جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»

رشيد بنحدو  |  26 أبريل 2021

«حبس قارة» عنوان الرواية الجديدة للكاتب والأكاديمي المغربي سعيد بنسعيد العلوي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، 2021). عنوان يحيل على سجن أسطوري، بناه، في القرن الثامن عشر، السلطان مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، انتسجت عنه، في المخيال المغربي، نوادر وحكايات.

لأوَّل وهلة، قدّرتُ، بالتخمين، أن «حبس قارة» سيكون فضاءً مركزيّاً تدور فيه أحداث الرواية. لكن توقُّعي هذا أخذ يتلاشى، شيئاً بعد شيء، كلّما تقدّمتُ في القراءة، ليس لأن الرواية عمدت إلى اتخاذ أفضية أخرى مسرحاً للأحداث فحسب، بل، أيضاً وخاصّةً، لأنها لم تجعل من فضاء الحبس موضوعاً حصرياً لخطابها الوصفي والسردي.

بالفعل، تدور كلّ الأحداث المحكيّة، أساساً، في مدينَتْي طنجة، ومكناس، من خلال نظرة الرسَّام الفرنسي «أوجين دولاكروا» (1863-1798) المنبهرة إلى الطبيعة الخلّابة فيهما، وإلى عادات السكّان وطقوسهم الاحتفالية، وإلى بنياتهم الذهنية ورؤياتهم للعالم. وتكاد الفصول المرصودة لهذا الموضوع تحتلّ نصف الرواية، البالغ عدد صفحاتها (325) صفحة. تنضاف إلى هاتين المدينتين، وفي صفحات قليلة، مدينة «وليلي» الأثرية المغيرة، التي ستكون عرضةً لحدث غير متوقَّع، لا يخلو من غرابة محيِّرة، وهو ما اقتضى صفحات قليلة. وستستأثر شخصية عبد الجبار، السارد الثاني، بباقي الفصول، مستعذباً حياته وسط الأسرة، أو غارقاً في مونولوجات داخلية، أو مرخياً العنان لذكرياته، أو متفرِّغاً لاهتماماته البحثية الأكاديمية؛ ما يعني، إذن، أن حبس قارة لا يؤدّي أيّ دور في بناء المتخيّل الحكائي للرواية.

كما أن الحبس نفسه لم يحظَ، في الرواية، بأيّ خطاب توثيقي واستدلالي يستعرض فيه كلا الساردَيْن، من حيث هما سلطتان علميَّتان جديران بالثقة، أسيقة بنائه التاريخية، والغايات الأمنية والأيديولوجية من تشييده. كلّ ما يعرفه القارئ عنه هو متناثر، بالصدفة، في أنحاء الرواية من خلال ما تلوكه ألسنة الشخصيات من خرافات وإشاعات وتكهُّنات غير متيقَّن من صحّتها. فبين زاعم أنه «سجن العفاريت العامِّيّة» (ص24)، ومؤكِّد أن «له سراديب وامتدادات في جوف الأرض، حيث لا تسمع سوى فحيح الأفاعي وهمس العفاريت، وأعين الشياطين تلتمع في الظلام» (ص75)، ومتطيّر يقول إنه «سجن يضاهي سطح الأرض والعياذ بالله» (ص238)، ومُدَّعٍ أن «ما تحت الأرض ليس سجناً، وإنما هو عالم ينتشر شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ينغرز في أحشاء المدينة» (ص288) – بين هؤلاء وسواهم من الغوغاء، تضيع حقيقة حبس قارة!.

ألا يحقّ للقارئ، والحال هذه، أن يستغرب كيف أمكن للمؤلّف ألّا يمحض هذا الحبس التاريخي الملغز ما يليق به من اهتمام، لاسيَّما أنه اختار، بسبق تصميم، أن يُعَنْوِن روايته باسمه المهيب، مهيِّئاً قارئه المفترض إلى ارتياد فضاء يَعِدُهُ بأسرار ومفاجآت كفيلة بإرضاء فضوله المعرفي؟ ألم يكن حريّاً به عدم خذلانه بإحباط أفق توقُّعاته؟

هذه كانت، إذن، خيبتي الأولى، التي ستعقبها خيبات أخرى لا تقلّ عنها أثراً حاسماً في تكييف قراءتي لهذه الرواية.

لكن، ما الذي جيء بالرسَّام الفرنسي «دولاكروا»، فجأةً، إلى المغرب الذي لا يعرف عنه شيئا؟ أيّ سرّ أغراه بترك مرسمه في وقت كان يزهو فيه أيَّما زهو بكون لوحاته الباذخة كانت، بحسب النُقَّاد، إيذاناً بتَبْلور المدرسة الرومانسية في فنّ التشكيل الفرنسي، والعالمي؟.

محض صدفة ما جعله يشدّ الرحال إلى أرض المغرب؛ ذلك أن السلطان مولاي عبد الرحمان أوجس خيفةً من فرنسا التي احتلَّت الجزائر في (1830)؛ ما جعله يرسل قوّاته إلى الحدود معها درءاً لكلّ خطر اجتياحي محتمل؛ ما أدّى بملك فرنسا، آنذاك، لوي فيليب، إلى إيفاد بعثة دبلوماسية إلى المغرب بقيادة «الكونت دومورني» من أجل طمأنة السلطان على مملكته، وإبرام اتفاقية سلام معه تضمن حياد المغرب. وشاءت الصدفة أن تعرض عشيقة «الكونت دومورني»، على الرسَّام الشهير، أن ينضم إلى البعثة، وهي عادة دأبت عليها فرنسا في بعثاتها الدبلوماسية وحملاتها العسكرية الاستطلاعية، حيث كانت تحرص على أن يرافقها كتَّاب وفنَّانون بمهمّة تدوين مشاهداتهم، وتوثيق استكشافاتهم.

وقد كان لإقامة الرسَّام بالمغرب، من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز (1832)، مفعول الصعقة الانفعالية القويّة التي فتحت عينيه على جمال المغرب وروحانيته، بما هي عوامل تخصيب لخياله، سيكون من آثارها الحاسمة، كما اعترف بنفسه في مذكراته، القطيعة مع المدرسة الكلاسية في فنّ التشكيل، السائدة منذ عصر النهضة. كيف لا، وقد أصابه المغرب بلفحات من دفئه، ونفحات من شمسه ستضيء ألوانه، بقدر ما ستجعله يقطع، كذلك، مع حركة الاستشراق التصويري المزدهرة في القرن التاسع عشر؟. «ما أبعد طنجة عن (…) تلك العوالم التي ترسمها ريشة الرسَّامين (…) عن سحر الشرق (…). الشرق ذاك غريب عن طنجة، ليس يشبهها في شيء، لا تمتّ إلى طنجة بشيء. طنجة كتاب عارٍ مكشوف. غير أن فيها ما لا يدرك (ص 86).

ولهذا، ليس غريباً أن يطوي النسيان، نهائياً، المهمّة الرسمية التي انتُدِب من أجلها. ألم يعترف هو نفسه، صراحة: «إن الشأن (في المهمّة) لا يعنيني (…) فليس هذا ممّا يكدر صفوي أو يُذهِب النوم من عيني» (ص 285)، فالرواية لا تلتفت إليه إلّا وهو متفرّغ، تماماً، إلى إيداع كناشاته الصغيرة، ومشاهداته، وشوارده، وسوانحه بما هي عناصر خام للوحاته. ومن ثَمَّ، إن انسحابه من المهمة بطريقة لم تبررها الرواية، كان مصدر خيبتي الثانية.

ولن تقلّ عنها شدّةً خيبة أخرى غير أخيرة كانت هذه المرّة بسبب عبد الجبار، السارد الثاني في الرواية؛ فباستثناء إشارات متفرِّقة إلى حياته وسط أفراد أسرته، فإن صورته المهيمنة في النصّ هي أنه طالب جامعي بالغ الجدِّيّة، تشغل باله أمور تحضير بحث لنيل شهادة الليسانس في التاريخ، يتعلَّق «بالضبط بحياة السجناء الأوروبيين في حبس قارة» (ص 49)، ولكي يكون جديراً بثقة أستاذه المشرف فيه، اضطرّ إلى الاطِّلاع على عدد كبير من الكتب والوثائق والمخطوطات، باللغات؛ العربية، والفرنسية، والإنجليزية، وإلى استقصاء كثير من التقاييد والمستنسخات والخرائط والروايات الشفوية والقطع النقدية. وهو ما جعله، في مناجاة لذاته، يقول بغير قليل من «الزهو الباطني»: «لا شكّ في أنك، يا عبد الجبار، ستحظى من الأستاذ المشرف، ثم من لجنة المناقشة، بعد ذلك، بما سينقلك إلى مستوًى عالٍ جدّاً. سيرفع ذكرَك البحثُ عالياً. سيفتح أمامك طريق البحث العلمي، فتمضي فيه غير هيّاب ولا متردِّد» (ص 48)، لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقُّعها، وستكون سبباً في خيبتي الثالثة، هي أن هذه الأماني كانت مجرَّد أضغاث أحلام لم تجعل منه هذا الباحث المأمول، حيث سيتخلّى عن مشروع البحث بدعوى عدم أهمِّيته: «تافه جدّاً، سخيف كلّيّةً، ساذج تماماً، شأن البحث والنقطة والامتحان».

سعيد بنسعيد العلوي

وكما لو أن الحنين إلى عالم البحث قد استبدّ به، بعد شهور، سيقرِّر الاهتمام، هذه المرّة، بالحياة اليومية لـ«أوجين دولاكروا» في مكناس، باعتبار هذا الرسَّام «هو قدرك، أحببتَ أم كرهت، يا عبد الجبار، الذي لا تملك أن تفلت منه»، وهي اللازمة التي سيظلّ صديقه عبد الحميد يرددها عليه (ص: 143 – 145 – 151 – 325). لكنه سرعان ما سيعاكس هذا القدر، حيث لم يتمخَّض البحث عن أيّ شيء تذكره الرواية، وسيكون تكتُّمها على السبب مصدر خيبتي الرابعة.

وسينصحه صديقه، على أثر هذا الفشل، بالضرب صفحاً عن البحث التاريخي، وشجونه: «ما رأيك، يا عبد الجبار، لو قذفت بكلّ كتب التاريخ في النار، وعكفت على كتابة رواية؟ أقسم بالله أنك ستكون، نوعاً ما، «بلزاك» المغرب، حتى ولو لم تكن قد نشرت حتى الآن نصّاً واحداً. الجنون لذيذ، يا عبد الجبار، فهل تكره أن تكون مجنوناً؟ المجانين هم، دون غيرهم، العظماء، حقّاً، في هذا الوجود» (ص.148). وسيكون خامس الخيبات هو أنني لم أعثر، في الرواية، على ما يفيد أنه عمل بنصيحة صاحبه.

أمّا السادسة، فهي أن عبد الجبار، وبفعل نزوة خرقاء لم أتوقَّعها، بل ولم تسعفني الرواية بما يعينني على فهمها، سيصبح- يا للعجب العجاب!- مرشداً سياحياً في مكناس. كان هذا، فعلاً، منتهى الجنون، لكنه لم يجعل منه شخصاً عظيماً في الوجود، بل متّهماً في قضيّة قد تقود إلى اعتقاله وسجنه في حبس قارة، بالذات. والحكاية وما فيها هي أن رجلاً إنجليزياً، اسمه «مستر سميث»، حَلّ بمكناس بحثاً عن مرشد سياحي يرافقه إلى مدينة «وليلي» الأثرية، لكي يساعده على استكشاف مآثرها الرومانية، وتحديد المواقع والمناظر التي ستكون خلفيّة مكانيّة لشريط سينمائي، فكان أن وقع الاختيار على عبد الجبار. لكن ما حدث هو أن «مستر سميث» هذا اختفى فجأةً، ودون سابق إشعار، في اليوم نفسه الذي اختفى فيه تمثال «باخوس»، عرّاب «وليلي»، بطريقة غير مفهومة كذلك. وستحوم الشكوك- أوّلاً- حول المستر سميث الذي لم يظهر له أثر، ثم- ثانياً- حول مرافقه عبد الجبار الذي سيتمّ اعتقاله واستنطاقه. وستنتهي الرواية بالإفراج عنه، بعد أن عاد «باخوس» إلى الظهور في مكانه الأصلي بكيفية لا تقلّ إلغازاً.

هي، إذن، ثلاثة مشاريع؛ بحثية، وأسرية، ووجودية، تَقلَّبَ بينها عبد الجبار، دون أن يحالفها النجاح، بل من غير أن تكشف الرواية عن أسباب فشلها.

استراتيجية التخييب

يقول «كلود سيمون»: «إن روايةً لا تعمد إلى تخييب كلّ مِن جنسها الجامع وانتظارات قرّائها، ليست رواية». فيا لحسن حظّ رواية سعيد بنسعيد العلوي!، فهي تتلاءم مع هذا الحكم القطعي، الصادر عن أحد أبرز كتَّاب «الرواية الجديدة» في فرنسا، الذي اشتُهرت رواياته بالضبط، تلك التي خوَّلته أن يحرز جائزة «نوبل» للآداب في (1985)، بحسن تدبيرها لاستراتيجية التخييب هذه (la déception)!.

لقد قامت «حبس قارة» بتخييب جنسها الجامع مرَّات عديدة، وفي كلّ مرّة بكيفية مختلفة. فلقد عمدت إلى خرق أحد أركان الرواية الكلاسيّة المحافظة، وهو التماسك. فهي عبارة عن توليفة غير منسجمة، قوامها محكيّات متراكبة ومتناوبة متنافرة؛ شكلاً وأسلوباً وتخييلاً. يعود بعض هذه المحكيّات على الرسَّام «دولاكروا»، الذي هيَّمَه عشق المغرب حدّ الهوس، ويعود بعضها الآخر على عبد الجبار، الذي مُنِيَت مشاريعه بالفشل، وبعضها الأخير على لغز اختفاء تمثال «باخوس»، ثم ظهوره من جديد.

ثم إن الرواية عرّضت كلّاً من هذه المحكيات المتنافرة إلى تشظية دقيقة، أسفرت عن تشكّل النصّ الكلّي من متواليات سردية، ليست من غير أن تذكّر القارئ بالجمالية الشذرية في روايات الحساسية الجديدة. وتوجد بين هذه المحكيّات نفسها علاقة اكتناف وتنافذ، علاقة تباعد وتنابذ، تجعل أحدهما متضمَّناً في الآخر بالتناوب، وهو ما يعطل السريان الأفقي الانسيابي المعتمد في الشكل الكلاسيّ.

ويترجّح، عندي، أن المؤلِّف قد اطَّلع على مذكِّرات «أوجين دولاكروا» بالمغرب، وكذا على مراسلاته مع صديقه «بييري»، وعمَد عمداً، أي من غير نيّة انتحالية، إلى تضمين أجزاء كبرى منها في روايته، منقولة- بعناية- إلى اللُّغة العربيّة، ومن غير إشارة إلى مصدرها أو إلى صاحبها؛ وهو ما يجعل من نصّ «حبس قارة» فسيفساء من النصوص المتداخلة فيما بينها. وهذا يذكّر القارئ، حتماً، كذلك، بتقنية الكولاج الحداثية الشهيرة عند الرسَّامين التكعيبيِّين والدادائيِّين، الذين كانوا يرصِّعون أقمشة لوحاتهم الزيتية بتصاوير وقصاصات جرائد، ورقع ثوب أو جلد، وسوى هذا من الموادّ الجاهزة والمتنافرة، وذلك بغاية تخييب أوهام وحدة النصّ التشكيلي وشفافيَّته واستكفائه بذاته، والاحتفاء، عوض هذا، بانفتاحه على أشكال وشيفرات سيميائية أخرى ليست من جنسه.

وإذا أضفنا إلى هذه الربيكة المدوِّخة من عوامل التنافر واللاتجانس، أن الرواية تتباهى، أخيراً، بافتقارها إلى نواة حكائية صلبة تكون بمثابة حبكة درامية موحَّدة ومشتركة بين محكيّاتها، فسنكون قد استوفينا أشكال خرقها لنسَقها الأجناسي الجامع، ويكون مفهوم التخييب نفسه قد تحوّل إلى تخريب وتجريب، بالمعنى الاصطلاحي للكلمتَيْن، الدالّ على إستراتيجية فنِّيّة عقلانية، تروم تحصيل حداثة نصّية تزدهي بكلّ ما لا يوحي بالاتِّساق والائتلاف.

أمّا عن دلالة «التخييب»، في علاقته بأفق انتظار القارئ، فالظاهر أن «حبس قارة» يحلو لها أن تناصب مَنْ دَعَته مرَّات عديدة، بـ«قارئها المفترض» إحباطاً تلوَ إحباط. فمن خلال تشريح النصّ، يكون قد اتِّضح أن محكيّاته، وما تناسل منها من متواليات، تُعاكس تطلُّعه إلى معرفة تطوُّر الأحداث المحكيّة ومآلاتها، لأن الأصوات المتناوبة على السرد تعمَّدت أن تبقيها بدون منافذ أو- بالأحرى- أن تتركها مشرَّعة على خواء. وهو ما يتجافى ظاهرياً مع الحسّ السليم، ويتنافى- في العمق- مع الجمالية الكلاسيّة نفسها، التي تحرص على أن تكون الأحداث مفضية، عادةً، إلى نهاية سعيدة أو نهاية شقيّة. وهذه تقنية دأبت نصوص الحساسية الروائية الجديدة على توظيفها؛ بقصد استفزاز القارئ وتخييب توقُّعاته، ثم تحريضه على التدخُّل، تأويليّاً.

فمحكيّات «أوجين دولاكروا»، مثلاً، تزدان بنسيج من البياضات التي تنبض بهذه الأسئلة: هل تمَّت إقالة الرسَّام، أم استقال، تلقائياً، من البعثة الدبلوماسية الفرنسية إلى المغرب؟، بل ما هو مصير رغبة فرنسا في عقد اتفاقية مع المغرب تضمن لها حياده في احتلاله للجزائر؟ وإذا ما أبرمت هذه الاتَّفاقية، ما هي مغانم المغرب، ومنافعه منها؟، ثم لماذا حرصت عشيقة «الكونت دومورني»، قائد البعثة، على أن يرافقها «دولاكروا» في الرحلة إلى المغرب؟ هل كانت بينهما مغامرة ما؟ وهل تزوَّج بالمغنيّة «سيلفانا حاييم» أم لم يتزوَّج بها؟

كما أن محكيّات عبد الجبار لم يفُتْها أن ترصِّع جسدها بِصُمُوتٍ تتطلَّع إلى من يستنطقها، من قبيل: هل تكون لعنة حبس قارة المشؤوم قد أصابته، حين أراد الدخول إليه، تمهيداً لبحثه الجامعي حول حياة الأسرى الأوروبيِّين فيه؛ وهو ما جعله ينصرف، نهائيّاً، عن مشروع البحث؟ هل يكون قَدَر «أوجين دولاكروا» الذي يلاحقه، هو ما جعله يستبدل موضوع الحياة اليومية للأسرى الأوروبيين في الحبس، بموضوع الحياة اليومية للرسَّام الفرنسي في مكناس؟ ولماذا تحاشت الرواية الكشف عن نتائج هذا البحث؟ وهل استجاب إلى رغبة صديقه عبد الحميد في أن يتحوَّل إلى كاتب روايات؟، ثم كيف يمكن لباحث أكاديمي في التاريخ أن يتحوَّل دون تبرير إلى مرشد سياحي؟، وما هو مصير الشريط السينمائي حول «وليلي»؟، ولماذا اختفى مخرجه المستر «سميث»، فجأةً، عن الأنظار؟

أمّا المحكيّات المتعلِّقة بتمثال «باخوس» هذا، فلا تمثِّل استثناءً لقاعدة تكتُّم الرواية عن التفاصيل، حيث تخلَّلتها هي، كذلك، ثقوب تطفح بهذه الأسئلة: كيف تَمَّ اختفاء «باخوس»؟، وهل هو محض اتَّفاق أن يختفي المستر «سميث» والتمثال في يوم واحد؟، وما هي نتائج البحث عن «باخوس» الذي باشرته، بأمر ملكيّ، كلّ من الأنتربول واليونسكو ولجنة بحث وتحرٍّ عليا؟، وما السرّ في عودة التمثال، بقدرة قادر، إلى مكانه الأصلي؟

يتأكَّد، إذن، أن الرواية لا تريد، عن قصد، أن تشفي غليل القارئ لمعرفة مصير مجريات الأحداث. فبالاستناد إلى نظرية جمالية التلقّي (ياوس، إيزر) وسيميائية القراءة (بارث، إيكو)، سنقول إنها عمدت إلى تجهيز ذاتها بفيض من مواقع اللاتحديد، باعتبارها عوامل إحباط تعرِّض القارئ- حتماً- لخيبات أمل تشعره بالخذلان. لكنه- وهنا مكمن أصالة التخييب كخطة إنتاجية مبرمجة- عوض أن يستكين ويقرّ بهزيمته حيالها، يستوعب هذه الخيبات على نحو إيجابي، إذ يجعل منها، بالضبط، عوامل تخيُّل وإبداع، ومن ثَمَّ وسائط تجاوز؛ بهذا المعنى، تكون جميع الخيبات والإحباطات التي تعرَّض لها فرصاً مواتية نادرة ليثبت ذاته قارئاً غير سلبي.

مواضيع مرتبطة

علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”
محمد برادة03 يناير 2021
رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ
خالد بلقاسم10 ديسمبر 2020
محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!
إبراهيم الحَيْسن04 نوفمبر 2020
«في انتظار البرابرة» الشخصيّة الكولونياليّة في عُزلتها وتمرُّدها
أحمد ثامر جهاد03 نوفمبر 2020
مدينة في ورشة نزار صابور
أثير محمد علي02 أغسطس 2020
إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة
فخري صالح02 أغسطس 2020
داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 
عبد الرحمان إكيدر03 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
حجاب التلقّي في قصيدة النثر العربيّة
رشيد طلبي03 يونيو 2020
رحلة محمد الحارثي الأخيرة
إبراهيم‭ ‬سعيد06 أبريل 2020
70 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

حسن المنيعي.. نصّاً في الحياة ونصّاً في الكتابة
25 نوفمبر 2020

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، رُزِئَ المغرب في أحد رموزه الثقافيّة المُعاصِرة، وهو الدكتور حسن المنيعي، عن عُمر 79 عاماً، مخلِّفاً وراءه إرثاً وفيراً من الأبحاث والمُؤلَّفات، التي تتوزَّع على النقد المسرحيّ والنقد الروائيّ والترجمة الأدبيّة. ويُعَدُّ الفقيد،...

اقرا المزيد