جين كورتيز.. سريالية الهوامش

الحبيب الواعي  |  17 مارس 2021

في كتابه «معذَّبو الأرض» أكَّد «فرانز فانون» على أن «شعراء الزنوجة لن يتوقَّفوا عند حدود القارّة. ستتبنَّى أصوات سوداء من أميركا، الأنشودة بانسجام تامّ، وسيرى «العالم الأسود» النور، ولن يتردَّد «بوسيا» من غانا، و«بيراجو ديوب» من السنغال، و«هبات با» من السودان، و«سانت كلير دريك» من شيكاغو، في التأكيد على وجود روابط مشتركة وقوّة دافعة مماثلة». كان هذا بالضبط نفس الشعور والوعي اللذين تقاسمتهما، وسعت الشاعرة الأميركية «جين كورتيز» إلى نشرهما، من خلال كتاباتها ومشاركاتها الفعَّالة في المشهد الثقافي؛ الأميركي، والدولي. وقد أبت الشاعرة «جين كورتيز» إلّا أن تكون نبراساً، وجديرة بمقولة «بنجامين بيريت» الشهيرة «الشاعر ليس لديه خيار سوى أن يكون ثورياً أو يتوقَّف عن كونه شاعراً»؛ وبلا شكّ، كانت تلك السمة تمثِّل «الطبيعة الثانية لـ«جين كورتيز»؛ واحدة من أقوى الأصوات السريالية، مثال شجاع للشاعر الحقيقي في فترة يسود فيها الجبن والارتباك والنفاق وتزييف الحياة الفكرية»(1).

«جين كورتيز – Jayne Cortez»، شاعرة وناشرة وناشطة أفروأميركية، معروفة بأدائها الشعري المرفوق بموسيقى الجاز، والبلوز، والذي يمكن اعتباره ممارسة ملتزمة لتقريب الفنّ، بشكلٍ مباشر، من المجمتع. ولدت «جين كورتيز» في 10 مايو/أيار (1934) في «فورت هواشوكا» في «أريزونا» حيث كان أبوها يرابط في القاعدة العسكرية. في سن السابعة، انتقل أهلها إلى جوار «واطس» بـ«لوس أنجلوس» حيث ترعرعت وهي تستمتع إلى تسجيلات الجاز والموسيقى اللاتينية التي جمعها والداها. كانت تتوق إلى أن تصبح ممثِّلة؛ ولذلك درست الفنّ والموسيقى والمسرح خلال تعليمها الثانوي، قبل أن تلتحق بكلية «كامبتن» التي سرعان ما غادرتها لأسباب مادّيّة. في عام (1954)، تزوَّجت من عازف الساكسفون المرموق «أورنيت كولمان»، ورُزِقت منه بطفل سمَّته «دناردو كولمان» قبل أن تنهي علاقتها بـ«أورنيت» عام (1964) لتؤسِّس فرقة «واطس» المسرحية، والتي عملت مديرة فنِّيّة لها، إلى حدود عام (1970).

كانت نشيطة جدّاً في نضالات حركة الحقوق المدنية، وساندت العديد من زعماء هذه الحركة، منهم «فاني لو هامر»، واتَّخذت الفنّ وسيلة للدفاع عن القضايا السياسية لحركة الفنون السوداء. جابت العديد من الدول الأوروبية، والإفريقية، وانتقلت للعيش مع زوجها النحَّات «ميلفن إدواردز» في «دكار» عام (1975).

في (1980)، أسَّست «كوريز» فرقتها الموسيقية «فايرسبيترز» كي ترافق أداءها لأشعارها، وسجَّلت ستّ أسطوانات من الشعر المرفق بموسيقى الجاز. تُرجمت أعمالها إلى (28) لغة، وحصلت على جوائز عديدة، منها الجائزة الأميركية للكتاب، وجائزة المهرجان الإفريقي الدولي، كما حصلت على زمالة من صندوق المنَح الوطنية للفنون. من أهمّ أعمالها: «درج ملطخ بالبول وأواني الرجل القرد» (1969)، «مهرجانات وجنائز» (1971)، «احتفالات وعزلات» (1975)، «جلطات: قصائد مختارة وجديدة» (1984)، «طبول في كل مكان» (1990)، «حدود زمن مضطرب» (2003).

شِعر عفوي وموسيقى الجاز

التحقت «كورتيز» بعالم الأدب خلال الاحتدام والتأجّج الثقافي الذي شهدته حركة الحقوق المدنية خلال الستينيات، وكانت الانشغالات السياسية، والاجتماعية التي ميَّزت كتابات تلك الحقبة، وتفكيرها، والأسلوب الجديد للكتابة الشعرية، واضحةً، بشكلٍ جزئي، في أعمال «كورتيز»، إلّا أنها كانت تجسّد، دائماً، أسلوباً فريداً في تعبيرها عن القضايا والمواضيع التي استأثرت بأعمالها. كانت العفوية سمة فريدة ميَّزت أسلوب «كورتيز»، بالرغم من أنها قد تكون مبهمة عندما يظهر عملها على الصفحة. تؤكِّد «كورتيز»، في مقدِّمة كتابها «المغنطة الشعرية» (1991)، أنها تخلق البنية الحقيقية لشعرها في أثناء حصص التسجيل التي تحضر إليها مادّة جاهزة؛ إنها تؤلِّف، بشكلٍ عفوي في أثناء الأداء. وتعتبر «كورتيز» عملها داخل الموسيقى، وسيلة لتعزيز دور الشاعر من خلال توسيع نطاق إمكانات التكنولوجيا، تقول: «أحاول أن أنقل هذا المزيج بين الشعر والموسيقى والتكنولوجيا إلى مستوى شعريّ أعلى. إنه استعمال شعري للموسيقى، استعمال شعري للتكنولوجيا، توزيع متناسق لجميع هذه العناصر». (بويتيقا، ص6).

وفي السياق نفسه، يتذكَّر عازف الترامبيت «دون شيري» الدور المهمّ الذي لعبه اهتمام «جين كورتيز» بجمع التسجيلات الموسيقية، بمختلف أنواعها وأشكالها (والحسّ التاريخي الذي غلب على مجموعتها) في تكوينه الموسيقي، وخاصّة في موسيقى الجاز. كما يشير إلى أن «أورنيت كولمان» (الذي كان حينها متزوِّجاً من «كورتيز») يدين ببعض اهتمامه وإحساسه بهذا الإرث الموسيقي، لـ«كورتيز». وبحسب «دون شيري»، ساعدت «كورتيز»، أيضاً، موسيقيِّي الجاز الطلائعيين في «لوس أنجلوس» على ربط علاقات منسجمة ومتماسكة من خلال صداقاتها مع العديد من الموسيقيِّين الشباب، كما أنها كانت سبب تعرُّف «دون شيري» على «أورنيت كولمان»، على سبيل المثال. ولأن حجوزات النوادي الخاصّة بموسيقيِّي الجاز الناشئين كانت قليلة ومتباعدة في «لوس أنجلوس»، في خمسينيات القرن الماضي، أتاحت هذه الشبكة الشخصية لبعض «الموسيقيِّين ذوي الأفكار المجدّدة، العثور على بعضهم الآخر، كما عزَّزت ممارسة وخبرة «كورتيز» في الموسيقى السوداء الشعور بالانتماء، والشعور بالمسار الثقافي المتجذِّر في الثقافة السوداء بين الشباب الطلائعيين. ففي عام (1963)، على سبيل المثال، قامت «كورتيز» بتطوير عرض فردي للأدب الأسود، وموسيقى الجاز أدَّته، لأوّل مرّة، مع فرقة ضمَّت عازف البيانو «هوريس تابسكوت». كما أدَّت قصائدها، أيضاً، مع «أركيسترا»، بانتظام، بين عامَيْ (1964) و(1966). خلال هذه الفترة، فكَّرت في المزج بين الشعر السريالي الجديد والمسرح والموسيقى والرقص الذي سيميِّز ممارستها الفنِّيّة الناضجة، بالرغم من أنها لم تطوّر تقنية العرض باستخدام وسائط متعدِّدة، بشكل كامل، إلّا بعد انتقالها إلى مدينة نيويورك، عام (1967) (2).

تكتب «كورتيز»- بالأساس- قصائد مدح، يمكن تفسيرها بكونها قصائد تأثَّرت تأثُّراً كبيراً ببنية البلوز وقصائد الاحتجاج ونزعتهما، وتعكس أجندتها السياسية، والاجتماعية حيِّز انشغالاتها بما هو فردي ودنيوي، فهي تكتب حول الفقدان والاستغلال والجشع والفساد والتلاعب والتفاهة التجارية وقتل الأطفال بالمخدِّرات التي يوفِّرها مروّجوها، بالإضافة إلى مواضيع لها علاقة بالحبّ والجنسانية لدى النساء. في الوهلة الأولى، قد يبدو أن اختيار أسلوب القصيدة يناسب محتواها، إلّا أن «كورتيز» لا تستخدم الأشكال المتعارف عليها مثل «سوناتا» أو «فيلانيل» (قصيدة ثنائية القافية). تمتدّ رؤيتها الجغرافية، والثقافية على خريطة واسعة تعكس أسفارها في نطاقات مختلفة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، وكندا، كما تفصح عن ذلك إيحاءاتها وإشاراتها إلى رموز تقافية، خاصّة تلك التي تتعلَّق بالثقافة الإفريقية كما فعلت عندما غيَّرت اسم شركة النشر الخاصّة بها إلى «بولا بريس» والتي تعني في لغة يوروبا (إحدى لغات نيجيريا)، «ناجح».

سريالية أفروأميركية

كانت «كورتيز» على اتِّصال بالسريالية بصفتها تيّاراً منظَّماً، لأوّل مرّة، في منتصف السبعينيات، ومنذ ذلك الحين ، شاركت بانتظام في أنشطة الحركة السريالية في الولايات المتَّحدة، من خلال بيانات مثل «عندما يعوِّض السائحون العرّافين» (احتجاجاً على مرور 500 عام على اكتشاف «كولومبوس» لأميركا عام (1992)، و«دفاعاً عن تيري غايتون» بصفتها محرّرة مساهمة في كتاب «أرواح حرّة: حوليّات الخيال الثائر»، ومشاركة في مؤلَّفات جماعية مثل «ترسانة: عصيان سريالي، حرية خارقة/ حذر الرغبة» (كتالوغ المعرض السريالي العالمي في شيكاغو عام (1976))، وأخيراً، «السريالية ومتواطئيها المشهورين» وبيان «ماذا باستطاعتك أن تفعل بشأن هذا؟»(3).

يربط «جو وودسان» عمل «كورتيز» بالشعراء السرياليين الأميركيين الذين يستخدمون الفنّ الإفريقي وموسيقى البلوز والجاز، وبشعراء حركة الزنوجة، التي تضمّ أعمالاً لـ«يوبولد سيدار سينغور» و«إيمي سيزير» ممَّن أطلقوا حركة أدبية في تلاثينيات القرن العشرين ليستعيدوا مركزية ثقافاتهم الإفريقية المعنيّة والتي همَّشها الاستعمار الأوروبي، ويؤكّدوها. تشير مقارنة «وودسان» لـ«كورتيز» بأعمال شعراء الزنوجة، إلى أنه ميَّز صفات متعدِّدة في عملها، تركِّز على التزامها بالذاكرة الثقافية الإفريقية. مع ذلك، ترسِّخ «كورتيز» نفسها، بقوّة، في الفضاءات المهمّشة للتجربة الأفروأميركية، خاصّة من خلال المحيط ونوعية الحياة المتضمِّنة في عنوان المجلَّد الأوّل «درج ملطَّخ بالبول وأوعية الرجل القرد» (1969)، ويظهر عنوان الديوان في القصيدة المعَنْوَة بـ«ليد» كإشارة إلى مغنّي البلوز «ليدبيلي». القصيدة لا تتعلَّق، تحديداً، بالمغنى المشار إليه، لكنها تشير إلى مكانة البلوز وقيمته في بيئة تتَّسم بالفقر والاستغلال التجاري. لقد قامت «كورتيز» بردّ الاعتبار لهؤلاء المؤرِّخين الموسيقيين في ديوانها الأوّل، باعتبارها لموسيقى البلوز، والجاز بوصفهما شكلَيْن فنِّيَّيْن أرَّخا للتحوُّلات العديدة للتجربة الأفروأميركية وما يميِّزها عن التجربة السائدة، ولذلك تضمَّن ديوانها إشارات عديدة لأسماء مرموقة، منهما «شارلي باركر» و«هادي ليدبيلي» و«دينا واشنغطون» و«أورنيت كولمان» و«بيلي هوليدي» و«جون كولترين» و«فاتس والر».

تبدو «كورتيز» كأنها تمارس ألعاباً بهلوانية بصرية، في بعض القصائد، وهي تقنية تعكس ذوق الشعراء السود لفترة الستينيات الذين كانوا يميلون إلى خرق الأعراف الشعرية: مثلاً، تمّ طبع قصيدة «عودة دينا إلى البلدة» وكأن هامش الصفحة اليمنى هو هامش أعلى الصفحة؛ لهذا كان من اللازم قلبها لقراءته. في قصائد أخرى عديدة، تمّ طبع العنوان بجانب هامش الصفحة اليسرى بدل طبعه أعلى الصفحة. أمّا بالنسبة إلى اللُّغة التي تستخدمها «كورتيز» في هذا الديوان وفي دواوين أخرى، فهي لغة شفهية يتداولها السود بامتياز، وغالباً ماتكون لها حدّة مرتبطة بالمجال الحضري. وعندما تدعو الضرورة إلى ذلك، تصير هذه اللُّغة مباشرة، بدون مراوغة، عندما تتناول مواضيع لها علاقة بالطريقة التي يتمّ بها هدر الحياة البشرية، كما فعلت في قصيدتها «اجتماع سمك مجفَّف بملح، منتظراً أن يهتزّ في شباك الحياة». تحكي هذه القصيدة عن فتاة تبلغ من العمر ستّة عشر سنة، مرَّت بتجارب مديرة في الحياة. وفي قصيدة أخرى معنونة بـ«عرق»، تتناول «كورتيز» المثلية الجنسية لدى السود، والتي يتَّضح من خلال المتحدِّث في القصيدة أن خيار المثلية الجنسية يشكِّل تهديداً للشعب الأسود، باعتباره صادراً عن جماعة يحدِّدها أساس عرقي مشترك. وباختصار، تعجّ قصائد «كورتيز» بصور صارخة لواقع لا يمكن أن نتخيَّله، ويقول الكاتب «والتر موسلي» في هذا الصدد: «تمتلئ قصائد «جين كورتيز» بالصور، التي يخشى معظمنا رؤيتها. كلمات يمتلئ عالمها بالحقائق التي نشكّ فيها، ونخافها. (شعرها) يتبع آثار الأقدام التي خلَّفتها النشوة. الحالمون على رمال مبلَّلة بالسوائل الحيوية للثورة والأمل والحبّ». (انظر كتاب «نساء سرياليّات»).

تنوُّع في المواضيع والأساليب والأشكال

في مجلَّدها الثاني «مواسم ومآتم» (1971)، تقوم «كورتيز» بتوسيع انشغالاتها الجمالية والمواضيعية، على النقيض من لمجلَّدها الأوّل الذي ركَّز اهتمامه، بالأساس، على الموسيقيين وأمثلة محدَّدة للفقدان والضياع والألم المشترك؛ ففي القصيدة التي صيغ منها عنوان المجلَّد «مواسم ومَآتِم»، ترثي «كورتيز» موت زعماء، سود مثل «باتريس لومامبا» و«مالكوم إكس» كما تعترف بأنواع أخرى من الموت تحدث بسبب الفقر والمخدِّرات والعنف. ويوحي التوازن الحاصل بين «مواسم» و«مآتم» في العنوان بالثبات والمساواة لأن كلّ احتفال يقابله موت في النهاية؛ إننا نموت عندما يموت زعمائنا ونتائج الخوف والحزن يتم جبرها ليس عن طريق الكلمات بل عن طريق البلوز. ويقوم المتحدِّث في قصيدة «مشاهدة استعراض في هارليم عام 1970» بتقييم حدث الاستعراض هذا، من خلال منظور سياسي ثاقب، واصفاً إيّاه بكونه مثالاً لـ«ثقافة استعمارية متآكلة»، ويخترق المتحدِّث البهجة السطحية ليصل، في اللّب، إلى توضيح للعلاقة بين المهيمن والضعيف، في الآن الذي تكون فيه الضحيّة، من غير علمها، مجبرة على الإعجاب بمضطهدها. وتمزج قصيدة «شقّة الليل الإفريقي»، التي استلهمتها من أسفارها في إفريقيا، على ما يبدو، بين منظور إفريقي وأفروأميركي، إذ تطلب المتحدِّثة من إفريقيا أن تحرِّر بصيرتها من «مرتزقة الوهم»؛ وفي لحظة استعلائية، تنبذ وتتبرّأ المتحدّثة من آلام تاريخ الأميركيين السود، وتتخلَّى عن «ظلّ حزنها» لتصبح امرأة إفريقية منفتحة ومتقبّلة لتاريخ أجدادها، غير أن هذه الذكرى، التي تعيد المتحدِّثة إلى وضعها الأصلي في تراثها، لا تكتمل إلّا بذكرى الهجرة العابرة للأطلسي واضطراباتها الثقافية، والبدنية. وتقدِّم لنا «كورتيز» هذا الجزء من القصيدة من خلال (كولاج) يتشكَّل من صور سريالية للأسلحة، والموت الذي ينجو فيه أبناء البشر، ويتخيّل فيه القارئ الناجين على شكل طيور تستقبل الثقافتَيْن؛ الإفريقية والأميركية معاً.

وفي المجلَّدات التالية، تستحضر «كورتيز» أشكالاً متنوّعة لمواضيع وأساليب كرَّستها في مجلَّديها الأوَّلَيْن، وتكتب حول سكّان المدينة وأحداث مشحونة سياسياً، خلال أزمة الفييتنام ومذبحة سجن «أتيكا» والنضال المستمرّ من أجل تحرير الشعوب الإفريقية والمشاكل المتفاقمة في جنوب إفريقيا وقساوة الشرطة الأميركية. رفعت من استخدامها للسخرية، وواصلت صقل شكلها الشعري، كما حافظت على استفادة أعمالها من موسيقى الجاز كما في قصيدة «عزلة روز» المهداة إلى «ديوك إلنغتن»، وكانت، على الدوام، واعية بأبطالها وبطلاتها في مجالات أخرى غير الموسيقى.

يقدّم ديوانها «في مكان ما قبل اللامكان» شهادة على شرف شاعرة كانت تكتب لما يقرب ثلاثين عاماً. إنه مجلَّد يذكّرنا، بشكل كبير، بالأفكار والتقنيات التي كانت تشغل «كورتيز»، في السابق، خاصّة في اعترافها بما هو متجاوز للأوطان. يبدأ المجلَّد، مثلاً، بتكريم شعري من ثلاثة أجزاء، للشاعر الكوبي «نيكولاس غيين»، والمستلهمة، في جزء منها، من زيارتها لـ«كوبا» عام (1985)، حيث كانت رفقة جماعة من الكُتَّاب الأميركيين، ونحَّات، في زيارة لـ«نانسي موريجون»، و«غيين». شعرت «كورتيز» أن «كوبا» تشبه غرب إفريقيا، حيث أدركت الدمار الظاهر للعين الأميركية، لكنها استطاعت أن ترى ماوراء المظاهر السطحية إلى جمال جسدي طبيعي، وآخر روحي. في الجزء الثاني من التكريم مُعنْون بـ«ادويبي» والتي تعني «شكراً» في لغة «يوروبا» النيجيرية، وجدت «كورتيز» «كوبا» كما تصوَّرها «غويلين» في شعره، غير أنها لم تجد «غيين» الإنسان، واستحضرت إيقاعات الرقص وصوره، لتشير إلى الغنى البهيّ والشمولية في أعمال «غيين»؛ واستخدمت لائحة مثيرة لتستحضر طاقة عمله: «وقفت في ملعب عوائه الشعري المتقطِّع، وسمعت رسائل مشفَّرة ومغلَّفة بقرع راس الطبل من أويو». وتشرح آخر قصيدة من القصائد الثلاثة (أقصرها وأكثرها وضوحاً) تفاصيل لقاء «كورتيز» بالشاعر «غيين» رفقة بعثة من الشعراء الأفروأميركيين عام (1985). تتميَّز نبرة هذا المجلَّد، بشكلٍ عامّ، باحتفالها بفيض الحياة والجمال الطبيعي البسيط للأرض، ويعترف، أيضاً، بطبيعة التغيير المستمرّة من خلال إدراكها بأن التغيير السياسي، في عام (1985)، يوازي التغيير الحاصل في «بريتوريا» في جنوب إفريقيا، وهايتي، حيث يطالب السكّان الأصليون بما سُلِب منهم، على النقيض من سكّان «أريزونا» الأصليين.

في الحقيقة، لقد حافظت «كورتيز» على تصوّرها النقدي المتميِّز نحو القضايا الأميركية كما عبَّرت عليها في قصيدتَيْها؛ «حمام مدينة نيويورك»، و«1988، ماذا الآن؟»

لقد كان انغماس «كورتيز» في فنِّها المتمركز حول الموسيقى، ثابتاً ومتّسقاً، منذ بداية حياتها المهنية، ومايزال عملها يوضِّح المزج المتناسق بين فنون الشعر والموسيقى، في احترام عميق للشعراء الذين ألهموها. إن صوت «كورتيز» مكوَّن حيويّ لا يمكن الاستغناء عنه في جوقة الشعر الأفرو أميركي.

 

جين كورتيز

(مختارات شعرية)

 ترجمة: الحبيب الواعي

 

 

هناك تكمن الحقيقة

 

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً،

يساريّاً، يمينياً،

مجنوناً أو أفعى..

سيحاولون أن يستغلّوك

أن يستنزفوك، أن يسجنوك،

أن يفصلوك أن يعزلوك

أو يقتلوك.

وستختفي في غضبك،

في جنونك،

في فقرك،

في كلمة في جملة في شعار، في كاريكاتور

تَمَّ في أرمدة.

ستخبرك الطبقة الحاكمة أنه

لا وجود لطبقة حاكمة،

بينما هم ينظِّمون مسانديهم اللبيراليين

في شكل عصابات غوغائية عنصرية.

بينما هم ينظِّمون أبناءهم

في شكل عصابات الكوكلوكس كلان..

بينما هم ينظِّمون شرطتهم

في شكل شرطة قَتَلة..

بينما هم ينظِّمون دعايتهم

في شكل جهاز، ليحوّلونا إلى عظام بغبار الملائكة.

ليشغلونا بالرموز الغربية

في تسريحات الشعر الإفريقية.

ويلقِّحوننا بالكراهية،

ويمأسسوننا بالجهل،

وينوِّموننا، مغناطيسيّاً، بصوت رتيب صُمِّمَ

ليجعلنا نفرّ من الواقع، وندوس على حيواتنا

ونحن مبرمجون كي ندمر ذواتنا،

كي نتشظّى

لندفن تحت عمليّات استخباراتية سرِّية

للجنّ غبية، لها ميولات نحو الموت..

وهناك، تكمن الحقيقة.

الأعداء يهذِّبون فحولتهم

بين آبار النفط في البنتاغون.

الجرّافات تقفز في رقصات الهدم.

العجزة يموتون من الجوع.

المخبرون يبلّون أحذيتهم، باحثين عن الفتات.

يكاد دم الحياة يموت

في فم الإمبريالية الجشعة.

ويا صاحبي،

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً

يساريّاً، يمينيّاً،

مجنوناً، أو أفعى.

 

سيرشّونك

بداء الفيالقة

سيملؤون خَياشِيمك

بأنفلونزا الخنازير لعجرفتهم.

سيقحمون في جسدك سدادة

متلازمة الصدمة التسمُّمية،

وسيحاولون أن يفرغوا

كلّ موارد العالم في عروقهم،

ويحلِّقوا إلى (الهناك) الأزرق البرّي

ليلوِّثوا كوكباً آخر.

 

وإذا لم نحارب،

إذا لم نقاوم،

إذا لم ننظّم أنفسنا ونتحدّ

ونستعيد القوة لنتحكَّم في حيواتنا،

عندها سنرتدي

هيئة العبودية المفرطة،

سمة الخضوع المنمَّق،

هيئة الانتحار الغريب،

سحنة الفزع اللانساني

وطلعة القمع النتن،

للأبد، للأبد، وللأبد.

وهناك، تكمن الحقيقة.

 

المضطهدون

 

الفنّ؟

لماذا يهتمّ

مضطهدو الفنّ

بالفنّ؟

هم يقفزون على عَرَبَة المُوسِيقَى..

يتمرَّغون في قصاصات الصحافة

ويلوِّثون الكوكب

باضطهادهم الإباحي.

الفنّ؟

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

هم يتحوّلون

من سياسيين منافقين معاصرين

إلى سياسيين فاسدين قدامى،

إلى موظَّفي رقابة متطفِّلين.

هم لن يدعموا الفنّ،

لكنهم سيدعمون الحرب

والفقر

وسرطان الرئة

والعنصرية

والاستعمار

والنفايات السامّة..

هذه هي أخلاقهم،

هذه هي عقيدتهم،

هذه هي حمايتهم للجمهور

ومساهمتهم في الترفيه العائلي.

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

 

 

شَذرَة حكم تعسُّفي رقم (2)

(خريف في نيويورك، 1972)

أنا انتكاسة فمٍ ينزف

جرّاء عهد قطعته في شجن.

أنا أتحكَّم في النهوض والسقوط،

عبر روابط الكآبة

لعرق اللاجئين.

أنا عصارة جمهورية شفاه المستنقعات.

أدفع برأسي إلى الأمام،

عبر واقيات العنف الزجاجية،

لأعمد عبر إعصار من عصيّ ليلية.

أصرخ في وجهي.

لقد صَبَبْتُ البنزين على بطني ضدّاً على المشتبهين،

وحلَّقت بعيداً…

انتباه. إلى كلّ الوحدات:

أدعو الأبخرة

المسحوبة إلى الخلف، عكس الفولاذ،

عكس اللعنة اللامرئية لصرخة،

كي تزيل حواجز جسدية لتابعها،

وتدع تلك النتانة تصير وليمة

على ياقوت مخالبي الطينية.

 

أنا حماس من ارتعاشة فَكّ رديء

للعَاقِبَة.

تعال، واحتفل بي.

 

إنها لا شيء

 

إنها لاشيء

هذه المأساة التي بين ذراعينا.

نستطيع أن نخلق عظاماً جديدة،

لحماً جديداً،

أزهاراً جديدة ضدّ الجنون..

فستاناً أحمر آخر،

سفّاحاً آخر من

اِلتِواء رقبة صراعنا.

نعم.

نستطيع أن نسامح قلباً اعتراه الوجوم

اتّجاه آذاننا،

ونستريح من الاعترافات

الثابتة لكعكة دموية.

إنها لاشيء.

 

في الطريق إلى النهاية

 

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

أن أدخل قطارات العين وأغزو الأقراص،

أن أستَدْر، وإلّا سيُطلَق علَيّ الرصاص.

أعلم أنهم يريدون حقني

بالخوف من نفسي؛

لذا سأخفض وجهي، وأومئ برأسي

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

لكنني لست في عجلة من أمري.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجع:

شعراء أفروأميركيون: حياة، أعمال وموارد، للكاتبة «جويس أوينز بيتس»، «غرينوود بريس»، كونيكتيكوت، أميركا (2002).

هوامش:

1 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358 .

2 – حركة فنون السود: القومية الأدبية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لـ«جيمس إدوارد سميتهورست»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2005، ص297 .

3 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358.

مواضيع مرتبطة

هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل01 يناير 2021
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة
ترجمة: أحمد عبد اللطيف15 نوفمبر 2020
عدالت آغا أوغلو.. الأدب التركي يفقد زهرة خياله!
سمية الكومي01 سبتمبر 2020
”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!
منذر مصري24 يونيو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
بصمات علي قنديل
فتحي عبدالله14 يونيو 2020
179 عدد المشاهدات