حسن المنيعي.. نصّاً في الحياة ونصّاً في الكتابة

رشيد بنحدو  |  25 نوفمبر 2020

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، رُزِئَ المغرب في أحد رموزه الثقافيّة المُعاصِرة، وهو الدكتور حسن المنيعي، عن عُمر 79 عاماً، مخلِّفاً وراءه إرثاً وفيراً من الأبحاث والمُؤلَّفات، التي تتوزَّع على النقد المسرحيّ والنقد الروائيّ والترجمة الأدبيّة. ويُعَدُّ الفقيد، من غير منازع، رائداً وعميداً للبحث الأكاديميّ في فنون المسرح. وقد تعلَّم على يده وتأدَّب عددٌ كبير من الباحثين الجامعيّين والنُقَّاد، من بينهم كاتب هذه الشهادة، أحد أصدقائه وزملائه، بعد أن كان أحد طلبته بجامعة فاس.

أعترف في البداية بأنّ سؤالاً، لا يعدم القوة والفداحة، اعترضني على عتبة هذه الشهادة. وهو بالمُناسبة نفس السؤال الذي سبق أن طرحه رولان بارث قبل خمسين عاماً في مقال برنامجيّ مشهور، دشنت به مجلّة «Poétique» الفرنسيّة ذائعة الصيت ميلادها في 1970. السؤال هو : من أين أبدأ؟

يعكس هذا السؤال صعوبة اختيار الزاوية التي يمكن لي أن أنظر منها إلى حسن المنيعي. فهو شخصٌ متعدِّد الأنشطة ومتنوِّع الكفايات.

فهو أستاذ جامعيّ مؤسِّس، تشهد قاعات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بفاس ومدرجاتها وأروقتها بدوره الرائد مع زملائه في بناء صرحها العلميّ والإشعاعيّ، أستاذاً وباحثاً أكاديميّاً وموجِّهاً للطلبة ومشرفاً على أطروحاتهم.

وهو ناقدٌ مبرّز في عمله، تنوَّعت حقول اشتغاله بين فنون المسرح والرواية والتشكيل.

كما أنه، باعتراف ذوي الاختصاص، رائد الدراسات الدراميّة بالجامعات المغربيّة، حيث تعتبر أطروحتاه الجامعيّتان، اللتان دافع عنهما بجامعة السوربون الفرنسيّة، وكذا مؤلَّفاته ومقالاته، البذرة الأولى التي أثمرت، منذ سبعينيّات القرن الفارط وما تزال، عدّة أبحاث ومونوغرافيات ذات صلةٍ بالمسرح المغربيّ خاصّة، والعربيّ عامّة، وذلك من حيث أصوله البدائيّة الأولى وأشكاله ومراحل تطوُّره، ومن حيث الرهانات التقنية التي تحف به بين كونه نصّاً أدبيّاً منذوراً للقراءة وعرضاً فنّيّاً منذوراً للفرجة، دون نسيان طبيعة تأثّره بالمذاهب والمدارس المسرحيّة الغربيّة… إلخ.

وهو مُترجِم مُتمرِّس، كان لتعريبه نظريّات الأدب ومناهج نقده في الغرب أثرٌ حاسم في تخليص النقد المغربيّ والعربيّ من آفات التفسير التاريخيّ للنصوص وتعليقها بالذوات البيوغرافيّة لمُؤلِّفيها وتأويلها الأيديولوجيّ وسوى هذا من شبكات القراءة التقليديّة.

ثمَّ هو أخيراً لا آخراً فاعل جمعويّ نشيط أسهمت عضويّته في جمعيات ومنتديات ومهرجانات ومؤتمرات ثقافيّة، محلّيّة ووطنيّة، في بلورة أسئلة ورؤى جديدة كان لها، ضمن دينامية جماعيّة، أثر تحريك الحقل الثقافيّ، محافلَ وبرامجَ وطرقَ تدبير… إلخ.

تذليلاً لهذه الصعوبة، اخترت تبئير شهادتي على سؤال واحد ذي شقين، هما العلاقة بين حسن المنيعي إنساناً وبينه ناقداً، ثمَّ مدى تكييف رؤيته الشخصيّة للعَالَم لكلٍّ مِن تصوُّره للنشاط النقديّ ومِن مزاولته له. ولئن كانت هذه الشهادة لن تنحو منحى عاطفياً أرثي فيه فقيدنا وأثني عليه بما كان له من مناقب، فلأنني لم أستطع بعد التآلف مع فكرة موته، لاسيما أنه يشغل حيِّزاً كبيراً من ذاتي. شهادتي ستكون إذن احتفائيّة، لا أثر فيها لفعل «كان» الذي أصبحتُ أكنُّ له الكراهية، لا لأن عيوباً كثيرة اجتمعت فيه فحسب –فهو ناقص ومعتل وأجوف وماضٍ!- ولكن لفرط ما استعملتُه في حقِّ أشخاص أعزاء صاروا في خبر كان.

***

أبداً لم يخالجني الشعور بأنه أكبر مني سنّاً، على الرغم من أنه يخطو حثيثاً نحو سنِّ الثمانين، أو أن فكره تكلّس، كما هو حال بعض أقرانه الذين كُتِبَ عليه أن يعيش بين ظهرانيهم. فهو، على العكس، أكثر شباباً من شبابٍ استعجلوا بأفكارهم مرحلة الهرم : متوثِّب الحيويّة، مواكِب لكلّ جديد، متحفِّز إلى عدم الثبات، محتضن أبحاث وإبداعات الشباب، يبهرهم ببهجته الأبولونية ببواكيرهم وبحدبه اللامنقطع على كلِّ من يحدس فيه تباشير الموهبة، وينشر عليهم فرحته بفعل الكتابة الذي يباشره كما لو كان يزاول طقساً روحانياً مهيباً في أسطورة التجدُّد الأزليّ.

هو ذا سرُّ حسن المنيعي: يرعى في داخله النار البروميثيوسيّة، فلا يزيدها العمر إلّا توهُّجاً. يدمن بحميّا نادرة التعرُّف على ما جدَّ في المسرح والرواية والنقد والفلسفة والتشكيل تجعلنا نتلهَّف على زمنٍ ولّى، زمن الدهشة والبكارة أيام كنّا شباباً مفتونين بكلِّ ما هو طليعيّ في الأدب والفَنّ والفكر، لأحَدَّ لِمَا يستحوذ على إعجابنا، ولا نهاية لما يستجلب تمرُّدنا، ولا متاريس تحجم أخيلتنا المُندفعة كخيولٍ جامِحة.

عشرات تدفَّقوا من تحت معطفه الباطرياركي: فكم دارسين نهلوا من معينه الفذِّ الغزير موضوعات أبحاثهم وتشرَّفوا بإشرافه على رسائلهم الجامعيّة، ومعظمهم الآن منتشرون في مؤسَّسات التعليم العالي.

مخضرمٌ هو حقُّ الخضرمة، ينتمي في نفس الآن إلى جيل الرواد المُؤسِّسين وإلى الجيل الجديد المُجدِّد، بل لعَلّ مَنْ يقرأ ترجماته الأدبيّة ودراساته النقديّة لا يسعه سوى أن يصنِّفه ضمن الجيل الجديد. ولاشكَّ في أن ما يؤهله لذلك هو انفتاحه على الثقافة العالميّة، متمثِّلاً بعمق وذكاء تيارات الحداثة في الفَنّ والأدب والفلسفة في لغاتها الأجنبيّة الأصليّة، ومستوعباً بنفاذ ونباهة كافة تنويعات التنظير الأدبيّ والتفكير النقديّ المُعاصِرين.

في شخصه تتجسَّد البساطة تامّة بهية: في سلوكه، في علاقاته، في نمط عيشه. حسبي، دليلاً على بساطته أن أُشير إلى أن المجال الحيويّ اليوميّ، الذي تتحرَّك فيه قامته القصيرة النحيفة، لا يتعدَّى، نهاراً، معتكفه الصوفيّ الأزليّ الذي تمخَّض فضاؤه الصغير الدافئ عن عشرات الدراسات والترجمات، والتي تظلّ بابه مشرعة باستمرار في وجه الكُتَّاب والفنَّانين والباحثين الذين يقصدونه من كلِّ حدبٍ وصوب.

وفوق هذا، فحسن المنيعي غيور حدّ الهوس على حرّيّته التي لا يقبل أبداً أن تكون موضوع مساومة أو تعريض أو مزايدة. وأخال أن هذا ما يفسِّر سرّ حرصه على أن يظلّ متحلِّلاً من كلِّ التزام من شأنه أن يحدَّ حرّيّته، ما عدا الالتزام بالقيم والمبادئ الرفيعة التي لمَّحت إلى بعضها.

***

أمّا عن حسن المنيعي ناقداً، فلقد ألَّف دراساتٍ عديدة، بالعربيّة والفرنسيّة، مدارها متعدِّد ومتنوِّع. فهي تتراوح بين نمطين خِطابيّين: أحدهما تاريخيّ يهتم إجمالاً بعرض تطوُّر النقد الأدبيّ وبعض أجناس الأدب، تارةً في المغرب، وتارةً ثانية في العَالَم العربيّ، وتارةً ثالثة في الغرب. والنمط الثاني تحليليّ يهتم، إجمالاً كذلك، بمُقارَبة تجارب مسرحيّة وروائيّة مغربيّة وعربيّة وأجنبيّة، وهو الذي سيستأثر باهتمامي.

لقد قمت باستقراء فاحص لهذه الدراسات أسعفني على استخلاص جُملة ملاحظات.

فاللافت في خطابه النقديّ هو ابتعاده عموماً عن أوابد الألفاظ وحوشي الكلمات. فالمنيعي، على الرغم من اختصاصه الأكاديميّ الدقيق، الذي يفرض عليه التوسُّل بلغة تقنية، لا يلجأ في دراساته وأبحاثه إلى مصطلحات إلّا حين تُعجزه الضرورة البيانيّة عن الحياد عنها. علماً بأن جُلَّ هذه المُصطلحات، حتى لا أقول جميعها، التي يضطر أحياناً إلى استعمالها هي من ابتكاره الشخصيّ. فهو، عوض الاغترار ببريق الرطانة النقديّة المُعاصِرة، يحرص على أن يكون خطابه مبينا بألفاظ اللّغة العادية، البليغة بعدم تعقُّدها والمفحمة بسلاستها. وما أحسب عدم التعقُّد هذا إلّا صورة أمينة لبساطته في الحياة، وهذه السلاسة إلّا انعكاساً صادقاً لليونة طبعه.

كما أن لحسن المنيعي ناقداً حدّة ذهن ونفوذ بصر يجعلانه، في نقده الروائيّ والمسرحيّ (وحتى التشكيليّ)، يذهب رأساً إلى مباهج النصّ المدروس التي تصنع فرادته. ولاشكَّ عندي في أن حدّة الذهن ونفوذ البصر هذين أثر من آثار ثقافة فكره وحصافة رأيه إنساناً. فهو مثلاً لا يستهل دراساته بتلك الأطر النظريّة المُفخمة والتحديدات المنهجية الفضفاضة والتعريفات المفهومية الرنانة التي يتحذلق الباحثون المُبتدئون ويتفنّن النُقَّاد المُتمرنون عادةً في تصدير خربشاتهم بها، ذرّاً في العيون لحداثة مزعومة، بل يقوده حدسه المُرهف مباشرةً إلى مكامن الإبداع والأصالة في النصّ، سواء أكانت شكلاً أم أسلوباً، أم كانت تيمة أم فكرة.

ولا عجب أن يمتدَّ حرصه القوي على حرّيّته ليطول مجال مناهج نقد الأدب بالذات، إلى حدٍّ يغريني معه بالقول إنه يكتب خارج «الصرعات» النظريّة و«التقليعات» النقديّة. ترى هل يكون موقفه هذا، إنْ صحَّ ظني، نابعاً مثلاً من إيمانه بأن النصّ الإبداعيّ أكبر من النقد، وبأن محاولة القبض عليه هي محاولة القبض على الجمر، وبأن النصوص الأدبيّة ليست مفصَّلة على قدود المناهج النقديّة، وبأن أدوات هذه المناهج وإجراءاتها فتاكة بالأدب؟ قد يكون هذا وذاك.

لكن، هل يمكن للقراءة النقديّة أن تتمرَّد إلى هذا الحدِّ على مناهج مقاربة الأدب؟ يتخيَّل لديّ أن حسن المنيعي استبعد هذه الإمكانية، خاصّة وأنه درَّس بالجامعة مناهج النقد المُعاصِرة وعرَّف بها ونوَّه بفعاليتها في دراسة الأدب المغربيّ والعربيّ، قديمه وحديثه. ألم يقم هو نفسه بتطبيق المنهج الاجتماعيّ والنفسيّ والسيميائيّ والدراماتورجيّ على نصوص الرواية والمسرح؟ إلّا أن ما يتخيَّل لديّ أيضاً هو أنه، بعد أن يشرع في إخضاع تلك النصوص إلى هذه المناهج، سرعان ما يضيق بها ذرعاً، فيفجِّر أطرها الصارمة وقوالبها الخانقة ليخضع النصوص إلى نبض قلبه وإيقاع رئتيه.

هو ذا سِرُّ ارتياح فئةٍ عريضة من القُرَّاء إلى حسن المنيعي ناقداً: فهو يعتمد البساطة أسلوباً، والحدس أداةً، والتحلّل من سطوةِ المناهج الجاهزة سلاحاً. وكلّ هذه خاصيات محايثة له إنساناً في الحياة.

مرّة أخرى أتساءل: هل يمكن ألّا يكون لحسن المنيعي ناقداً منهج؟ إن منهجه هو هذا اللامنهج الذي لمَّحت إلى بعض مقوِّماته دون أن أسمّيه. هل أسمّيه رؤيويّاً طالما أنه منسجم مع طبيعة رؤيته للعَالَم؟ هل أسمّيه انطباعيّاً ما دام أن ما تخطه يده الناعمة الودود من دراسات يمرُّ من قناة حدسه الجماليّ؟

هو في حسباني هذا وذاك.

فمعظم خطابه النقديّ يتماهى مع فلسفته في الحياة، القائمة على البساطة والتلقائيّة واللاانتمائيّة، متعارضاً بذلك مع كلِّ تسيُّج منهجيّ جاهز أو تحذلق دوغمائيّ مكرس. فكأني بلسان حاله يقول: «لنكن صرحاء. أليس النقد في جوهره كتابة بالروح والجسد عن نصوص الآخرين؟ ألا أكون كاتباً نفسي إذ أكتب عن هذه النصوص؟».

***

خُويَا حسن: هكذا أفضِّل أنا دائماً أن أناديك. وهكذا تقبل أنت أن أناديك. كثيرة هي الذكريات الجميلة التي أحتفظ بها باعتزاز عنك إنساناً، وكثيرة هي الصور والارتسامات التي انبصمت في وجداني عنك ناقداً.

هل وفقتُ إلى إبراز ما بينك إنساناً و ناقداً من وشائج وثيقة؟ أشكُّ في ذلك، فللحديث عنك مداخل كثيرة ومتنوِّعة: حسن المنيعي الإنسان، الناسك، الأب الروحي، الأستاذ، الصديق، المُترجِم، الناقِد، الخبير بفنون الإبداع الروائيّ والمسرحيّ والتشكيليّ والسينمائيّ، المُثقَّف الحامل ثقافته في كفِّه.. حسن المنيعي نصّ واحد متعدِّد في الحياة. حسن المنيعي نصّ واحد متعدِّد في الكتابة. فأنّى لي أن أحف بهذين النصّين المُتفاعلين المُتكاملين؟ إنّ لك، كما عند المُتصوِّفة، مفتاحاً واحداً ووحيداً يتعدَّد ويتكثر في مرآة العارفين الاستسراريين. فما أعجب هذا التزاوج الحميم والبديع بينك نصّاً في الحياة وبينك نصّاً في الكتابة!

مواضيع مرتبطة

رحلة باريس الثانية وسنوات الغليان في صالون توفيق الحكيم
صبري حافظ30 سبتمبر 2021
إدغار موران.. مئة سنة من التوازُن بين العقلِ والشغف
محمد برادة01 أغسطس 2021
تحدّيات الثقافة عن بُعد
رئيس التحرير07 يوليو 2021
برنار نويل.. رحيل كاتب مُلتَزِم
أسماء كريم26 مايو 2021
«البرفورمانس» والنصّ المتحرّك
آدم فتحي26 مايو 2021
لماذا تخجل هوليوود من تاريخها؟
‬أمجد‭ ‬جمال21 مايو 2021
موقف المثقَّف بين المتنبِّي والمعرّي وطه حسين
صبري حافظ20 مايو 2021
الدبلوماسية الثقافيّة.. ما قبْل وما بعد!
آدم فتحي26 أبريل 2021
جدل التناقض بين طه حسين و المتنبي
صبري حافظ26 أبريل 2021
آلية الترجيح في الترجمة
خالد بلقاسم26 أبريل 2021
506 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»
26 أبريل 2021

«حبس قارة» عنوان الرواية الجديدة للكاتب والأكاديمي المغربي سعيد بنسعيد العلوي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، 2021). عنوان يحيل على سجن أسطوري، بناه، في القرن الثامن عشر، السلطان مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، انتسجت عنه، في المخيال المغربي،...

اقرا المزيد