رحيل إرنيستو كاردينال.. شاعر الثورة السندينية

ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني  |  08 أبريل 2020

في‭ ‬بداية‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬رحل‭ ‬شاعر‭ ‬نيكاراغوا‭ ‬الأوّل‭ ‬إرنيستو‭ ‬كاردينال‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬95‭ ‬عاماً،‭ ‬بعدما‭ ‬‮«‬أمضى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والعلاجات‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬لم‭ ‬يتوقَّف‭ ‬أبداً‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬ونشره‮»‬‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬الكاتبة‭ ‬لوث‭ ‬مارينا‭ ‬أكوستا‭ ‬مساعدة‭ ‬كاردينال‭. ‬وما‭ ‬بين‭ ‬الدموع‭ ‬والأحاديث‭ ‬الحزينة‭ ‬تجمع‭ ‬الناس‭ ‬ليودّعوا‭ ‬شاعر‭ ‬الثورة‭ ‬السندينية‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬أشعاره‭ ‬الملتهبة‭ ‬والعميقة‭ ‬تتردَّد‭ ‬على‭ ‬الأفواه،‭ ‬ملهمة‭ ‬حماس‭ ‬شعب‭. ‬رحل‭ ‬الشاعر‭ ‬وهو‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬ضد‭ ‬الطغاة‭ ‬جارحاً‭ ‬مثل‭ ‬شوكة‭ ‬في‭ ‬الحلق‭ ‬أعداء‭ ‬شعبه،‭ ‬فنال‭ ‬احترام‭ ‬العدو‭ ‬قبل‭ ‬الصديق،‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬بيان‭ ‬الرئاسة‭ ‬الموقَّع‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬دانييل‭ ‬أوتيغا‭ ‬وزوجته‭ ‬روساريو‭ ‬موريو‭: ‬‮«‬إننا‭ ‬نعترف‭ ‬بإسهاماته‭ ‬في‭ ‬نضال‭ ‬الشعب‭ ‬النيكاراغوي،‭ ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬نعترف‭ ‬أيضاً‭ ‬بجميع‭ ‬مزاياه‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنِّيّة‭ ‬والأدبية،‭ ‬وبشعره‭ ‬الاستثنائي‮»‬‭. ‬

ولد‭ ‬إرنيستو‭ ‬كاردينال‭ ‬في‭ ‬غرناطة‭ (‬نيكاراغوا‭) ‬في‭ ‬20‭ ‬يناير‭/‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬1925‭. ‬وهو‭ ‬الوريث‭ ‬لتقاليد‭ ‬شعرية‭ ‬عريقة‭ ‬مع‭ ‬شعراء‭ ‬بارزين‭ ‬مثل‭: ‬روبين‭ ‬داريو،‭ ‬كارلوس‭ ‬مارتينيث‭ ‬ريباس،‭ ‬بابلو‭ ‬أنطونيو‭ ‬كوادرا،‭ ‬كلاريبيل‭ ‬أليغريا،‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬دي‭ ‬أسيس‭ ‬فرنانديث‭ ‬وجيوكندا‭ ‬بيلي‭…‬

درس‭ ‬كاردينال‭ ‬الأدب‭ ‬والفلسفة‭ ‬في‭ ‬ماناغوا‭ ‬وفي‭ ‬المكسيك،‭ ‬وتابع‭ ‬دراسات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتَّحدة‭ ‬وأوروبا‭. ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1965،‭ ‬تمّت‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬كاهناً‮»‬‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬سيستقر‭ ‬في‭ ‬أرخبيل‭ ‬سولينتينامي‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬بحيرة‭ ‬نيكاراغوا‭ ‬العظمى،‭ ‬حيث‭ ‬سيؤسّس‭ ‬مجتمعاً‭ ‬من‭ ‬الصيادين‭ ‬والفنَّانين‭ ‬البدائيين،‭ ‬وهو‭ ‬مجتمع‭ ‬سيصبح‭ ‬مشهوراً‭ ‬عالمياً‭. ‬هناك‭ ‬سوف‭ ‬يكتب‭ ‬الشاعر‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬إنجيل‭ ‬سولينتينامي‮»‬‭. ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الأرخبيل‭ ‬محج‭ ‬أتباع‭ ‬الشاعر‭ ‬المخلصين‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬إرنستو‭ ‬كاردينال‭ ‬يقضي‭ ‬عطلته‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجزر،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬أعمال‭ ‬روبين‭ ‬داريو‭ ‬الكاملة،‭ ‬ويكتب‭ ‬أشعاره‭ ‬أو‭ ‬يترأس‭ ‬قداس‭ ‬عيد‭ ‬الفصح‭ ‬في‭ ‬كنيسة‭ ‬القرية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬ستصير‭ ‬أحد‭ ‬المعاقل‭ ‬الأساسية‭ ‬المعارضة‭ ‬لنظام‭ ‬سوموزا‭. ‬من‭ ‬هنالك‭ ‬سيُطرد‭ ‬كاردينال‭ ‬ومجتمعه‭ ‬الصغير،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬حرس‭ ‬سوموزا‭ ‬الذي‭ ‬اجتاح‭ ‬الجزر‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وهاجم‭ ‬ودمَّر‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬شيّده‭ ‬الفلّاحون‭ ‬والصيادون‭ ‬والفنَّانون‭ ‬المتحلِّقون‭ ‬حول‭ ‬الشاعر‭.‬‭.. ‬سيغادر‭ ‬كاردينال‭ ‬ليتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬لسان‭ ‬ناطق‭ ‬باسم‭ ‬الثورة‭ ‬السندينية‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬السياسية‭ ‬وفي‭ ‬المهرجانات‭ ‬الشعرية،‭ ‬بحيث‭ ‬سيلقي‭ ‬قصائده‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬سنتياغو‭ ‬بالشيلي‭ ‬وبسان‭ ‬خوسيه‭ ‬بكوستاريكا‭ ‬وبالعديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬وغير‭ ‬الأوروبية،‭ ‬هكذا‭ ‬ستتردَّد‭ ‬على‭ ‬الأسماع‭ ‬قصائد‭ ‬ملتهبة‭ ‬بحمى‭ ‬الثورة،‭ ‬مثل‭ ‬قصيدة‭: ‬‮«‬سماء‭ ‬مفتوحة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬سوموزا‭ ‬يزيح‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬تمثال‭ ‬سوموزا‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬سوموزا‮»‬‭… ‬وكان‭ ‬الشاعر‭ ‬يدعم‭ ‬بشعره‭ ‬الحماسي‭ ‬السندينيين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زياراته‭ ‬لجبهات‭ ‬القتال،‭ ‬وبإيصال‭ ‬صوت‭ ‬الثائرين‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬إلى‭ ‬باقي‭ ‬العالم‭ ‬فاضحاً‭ ‬تجاوزات‭ ‬دكتاتورية‭ ‬سوموزا‭ ‬وفسادها،‭ ‬وانتهاكاتها‭ ‬الجسيمة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬وبعد‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬وسقوط‭ ‬النظام‭ ‬العسكري‭ ‬السابق‭ ‬ورموزه‭ ‬تحمّل‭ ‬إرنيستو‭ ‬كاردينال‭ ‬مسؤولية‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ (‬1979‭ – ‬1987‭) ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬السندينية‭ ‬لدانييل‭ ‬أورتيغا‭ ‬الأولى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أجَّج‭ ‬غضب‭ ‬الفاتكان‭ ‬عليه‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬كاهناً‮»‬،‭ ‬وجعل‭ ‬البابا‭ ‬يوحنا‭ ‬بولس‭ ‬الثاني‭ ‬يبعده‭ ‬سنة‭ ‬1984‭ ‬بالقانون‭ ‬الكنسي،‭ ‬لكن‭ ‬كاردينال‭ ‬واصل‭ ‬مشروعه‭ ‬التنويري‭ ‬ضمن‭ ‬حكومة‭ ‬نيكاراغوا‭ ‬الحرّة،‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬محطَّاته‭.‬

ترجمت‭ ‬أشعار‭ ‬إيرنستو‭ ‬كاردينال‭ ‬إلى‭ ‬عدّة‭ ‬لغات‭ ‬نذكر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭: ‬‮«‬ساعة‭ ‬الصفر‮»‬،‭ ‬‮«‬إنجيل‭ ‬سولينتينامي‮»‬،‭ ‬‮«‬صلاة‭ ‬مارلين‭ ‬مونرو‭ ‬وقصائد‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬‮«‬أهجيات‮»‬،‭ ‬‮«‬مزامير‮»‬‭ ‬و«هكذا‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬مثلما‭ ‬في‭ ‬السماء‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬ترجمت‭ ‬له‭: ‬‮«‬حياة‭ ‬ضائعة‮»‬،‭ ‬‮«‬سنوات‭ ‬غرناطة‮»‬،‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الضائعة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬لغة‭.‬

سنة‭ ‬2018‭ ‬بادرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬الثقافية‭ ‬وشخصيات‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الفنّ‭ ‬والآداب‭ ‬والسياسة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ترشيح‭ ‬الشاعر‭ ‬لجائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب،‭ ‬وكان‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬للأوروغواي،‭ ‬بيبي‭ ‬موخيكا‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المروّجين‭ ‬لملف‭ ‬ترشيح‭ ‬إيرنستو‭ ‬كاردينال،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬مهرجان‭ ‬ميلانو‭ ‬الدولي‭ ‬للشعر‭ ‬للملف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مديره‭ ‬ميلتون‭ ‬فيرنانديث،‭ ‬وكانت‭ ‬اللجنة‭ ‬الداعمة‭ ‬تتكوَّن‭ ‬من‭ ‬الطبيب‭ ‬جيوسيبي‭ ‬ماسيرا،‭ ‬والشاعر‭ ‬غيدو‭ ‬أولداني،‭ ‬والصحافية‭ ‬أندريا‭ ‬سيمليتسي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الترشيح‭ ‬تلاشى‭ ‬مع‭ ‬الفضيحة‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬نوبل‭ ‬كمؤسَّسة،‭ ‬وكان‭ ‬كاردينال‭ ‬قد‭ ‬اقتُرِح‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬رسمياً‭ ‬لجائزة‭ ‬نوبل‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجمعية‭ ‬العامّة‭ ‬للمؤلِّفين‭ ‬والناشرين‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬لكن‭ ‬الشاعر‭ ‬النيكاراغوي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناسبة‭ ‬أخبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬الجائزة‭ ‬لا‭ ‬تهمه‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬كاردينال‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يحتفون‭ ‬كثيراً‭ ‬بالجوائز‭ ‬الشعرية‭ ‬ويترصَّدونها،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬استلم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬على‭ ‬الأَقلّ‭ ‬جائزتين‭ ‬شعريتين‭ ‬مهمّتين‭ ‬هما‭: ‬جائزة‭ ‬بابلو‭ ‬نيرودا‭ ‬سنة‭ ‬2009،‭ ‬وجائزة‭ ‬الملكة‭ ‬صوفيا‭ ‬للشعر‭ ‬الإيبيروأميركي‭ ‬سنة‭ ‬2012،‭ ‬وإبّان‭ ‬ترشيحه‭ ‬الأوّل‭ ‬لجائزة‭ ‬نوبل،‭ ‬كان‭ ‬الشعراء‭ ‬المشاركون‭ ‬في‭ ‬المهرجان‭ ‬الدولي‭ ‬السادس‭ ‬للشعر‭ ‬بغرناطة‭ (‬2010‭) ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الشاعر‭ ‬الإسباني‭ ‬دانيال‭ ‬رودريغيث‭ ‬مويا،‭ ‬قد‭ ‬أقرّوا‭ ‬بقيمة‭ ‬الشاعر‭ ‬إيرنستو‭ ‬كاردينال‭ ‬باعتباره‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الشعراء‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وفي‭ ‬العالم،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬يجادل‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭ ‬لأن‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬عرفت‭ ‬خلال‭ ‬تاريخها‭ ‬الحديث‭ ‬شاعرين‭ ‬أساسين،‭ ‬هما‭ ‬روبين‭ ‬داريو‭ ‬وبابلو‭ ‬نيرودا،‭ ‬اللذان‭ ‬عملا‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬قالب‭ ‬معياري‭ ‬للقصيدة‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أي‭ ‬شاعر‭ ‬أن‭ ‬يزحزحه‭ ‬بعدهما‭ ‬قبل‭ ‬نيكانور‭ ‬بارا‭ ‬وإيرنستو‭ ‬كاردينال‭.

مختارات‭ ‬شعرية

 

هنا‭ ‬كان‭ ‬يعبرُ‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الشوارع،

بلا‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬منصب‭ ‬وبلا‭ ‬مال‭.‬

وحدهم‭ ‬الشعراء‭ ‬والغاضبون‭…‬

عرفوا‭ ‬أشعاره‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

كان‭ ‬سجيناً‭.‬

والآن‭ ‬قد‭ ‬مات‭.‬

وليس‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬نصب‭ ‬تذكاري‭ …‬

لكن

تذكروه‭ ‬لمَّا‭ ‬تكون‭ ‬لديكم‭ ‬جسور‭ ‬خرسانية،

عنفات‭ ‬ضخ‭ ‬مَة،‭ ‬وجرارات،‭ ‬وحظائر‭ ‬من‭ ‬فضة،

وحكومات‭ ‬جيّدة‭.‬

لأنه‭ ‬صَفَّى‭ ‬في‭ ‬قصَائدِهِ‭ ‬لغَة‭ ‬شعْبِهِ،

التي‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬ما‭ ‬سوفَ‭ ‬تُكتَبُ‭ ‬بها‭ ‬اتفاقياتُ‭ ‬التجارةِ،

الدُّستورُ،‭ ‬ورسائلُ‭ ‬الحُبِّ،

والمراسيمُ‭.‬

سوموزا‭ ‬يزيح‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬تمثال‭ ‬سوموزا‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬سوموزا

 

ليس‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الشعبَ‭ ‬أقامَ‭ ‬لي‭ ‬هذا‭ ‬التمثالَ

لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬أفضل‭ ‬منكم‭ ‬أنني‭ ‬أصدرت‭ ‬الأمرَ‭ ‬بذلك‭ ‬بنفسي‭.‬

ولا‭ ‬أنني‭ ‬أدعي‭ ‬أن‭ ‬أنتقل‭ ‬عبرها‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة

لأنني‭ ‬أعرفُ‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬سوف‭ ‬يهدمُها‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭.‬

ولا‭ ‬أنني‭ ‬كنتُ‭ ‬أرغبُ‭ ‬أن‭ ‬أرفعَ‭ ‬ذاتي‭ ‬منتصبا‭ ‬في‭ ‬الحياة

لأني‭ ‬لحظة‭ ‬سأموتُ‭ ‬لن‭ ‬ترفعوني‭: ‬أنتم

لكنِّي‭ ‬نصبتُ‭ ‬هذا‭ ‬التمثال‭ ‬لأنني‭ ‬أعلم‭ ‬أنكم‭ ‬تكرهونه

‮ ‬

الحرس‭ ‬الوطني‭ ‬يمضي‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬رجل‭.‬

رجل‭ ‬ينتظر‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭.‬

اسم‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬غير‭ ‬معروف‭.‬

ثمّة‭ ‬رجال‭ ‬عديدون‭ ‬مدفونون

في‭ ‬خندق‭.‬

عددُ‭ ‬واسمُ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬ليس

معروفاً‭.‬

ولا‭ ‬يُعرفُ‭ ‬مكان‭ ‬ولا‭ ‬عدد

الخنادق‭.‬

الحرس‭ ‬الوطني‭ ‬يمضي‭ ‬بحثاً‭ ‬

عن‭ ‬رجل‭.‬

رجل‭ ‬ينتظر‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭ ‬أن‭ ‬يغادر

نيكاراغوا‭.‬

هكذا‭ ‬في‭ ‬الأرضِ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السَّماءِ

 

(مقطع)

كُلُّ‭ ‬ما‭ ‬خُلِق‭ ‬مِنَ‭ ‬الإلَهِ

مَعَنَا‭ ‬يَعُودُ‭ ‬إلى‭ ‬الإلَهِ

الكُلُّ‭ ‬مَولودٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬اثْنَيْنِ

مَخْلُوقٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬الحُبَّ

لَيْسَتِ‭ ‬النُّجُومُ‭ ‬فِي‭ ‬الأعْلَى

هِيَ‭ ‬ذَرَّاتٌ‭ ‬مِثْلَنَا

نَحْنُ‭ ‬المُوَلَّدُون‭ ‬مِنْ‭ ‬غُبَارِ‭ ‬النُّجُومِ

ومِنْ‭ ‬ذاكَ‭ ‬الغُبَارِ‭ ‬هِيَ‭ ‬أيْضاً

مَلايينُ‭ ‬النُّجُومِ‭ ‬مُدْرِكَةٌ

قَرابِينُهَا‭ ‬تَلْتَمِعُ‭ ‬خلالَ‭ ‬اللَّيْلِ‭ ‬كُلِّهِ

انفِجَارُ‭ ‬المُسْتَعِراتِ‭ ‬العُظْمَى

وَهِيَ‭ ‬تُعَلِّمُنَا‭ ‬كَيْفَ‭ ‬نَمُوتُ

الموتُ‭ ‬ضَرُوريٌّ‭ ‬لأجْلِ‭ ‬التَّطَوُّرِ

الجُرْثُومَةُ‭ ‬وهِيَ‭ ‬تنْقَسِمُ‭ ‬لا‭ ‬تَمُوتُ‭ ‬أبَداً

ولا‭ ‬تتطَوَّرُ

الزَّمَنُ‭ ‬فِي‭ ‬اتِّجاهٍ‭ ‬وَحِيدٍ

مِنَ‭ ‬المَاضِي‭ ‬السَّاخِنِ‭ ‬إلى‭ ‬الآتِي‭ ‬البَارِدِ

القَانُونُ‭ ‬الثَّانِي‭ ‬للدِّينَامِيَّةِ‭ ‬الحَرَارِيَّةِ

أنَّ‭ ‬كُلَّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬يَحِبُ‭ ‬أنْ‭ ‬يَمُوتَ

غَرِيبٌ‭ ‬أنْ‭ ‬يَكُونَ‭ ‬ثَانِياً‭ ‬لِشَيْءٍ‭ ‬ما

قَانُونٌ‭ ‬أعْلَى‭ ‬سَمَّاهُ‭ ‬إدِينْغْتُون

انْبِعَاثُ‭ ‬المَوْتَى‭ ‬يَعْنِينِي

قَدْ‭ ‬جَعَلَ‭ ‬نَفْسَهُ‭ ‬مُتَضَامِناً‭ ‬مَعَ‭ ‬المَوْتَى

‭ ‬إنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬قَادِراً‭ ‬عَلَى‭ ‬كُلِّ‭ ‬شَيْءٍ

ومَا‭ ‬أجْمَلَ‭ ‬أنْ‭ ‬يَكُونَ‭ ‬الكُلُّ‭ ‬قَادِراً

قادِراً‭ ‬ضِدَّ‭ ‬المَوْتِ

المَوْتُ‭ ‬حَقٌّ

لَكِنَّهُ‭ ‬ليسَ‭ ‬نِهَائِيّاً

لا‭ ‬يَمُوتُ‭ ‬كُلُّ‭ ‬شيْءٍ‭ ‬مَعَ‭ ‬المَوْتِ

أمَحْكُومُونَ‭ ‬بالتَّلاشِي‭ ‬الحَتْمِيِّ؟

وَهَلِ‭ ‬التَّلاشِي‭ ‬الكَامِلُ‭ ‬للكَوْنِ

هُوَ‭ ‬أنْ‭ ‬يَنْتَهِيَ‭ ‬الكُلُّ‭ ‬إلى‭ ‬عَدَمٍ؟

أمْ‭ ‬خُلِقَ‭ ‬لِكَيْ‭ ‬يَتِمَّ‭ ‬تَحْوِيلُهُ؟

الشَّمْسُ‭ ‬سَوفَ‭ ‬تُحْرِقُنَا

إنْ‭ ‬صَارَتِ‭ ‬احْمِرَاراً‭ ‬هائِلاً

وسَيَثِيرُ‭ ‬المَدْفُونونَ‭ ‬في‭ ‬الأرْضِ

دَفِينِي‭ ‬الشَّمْسِ

وبعدئذٍ‭ ‬سَوْفَ‭ ‬تَصِيرُ‭ ‬صغِيرَةً

قَزَمَةً‭ ‬بَيْضَاءَ

ولا‭ ‬كَوْكَبَ‭ ‬سَيَكُونُ‭ ‬قابِلاً‭ ‬للسَّكَنِ

هَلْ‭ ‬سَنَسْتَطِيعُ‭ ‬الهُرُوبَ‭ ‬إلى‭ ‬المرِّيخِ؟

وهُوَ‭ ‬ما‭ ‬يُمْكِنُ‭ ‬أن‭ ‬يَكُونَ‭ ‬مُجَرَّدَ‭ ‬تَأجيلٍ‭ ‬للنِّهَايَةِ

حَقّاً‭ ‬مَوْتُ‭ ‬الكَوْنِ

وقَدْ‭ ‬صَارَ‭ ‬بلا‭ ‬أرْضٍ‭ ‬وبلا‭ ‬شَمْسٍ‭ ‬وفَقَط

بَحْرٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬نُجُومٍ‭ ‬مَيِّتَةٍ

بِدُونِ‭ ‬هِيدْرُوجِينٍ‭ ‬من‭ ‬أجْلِ‭ ‬نُجُومٍ‭ ‬أكثَر

كَوْنٌ‭ ‬بَارِدٌ‭ ‬فقط

مِنْ‭ ‬ثُقُوبٍ‭ ‬سَوْدَاءَ

ونُجُومٍ‭ ‬مَيِّتَةٍ

حينَ‭ ‬تَنْطَفِئُ‭ ‬نَجْمَةٌ

تغْرَقُ‭ ‬فِي‭ ‬ثُقْبٍ‭ ‬أسْوَدَ

وهِيَ‭ ‬أيْضاً‭ ‬نَجْمَةٌ‭ ‬سَوْدَاءُ

وَلَنْ‭ ‬تَكُونَ‭ ‬فَقَط‭ ‬نِهَايَةُ‭ ‬الشَّمْسِ

بَلْ‭ ‬أيضاً‭ ‬نِهَايَة‭ ‬كُلِّ‭ ‬الكَوْنِ‭ ‬

كلُّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬بِبِدَايَةٍ‭ ‬لَهُ‭ ‬نِهَايَةٌ

كيفَ‭ ‬سَيَكُونُ‭ ‬الحَالُ‭ ‬بلا‭ ‬كَونٍ؟

هَلْ‭ ‬سَيَتأمَّلُ‭ ‬الإلهُ‭ ‬فِي‭ ‬هُدُوءٍ‭ ‬نِهَايَتَه؟

ويَكُونَ‭ ‬مَرَّةً‭ ‬أخْرَى‭ ‬المُتَوَحِّدَ‭ ‬الضَّجِرَ‭ ‬للأبَدِيَّةِ

لا

لنْ‭ ‬يُعِيدَ‭ ‬الكُلَّ‭ ‬إلى‭ ‬الفَرَاغِ‭ ‬الذي‭ ‬مِنْهُ‭ ‬أتى

سَوْفَ‭ ‬يَجْعَلُ‭ ‬خَلْقاً‭ ‬جَدِيداً‭ ‬قَالَ‭ ‬لنَا‭ ‬

عالماً‭ ‬جَدِيداً‭ ‬بِدُونِ‭ ‬دَرَجَةِ‭ ‬تَعَادُلٍ‭ ‬حَرَارِيٍّ

لَيْسَ‭ ‬ذَاكَ‭ ‬الذي‭ ‬فيهِ‭ ‬كُلُّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬يُسْتَنْفَدُ

مُتَحَرِّرُونَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الزَّمَنِ‭ ‬ذلكَ‭ ‬الوَهْمُ

‭ ‬الذي‭ ‬قالَهُ‭ ‬أينشتاين

فِي‭ ‬الحَاضِرِ‭ ‬المُتَأبِّدِ

مُتَحَوِّلُونَ‭ ‬عَبْرَ‭ ‬الحُبِّ

إلى‭ ‬أنْ‭ ‬نَصِيرَ‭ ‬نَوْعاً‭ ‬جَدِيداً

فِي‭ ‬انتظارِ‭ ‬خَلْقٍ‭ ‬جَدِيدٍ

سَانْتا‭ ‬تيريسا‭ ‬دي‭ ‬ليزيو

مَاتَتْ‭ ‬بِغِوَايَةِ‭ ‬هَرْطَقَةٍ

لَكِنَّهَا‭ ‬هَزَمَتِ‭ ‬الغِوَايَةَ‭ ‬بِقَوْلِهَا

حَتَّى‭ ‬لَوْ‭ ‬لَمْ‭ ‬تَكُنْ‭ ‬مَوْجُوداً‭ ‬فَأنَا‭ ‬أحِبُّكَ‭.‬

مواضيع مرتبطة

”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!
منذر مصري24 يونيو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
بصمات علي قنديل
فتحي عبدالله14 يونيو 2020
لويس سِبّولْفِيدا.. أن تحكي يعني أن تقاوم
نبيل موميد03 يونيو 2020
عبد الوهاب عيساوي: أنتمي إلى جيل لا يهتم بالتاريخ كثيراً
حوار: نوارة لحرش02 يونيو 2020
علي قندي.. أيقونة شعر السبعينيات
أمجد ريان02 يونيو 2020
مجيد طوبيا.. شكل آخر  من الكتابة
محمد‭ ‬الشحات08 أبريل 2020
703 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا
11 أغسطس 2020

في يوم الثلاثاء: 17 مايو/أيار، 1980، غادر قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» المحطّة التشيلية في رحلة روتينية. تألّفت القافلة من عربة البريد وعربة أخرى لشحن السلع وعربتَين لمسافري الدرجتين: الأولى والثانية،على التوالي. كان عدد قليل جدًّا من الركّاب يسافرون فيه،...

اقرا المزيد
”وردة النار“ كارلوس زافون
06 أغسطس 2020

وهكذا، في 23 من أبريل/نيسان، التفت سجناء الرواق لينظروا إلى «ديفيد مارتين»، الذي كان يضطجع في عتمة زنزانته، بعينيه المغلقتين، والتمسوا منه أن يحكي لهم قصّة يطردون بها الضجر، فقال: «سأحكي لكم قصّة». «قصّة كتب، وتنانين، وورود، مثلما يمليه التاريخ، ولكن، وعلى...

اقرا المزيد