حكاياتٌ حول كأْسِ العَالَم

مصطفى كيسوس  |  10 نوفمبر 2022

إنَّ إعادة كتابة أُسطورة بطولة كأس العَالَم في 100 حكاية، معناهُ أن نتذكَّر أن المُباريات التي كانت تنتهي بالتعادل السِّلبي ظلّت لمدةٍ طويلة مبارياتٍ يُعاد لعبُها، وأنَّ البطاقات لم تكن موجودةً دائماً، وأنَّ مَنْ كان يُصاب من اللاعبين كان يتعيَّن عليه البقاء في ميدان اللعب، كما أنَّ هذ الحكي يعني أنْ نحكي عن اللَّاعبين الأسطوريين، وأنْ نصف مآثرهم، وأنْ نشعر بإثارة انتصاراتهم ونحسَّ بعَارِ هزيمتهم، وهو يعني أيضاً، أنْ نتحدَّث عن الفساد وعن جعل اللَّعب مقامرةً، ويعني أنْ نَقُصَّ دور الفيفا، وبطولات العَالَم المُستقبلية وما ستحققه من عائدات بملايير الدولارات. لذلك فإنَّ قطرات العرق والدّمع على السواء لم يَحِنْ بعدُ أوان توقُّفِها عن النُّزول على عُشب الميادين الخضراء.

منذ ما يقرب القرن وقطرات العرق والدّمع تتساقط على هذه المروج؛ فتَحْتَ هذه الميادين الخضراء اللون، حيث يتم تشذيب أصغر فرع مثلما يُشذب حجر اليشب الأخضر، تستقرُّ روح بطولة كأس العَالَم، لذلك فإن الدَّوس عليها ليس تدنيساً للمُقدَّسات، بل العكس هو الصحيح، لأن مداعبة العشب هي تماماً «مثل ملامسة السماء بكلتا اليدين»، كما قال في يوم من الأيام مارادونا.

إنَّ كأس العَالَم هو أوْج الاختبارات وأقصاها، بل وأقساها في آن، إنَّه الاختبار الذي يتمُّ تخصيصه لنخبة دقيقة وحادّة جداً في تركيزها تماماً مثلما هي حدَّة مسامير أحذيتها الرياضية، إنَّ كأس العَالَم وعدٌ، إنَّهُ وعدٌ بتأمُّل كرة القدم في أصْفى وأنْقى صوَّرها. في النسخة التاسعة عشرة لكأس العَالَم، من سنة 1930 إلى سنة 2010، احتشد أربعة وثلاثون مليون شخص في مختلف الساحات؛ فهذه الصورة المُركَّزة للإنسانية وهي تسافر من قارةٍ إلى أخرى، ومن بطولةٍ إلى أخرى، وتمْتزجُ في الملاعب الرياضية مهما كانت رتبتها ومهما اختلفت ألوانها وتباينت عقائدها.

إنَّ الأهمّ طيلة شهر هو فقط الفريق الوطني! غير أن هذه النزعة الشوفينية ليست مرضاً؛ فكأس العَالَم هو على الأرجح من اللحظات النادرة التي يمكننا فيها أن نفتخر بألوان علمنا الوطني دون أن نكره تلك الخاصة بالآخرين، لقد كانت تلك هي إرادة أَبِ بطولة كأس العَالَم «جول ريميه»؛ هذا الفرنسي كان له تصوُّر كوني للكرة؛ فحتى أفقر الصبية الذين وُلِدوا وسط براثن القمامة، يمكنهم وهُم يلعبون بما تيسَّر من علب فارغة أن يحلموا بلعب الحدث في يوم من الأيام وبمُعانقة الكأس.

ومع توالي نسخ بطولة كأس العَالَم، شهدت كرة القدم وأكثر منافساتِها مَجْداً، تطوُّراً أكبر، إذ صار المال هو مَنْ يتولّى الآن قيادة الريَّاضة، ولكنه يعمل على تطويرها وتنميتها أيضاً، وصارت الحشود تنحني أمام أولادٍ شبابٍ يتعذَّر الوصول إليهم..

تأسيس الفيفا

لم يكن الرَّجُل معروفاً على الإطلاق، ومع ذلك فإنَّ هذا الفرنسي هو مَنْ كان الأصلَ في قيام أقوى المُنظَّمات الرياضية في العَالَم؛ أقصد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إنه «روبرت غيران Robert Guérin» عام (1876 – 1952) هذا الشخص العنيد، الذي كان يعمل صحافياً في جريدة الصباح (le MATIN) (بمرتبة أمين قسم)، وسكرتير قسم كرة القدم باتحاد الجمعيات الرياضية الفرنسية في الرياضات الأولمبية (USFSA)، أراد أن يوحِّدَ ويُقنِّن كرة القدم ويعمل على تنظيمها فيما وراء الحدود، فانتشرت هذه الرياضة في أوروبا وفي بقية العَالَم. وفي سنة 1902 تحدَّتِ النمسا على أرضها هنغاريا بنتيجة (5 – 0)، وقد كانت تلك هي المُباراة الأولى بين البلدين (غير البريطانيين) من القارة العجوز.

ولمرّاتٍ عديدة كان لقاء الشاب «غيران»، بدعم من الهولندي كارل أنتون فيلهلم هيرشمان، مع المسؤولين الإنجليز من أجل إقناعهم بأنْ يبادروا لإطلاق حركة تجمع أسرة كرة القدم العَالَمية. كان الإنجليز يهيمنون على هذا التخصُّص الرياضي، لكن ممثلي اتحاد كرة القدم (FA) كانوا متردّدين. وللحقيقة فإنّ «سادة كرة القدم ومعلميها» كانوا يحتقرون القارة ولعبها القائم على الهواية، وفي مواجهة هذا الفتور وانعدام الحماسة، لم يكن بوسع روبرت غيران إلّا أن يبادر بنفسه إلى دعوة ممثلين عن الاتحادات الأوروبية لكرة القدم للمجيء إلى باريس يوم 21 مارس/آذار 1904، وتحديداً إلى شارع فوبورغ سانت أونري، حيث كان يوجد مقر اتحاد الجمعيات الرياضية الفرنسية في الرياضات الأولمبية (USFS A) (لم يكن قد تمَّ تأسيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم) فأسّست كلٌّ من بلجيكا والدنمارك وهولندا وسويسرا والسويد ونادي مدريد لكرة القدم (الاتحاد الإسباني لكرة القدم لم يكن قد تأسَّس بعد)، الاتحاد الدولي لكرة القدم، وقد انخرط الاتحاد الألماني لكرة القدم في المُنظَّمة الوليدة عبر بعثه برقيةً إليها في نفس اليوم.

مثَّل هذا الاجتماع ميلاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ومؤتمرها الأول؛ وفيه تمَّ انتخاب روبير غيران، الذي لم يكن قد تجاوز 27 ربيعاً، رئيساً، كما صادق الأعضاء المُؤسِّسون على القوانين العشرة الأولى، وصار من الواجب على الاتحادات دفْعُ رسوم عضويتها في الاتحاد الدولي لكرة القدم والتي تمَّ تحديد مقدارها في مبلغ 50 فرنكاً (ما يعادل 1900 أورو اليوم)، وتنص المادة التاسعة على أن الاتحاد «هو وحده من يعود له الحقّ في تنظيم بطولة دولية».

أكَّدَ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) استقلاليته وخطَّط لتنظيم بطولة العَالَم بسويسرا سنة 1906، لكن لم يحدث أيُّ تسجيل فيها، مما مثَّل فشلاً ذريعاً، وبعد هذه الصعوبات الأولى، انسحب «غيران» ليحُّلّ محلّه الإنجليزي «دانييل بورلي وولفول Daniel Burley Woolfall» (أكَّدَ الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عضويتَهُ في الفيفا سنة 1905) ليصبح الرئيس الثاني للاتحاد الدولي لكرة القدم، مسهماً في تنظيم المُنافسة الدولية الكبرى لكرة القدم: البطولة الأولمبية في لندن سنة 1908، وسيكون على بطولة العَالَم لكرة القدم الانتظار قليلاً كي ترى النور.

ميلاد بطولة كأس العَالَم

الخراب لازال يلقي بظلاله على أوروبا، وحداد بلدانها على الملايين من قتلاها لم ينقضِ بعد، أوشكت الحرب العَالَمية الأولى أن تقوِّض الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، لكن أمينه العام كارل هيرشمان، كان له الفضل في الإبقاء عليه قائماً، وبطلب من رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم (FFF) «جول ريميه Jules Rimet»، تولَّى الهولندي المسؤولية من مدينة روتردام ليستأنف بعد ذلك ربط الاتصال بالأعضاء، ولمّا استدعى من جديد الجمعيات العامة، لم تكن بعض الاتحادات تريد سماع الحديث عن ذلك من جديد، كما هو الحال بالنسبة للاتحاد البريطاني؛ إذ من المُستحيل أن تتحدَّث إلى أعدائها! لكن على الرغم من ذلك صار لهذه المُنظَّمة بمدينة أنفرس سنة 1920 مجلس إدارة جديد سيتولى رئاسته جول ريميه الذي كان يبلغ عندئذ 47 سنة، وأشهراً، بعد ذلك سيصير الرئيس الثالث للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).

كان جول ريميه مهووساً بتنظيم منافسة دولية، وفي سنة 1904 عند تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، كان يأمل روبير غيران في تأسيس «بطولة عالمية»، وهو ما تمَّ إدراجه في النظام الأساسي للاتحاد، غير أن البريطانيين لم يكونوا يريدون معرفة شيء بخصوص ذلك، إذ إن بطولة لكرة القدم موجودةُ وقائمة بالفعل ضمن الألعاب الأولمبية والاتحاد الدولي هو مَنْ يتولّى تنظيم المُنافسة لصالح اللجنة الأولمبية الدولية (CIO).

لكن على الرغم من حضورها في الألعاب الأولمبية سنة 1908، فإنّ كرة القدم لم تأخذ كامل سَعتها الحقيقية إلّا ابتداءً من سنة 1920 (14 فريقاً)، ثمَّ سنة 1924 (بلغ عدد المُنتخبات المُشاركة 22)، لتفقد البطولة بعد ذلك شيئاً من قوتها (حيث بلغ عدد المُنتخبات المُشاركة 17 منتخباً)، لكن رغم كل شيء تكون الألعاب الأولمبية هي التي منحت المصداقية لهذه الرياضة التي صارت عالمية على أوسع نطاق، وبذلك يكون الوقت المُناسب قد حان للتحرُّر من اللجنة الأولمبية الدولية (CIO) ولامتلاك الاتحاد الدولي لكرة القدم لمُنافسة خاصة بكرة القدم، خصوصاً منذ أن التقى جول ريميه سنة 1925 بالدبلوماسي الأوروغواني إنريكي بويرو، الذي أكَّدَ أن بلاده على أتم استعداد لتحمُّل جميع التكاليف إنْ تمَّ اختيارها لتنظيم بطولة كأس العَالَم الأولى.

غير أن التفاهم لم يتحقق أبداً بين الهيئتين الرياضيتين؛ فالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يعتبر أن مبدأ الهواة العزيز على قلب بيير دو كوبيرتان بمثابة كابح لانتشار الكرة المُستديرة، ومع ذلك أمكن لبعض اللَّاعبين المُحترفين المُشاركة في البطولات الأولمبية؛ لأنّ ما كانت كرة القدم تحقّقُه من عائداتٍ كان يتراوح بين خُمس وثُلث مداخيل الألعاب الأولمبية، وبالتالي لم يكن أمام اللجنة الأولمبية الدولية (CIO) حلٌّ آخر.

وفي سنة 1927 أنشأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لجنةَ دراسات اجتمعت أول مرّة بزيورخ؛ ومن هذا الاجتماع ستخرج ثلاثة مشاريع أساسية هي: كأس أوروبا التي سيتمُّ تنظيمها على رأس كل عامين، وبطولة العَالَم التي سيتمُّ تنظيمها على رأس كل أربع سنوات، وهي منافسة مفتوحة أمام جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا)، سواء أكان لها لاعبون هواة أم محترفين؛ بمعنى بطولة عالَم للمُحترفين وأخرى مخصَّصة للهواة، وبتاريخ 28 مايو/أيار من سنة 1928، وأثناء مؤتمر أمستردام، اقترح هنري ديلوني، الأمين العام للاتحاد الدولي لكرة القدم، قراراً بخصوص بطولة دولية، تقرَّر تنظيمها سنة 1930، تكون مفتوحة أمام اتحادات كرة القدم المُنتَسِبة للفيفا ويشارك فيها الهواة والمُحترفون، وهو القرار الذي تمَّ اعتماده وتبَنّيه بثلاثة وعشرين صوتاً مقابل خمسةِ أصوات، وهكذا كان ميلاد بطولة كأس العَالَم وحصلت كرة القدم على استقلاليتها.

«1938» ميلاد كرة القدم بنطق برتغالي

في الدورة الثالثة لبطولة كأس العَالَم، خرجت عبقريةٌ من جوف الكرة، لاعب مراوغاته دوَّخت المُدافعين وحرَّكت قلوب الشَّابات الفرنسيات، إنه ليونيداس دا سيلفا (1913 – 2004)، كتلة صلبة مثله مثل الكثيرين ممّن ستصنعهُم البرازيل بعده، صاحبُ نزعة فردية، حتى لا نقول عنه إنه كان أنانياً، مبدعُ غير منضبط، داهيةٌ ومذهلٌ… فالسِّحرُ هو ما يسري في عروق قدميه.

في كأس العَالَم سنة 1938، صار «الجوهرة السوداء» على أتمّ استعدادٍ، فهو كالمقصلة في حسمه، ومع أن عمره لم يتجاوز بعد 24 ربيعاً، فإنه يشارك للمرّة الثانية في كأس العَالَم، لكنه نمَّى موهبته وجعلها تكبُر في صفوفِ النادي البرازيلي (فلامينغو).

لقد تغيَّر منتخب السيليساو أيضاً؛ لقد انتهى عهد فريق الهواة الذين كان يتمُّ إقصاؤهم منذ الدور الأول كما حدث سنتي 1930 و 1934، ليفسح المجال أمام المُحترفين ونُخبةً تشبهُ البلد بحقّ؛ فهي نخبة تحقِّق في النهاية الاختلاط والامتزاج؛ إنها المرّة الأولى التي يطأُ فيها فريق «خلاسي»، حتى نعاود استعمال التعبير الرائج في تلك الحقبة، عُشبَ ميادين كأس العَالَم، لقد صار موضوع جذب للجمهور الفرنسي وللصحافيين.

واجه «الرجل المرن» ورفاقه بولندا في مباراتهم الأولى، بولندا التي احتلَّت الرّتبة الرابعة في الألعاب الأولمبية ببرلين، فهذه المُواجهة كانت إحدى المُواجهات الأكثر جنوناً في تاريخ كأس العَالَم؛ ففي اليوم الخامس من شهر يونيو/حزيران بمدينة ستراسبورغ، شهد ملعب مينا طوفانَيْن؛ من جهةٍ طوفانٌ من الأمطار التي لم تفتر محوِّلةً أرضية الملعب إلى بركةٍ من الوحل، ومن جهةٍ أخرى طوفانٌ من الأهداف، التي بلغت في المجموع أحد عشر هدفاً، بما في ذلك ثلاثة منها وقعها ليونيداس (6 – 5 حتى نهاية الوقت الإضافي)، حتى أن المُهاجم النّجم سجَّل هدفاً بجواربه بعد أن عَلِق حذاؤُه في الوحل عند قيامه بالتسديد، ليعمد إلى خلع زوج حذائه الذي ازداد وزنه بفعل امتلائه بالماء، لكن ما إنْ مضت بضع دقائق حتى طلب منه الحكم إعادة ارتدائه.

في الثاني عشر من يونيو/حزيران تألَّق «الجوهرة السوداء» في ملعب «لي بارك ليسكيور- le Parc Lescure» أمام جماهير مدينة بوردو، حيث افتتح ليونيداس التسجيل في مواجهة تشيكوسلوفاكيا بضربة مقص معكوسة، ليتحقَّق مجده؛ فقد جعل من هذه الحركة الفنيّة غير العادية حركة شعبية.

أنهى منتخب السيليساو البطولة باحتلاله المركز الثالث، وتمَّ اختيار مهاجمه المُتميِّز أفضل هداف في الدورة (سجل سبعة أهداف)، تعرَّض بعدها للإنهاك والإصابة، مما منعه من اللعب في فعاليات كأس العَالَم بعد ذلك.

وفي البرازيل عاش الجمهور هذا الحلول في المركز الثالث كما لو كان بالفعل «كارثة وطنية» بعبارات الرئيس «جيتوليو فارغاس Getúlio Vargas»، الذي صار مُدركاً بوضوح للأهمية الكبيرة التي صارت تتمتع بها كرة القدم في بلاده، ومع مرور الوقت لم تعد البرازيل تعاني أدنى عقدةِ نقصٍ أمام الدول الأوروبية، حتى أن عالِم الاجتماع الكبير «جيلبرتو فراير Gilberto Freyre» يتحدَّث عن «كرة القدم – الفن» كي يصف ويميِّز هذا اللعب البرازيلي الذي يكْسرُ الأصول العرقية: إنه الشِّعر منظومٌ في أبيات، بينما الأسلوب الغربي يُلْعَبُ نثْراً، وهذه السنة ما رأى النور هي «كرة القدم الدقيقة والرهيفة»، كرة قدم منطوقة باللّغة البرتغالية «le futebol».

«1966» – كلب كأس العَالَم 

أين اختفت الكأس؟ في هذا اليوم؛ اليوم الذي يصادف 20 مارس/آذار، سُرِقَتْ كأس جول ريميه(5)، الكأس التي تُمنح للفائز المُستقبلي في بطولة كأس العَالَم.

على بُعد أقلّ من أربعة أشهر على انطلاق فعاليات المُنافسة التي كانت ستُقَامُ في إنجلترا، تمَّ خطف القطعة الأهم والمحورية في معرض لندن حول «حب الطوابع البريدية والرياضة» في سنترال هول في ويستمنستر يوم الأحد، لم يرَ الحرّاس ولم يسمعوا شيئاً، ومع ذلك تمَّ إغلاق المعرض في وجه العموم والطوابع النفيسة -التي كانت قيمتها مُقَدَّرَة بثلاثة ملايين جنيه- قد تمَّ النظر إليها بازدراء من طرف اللص أو اللصوص، فوحدَهُ التمثال الصغير الذي يزن حوالي 4 كيلوغرامات، والذي كان مؤمَّناً عليه بـ(30000 جنيه) في الحقبة، وحده الذي اختفى.

لا يتذكّر الشهود سوى شبح شخص بوجهه «الأسمر»، وعلى عاتق سكوتلاند يارد (مقر قيادة شرطة إنجلترا) يقع واجب العثور على «الإلهة المجنحة»؛ شرف التّاج و سُمعة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) البريطاني السير «ستانلي روز» قد صارا على المحك، وقبل أن يعلم العَالَم بسرقة الكأس الذهبية، طلبَ السكرتير العام للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (FA) «دونيس فلاوز Denis Follows»، خفية إلى صائغ ذهب إعداد نسخة من الكأس في حالة ما إذا…

وبسرعة تلقّى رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم جو ميرز اتصالاً من شخص قال إن اسمه جاكسون؛ حيث قد طلب هذا الغريب فديةً قدرها 1500 جنيه، وإلَّا صَهَر «هذه الخردة» المصنوعة من الفضة الخالصة والمطلية بالذهب، أياماً قليلة بعد ذلك تمَّ إيقاف هذا المُسمَّى جاكسون ليتم اكتشاف هويته الحقيقية: يتعلّق الأمر بجندي سابق، اسمه إدوارد بيتشلي، يبلغ من العمر 46 سنة.

لكن الكأس ظلّت مفقودة؛ وفي 27 مارس/آذار، كان كلب بشعر يجمع لونُهُ بين الأبيض والأسود يمشِّط بأنفه أرضية حديقة بيولا هيل التي تقع بضواحي لندن، صاحبه دافيد كوربيت البالغ من العمر 26 سنة، يقترب منبهراً ليجد حزمة ملفوفة، وبداخلها كأس نُقِشَ عليها: «البرازيل 1962»…

صار الكلب بيكلز بطلاً وطنياً بأربع قوائم، فهو مَنْ أنقذ بطولة كأس العَالَم وأنقذ كوربيت أيضاً، هذا البَحّار الأعزب الذي تلقّى 3000 جنيه إسترليني مكافأةً له، وعند نهاية كأس العَالَم، ستتم حتَّى دعوة كلب الرعي مع صاحبه إلى مائدة الاحتفال بفوز إنجلترا.

لكن السر بقي خفياً: مَنْ سرق الكأس؟ يقول إدوارد بيتشيلي إنه مجرّد وسيط، حُكِمَ عليه بالسجن عامين لتوافيه المنيَّة بعدها سنة 1969 دون أن يكشف اسم مَنْ كان يقف وراءه ويموِّلُهُ، ماذا لو كان هو دافيد كوربيت وكلبه؟ هناك مَنْ يعتقد بصحة ذلك. واليوم يتمُّ عرض قلادة الكلب بيكلز في المتحف الوطني لكرة القدم بمانشستر.

«1966» هل هو هدف أم لا؟

لطالما كانت المُبالغة في الكبرياء والعجرفة هي شيمة إنجلترا في علاقتها بالمُونديال أو بطولة كأس العَالَم، لقد ازدرت الطبعات الثلاث الأولى من البطولة، إذ ما الداعي لأن يجتمع رعايا جلالة الملكة، وهُم مَنْ ابتكروا هذه اللُّعبة، مع الآخرين داخل منافسة سُوقيَّة؟ وبعد الحرب العَالَمية الثانية حصل الحدث أخيراً؛ فكان أن شرَّفَ الأسود الثلاثة عُشْبَ أرضية الملاعب في بطولة كأس العَالَم، لكن ما تأكَّدَ هو أن كرة القدم لا وجود فيها للولاء: ذلك أن «سادة كرة القدم ومعلميها» لم يكونوا في المُستوى المطلوب، حيث خرجت إنجلترا من الدور الأول سنة 1950 و 1958، أما سنة 1954 وسنة 1962 فكانت مغادرتها في ربع النهاية.

كان السؤال الذي فرض نفسه على الإنجليز هو كيف نسترجع لقب ملوك العَالَم؟ سنة 1963 قدَّم رمسي Alf Ramsey، الناخب الجديد الذي نجا من الغرق البرازيلي سنة 1950 وعداً بـ«فوز إنجلترا بكأس العَالَم»، وهو تنبؤ خطير، خاصة وأن المُونديال سيتمُّ تنظيمه على الأراضي البريطانية القديمة.

طيلة الدورة، بقيادة الأخوين شارلتون المجنونين (بوبي وجاك)، والعميد الأسطوري بوبي مور انتقل الإنجليز من انتصارٍ إلى آخر، ولم يتلقوا أي هدف في مرماهم باستثناء هدف واحد، بل أكثر من ذلك جعلوا البرتغالي أوسيبيو يذرف الدموع، قبل بُلُوغِهم المُباراة النهائية.

في يوم الثلاثين من يوليو/تموز بمدينة ويمبلي وأمام الملكة إليزابيث الثانية و(96924) من المُشجِّعين واجه فتية البلد منتخب جمهورية ألمانيا الاتحادية (RFA) ومعجزة شابة اسمها بكنباور، كانت مباراة تمَّ فيها تضييق الخناق، فقد لعب الإنجليز بخطة (4 – -3 3) دون أجنحة تسهِّل عمليات التراجع والدفاع أو عمليات التقدُّم الهجومية. قادوا حملات هجومية، لكن في الدقيقة النهائية من اللقاء عَادَل ولفغانغ فيبر النتيجةَ (2-2). بهدف تمَّ التشكيك في مشروعيته؟ نعم، الحَكم السويسري أقرَّ ضربة خطأ مشكوكاً فيها، وسجَّل فيبر الهدف بعد أن لمس كارل هينز شنيلينجر الكرة باليد، لكن الإنجليز لم يتوانوا ولم يتراجعوا.

وعند الدقيقة المئة راوغ جيوفري هيرست ضارباً الكرة بقوة لتصطدم بالعارضة العليا معاوِدةً السقوط قرب خط المرمى والنَّط إلى الأعلى قبل أن يقوم أحد اللاعبين الألمان بإخراجها إلى الزاوية. هدف! هدف مثار شك ونزاع؟ هنا أيضاً، سيحتجّ منتخب جمهورية ألمانيا الاتحادية، يتردَّد الحكم وقبل إصدار حُكمه يذهب للتشاور مع مساعده السوفياتي توفيق باخراموف، وتفصيلة الجنسية لها أهميتها في الفترة التي كانت فيها ألمانيا منقمسة إلى دولتين!، ودون أنْ يتردَّد، يُقسِم على المنجل والمطرقة أن الجلد البرتقالي تجاوز الخط، لتصبح إنجلترا متقدِّمة بـ(3) أهداف مقابل هدفين، ويعمِّق هيرست جراح ألمانيا الغربية أكثر حين إضافتِه هدفاً آخر في وقتٍ متأخر من المُباراة، وهو الهدف الثالث له والأول في النهائي، هل كان هدفاً منازَعاً فيه؟ نعم كالعادة ذاك هو الحاصل دائماً؛ ففي نفس اللحظة التي تمَّ فيها قذف الكرة ركضت الجماهير إلى عُشب الملعب، وهو أمرٌ لا يمكن حتى التفكير فيه!

هل هو هدفٌ أم لا؟ منذ نصف قرن ونحن نتساءل عمّا إذا كانت الكرة قد تجاوزت خط المرمى أم لا، وهو ما يستحيل معرفته على الرغم من تكرار عمليات التحريك البطيء للصورة.

هكذا تكون قد تحقَّقت نبوءة ألف رمسي Alf Ramsey ، فإنجلترا قد صارت بالفعل بطلة العَالَم، ومنذ ذلك الوقت لم يتحقَّق ذلك مرّةً ثانية، وتمَّ توشيح الناخب الوطني بوسام من درجة فارس، فهل انتهت القصة هنا؟ كلا، فالرئيس السابق للفيفا البرازيلي جواو هافيلانج João Havelange صرَّح سنة 2008، بأن كأس العَالَم برسم سنة 1966 قد تمَّ التّلاعب فيها من أجل تسهيل فوز إنجلترا؛ «ثلاثةُ حكام وستُّ مساعدين أداروا مباريات البرازيل ضد البرتغال وهنغاريا وبلغاريا، سبعةُ حكام من بينهم كانوا إنجليزيين، واثنان كانا ألمانيَيْن، والفكرة كانت ببساطة هي إقصاء البرازيل كما يشرح هافيلانج، ومَنْ كان يتولّى رئاسة الفيفا عندها هو الإنجليزي السير ستانلي روز».

ترجمة: يحيى بوافي

هوامش:

1- «Création de la FIFA» ; MUSTAPHA KESSOUS, Les 100 histoires de la coupe du monde de football, «que sais-je ?», PRESSES UNIVERSITAIRES DE France, 2014, P.8.

2- «Naissance de la Coupe du monde» ; MUSTAPHA KESSOUS, Les 100 histoires de la coupe du monde de football, «que sais-je ?», PRESSES UNIVERSITAIRES DE France, 2014, P.10.

3- «1938 – Naissance du «futebol»; MUSTAPHA KESSOUS, Les 100 histoires de la coupe du monde de football, «que sais-je ?», PRESSES UNIVERSITAIRES DE France, 2014, P.23.

4- «1966 – Une Coupe qui a du chien», ibid, p.47.

5 – جول ريميه  واسمه الكامل (Jules Ernest Séraphin Valentin Rimet)، الفرنسي الذي ترأَّس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بين 1921 و 1954.

6- «1966 – But or not but ?»,ibid, p-p 52-53.

مواضيع مرتبطة

بعضُ الأقوال حول كرة القدم
ترجمة: يحيى بوافي10 نوفمبر 2022
عولمة كرة القدم تعزِّز الانفتاح
ترجمة: مروى بن مسعود10 نوفمبر 2022
كأننا لم نُترجِم إدوارد سعيد
شوقي بن حسن07 سبتمبر 2022
باتريك موديانو: يمكن حذف عناوين رواياتي للحصول على كتاب واحد
ترجمة: مونية فارس07 سبتمبر 2022
منصف الوهايبي: السجال حول «قصيدة النثر» بدأ قبل ظهور «قصيدة التفعيلة»
حوار: السيد حسين07 سبتمبر 2022
إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية
ترجمة: عبدالله بن محمد02 فبراير 2022
يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية
ترجمة: حياة لغليمي02 يناير 2022
ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
104 عدد المشاهدات