”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين

ترجمة: عاطف عبد المجيد  |  06 أغسطس 2020

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عاديّة، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كلّ شيء بحلم منذ وقت طويل، في مكان آخر قَصيّ. لم يُرَ، في الحلم، لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كلّ شيء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأميركي تظهر وسط الأشجار، كانت هيئته تذكّر بهيئة ممثّلي سينما الخمسينيّات. كان اللقاء في حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتُنيَ بها جيّدًا، وتمتدّ إلى ما لا نهاية. كان كلّ شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه وقت هبوط الغسق. كنت أراني واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسي بالأسود، و بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ. فجأةً، توارى وجه الضابط، فوجدتني وسط ميدان دائريّ، تحيط بي منازل خاوية على عروشها. كان صوت صفّارات الإنذار يُدوّي، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمرّ، وهي تشعل السماء. صرختُ:

– معامل تكرير بغداد تحترق! 

والتفعت بغبار الميدان الخاوي. 

*** 

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، أعبر الشوارع التي احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جرّاء ذهاب وإياب الطائرات، وطائرات «الهيلوكوبتر». مارًّا بالميدان الدائري، كنت أشمّ رائحة الحرب وصيحات السكّان الذين يصفون رحيل الأدخنة التي تجعل السماء حالكة السواد. 

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام سبعة وعشرين عامًا. المكان الذي كنت فيه كان حقيقيًّا، و- للمّرة الأولى- كنت أرى دوريّات الجنود الأميركان تتبع أقدامي، التي كنت أعتقد أنها طاهرة. 

رأيت عائلتي، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتني الرغبة في رؤية البيت الذي ولدتُ فيه، مرّة أخرى، في الأسبوع الثاني. كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، عندما كنت في الرابعة من عمري. كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرّافات الصفراء التي كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ، وهي تلتهم الجدران. كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيّل تنفُّس هذه الوحوش. كان لزامًا، إذن، الذهاب إلى ما صار، بعد دخول الأميركان، «المنطقة الخضراء». كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأميركان دخول أيّ شخص لا يرفع شارة النجاة التي منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر ممّا كانت عليه، حتى في عهد صدّام حسين. كان مراسلون من التليفزيون الفرنسي يرافقونني كي يصوّروا معي فيلمًا تسجيليًّا في هذا المكان، حيثما ولدتُ منذ سبعة وأربعين عامًا. كانت هذه المنطقة، آنذاك، منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضروات تفصل ما بين البيوت التي كانت تحاذي نهر دجلة. 

شرحت هذا للضابط الأميركي، الذي لم تكن لديه نيّة لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت، بينه وبيني، لعدّة لحظات. 

– لقد وُلد هنا، وله الحقّ في أن يرى هذا المكان مرّة أخرى! احتجّ أحد المراسليْن، لكن من دون طائل. 

بعد عدّة أيّام، قابلت «ديفيد جروس»، مصوّر أميركي، لطيف وفضولي في الوقت ذاته. تعرفت إليه في فندق (الحمراء)، معسكر تجمّع الصحافيّين من كلّ أنحاء العالم. بسرعة، صرنا صديقَيْن، تناولنا القهوة معًا، دعاني إلى نزهة إلى القصر الرئاسي. حتى أننا ذهبنا إليه بعد الظهر. كنّا متلازمَيْن بامتداد الشارع الرئاسي، الذي كان نظيفًا تحفّه الأشجار. الحقّ يُقال: لقد دخلنا دون صعوبة. فيما كان «ديفيد» يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا، كأنني أريد أن أستعيد كلّ لحظة من لحظات سنواتي الأربع التي عشتها في هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان، بدقّة، حيث يوجد البيت. غير أني كنت أدرك أنني على مقربة من المكان الذي كنت ألعب فيه في ما مضى، مُرتبًّا القراميد، بعضها فوق بعض، متخيّلاً نفسي مهندسًا معماريًّا. 

كان الجنود الأميركان ينجزون عملهم الرتيب في ذهاب الدوريات وإيابها، كانوا يتوقّفون من وقت إلى آخر، وينظرون دون أن يوجّهوا سؤالاً. آنذاك، كان، «ديفيد جروس» بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عني. وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصي عددًا من الذكريات. 

– ذات يوم، كنت على وشك الغرق في النهر… كنت أسبح مع أبي، حين انغرزت في الماء. منذ ذلك الوقت، صار نهر دجلة يخيفني. 

ابتسم «ديفيد»، توقّف ليتحدّث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلّي بجوار سيّارة «ﭽيب». 

***

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسي للقصر، توقّفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدّام حسين، التي كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعمّ المكان، كما لو أن الحرب لم تمرّ من هناك، حتى الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة. اقتربنا من جنديّيْن أسودَيْن كانا جالسَيْن في نقطة تفتيش مغطّاة بشبكة للتمويه. لوّحت بإشارة، مادًّا يدي اليمني، فردّ أحدهما عليّ محرّكًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر. كان كلّ شيء منظّمًا. كانت الأرض خضراء، والعديد من صفوف أشجار الورد، من كلّ الألوان، مُزْهر. عدّة نافورات، هنا وهناك، تروي العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة. قلت لـ«ديفيد»:

– كان البيت في مكان ما هنا، في هذه الحديقة الكبيرة.. ربّما هناك… 

وأشرت بسبّابتي إلى صفّ ورد دائريّ. ابتسمنا. بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسي الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة من النصف العلوي يتمدّدون بجانب الثلّاجات. تمرّ امرأة شقراء ترتدي فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفّات بين يديها، تُلقي علينا نظرة خاطفة، ومرافقي يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لـ«ديفيد جروس» إنهم، تقريبًا، كانوا في إجازة، فردّ عليّ:

– تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد. 

منذ أن التقيته في الفندق، ونحن متّفقان، معًا، في أن الحرب لم تبدأ بعد، إلى درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا. 

كنّا قد توغّلنا في الحديقة معجبَيْن بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتي بُنيت بالأحجار البيضاء، على الطراز الشرقي، لحظة أن قابَلَنا رجل عسكري، نصفه العلوي عارٍ. كان يسير مسرعًا، ناظرًا في الأرض، له شارب كثٌّ كممثّلي السينما الصامتة، وذقن حليقة تمامًا، حاملاً في يده كأسًا ومسقاة صفراء. فجأةً، توقّف محيّيًا إيّانا بالإنجليزية. قدّمني له مُرافقي. رحنا نتبادل النظر صامتين. 

بدأ المساء يلوح في أفق السماء، وأنا أتفرّس الرجل الذي أمامي، فعاودني الحلم. كأن الآخر قد أمسك بخيط أفكاري، نظر إليّ، ثم دعانا للشراب. تقدّم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منّا أن ننتظر برهة. اختفي داخل مبنًى، ثم عاد يكسوه قميص عسكري، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة. 

– لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، في مكان ما. قال «ديفيد». 

– أصحيح هذا؟ 

– نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ. 

– لكن أيّة أسطورة؟

– أنت تعرف هذا… لكلّ منّا أسطورته الخاصّة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، في منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا، تمامًا، قبل إقامة القصر. 

– نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق. 

– نعم. كان هذا هو القصر الملكي، ثم القصر الجمهوري، وبعدها قصر صدّام. أنا على علم بالفترتَيْن: الأولى، والثانية. حينما استولى صدّام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا في فرنسا، وكان عمري، حينئذٍ، واحدًا وعشرين عامًا. 

كنّا قد أخذنا نشراب على مهل، وهو ينظر إلينا. حكى «ديفيد» حياتي وفق ما سمعه عند الظهيرة، في حين لم يرفع الضابط عينيه عني. بلغنا هدير طائرة «هيلوكوبتر» كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيث كنّا. 

نهض الضابط، نظر خلف صفّ الأشجار القصيرة، ثم عاد إلى مكانه معتذرًا. 

– بلدك في غاية الجمال. قالها باحترام. 

– وهو كذلك بعيد جدًّا. 

راح يضحك، بينما يضيف «ديفيد» أننا أبعد ما نكون عن أميركا. 

– حلمٌ أن أكون هنا. 

– لكن كلّ شيء هنا، هو حلم. أجبت. 

– منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتقدّم في هذا البلد، ببطء. عندما توقّفنا في الكويت، كنت أعتقد أن هذه ليست هي العراق.

– أنت تعرف أن هذا هو الشيء نفسه بالنسبة إليّ. بعد سبعة وعشرين عامًا، كلّ شيء مختلف، وبعد سبعة وأربعين عامًا، أكون على مقربة من بيتي الذي ولدتُ فيه، ولست قادرًا على تحديد المكان الذي كان يوجد فيه، بالضبط. حين نكون بعيدين، تنقصنا الدقّة. 

– أدرك هذا. أجابني بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان، ثم راح «ديفيد» يحكي رحلة تجواله إلى جانب أفواج أميركية. غير أن الضابط قاطعهُ متوجّهًا نحوي. 

– وأنت، ما رأيك في هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذي يجري في هذا البلد. 

 إنه الهرج والمرج… ستّة آلاف عام من التاريخ، تلك التي تراها ممتزجة هنا… ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا. 

– نعم. معك حقّ. غير أني طويتُ أكثر من ستّمئة كيلومتر، من الجنوب حتى بغداد. تقدّمنا كثيرًا، لكننا لم نوفّق في أن نفهم. 

– أنت طويت قرنَيْن هنا، في أميركا، ومازلت بحاجة إلى ثمانية وخمسين قرنًا كي تفهم. 

ونحن نجوب الشارع الرئاسي، فهمت الكثير من الأشياء، عن حياتي… 

لكن ليس كلّها، بعد. 

– هل تتحدّث بجدّيّة؟

– نعم. أحتاج إلى وقت كي أفهم. أنا لست متأكّدًا. 

– لستَ متأكّدًا من أيّ شيء؟

– من أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد. أنت في حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كلّ الأشياء، وحيث نتخيّل الظلال أجسادًا. 

مرّة أخرى، عمَّ الصمت المكان. يُخرج «ديفيد» كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعَلاً. شرع في التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة. راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدّثون بصوت عالٍ. 

راح الضابط يتحدّث: 

– حينما كنت شابًّا، رأيت حلمًا: كنت في حديقة كبيرة، في بغداد، حيث كانت هناك سيّدات يرقصن، وسحَرة يتنزّهون. كانت هناك قوافل من الإبل تمرّ، وملك فوق عرش، يُظهر ساعات يد، قارئًا المستقبل في كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين، وأنا تسكنني رغبة المجيء إلى بغداد، لكني لم أكن أعتقد أنني سأجيء بصفة ضابط في جيش الولايات المتّحدة الأميركية. هذا شيء غريب!. 

ردّد الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل «ديفيد جروس» يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو- بالأحرى- الموضوعة على الطاولة. 

– أرى أنك يجب أن تعود مرّة أخرى. قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

– سأستدعي لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء. 

اختفي، ثم عاد ومعه جنديّ شابّ. كفَّ «ديفيد» عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم في سماء بغداد المغطّاة بالغبار، في تلك الليلة. قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذي كان ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يتبيَّن وجهي من بين تلك الوجوه التي رآها في حلمه.


جبار ياسين: كاتب وروائي عراقي، يكتب بالفرنسية وبالعربية، ويقيم في فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالأسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها. تُرجمت هذه القصّة إلى لغات عديدة، ولاقت صدًى واسعًا تمثل في كتابة عدّة مقالات عنها في الصحافة العالمية، خاصّة وأنها كُتِبت قبل الغزو الأميركي للعراق.

مواضيع مرتبطة

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل31 يوليو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“
ترجمة: عزيز الصاميدي01 يونيو 2020
943 عدد المشاهدات