محمَّد سبيلا: الثّقافة صمّام وقاية من الانجرار إلى الأحكام المتسرِّعة

حوار: عبدالسلام طويل  |  18 يناير 2020

الدكتور محمَّد سبيلا، من المفكِّرين المغاربة المعاصرين الذين تركوا بصمة مميَّزة عميقة ونوعية في خريطة الفكر العربي المعاصر؛ فهو صاحب مقالة، وصاحب رؤية ورأي، وصاحب مبدأ، وموقف معرفي لا يلين.

ارتبط مساره المعرفي العامّ، بكثافته وتنوُّعه وغناه، بسؤال الحداثة والتحديث، انطلاقاً من رؤية فلسفية نقدية شديدة الانفتاح على العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، و، بوجه خاصّ، على التحليل النفسي.

رغم أنني تفاعلت مع كتاباته، منذ مطالع التسعينيات من القرن الماضي، وأنا طالب في الجامعة، لم أحظَ بشرف التواصل المعرفي، والتواصل الإنساني المباشرين، مع فضيلته، إلّا سنة 2004، في القاهرة، في سياق مشاركته في إحدى الفاعليّات التي نظَّمها اتِّحاد الكُتّاب المصري. 

وممّا شدّني، بقوّة، إلى مشروعه الفلسفي؛ أنني لم أشعر بأدنى فجوة بين قيمة الأستاذ محمَّد سبيلا المعرفية والعلمية؛ رصانةً وموضوعيةً، وتجرُّداً وانفتاحاً، وعمقاً، وقيمته الإنسانية؛ تواضعاً وبساطة وغيريةً وأريحية.

وقد اغتنمت هذه السانحة للشروع في إجراء هذا الحوار الفكري الماتع معه، في غرفته، في أحد فنادق القاهرة، بجزيرة الزمالك المطلّة على النيل، واستكملته هذه السنة 2017. وهكذا، فنحن بصدد حوار من نوع خاصّ، تَمَّ الشروع فيه سنة 2004، واستُكمِل السنة الجارية. ونظراً لطبيعته الفكرية، والفلسفية، ونزعته الاستشرافية، فإن هذا المدى الزمني لم يزده إلّا قيمةً وصدقيةً، مثلما لم يؤثِّر في راهنيته، قيدَ أنملة. 

– عبدالسلام طويل: الأستاذ الفاضل، المفكِّر محمَّد سبيلا، حبَّذا لو أطلعتمونا، بدايةً، عن المحطّات الكبرى لتَبَلْور شخصيَّتكم العَالِمة، وأهمّ التحوُّلات الفكرية؛ المنهجية، والنظرية، التي اغتنت بها تجربتكم المعرفية، إلى الآن؟    

– محمَّد سبيلا: لابدّ أن أرجع إلى المراحل الأولى لتكوُّن وعيي الفلسفي عبر الدراسة في الجامعة، وهو وعي تَبَلْوَر خلال الدراسة الثانوية، وكان حاسماً ونهائياً عند اختياري الفلسفة تخصُّصاً. ومنذ البداية، كنت أشعر بانجذاب خاصّ نحو الفكر الغربي. رغم أن دراستي قد تلقَّيتها بالتعليم المَعَرَّب؛ أي التعليم العصري المقدَّم بالعربية. وأستطيع أن أقول إن مرحلة الدراسة ومرحلة التدريس كانتا مرحلتَيْ تعلُّم متواصلتَيْن؛ لأن المرء لا يتعلَّم عبر الدراسة، فحسب بل عبر التدريس، كذلك.

ففي المراحل الأولى، في الستينيات، تعرَّفنا إلى الماركسية، لأنها كانت شائعة في ذلك الوقت، وكانت بمثابة أفق فكري ضابط، ثم، انفتحت أكثر، فيما بعد، على التحليل النفسي، واشتغلت بترجمة بعض نصوصه، وهيَّأت رسالة حول العلاقة بين الماركسية والتحليل النفسي؛ مفهوم الإنسان بين الماركسية والتحليل النفسي، تحديداً؛ فقد شهدت تلك المرحلة نوعاً من ذوبان الجليد بين الماركسية والتحليل النفسي، من خلال انفتاح الماركسية على التحليل النفسي بدرجة كبيرة، كما نلمس ذلك لدى «لوي ألتوسير- Louis Pierre Althusser» في استعماله لأدوات التحليل النفسي، مثلما استعملت أدوات أخرى، بنيوية وغير بنيوية، في تأويل النظرية الماركسية، وتجديدها في مرحلة لاحقة، خلال التدريس.

– في هذا الإطار، تبرز خلفيَّتكم العلمية والمعرفية فيما يتَّصل بتحليلكم للجوانب والأبعاد السيكولوجية للطبيعة الإنسانية، من خلال مقاربتكم للبعد السيكولوجي للأيديولوجيا، بشكل عميق ومبدع.

– هذا بالنسبة إلى الأطروحة. وفي مرحلة لاحقة، كما يجسِّد ذلك كتاب «السياسة بالسياسة»، تعزَّز اهتمامي بالبعد السيكولوجي للسياسة، ذلك أن هذا البعد السيكولوجي، سواء أكان في الأيديولوجيا أم كان في السياسة، يُعَدّ بعداً غائباً في الممارسة العربية، وفي الوعي العربي، وفي العلوم السياسية العربية؛ غائباً على مستوى الممارسة، وغائباً على مستوى النظر، وهو بعد أساسي مُشَكِّل للفعل السياسي وللممارسة السياسية، يتعيَّن أن لا يذهل عنه التنظير السياسي والنظرية السياسية، بل السلوك السياسي، أيضاً، على المستوى العملي.

لا ريب في أن استحضار الحقل المفاهيمي للتحليل النفسي، في دراسة المنظومات الأيديولوجية، والمنظومات السياسية، والممارسة الأيديولوجية، والممارسة السياسية، يُحدث تأثيراً شكلياً، وتأثيراً تفكيكياً للمنظومة العقدية؛ ولذلك تجد أن الفاعل السياسي، غالباً ما لا يعير هذه الجوانب الأهمِّيّة التي تستحقّها؛ لأنها تمحِّص المقولات السياسية، والشعارات السياسية، والمثل السياسية، وتكشفها وتنظر إليها من خلال الذات، من خلال الجانب العادي، والجانب الباثولوجي للذات؛ فالمُثل، كما هو معلوم، تمرّ عبر الذات واستثمارات الذات لها. وكمثال على ذلك؛ فإن تحليل خطاب المناضل السياسي، إذا لم نستحضر فيه البعد النفسي سنعتبره خطاباً صادقاً طهرانياً يوتوبياً، لا شكّ فيه، ونتعامل معه على هذا الأساس، لكن إذا استحضرنا البعد النفسي، والبعد التحليلي النفسي، فسوف نشكِّك في طهرية ادِّعاءاته، وصدقيّتها ومثاليّتها؛ أقصد المناضل السياسي، لأنه ينظر إلى هذه الادِّعاءات من خلال بنيته النفسية، ونوع العصاب الذي يعاني منه، سواء أكان عصاباً عظامياً، أم كان نوعاً من الوسواس القهري، أم نوعاً من الرغبة في الأمثلة أو في الإسقاط. 

المثل تمرّ عبر الذات، عبر شبكات من التأويلات والاستعمالات التي يعسر على من يفتقر إلى التكوين، في هذا المجال، أن يستوعبها. لكنني، على العموم، أكتفي بالقول: إن إقحام البعد السيكولوجي، وخاصّة من زاوية التحليل النفسي، يُنَسِّب الكثير من الأحكام، والكثير من المثل والادِّعاءات، سواء الأيديولوجية والسياسية. و- على الأقلّ- سيكون له فضل التنبيه إلى ذلك.

في مرحلة لاحقة (إذا استطعت أن أتحدَّث عن مساري الفكري كمحطّات، وهي مرحلة التعرُّف إلى البنيوية عبر التدريس في الجامعة لعدّة سنوات)، كانت البنيوية هي الأفق الفكري لنهاية الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، لدرجة أن النقّاد الفرنسيين كانوا يعتبرون أن الجميع مشمول بالبنيوية، وأنها تطال الجميع، بما في ذلك خصومها ومناوئيها، فحتى الذين يناهضون البنيوية لا يجدون بُدّاً من استعمال مفاهيمها.

ثم يأتي، طبعاً، التعرُّف إلى البنيوية الأنثروبولوجية عند «كلود ليفي ستراوس- Claude Lévi-Strauss»، من حيث منهجها، ونزعتها العلمية المتطرِّفة، وإقصاؤها للذات البشرية أو للفاعل البشري، وتحليل آليّات الذات والأسطورة، وآليّة القرابة، كما لو كانت آليّات ميكانيكية موضوعية، لا دخل لأيّة ذات فيها، وإنما البنية هي الذات الفاعلة. هذه البنيوية جاءت كأفق فكري مناقض للمرحلة السابقة التي كانت تمثِّلها الوجودية.

والوجودية- كما هو معلوم- هي فلسفة الذات، وفلسفة الحرِّيّة، وفلسفة الإرادة، والآمال والحلم وغير ذلك. و- ربَّما- تعود مشروعية الوجودية إلى أنها ركَّزت على الجانب الذاتي في إطار مجتمعات حديثة، تسودها نزعة ميكانيكية. فجاءت البنيوية كردّ فعل؛ لم تأت بتصميم مسبق، بل انبثقت هكذا، وتَمَّ استغلالها كاتِّجاه علمي في مجال العلوم الإنسانية، اتِّجاه ذي طابع فلسفي، لا يركِّز على الحرِّيّة والإرادة بقدر ما يركِّز على البنيات الخارجية والعلائق، والمحدِّدات الموضوعية، والحتميات التاريخية.

لقد اكتشفت أنني كنت أنخرط- بأسلوب تدريجي- في مفهوم الحداثة، وشعرت…

– (…) كمفهوم ناظم وجامع؟ (مُقاطعاً)

– نعم، كمفهوم ناظم لكلّ هذه التحوُّلات؛ ذلك أن اكتشافي لهذا المفهوم، في أبعاده السوسيولوجية والتاريخية، و-أيضاً- في أبعاده الفلسفية (ربَّما هذا ما يهمّني كثيراً) هو ما جعلني، لا أقول أتبرَّأ من هذه المراحل السابقة، وأتخلّى عنها، بل أستدمجها في إطار هذا التصوُّر الكلّي الشمولي الذي هو مفهوم الحداثة.. هذا بشكل مختصر. 

في اتِّصال بما سبق، المتابع المدقِّق لكتاباتكم واجتهاداتكم النظرية المختلفة يلحظ أن لديكم، على مستوى الرؤية التركيبية في معالجة الظواهر، نزوعا ضدّ كلّ ما هو أحادي في التحليل، وضدّ كلّ ما هو تنميطي، وضدّ كلّ ما هو مسبق وجاهز، و- من ثَمَّ- تحرصون، دوماً، على النظر للظواهر في شموليَّتها وتركيبيَّتها. نلاحظ هذا في تحليلكم، ورؤيتكم المنهجية والنقدية لمفهوم الأيديولوجيا، مثلما لاحظناه في بَلْوَرَتكم لمفهومكم للحداثة، وكذا مفهومكم للسلطة.. هذا التصوُّر المنهجي التركيبي، كيف وُلِد؟ وكيف تشكَّل؟ 

– هذا المفهوم سمَّيته «مفهوم الكلّيّة- La totalité»، وهو مفهوم فلسفي، وليد الفلسفة؛ الفلسفة كتجربة، وكنظرة شمولية وكلِّيّة، وأعتقد أن هذا المفهوم تَبَلْوَر بشكل لاواعٍ خلال التلمُّس، والتطوُّر الطبيعي في مجال الفلسفة، ولكنه تبلور لديَّ- بالخصوص- في مرحلة معيَّنة، هي مرحلة الاطِّلاع على «جولدمان- Lucien Goldmann»، و«لوكاتش- Georg Lukács»، خاصَّة أن «لوكاتش»، في كتابه الأساس «تاريخ الطبقة ووعيها- Histoire et Conscience de Classe»، يلحّ على مفهوم الكلِّيّة، حيث يعتبره السمة الأساسية المميِّزة للتناول الماركسي (المبادئ الحديثة، والمبادئ التاريخية)؛ أي أنها تتميَّز بتركيزها على مقولة الكلِّيّة، التي ترجع أصولها إلى «هيغل – Georg Wilhelm Friedrich Hegel». طبعاً هذا المفهوم يعطيه جولدمان بعدين؛ الكلّية التاريخية في سكونيَّتها، والكلّية التاريخية في ديناميَّتها.

والكلّية التاريخية هي البنية الاجتماعية الشاملة، إذا نظرنا إليها من الزاوية الدياكرونية (من زاوية السكون)، أو نظرنا إليها من زاوية التحوُّل، فهذا المفهوم يفرض نفسه- إلى حَدّ ما- في العلوم الاجتماعية وفي الاتِّجاهات التي يسمّيها «جولدمان» البنيوية النشوئية أو البنيوية التطوُّرية؛ حيث إن هناك بنيات تنشأ وتنمو وتتطوَّر وتتعدَّل، ويتعيّن النظر إليها، سواء أكانت بنية اجتماعية، أم كانت بنية أسطورية، أم بنية قرابية، أم بنية طبيعية، أم بنية نفسية، ربَّما، ويتعيَّن النظر إليها- إذن- من خلال هذين المنظورين: الدياكروني، والسانكروني.

هذا المفهوم مفهوم فلسفي، لكنه مطَعَّم بعطاءات العلوم الإنسانية المعاصرة، وفي الفلسفة، يجد المرء نفسه، دائماً، أمام مستوًى معيَّن من التجريد، لأن الفلسفة ليست علماً جزئياً، وليست دراسة تجريبية تفصيلية ميكروسكوبية لهذه الظاهرة أو تلك. وحتى إذا ما درست ظاهرة جزئية، فإنها تنظر إليها في كلّيَّتها وشموليَّتها، باعتبارها بنية شاملة من حيث ديناميَّتها وتطوُّرها، فهذا المفهوم يبدو لي، دائماً، وكأنه مفهوم وليد الفلسفة، ومرتبط ارتباطاً عضوياً بها.

– ما دمنا نتحدَّث عن الفلسفة، كإطار مرجعي عامّ، في سياق حديثنا عن مفهوم الكلّية، هناك اعتراض قديم، طُرِح مع الوضعية، ويُطرَح، الآن، حول واقع الفلسفة كعلم؛ إذا كنا نحدِّد العلم بموضوعه، فهناك اعتراف بأن الفلسفة باتت لا موضوع لها. ما موضوع الفلسفة، الآن؟ 

– لقد عانت الفلسفة أزمة منذ القرن 17، في الغرب؛ أي منذ ظهور وتَبَلْوُر العلم بمفهومه الحديث، وبخاصّة الاتِّجاهات الوضعية، والاتِّجاهات المادِّيّة، والاتِّجاهات التحليلية، التي بدت وكأنها تقول إن العلم هو النمط الوحيد والنهائي للمعرفة البشرية، لدرجة أنه حَلّ محلّ الدين، وأصبح العلم ديانة وضعية جديدة، لدرجة أنه، في إطار هذه الأيديولوجية العلمية أو العلموية، بدل أن يبرهن الشخص على قضية معيَّنة فإنه ينسبها إلى العلم.

أصبح العلم سلطة، وأنموذجاً معرفياً وحيداً، وهو ما خلق أزمة للفلسفة؛ لم يعد لها موضوع، كلّ الموضوعات تناولتها العلوم الجزئية. إذن، ما الحاجة إلى الفلسفة؟ بدأ الشعور بهذه الأزمة منذ «كانط – Emmanuel Kant»، وظهرت الاتِّجاهات الوضعية التي ألغت دور الفلسفة (والاتِّجاهات التجريبية)، والاتِّجاهات التحليلية، في إنجلترا، وقصرت دور الفلسفة على دراسة اللغة، إلى أن جاءت المدرسة الفينومينولوجية، وخاصّة مع «إدموند هوسرل- Edmund Husserl»، الذي ألَّفَ كتباً حول الفلسفة كعلم دقيق، حاول فيه أن يؤسِّس الفينومينولوجية كعلم دقيق، وهو ما يؤكِّد أنه كان لدى الفلاسفة أزمة ورغبة في التشبُّه بالعلم، ومحاولة تأسيس الفلسفة كعلم دقيق.

– (…) افتتان بالعلم!

– (…) نعم، افتتان؛ لأنه أمسى يقدِّم أنموذجاً جديداً. لكن، سرعان ما بدأ الوضع يتغيَّر منذ «هيدغر- Martin Heidegger» الذي كشف عن مسألة بسيطة، مفادها أن العلم- رغم أنه يمثِّل أنموذجاً لمعرفة دقيقة- هو غير مرتبط بأيديولوجية علموية وعلمية، بل مرتبط بأونطولوجيا؛ أي مرتبط بفلسفة دقيقة، ذلك أن العلم يفترض فلسفة، ويشتمل، في بنيته العميقة، على فلسفة كامنة، العلماء لا يمكن، طبعاً، أن يفهموها، ولا يمكن حتى أن يعترفوا بها، إن هم فهموها.

فالجهد الذي بذله «هيدغر» تمثَّلَ في الكشف عن القبليات الميتافيزيقية للعلم، تصوُّرها للطبيعة كوحدة متجانسة مثلاً، وإلى العقل كحساب ومنطق دقيق في العلم، وإلى العلم كحقيقة مطلقة ترفض كلّ أشكال الحقيقة الأخرى.. إلى غير ذلك من الأشياء التي يمكن تلخيصها في أن العلم يتضمَّن فرضيات فلسفية، وميتافيزيقية. بل ذهب به الأمر إلى حَدّ القول إن العلم يُعَدّ اكتمالاً للميتافيزيقا التي نشأت منذ اليونان، أي ميتافيزيقا الذات الإنسانية كعقل وكإرادة، وهذا العقل- بوصفه حساباً- يقيس الظواهر ولا يشتغل إلّا بما هو قابل للقياس والتعميم.

– وهو ما شكَّل منطلقاً للنقد الذي وجَّهته مدرسة فرانكفورت، بشكل أساسي، في حملها على العقل الأداتي؟ 

– نعم، إن تحليل «هيدغر» لهذا العقل الذي يحكم العلم الحديث، هو الذي مَهَّد للاتِّجاهات الألمانية، خاصّةً مدرسة فرانكفورت. نقد العلم باعتبار أن العقل السائد يُعدّ عقلاً أداتياً. وهكذا، فإن هذه الخلفيات: الميتافيزيقية، والفلسفية الكامنة، للعلم، أحدثت وضعاً جديداً، جَدَّد للفلسفة مشروعيَّتها من خلال التفكير في ميتافيزيقا العلم، والتفكير في البعد الفلسفي للعلم.

طبعاً، تغيَّرت المسألة، فمنذ، هيدغر بدأت المسألة تأخذ منحًى جديداً واتِّجاهاً جديداً، والفلاسفة، طبعاً، لم تعد لديهم هذه العقدة، ولم يظلّوا مرتهنين لهذه الأزمة؛ بحيث لابدّ من موضوع، ولابدّ من منهج، ولابدَّ من خطوات إجرائية. أمّا عدا ذلك فيندرج ضمن الأيديولوجيا.

لم تعد هذه المسألة قائمة، فاكتفت الفلسفة بكونها تفكيراً نقدياً شمولياً في القضايا الميتافيزيقية التي توجد على هامش العلم، أو مضمرة في العلم، أو سابقة على العلم، أو أيّ شيء من هذا القبيل. ولإبراز ذلك، يمكن أن أقدِّم لك مثالاً، هو التفكير في الحداثة؛ فليس هنالك علم مخصوص يُفكِّر في الحداثة.

– تفكيراً عقلياً ونقدياً منظَّماً، وفقاً لتصوُّر منهجي محدَّد؟

– بل تفكيراً شمولياً. من المعلوم أن تفتُّت العلوم وتجزُّأَها وتخصُّصها وتفرُّعها جعل الحاجة إلى النظرة الكلّية، والنظرة النقدية، والنظرة التفكيكية الفاحصة، أمراً ضرورياً أكثر من أيّ وقت مضى. ومن هنا، استعادت الفلسفة- ربَّما- حيويَّتها ودورها، وأوجدت لنفسها مجالاً جديداً للاشتغال. 

– ولذلك أصبح النظر الفلسفي في الشأن السياسي، من خلال الفلسفة السياسية وفلسفة التاريخ، بالغ الأهمِّيّة والحيوية بالنسبة إلى المشتغلين في حقل علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، لخلق نوع من التوازن مع المقاربات القانونية الشكلانية التي تركِّز- عادةً- على الجوانب الإجرائية والفَنِّيّة.

– على كلّ حال، تظلّ هناك قضايا، لا أقول ناشزة، بل هامشية، هنا وهناك، كما أن هناك قضايا مضمرة في كلّ مجال من المجالات، لا يتمكَّن التوجُّه العلمي- باعتباره توجُّهاً تحليلياً- من التحليل الملموس للواقع الموضوعي الملموس، ولا من القياس التامّ لكلّ مفردات الظواهر؛ موضوع البحث. وأعتقد أن الفلسفة، اليوم، تشهد ازدهاراً ملحوظاً من منطلق أن التوجُّه العلمي التكنولوجي المحض، أضحى في أمَسّ الحاجة إلى الفلسفة؛ فمع أن العلم يُعَدّ تحليلاً موضوعياً دقيقاً للأشياء والظواهر، إلّا أن هذا التحليل يتمّ بمنأى عن أيّ تصوُّر شمولي معياري وقِيَمي، وهو ما جعل الفلسفة، في الغرب (إلى حَدّ ما، لدينا) تستعيد حيويَّتها ودورها.

– فضلاً عن أن المآزق التاريخية الكبرى، عادةً ما تستدعي تفكيراً فلسفياً شمولياً في المآل الإنساني.

– فعلاً، فالعلم، أكاد أقول إنه أعمى؛ بمعنى أنه ينفي القيم، ويستبعدها، ويحاول- سواء أكان ذلك في منهجه أم كان في نتائجه- أن يُؤدّي إلى معرفة موضوعية بالأشياء كما هي، أمّا ما هي قَبْليات الأشياء، وما مآلها، وما مصيرها، وما هي الأزمات الإنسانية والقضايا الحضارية الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر،.. وغير ذلك من القضايا، فتظلّ من اختصاص هذا النوع من التفكير الشمولي، الذي أضحى لا يجد حرجاً في التشبُّه بالعلم.

– في سياق هذه الوظيفة المعرفية الأنطولوجية، وفي سعيها للإمساك بالمغزى الوجودي لبعض الظواهر أو المآزق التاريخية، أمسى، موضوع الدين وفلسفة الدين مطروحاً بقوّة، كخيار وأفق معرفي لإيجاد تفسيرات وتأويلات بديلة لمختلف الأزمات التي شدَّد على انتقادها تيار «مابعد الحداثة». كيف تنظرون، انطلاقاً من خلفيَّتكم الفلسفية، إلى حضور الدين في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الراهنة؟

– على كلّ حال، الدين منظومة من القيم المؤطّرة للمجتمعات البشرية كلّها. والدين- على العموم، مع بداية الثورة العلمية، والصناعية- وجد نفسه في وضعية صعبة؛ حيث «الأجوبة المعرفية» التي كان يقدِّمها وجدت نفسها أمام محكّ المعرفة العلمية الحديثة وأمام مختبرها، من خلال تقديم صورة عن الكون والمادّة والإنسان، غير متلائمة- كلّياً- مع ما هو متضمّن في المدوَّنات الدينية أو المعرفة الدينية، بمختلف أنواعها. هناك أزمة، على الرغم من تواتر القول: إنه لا تعارض بين العلم والدين، هذا قول أيديولوجي فجّ.

على الرغم من ذلك، هناك نوع من التوتُّر، ونوع من الأزمة بين صورة العالم أو صورة الأشياء كما تقدِّمها العلوم المختلفة، وبين الكثير من التصوُّرات الدينية؛ لذلك هناك تشنُّجات وتوتُّرات، وهنالك رفض لنظريات معيَّنة، كما  هناك إنكار لها، فنحن نعرف- مثلاً، على مستوى الثّقافة العربية الإسلامية- أن هناك رفضاً للداروينية، ولما يسمّى «البيوأنثروبولوجية» المتعلِّقة بتطوُّر الإنسان والأنواع الحيّة.

وغير ذلك، هناك تجاهل كلّي للنظريات الكونية الكوسمولوجية، وهنالك- أيضاً- إنكار ورفض لمنظومات فكرية أخرى، ربّما تكون أقلّ علمية، لكنها تتناقض مع التصوُّرات الدينية المتوارثة، كالتحليل النفسي، والماركسية.

– إذن، هناك أزمة، على الرغم من الزعم الأيديولوجي المريح بشأن غياب أيّ تناقض بين العلم والدين.

– رغم البعد الأيديولوجي لهذا الأمر، هناك محاولة للتسويغ؛ التسويغ العلمي للدين؛ سعياً لدرء التعارض بينه وبين العلم. ألا يعكس هذا نوعاً من التمايز بين موقف الإسلام، فيما يتَّصل بتكييف العلاقة بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية، وبين موقف كلّ من المسيحية واليهودية؟

– كلّ الديانات تعرَّضت للاختبار التاريخي نفسه، لتجد نفسها- بمقولاتها وبنظامها المعرفي، وتصوُّرها للكون والإنسان والطبيعة- في حالة صدام وتعارض وعدم تلاؤم واضح مع العلوم الحديثة.

المسيحية عانت، وتمزَّقت، وحاولت أن تتكيَّف مع العلم الحديث، و- ربَّما- كانت من أكثر الديانات التي حاولت أن تتطوَّر، وأن تستوعب العلم الحديث. بالنسبة إلى اليهودية، لا أعرف كيف ديرت الأزمة، وبالنسبة إلى الإسلام هناك توتُّر، وهناك محاولات لاحتواء الدين للعلم، وإرجاع العلم إلى أصول دينية، والقول: إن كلّ الأشياء لها جذور وسند في النصّ المؤسِّس.

طبعاً، هذه المسألة ممكنة، من زاوية معيَّنة؛ بحيث إن النصّ الديني لا يُعَدّ نصّاً علمياً بقدر ما يُعَدّ نصّاً رمزياً مفتوحاً على عدّة تأويلات، تسعفنا في أن ندرج فيه ما نشاء، غير أن هذه المحاولة تخفي شيئاً آخر؛ رفضاً لعلوم أخرى، ورفضاً لنظريات علمية أخرى، بدعوى انطباعها بالنزعة المادِّيّة، والإلحاد.

هناك، اليوم، تواطؤ على تبنّي نظريات معيَّنة، وهناك- أيضاً- تواطؤ على نفي نظريات بكاملها؛ الكوسمولوجيا المعاصرة، هي – تقريباً- شبه مرفوضة في الثّقافة العربية الإسلامية، والباليوأنثروبولوجيا لا مكان لها في هذه الثّقافة. هذه المسألة لديها مشروعية تأويلية هيرمينوطيقية، فيها- أيضاً- محاذير، من قبيل الحديث عن سرعة الملائكة، أو الجزم بأن مكّة هي مركز الكون. فهذه المسألة ممكنة ومشروعة، لكننا يجب أن نعرف أن لها حدوداً، حينما تدخل، هي نفسها، في تعارض مع العلم.

– كيف تنظرون إلى طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، كما هي قائمة- فعليّاً- في الدول العربية الإسلامية الراهنة، وكما ينبغي أن تكون؟

– طبعاً، في إطار المجتمعات العربية الإسلامية، يُعَدّ الدين مكوِّناً أساسياً ومركزياً وحاسماً في الفعل السياسي. هنالك، دائماً، ترابط، واستغلال سياسي للدين، واستغلال ديني للسياسة. لقد سادت مرحلة وضعية ماركسية في طريقة تناول الظاهرة الدينية، اعتبرت الدين مجرَّد أيديولوجيا فوقية زائلة، كما لو كان شيئاً عابراً، فالتطوُّر ليس، فقط، على مستوى أنثروبولوجيا الدين، وتطوُّر الأنثروبولوجيا، بل هو- أيضاً- تطوُّر المجتمعات نفسها، وتحوُّل المجتمعات العلمانية والعصرية إلى مجتمعات تقبل بالدين، كلّ هذه التطوُّرات أثبتت أن البعد الديني، يُعَدّ بُعداً أنثروبولوجياً أساسياً للكائن البشري.. إنه شرط عضوي أساسي بالنسبة إلى الكائن البشري؛ ولذلك..

– عفواً، البعد الأنثروبولوجي، هنا، هل يمكن اعتباره بُعداً وجوديّاً؟

– حينما نقول (أنثروبولوجي) نعني طبيعة الإنسان، الإنسان الذي يعيش في عالم بلا معنى، والدين يعطيه هذا المعنى.

– هناك من يعتبر أن الإنسان كائن أيديولوجي أو كائن ميتافيزيقي؟ هل يمكن اعتبار الإنسان كائناً دينياً بالفطرة أو بالطبيعة؟

– الشرط الإنساني البشري هو أن الإنسان يجد نفسه في عالم بلا معنى، عالم يحتاج إلى ضوابط ومحدِّدات وتأطير، يفسِّر معنى الحياة، ويفسِّر المآل وسرّ الموت والعالم الآخر.. وهكذا. فالكائن الإنساني كائن ميتافيزيقي، لديه تساؤلات ميتافيزيقية كبرى حول الله، وحول الموت…

مشكلة الموت هي المشكلة الأساسية التي تطرح هذه الأسئلة: لماذا نموت؟، وحينما نموت، أين نذهب؟ فهذه أسئلة ميتافيزيقية كبرى تلحّ على الطفل منذ ميلاده، وتلحّ على البشرية كلّها، ولذلك فالبعد الديني يمكن اعتباره بُعداً أنثروبولوجياً طبيعياً غريزياً، فهو محدّد جوهري وأساسي بالنسبة إلى الكائن البشري.

لقد تمَّت إعادة اكتشاف البعد الديني، وتبيَّن أن الدين ليس وهماً أو وعياً زائفاً، كما يُزعَم؛ فهو مكوِّن أصيل من بنية الكائن البشري والمتخيَّل الإنساني، ومصدراً غنيّاً للإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي لا يكفّ الإنسان عن طرحها، حول مغزى الوجود الإنساني، وحقيقة الحياة والموت والمصير. 

إضافةً إلى أن الدين يتحوَّل إلى مؤطِّر أخلاقي للناس كالعلاقة بالجار، والإحسان إلى الغير، وأخلاقيات التعاون والتعارف والمحبّة والصفح والتسامح، وهذا المعطى تمَّ استغلاله في السياسة، دائماً. والحاصل أن العلاقة بين الدين والسياسة علاقة جدلية معقَّدة.

انطلاقاً من الطبيعة العميقة للدين، في كلّ المجتمعات، و-خاصّة- في مجتمعاتنا، أعتبر أن مسألة العلمانية، أو الفصل بين الدين والدولة، طُرحت طرحاً خاطئاً، من طرف بعض النخَب؛ ففي مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ليس المطروح أو المطلوب هو فصل الدين عن الدولة، وفصل الدين عن المجتمع، فهذه مسألة خلافية معقَّدة تتطلَّب أجيالاً من التطوُّر لإمكان عقلنة هذه العلاقة. 

أمّا الآن، وفي حدود مستوى التطوُّر الذي وصلت إليه مجتمعاتنا، فيتعيَّن السعي إلى محاولة عقلنة العلاقات الاجتماعية والعلاقات السياسية، ودُمَقْرَطَة الحياة السياسية، وإدخال درجة عقلانية أكبر في تدبير الشأن السياسي، وليس معنى ذلك، أبداً، القضاء على الدين أو إلغاؤه، بل عقلنة التعامل معه، ووضع ضوابط قانونية تحول دون الاستغلال السياسي للدين، لمنع أيّة جهة من الاستئثار باستغلاله، بوصفه رأسمالاً روحياً جماعياً. 

أنا أطرح- مبدئياً- هذه المسألة، كعقلنة للعلاقة بين الدين والسياسة، أمّا الفصل بينهما فلا أعتقد أنه الطرح المناسب، خاصّة أن عدداً من المجتمعات الأوروبية قد قطعت أشواطاً إيجابية في مسار عقلنة العلاقة (ولا أقول الفصل) بين الدين والدولة؛ الأمر الذي جعل المسألة السياسية مسألة عامّة وعمومية، والمسألة الدينية مسألة خاصّة وخصوصية. فنحن، في مجتمعاتنا، نحتاج إلى نوع من التفكير في هذه العلاقة الشائكة المعقَّدة، خاصّة أن استغلال الدين في السياسة لا يتمّ من طرف الأحزاب السياسية، فحسب، إنما من طرف قوى أخرى… المهمّ بالنسبة إليّ أن الشكل الوظيفي لطرح المسألة يتمّ من خلال عملية العقلنة.

– لكن، هل عملية العقلنة ستعتمد على عملية توافق بين فرقاء سياسيِّين أم فرقاء أيديولوجيِّين؟؛ ذلك أن المسألة حينما تتجاوز البعد السياسي لتناقش الخلفية المرجعية النهائية الناظمة لبنية العقل السياسي والشأن السياسي كلّه، فإنها تأخذ طبيعة صراع أيديولوجي بين مرجعية حداثية علمانية وضعية ومرجعية دينية، ولا ريب في أنه، عادةً ما يقع التصادم، في هذه الحالة.

– هذه المسألة، لا يمكن الحسم فيها بسهولة؛ لأنها ناتجة عن صراع قوى مختلفة داخل الحقل السياسي، فهنالك درجات من الانتماء للحداثة في الحقل السياسي، ودرجات من الارتباط بالدين في الحقل نفسه. أعتقد أن التطوُّر الثّقافي العامّ في المجتمع، وتطوُّر الثّقافة السياسية نحو عقلانية أكبر، ونحو تحديث أكبر، هو الحلّ، وليس هناك صيغة جاهزة، فمثل هذه الأسئلة تفترض أن الفاعل نتحكَّم فيه، في حين أن الفاعل هو ميزان القوى.

– الفاعل هنا هو التاريخ..هو قوى التاريخ؟

– نعم هو التاريخ. الحديث عن العلاقة بين الدين والسياسة يقودنا إلى أن هذه الإشكالية في الفكر العربي المعاصر، تَمَّ تناولها وفق مقاربتين أساسيَّتين: الأولى أن هناك من تناول هذه العلاقة من منظور عقيديّ، كما هو الأمر بالنسبة إلى عزيز العظمة، وعادل ضاهر، ومراد وهبة، هؤلاء الذين طرحوا إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة طرحاً علمانياً عقائدياً- ومن ثَمَّ- أخذوا موقفاً عقائدياً «دينياً» من الدين، و- بالمقابل- كان هناك تناول عقلاني تاريخي موضوعي لإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، وهذا الموقف نجده لدى محمد عابد الجابري، وبرهان غليون، وعلي أومليل، وعبدالإله بلقزيز، كما نجده لدى راشد الغنوشي، وعبد الوهاب المسيري، وغيرهم ممَّن يعتبرون أن مساحة العفو أو الفراغ التشريعي، فيما يتَّصل بالنظرية السياسية، مساحة واسعة جدّاً، فالنصوص القطعية واردة على سبيل الحصر؛ ومن ثَمَّ تدبير الشأن العامّ للجماعة موكول إلى العقل والاجتهاد المقاصدي بحثاً عن المصلحة، استلهاماً لمنظومة القيم القرآنية، في الحرِّية والعدل والمساواة والشورى والغيرية، وهي قيم، لا يمكن أن تتعارض- بأيّ حال من الأحوال- مع أيّة قيمة من قيم الحداثة السياسية، سواء أكانت الديموقراطية أم العقلانية أم الحرّية أم المساواة أم التعاقد.

– هل يمكن، في هذا الإطار، أن نقيم جسراً للتقريب بين التيّارين؛ سعياً لتحقيق ما دعا إليه الجابري في إطار الكتلة التاريخية وطارق البشري في إطار «التيّار الأساسي»؟ 

– يجب التمييز بين مستويَيْن؛ مستوى الممارسة التاريخية، والفعل التاريخي المتعلِّق بتشكيل كتلة تاريخية أو تحالف، سواء لدى هذا الطرف وذاك، ومستوى مسألة الاجتهاد النظري. أعتقد أننا في مرحلة، لم نصل فيها، بعد، إلى درجة الملاءمة بين هذين المستويَيْن.

ويبدو لي أن المرحلة الحالية مرحلة تتطلَّب صراعاً ونقاشاً أكبر، على مستوى الأفكار، حتى تستوعب العلمانية العقائدية دينامية التاريخ العربي الإسلامي، وتتفهَّم الاجتهادات التي بَلْوَرَها الفكر السياسي المعاصر، وحتى يستوعب التيّار الإسلامي، ضرورات التاريخ، وضغوطاته، ويعطيها، ويستشعر بأنه مطالَب بتوسيع دائرة التفاعل الإيجابي، والتكيُّف مع معطيات العالم المعاصر، وممارسة الاجتهاد والتأويل إلى أقصى حَدّ، للخروج من دوغمائية الرفض إلى موقف أكثر انفتاحاً على معطيات العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية المعاصرة، وكذا على الفلسفة والثّقافة السياسية المعاصرتَيْن. 

وهذا جهد، يبدو أنه لايزال متعثِّراً، خاصةً في جانبه الفكري والفلسفي؛ فقد نجد لدى الغنوشي اجتهادات متقدِّمة وانفتاحاً على الآخر وتوسيعاً لمساحة الاجتهاد، غير أن اتِّجاهات أخرى لا زالت تُغَلِّب الدغمائية والقطعية والأحكام المسبقة؛ ولذلك أعتقد أن الاجتهاد النظري، والفكري يحظى بأولوية قصوى في هذه المرحلة، قبل أيّة دعوة لأية كتلة تاريخية أو تيّار أساسي. 

ومن ثَمَّ، فالحوار القومي الإسلامي- مثلاً، بوصفه حواراً فكرياً- يُعَدّ في هذا السياق التاريخي، أَوْلى من أيّ تكتُّل تاريخي. نعم، هنالك ضغوط المرحلة التاريخية، والوضع السياسي، لكنني هنا، لا أتحدَّث كحزبي، بل كشخص يهتمّ- أساساً- بالأفكار والتصوُّرات.

أعتقد أن الجانبين- كما أشرتَ- يتَّخذان مواقف عقائدية جامدة، وقد تكون الحركات الإسلامية- في تقديري- أكثر حاجة من غيرها إلى الانفتاح على معطيات العلوم الإنسانية المعاصرة، وعلى استيعاب التحوُّلات الكبرى التي حدثت في العالم، ليس، فقط، في المجال السياسي، بل في كافّة المجالات، و- بوجه خاصّ- المجالين: الفكري، والعلمي. 

حتى الآن، لا تزال مجالات الرفض أكثر بكثير من مجالات القبول. لا زال هنالك نوع من عدم الفهم للتحوُّلات التي حدثت على مستوى تصوُّر الإنسان والمجتمع والتاريخ؛ أي التحوُّلات التي حدثت في مجال العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، والفلسفة. هناك ميل لقبول الجوانب التكنولوجية الإجرائية، لكن التحوُّلات الكبرى التي شهدها الفكر الحديث لاتزال بعيدة عن الوعي والاستيعاب والتمثُّل.

وهو ما يفسِّر إلحاحي، في عملي الفكري، على مسألة الحداثة والتحديث، لإبراز الأبعاد الفكرية والميتافيزيقية والفلسفية لمسألة الحداثة؛ فالحداثة لا تحيل، فقط، إلى جملة من التحوُّلات المؤسَّسية، فالنقاش الفكري، والسياسي الدائر يدلّ على وجود محاولات لاختزال الحداثة في المستوى السياسي، والتغاضي عن الأبعاد الفكرية والفلسفية للحداثة التي يتعيَّن ليس فقط على العلمانيين، بل- أيضاً- على الإسلاميين أن يدركوها ويستوعبوها.

لن أبالغ إن اعتبرت أن هذه المناطق لازالت تشكِّل، في عمومها، مناطق ظلمة، ومناطق عتمة.

أوّلاً: في تقديري أن النظري يجب أن يحظى بأولوية عن العملي، لأن منطق العمل، غالباً ما يطغى على منطق النظر، ومنطق العمل- بالشكل العشوائي تحت ضغط الضرورة والحاجة إلى الحركة- يؤدِّي إلى كوارث، لكنا نعلم أن منطق الممارسة يغلب على منطق النظر، بتسوياته وانتهازيَّته.

أعتقد أنه من الواجب، على كلّ الأطراف (الطرف الإسلامي، بخاصّة)، النهوض بعملية الاجتهاد الفكري في التراث العربي الإسلامي، بالأدوات التي أتاحها تطوُّر العقل الإنساني المعاصر، ليس على مستوى الأدوات فحسب، بل التطوُّر الذي حصل على مستوى الفهم والتأويل والوعي المنهاجي والقيمي، واستيعاب ما تضمره التحوُّلات الفكرية العميقة الكامنة في العلوم الإنسانية، والاجتماعية، والفلسفية.

حتى لا أتحدَّث عن الإسلاميين، سوف أتحدَّث عن الحداثيين؛ عن الاتِّحاد الوطني للقوّات الشعبية، والاتِّحاد الاشتراكي للقوّات الشعبية، اللذين نشآ كبنيتين سياسيَّتين تحديثيَّتين، لكن، بعد عشرين أو ثلاثين سنة، نشعر بأن الشعار يختلف- تماماً- عن الممارسة، وأن مثل هذه الحركات قد تنتج لك أشخاصاً يعكسون البنيات الاجتماعية التي نشؤوا فيها نفسها، والمفروض أن يكونوا عقلانيين ومنفتحين ومتحرِّرين، والحال أنهم شرسون ومتعصِّبون ومتحزِّبون.

أنا أحكي لك انطلاقاً من موقع تجربة ومعايشة ومعاناة. فتطوُّر التاريخ تطوُّر ماكر، ليس بدرجة الوضوح والنصاعة التي تعلن عنها النيّات؛ التاريخ لا يسير بحسن النوايا، وهناك محدِّدات تحكم. تجد الشخص يدَّعي العقلانية والحداثة، لكن ممارسته ممارسة «مافيوزية» لا علاقة لها بالعقلانية، فلا يتحرَّج في استعمال كلّ أدوات الصراع وكلّ التحايلات، واستمدادها من التقليد، ومن الحداثة.. من الماضي ومن الحاضر. 

– حديثكم عن المكر التاريخي، وعن التاريخ الخادع، تتناولونه بشحنة نفسية توحي بأن هناك بعداً ذاتياً وخبرة شخصية، تعبِّرون عنها بمرارة.

– فعلاً، أنطلق من خبرة شخصية؛ لأن مصداقية الحديث عن هذه الأمور لا تتعيَّن أن تكون، فقط، من خلال اختيارات أيديولوجية ومقولات فكرية مجرَّدة؛ فهذا أمر هيِّن، بل من خلال ديناميات التاريخ الحيّ. إن تطوُّر الفرد لا يتوقف على حسن نيَّته، وعلى الشعارات التي يرفع، بل يتوقَّف على تحوُّلات ذهنية وأخرى نفسية عسيرة، وعلى بنيات سوسيولوجية وأنثروبولوجية تحكمه ولا يشعر بها، سواء في هذا الطرف وذاك. والقول إن هذه المرارة تعبِّر عن بعد أو جانب ذاتي لا يعني أنها تعبِّر عن حكم ذاتي مقابل حكم موضوعي، وإنما تترجم خبرة وتجربة شخصية، يؤكِّدها الواقع الموضوعي، ويعضدها.

كيف يتحوَّل حزب حداثي عقلاني منظَّم إلى مؤسَّسة إقطاعية؟ إن ما نسمِّيه اليوم ظاهرة الأبوّة، أو ظاهرة الشيخ والمريد، في الأحزاب السياسية، تجد تفسيرها التاريخي والسوسيولوجي في قوّة البنيات التقليدية، واستمراريّتها، على الرغم من كلّ الشعارات الحداثية.

ولذلك، فإن تنسيب الحكم في هذه الأشياء أمر ضروري. ربَّما تكون تجربتي قد مكَّنتني من التمييز بين البعد النظري والبعد العملي، وهو ما مكَّنني من تنسيب الحكم، والتمييز بين الأحلام والطموحات والأقوال، وبين الواقع المرّ الذي تختلط فيه كلّ أشكال التحايل، والانتهازية، والمصلحة، والنفعية.

– في إطار علاقة التقليد بالحداثة، كنتم قد أشرتم في كتابكم «الحداثة وما بعد الحداثة» إلى الأنموذج الياباني، باعتباره أنموذجاً تعامَلَ بشكل تاريخي عقلاني وإيجابي مع الحداثة، لماذا لا تراهن النخَب الحداثية في المغرب، ما دام التقليد بكلّ هذا الرسوخ، كذهنية، وتصوُّرات وبنيات ومُثُل، وما دام النظام التقليدي نظام له عمق تاريخي وعمق ديني راسخان ومتجذِّران؟ لماذا، في ظلّ الانفتاح السياسي الذي يشهده المغرب الآن، وفي ظلّ بروز مؤشِّرات إرادة سياسية واضحة للإصلاح، لا يتمّ التفكير- كما طرح محمد عابد الجابري- في أن يتمّ التحديث من داخل المنظومة التقليدية نفسها، لا من خارجها، وفي صراع معها؟

– كيف تريد من هذه المنظومة أن تمارس التجديد، وتمارس التحديث، وهي نفسها لم تفتح نوافذ تساعدها على ذلك؟التجديد والتحديث يفترضان الخروج من الدائرة الضيِّقة، وفتح كوّات ضوء، لا عن طريق استعمال التراث، فحسب؛ لأن المشكلة هو أن الاتّجاهات التجديدية والتحديثية أو الإصلاحية، حتى داخل الفكر الإسلامي، تعتقد أن بإمكانها أن تمارس هذه العملية من الداخل، في حين أن الداخل محكوم بسقف تاريخي، ومعرفي، أكاد أقول إنه لم يعد يتوفَّر على الإجرائية نفسها.

كيف تريد أن تمارس التحديث أو التجديد بأدوات تقليدية؛ هذا هو صلب المشكل. التحديث والتجديد ليسا، فقط، في المجتمع، بل داخل هذه المنظومة التقليدية، ولا يمكن أن تتمّا إلّا عن طريق استيعاب مكتسبات العقل الحديث، متمثِّلةً، ليس في التكنولوجيا، التي لم يعد للإسلاميين أيّة مشكلة معها، فحسب، بل في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية أساساً، التي تنظر إلى الظاهرة الإنسانية نظرة أخرى غير دينية؛ نظرة واقعية وموضوعية.

مثلاً: الفهم الديني التقليدي لظاهرة الفقر بأنه قَدَر ومكتوب، في حين أن التحليل السوسيولوجي يعتبر أنه نتيجة لسوء توزيع الثروة وسوء التدبير وضعف الإنتاج… هذا هو الانتقال إلى العقل الحداثي، أو ما يسمّيه «أركون» العقل الكوني المنفتح، القادر على التفسير العصري للظواهر. المشكل هو انغلاق البنية الدينية على نفسها.

فالتعليم الديني معزول عن التعلم العمومي، ومحصَّن، ويعتبر أن إدخال علوم أخرى مع الدين هو تدنيس له، سواء عن طريق السلطة السياسية، أم عن طريق البيروقراطية الحديثة التي تحمي هذا الدين.

– لقد شاءت الألطاف أن لا ينشر هذا الحوار الماتع إلّا بعد مرور ثلاث عشرة سنة. ما رأيكم في مضامين هذا الحوار، بعد مرور كلّ هذا الزمن على إجرائه في القاهرة؟

– أوّلاً: أودّ أن أعبِّر لك عن مشاعر التقدير والإعزار التي أكنَّها لك، منذ لقائنا، في القاهرة، في حوالي 2004، وهي المشاعر التي عمَّقَتها صلاتنا هنا في المغرب.

أمّا فيما يخصّ مضمون الحوار فأقول: على الرغم من أصداء بعض الأحداث، فإن الآراء التحليلية المقدَّمة يحكمها الهم أو الهموم الفكرية، أساساً. إن للحدثية، ولقوّة الوقائع السياسية، تأثيراً آنيّاً قويّاً، ولحظات التاريخ الصغيرة تجرّك إليها، وتشدُّك شدّاً. لكن التزامات جيلنا الثّقافية كانت تجرَّنا في الاتِّجاه المعاكس؛ أيّ في اتِّجاه عدم الغرق في الآنيّ العابر، مع محاولة قراءة دلالاته البعيدة المدى، أو أصدائه التاريخية، على مدى الزمن الطويل.

فالبعد الثّقافي- حتى لا أقول (البعد الفكري)- هو صمّام وقاية من الانجرار إلى الأحكام المتسرِّعة والعابرة التي تمرّ كما السحابة السائرة.

فكلّ الشكر لك، على الحرص والمثابرة.


أسهم محمَّد سبيلا، بطريقة مباشرة، في تكوين أجيال من الباحثين الأكاديميين، في حقل الدراسات الفلسفية، كما أسهم، بطريقة غير مباشرة، من خلال كتاباته ومحاضراته العامّة، في تكوين العديد من الباحثين في حقلَي العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، كما أسهم في إنتاج العديد من الكتب المرجعية في بابها، من قبيل: 

– مدارات الحداثة، 1987م، عكاظ، الرباط.
– سلسلة كرّاسات فلسفية، توبقال، الرباط، 1991.
– الأيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية.المركز الثّقافي العربي، الدار البيضاء، 1992.
– الأصولية والحداثة، 1998م.
– المغرب في مواجهة الحداثـة، منشورات الزمن، الرباط، 1999.
– الحداثة وما بعد الحداثة، 2000م.
– للسياسة بالسياسة، 2000م.أمشاج، 2000م.
– دفاعاً عن العقل والحداثة، 2002م.
– زمن العولمة فيما وراء الوهم، 2005م.
– في الشرط الفلسفي المعاصر، 2007م.
– مخاضات الحداثة، 2007م.
– الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان، 2010م
– في تحوُّلات المجتمع المغربي، 2011م.

وكذا، العديد من الترجمات، منها:
– الفلسفة بين العلم والأيديولوجيا، ألتوسير، منشورات مجلّة أقلام، الرباط، 1974. 
– التقنية-الحقيقة-الوجود لمارتن هايدجر، 1984م.
– التحليل النفسي، بول لوران أسون، دار الأمان، الرباط، 1985.
– نظام الخطاب، ميشيل فوكو، دار التنوير، بيروت، 1986.
– تساؤلات الفكر المعاصر، مجموعة من الكُتّاب، دار الأمان، الرباط، 1987.
– حوارات الفكر المعاصر، مجموعة من الكُتّاب، سوبيادر، الرباط، 1989.
– التحليل النفسي، كاترين كليمان، 2000.

مواضيع مرتبطة

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
ترجمة: عثمان عثمانية30 أغسطس 2020
بيروت أو جروح الضوء!
خالد بلقاسم30 أغسطس 2020
أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟
محمد برادة15 أغسطس 2020
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
‬أمجد‭ ‬جمال02 أغسطس 2020
مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!
ترجمة: حياة لغليمي15 يوليو 2020
صناعة النشر بعد الوباء
ترجمة: عبدالله بن محمد03 يوليو 2020
بيونغ تشول هان.. مآل الطقوس الجماعيّة
ترجمة: رشيد الأشقر03 يوليو 2020
اقتصادُ التنمية الذاتيّة
محمد الإدريسي03 يوليو 2020
أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»
ترجمة: عبدالرحيم نورالدين22 يونيو 2020
في رحيل آدَم حَنين.. وَريثُ الصَّلابَة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
157 عدد المشاهدات