النقدي العربي، وبالنقد العربي الحديث، على وجه الخصوص.

8 - تزفيتان تودوروف، نقد النقد، ترجمة: سامي سويدان، منشورات مركز الإنماء القومي، الطبعة الأولى، بيروت (1986).

9 - نبيل سليمان، مساهمة في نقد النقد العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت (1983).

10 - نبيل سليمان، المرجع السابق نفسه، ص 5.

11 - جماعة من النقّاد، مشكلة المنهج في النقد العربي المعاصر (ندوة). مجلّة «فصول»، القاهرة، المجلَّد الأوَّل، العدد الثالث، أبريل (1981)، ص 256.

12 - تقدَّم جابر عصفور بهذا العمل إلى ندوة «قراءة جديدة لتراثنا النقدي» التي أقامها «نادي جدَّة الأدبي الثقافي»، بالمملكة العربية السعودية، في الفترة: من 19 إلى 24 نوفمبر، (1988)، والتي شارك فيها نقّاد عرب من مختلف الاتِّجاهات والأجيال. ويمكن القول إن أعمال هذه الندوة تعبِّر عن تمثيلية في استقصاء نظرة النقّاد العرب المعاصرين إلى التراث النقدي؛ ليس لأنها احتضنت أهمّ الحساسيات النقدية التي تشتغل على النقد في العالم العربي، فحسب، بل لأنها، أيضاً، ضمَّت عدداً كبيراً من النقّاد العرب، قلَّما يتاح لهم الاجتماع في محفل واحد، وغطَّت أهمّ المواضيع المتعلِّقة بقراءة التراث النقدي. وقد صدرت أعمال هذه الندوة المهمّة في مجلَّدَيْن كبيرَيْن عن «النادي الأدبي الثقافي» بجدّة، بتاريخ: 12/7/ 1990. أمّا مساهمة جابر عصفور المشار إليها، فقد نَشرت، أوَّلاً، ضمن أعمال الندوة، ثم ظهرت في كتاب مستقلّ إلى جانب مجموعة من الدراسات الأخرى، تحمل عنوان «قراءة التراث النقدي»، في طبعات متعدِّدة، كانت أولاها طبعة (دار سعاد الصباح) التي ظهرت سنة (1992)، وعليها يعتمد هذا البحث.

13 - جابر عصفور، الصورة الفنّيّة في التراث النقدي والبلاغي عند العرب. ظهر الكتاب أوَّل مرّة سنة (1974)، عن (دار الثّقافة) بالقاهرة، وأعيد طبعه عدّة طبعات، يعتمد البحث الحالي الطبعة الثانية منها، التي صدرت عن (دار التنوير للطباعة والنشر) ببيروت، سنة (1983).

14 - صدرت الطبعة الأولى من كتاب جابر عصفور «مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي» عن (دار الثّقافة) بالقاهرة، سنة (1978). وأعيد طبع الكتاب عدّة طبعات، نعتمد منها، في هذا البحث، على الطبعة الخامسة التي صدرت عن (الهيئة المصرية العامّة للكتاب) بالقاهرة، سنة (1995).

15 - جابر عصفور، محمَّد مندور والتراث النقدي، مجلّة الطليعة، (القاهرة)، يونيو (1975).

16 - جابر عصفور. نظرية الفنّ عند الفارابي، مجلّة الكاتب، (القاهرة)، ديسمبر (1975).

17 - جابر عصفور، قراءة محدثة عن ناقد قديم، مجلّة فصول، القاهرة، (1986).

18 - جابر عصفور، الصورة الفنّيّة في التراث البلاغي والنقدي (مرجع سابق)، ص 11.

19 - جابر عصفور. المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

20 - جابر عصفور، المرجع نفسه، ص 12.

21 - يراجع محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت (1982). يوضح الجابري، في هذا الكتاب الذي يُعَدّ مقدِّمة لمشروعه الفكري حول «نقد العقل العربي»، كيف أن ما يسمِّيه إشكالية التراث، هي إشكالية وُلِدت وتطوَّرت مع ميلاد وتطوُّر الخطاب العربي المعاصر، وهي، من هنا، إشكالية خاصّة به، ولا نجد مقابلاً لها في الفكر الأوربي أو غيره.

22 - جابر عصفور، مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 7.

23 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.

24 - جابر عصفور، مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي (مرجع سابق) ص: 7 و8.

25 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، ص 8.

26 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.

27 - جابر عصفور، مفهوم الشعر (مرجع سابق)، ص 9.

28 - جابر عصفور، مفهوم الشعر (مرجع سابق)، ص9.

29 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه. ص 10.

30 - جابر عصفور، المرجع نفسه، ص 9.

31 - حسين مروة، النزعات المادِّيّة في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي/المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت/الدار البيضاء (1981)، ص 16.

32 - حسين مروة، النزعات المادّيّة (مرجع سابق)، ص:  5 و6.

33 - عزّ الدين إسماعيل، قراءة جديدة لتراثنا النقدي (المقدِّمة)، المجلَّد الأول. (مرجع سابق) ، ص21.

34 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 28.

35 - طه حسين، في الأدب الجاهلي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة التاسعة (بلا تاريخ)، ص 29 .

36 - كريستوفر نورس. التفكيكية: النظرية والتطبيق، ترجمة: رعد عبد الجليل جواد، دار الحوار، الطبعة الأولى،‍‍‍ سوريا (1997)، ص 25.

37 - G. Greisch . Herméneutique et gramatologie . C.N.R.S. Paris 1977. P 185

38 - T.Egleton. Critique et théorie littéraire. Trad. M.Souchard. PUF. Paris 1994. P 144.

39 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 37.

40 - من أجل توضيح أكثر لهذه الفكرة، يمكن الرجوع إلى جابر عصفور: بلاغة المقموعين. دوريّة «ألف»، الجامعة الأميركية، سبتمبر (1992)، حيث يتتبَّع الباحث تطوُّر البلاغة من منظور الصراع بين القوى المحافظة والقوى «المقموعة»، بطريقة تؤكِّد سير التراث النقدي والبلاغي وفق شكل خطي ملتحم الأجزاء.

41 - جابر عصفور. مناقشة عرض الدكتور محمد الكتاني في ندوة «قراءة جديدة لتراثنا النقدي» (مرجع سابق)، المجلد الأوَّل، ص 471.

42 - عزّ الدين إسماعيل، قراءة جديدة لتراثنا النقدي (مرجع سابق) المقدِّمة. المجلَّد الأوَّل. ص 21

43 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، (مرجع سابق)، ص 49.

44 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، ص 52.

45 - محمَّد مفتاح، التلقّي والتأويل، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت/الدار البيضاء (1994)، ص 223.

46 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 57.

47 - محمّد برادة، مناقشة عرض جابر عصفور، قراءة جديدة في تراثنا النقدي (مرجع سابق)، المجلَّد الأوَّل، ص 193.

48 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 88.

49 - حسن حنفي، التراث والتجديد، ص 94.

50 - حسن حنفي، المرجع السابق نفسه، ص 84.

51 - محمد أركون، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي/المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، بيروت/الدار البيضاء (1996)، ص 164.

52 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 12.

53 - جابر عصفور، المرجع السابق، ص: 27 و28.

54 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 41.

55 - يراجع الحوار الذي أجراه معه جهاد فاضل، وضمّنه هذا الأخير كتابه: «أسئلة النقد: حوارات مع النقّاد العرب». الدار العربية للكتاب، الطبعة الأولى، بيروت (بلا تاريخ)، ص 96، حيث يشيد بمجهودات المرحوم إحسان عباس في ميدان تاريخ النقد العربي.

56 - جابر عصفور، مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 7.

57 - رينه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت (1987)، ص 19.

58 - جابر عصفور، مفهوم الشعر، (مرجع سابق)، ص 7.

59 - يراجع كتاب محمد مندور «النقد المنهجي عند العرب» (مرجع سابق) ص: 390 و426.

60 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي (مرجع سابق)، ص 49.

61 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، ص 49.

62 - جابر عصفور، المرجع نفسه. ص 28.

63 - محمَّد الكتاني، مناقشة عرض جابر عصفور في ندوة: قراءة جديدة في تراثنا النقدي، الجزء الأوَّل، (مرجع سابق)، ص 194.

64 - محمد أركون، التراث محتواه وهويَّته، إيجابياته وسلبياته. ضمن: التراث وتحدِّيات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة). بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظَّمها (مركز دراسات الوحدة العربية)، الطبعة الأولى، بيروت (1985)، ص 157.

65 - عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، ص 74.

66 - محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مركز الإنماء القومي، الطبعة الأولى، بيروت (1989)، ص 248.

67 - محمَّد الكتاني، تراثنا النقدي بين الرؤية والإعجاز، ضمن: قراءة جديدة لتراثنا النقدي. (مرجع سابق)، المجلَّد الأوَّل، ص 426.

68 - جابر عصفور. قراءة التراث النقدي  (مرجع سابق)، ص 49.

 69 - محمَّد برادة. تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب، ضمن: قراءة جديدة لتراثنا النقدي (مرجع سابق) المجلَّد الثاني، ص 544.

70 - جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، (مرجع سابق)، ص11.

71 - جابر عصفور، المرجع السابق نفسه، ص 65.

72 - عزّ الدين إسماعيل، قراءة جديدة لتراثنا النقدي، (مرجع سابق)، المقدمة، ص22.

مواضيع مرتبطة

فيليب باربو: اللّغة، غريزة المعنى؟
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
رسالة إلى محمد شكري: الكتابة بيْن الصمت والثرثرة
محمد برادة02 يناير 2022
إشكاليةُ اللّغةِ العربيّةِ عندَ بعضِ الأُدباءِ والإعلاميين
د. أحمد عبدالملك15 ديسمبر 2021
محمد إبراهيم الشوش.. في ظِلّ الذّاكرة
محسن العتيقي01 نوفمبر 2021
بورخيس خَلَفًا للمعرّي
جوخة الحارثي06 أكتوبر 2021
رحلة باريس الثانية وسنوات الغليان في صالون توفيق الحكيم
صبري حافظ30 سبتمبر 2021
إدغار موران.. مئة سنة من التوازُن بين العقلِ والشغف
محمد برادة01 أغسطس 2021
تحدّيات الثقافة عن بُعد
رئيس التحرير07 يوليو 2021
برنار نويل.. رحيل كاتب مُلتَزِم
أسماء كريم26 مايو 2021
«البرفورمانس» والنصّ المتحرّك
آدم فتحي26 مايو 2021
60 عدد المشاهدات