رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ

خالد بلقاسم  |  10 ديسمبر 2020

استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، كان الشاعر المصري الراحل رفعت سلام (1951 – ديسمبر 2020) يَعي أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

بين مجموعة رفعت سلام الشعريّة الأولى «وردة الفوضى الجميلة» الصادرة عام (1987) وعمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018)، مسارٌ كتابيّ يَحكمُهُ هاجسُ اكتشاف مَناطقَ جديدة في المجهول الشاسع لأراضي الشعر، ويحكمُه، بوَجه رئيس، هاجسُ البحث عن بناءٍ نصيٍّ غيرِ مُقيّدٍ بقبليّات جاهزة. لعلّ تحوُّلَ هذا الهاجس الأخير إلى مُوَجّهٍ للكتابة الشعريّة، لدى رفعت سلام، هو ما جعلَ مُمارستَهُ النصيّة تتحدّدُ بوَصفها بحثاً دؤوباً عن تجدُّد احتمالات تحقّقها، مثلما جعلَ تصوّرَ الشاعر لإنجاز الكتابة يتحدّدُ في ضَوء البحث لها عن بناء مُحتمَل ضمْن الوُعود اللانهائيّة التي يقدِّمُها هذا البحثُ نفسُه. هكذا ظلّت مُمارسته تحملُ، في عناصر تشكّلها وطرائق بنائها، وُشومَ هذا البحث الذي يُعدُّ حيَويّاً في قراءةِ مسار هذا الشاعر، وفي الاقتراب من الآفاق الكتابيّة التي كان يَنشدُها.

استناداً إلى ذلك، لم تنفصل الكتابة، عند الشاعر رفعت سلام، عن البحث عمّا به تُجدّدُ المُمارسةُ النصيّة بناءَها. وهو ما مكّنَه من كتابة نصّ شعريّ مُنشغلٍ بالعثور على احتمالاتِ الشكل لا في عناصرَ قبليّة، بل في عناصرَ يجودُ بها الشعرُ وهو يتحقّقُ، في المُمارسة النصيّة، بإحدى الصيَغ المُمكنة لهذا التحقّق الذي يبقى شكلهُ مفتوحاً على اللانهائيّ. لعلّ ذلك ما وجّهَ كتابةَ الشاعر في حِرصها على التفاعُل مع المعرفة الشعريّة، من جهة، وعلى المُحاورَة الصامتة، من جهة أخرى، لتجاربَ شعريّة عربيّة وعالميّة.

كثيرةٌ هي المؤشّرات التي يُمكنُ أن تقودَ التأويلَ إلى عدِّ مُمارسةِ الشاعر رفعت سلام للكتابة، بوَصفها بحثاً مُتجدّداً عن شكل مُنفلت، أسَّ تصوّره للكتابة وأسّ مُوجِّهات القراءات التي أنجزَها أيضاً عن الشعر. تبدّت بذرةُ هذا التصوّر، أوّلَ ما تبدّت، مُنذ إسهام الشاعر رفعت سلام، رفقة الشعراء حلمي سالم، وجمال القصاص، وحسن طلب، في إصدار مجلّة «إضاءة 77»، التي انحازَت إلى مَنحى المُغايَرة في الكتابة الشعريّة المُعاصرة، تجاوُباً، من جهة، مع مَن أرْسوا هذا المَنحى الذي كانت مَسالكهُ تُشَقُّ في المَشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، وتعارُضاً، من جهة أخرى، مع مَن انطوَت تجاربُهم على ما يُهدِّدُ بتضييق الأفُق الشعريّ وبحَصْر احتمالاتِ تحقّقه التي لا تقبلُ الحصْرَ أصلاً.

تبدو مُمارسةُ الشاعر رفعت سلام النصيّة، في انحيازها إلى التجديد، كما لو أنّها تبحثُ عن شَيء مُنفلت شعريّاً، تبحثُ عنه لا خارجَها بل في بنائها النصّيّ، وفي ما يَضمنُ لهذا البناء أنْ يُشكّلَ جُزءاً من المُحتمَل المعماريّ الذي كانَت مُمارَسة رفعت سلام الشعريّة تَعي انفتاحَه، ولا نهائيّتَه، وتعدُّدَ طرائق تحقّقه. مُنذ أن وَعى الشاعر أنّ الوزن ليس هو الشعر، وأنّه مُجرّد عُنصُر يتحقّق الشعرُ من داخله ومن خارجه في الآن ذاته، دون أن يكونَ شرطاً حاسماً لهذا التحقّق، رسّخَ كتابتَهُ، بَعد أن انحازَ إلى بناء شعريّةِ نُصوصه من خارج الوزن، بوَصفها بحثاً عن معمار مُتولِّدٍ بهذا البحث ذاته وبما يقودُ إليه. بذلك ظلّ المعمار، المُبتغى لاستواء النصّ الشعريّ لديه، مُنتسباً، وَفق هذا التصوّر، إلى المُستقبل وإلى المجهول الذي إليه تُفضي المُمارَسة النصِّيّة. وظلّ أثرُ هذا البحث عن شكل مُستقبليّ مجدِّدٍ للبناء النصّي سارياً في العناصر التي بها تحقّقَ هذا البناء، من جهة، وبما لم يتحقّق أيضاً، من جهة أخرى، لكنّه بقيَ، حتى من داخل تمنُّع تحقّقه، شاهداً على ملامح غيابٍ كانت تنشدُهُ كتابةُ الشاعر رفعت سلام، وتتوقُ إليه. استناداً إلى هذا النزوع في مُمارسة الكتابة بوصفها بحثاً، تُهيّئُ تجربتُه للقارئ أن يَرصدَ شعابَ البحث عن الشعر في الكتابة؛ تحقّقاً، وتملّصاً، وأثراً. فمسارُ رفعت سلام الكتابيّ يَحملُ وُشومَ البحث عن الشعر في كلّ تحقّق بنائيّ يُجسِّدُه عملٌ من أعماله الشعريّة التسعة، سواء بما تحقّقَ في هذا البناء أم بما ظلّ حُلماً ببناءٍ تَشهدُ عليه علاماتُ سَعْي العُبور إليه.

تبدّت وُشومُ البحث عن صيَغٍ مُتجدّدة للبناء الشعريّ، التي كانت ترتسمُ منذ سبعينيّات القرن الماضي في كتابة الشاعر رفعت سلام، عبْر تجلّيات عديدة؛ منها الانتسابُ إلى منحى المُغايرة والتجديد في المشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، ونقد المَنحى الذي أخذَ يميلُ، في هذا المشهد نفسه، إلى تضييق حرّيّة الكتابة الشعريّة، وإلى ترسيخ تماهٍ بين الشّعر والوزن انطلاقاً مِن عَدِّ الثاني مُحدِّداً حاسماً للأوّل. ترسيخٌ انطوَى على نُزوع لا يُمكنُ، في الأخير، إلاّ أن ينتصِرَ للجُمود وللجاهز، بجَعْل الشعر رهينَ قبليّات ومُسبّقات، لا وليدَ مجهول يُصرّ على أنْ يبقى مجهولاً. تجسّدَ نقدُ رفعت سلام لهذا المَنحى الثاني بصيغتَيْن مُتفاعلتَيْن؛ إحداهما مُباشِرة أفصحَتْ عنها دراساتهُ، وحواراتُه، واختياراتُه في ترجمة الشعر. أمّا الصيغة الأخرى فتحقّقَت بصورة صامتة، إذ تكشّفتْ من بَحثِ مُمارَسته النصيّة عن شكل شعريٍّ غير معلومٍ بصورة قبليّة؛ شكلٍ لا يُوجدُ خارجَ الكتابة وخارج وُعود شِعابها ومجهولها. ذلك ما جعلَ الكتابة تتحقّقُ، في هذه المُمارسة، بوَصفها بحثاً عن بناء نصّيٍّ ضمن الاحتمالات اللانهائيّة لهذا البناء. ومن ثمّ، لم يكُن انتسابُ الشاعر رفعت سلام إلى مَنحى المُغايرة مُنفصلاً عن هذه المُساءلة النقديّة بصيغَتيْها السابقتيْن. لقد حرصَ الشاعر، استناداً إلى وَعيه النظريّ، على أن يُسهمَ في إرساء تعدُّد البناء الشعريّ مِن موقعِ توسيع شعريّةِ النثر وتمكين الشعر مِن تحقّقاته التي لا تتقيّدُ بالوَزن، لأنّ الشعريَّ يَفيضُ عن مُمْكن الوَزن وعن حُدوده.

هكذا يُتيحُ السعيُ الدؤوب، في كتابة رفعت سلام، إلى تجديدِ البناء النصيّ وإلى استثمار المناطق التي تُهيَّأ للشعر من خارج الوزن، عدَّ مُنجَزه الشعريّ كتابةً بحثيّة، ولكن دون تجريد ذهنيّ ولا إغراق للنصّ في نُزوع تأمّليّ صرف. إنّها كتابة مُنشغلة ببنائها وبمُحاورة نُصوصها الغائبة بقدر انشغالها بإنتاج معنى مُتفاعل مع توَتّرات الزّمن الحديث، ومع حركيّة اليوميّ، ومع القيَم التي انتصرَ لها الشاعر، بصورة يبدو فيها الانشغالُ بالبناء النصيّ كما لو أنّه مُتخلّقٌ على نحو سَلِس لا تكلّف فيه، لكنّه لا يُفرّطُ، في الآن ذاته، في أسُسه النظريّة ومُوجِّهاته المعرفيّة التي تقودهُ نحو مجهول الشكل الشعريّ. لقد اختبرَت كتابة رفعت سلام، من بين ما اختبرَتْهُ في انشغالها بتجديد البناء النصّيّ، ما يَهبُهُ التضايُف بين الشعر والنثر من احتمالات شعريّة، وما تُوفّرُهُ الإمكاناتُ التي يَعِدُ بها توليدُ الشعرُ من داخل النثر، اعتماداً على تحرُّر كتابيّ لا يتقيّدُ بالقبليّ والمُسبق، ولا يتوَجّهُ إلى أفُق معلومِ الملامح. وهذه خصيصةُ مُمارسة الكتابة بما هي بحثٌ مُتجدّد. لذلك هيّأ مُنجَزُ رفعت سلام الشعريّ، من حيث البناءُ النصّيّ، مَتناً لاستجلاءِ صيَغٍ مِن صيَغ توليدِ الشعر من النثر، مثلما هيّأ، من حيث بناءُ المعنى، صيَغ تفاعُل الشاعر مع قضايا زمنه برُؤية نقديّة ظلّت سارية في نُصوصه.

للتدليل على السّمة البحثيّة في كتابة رفعت سلام، يُمكن الإشارة، على سبيل التمثيل، إلى عمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018). فيه تجلّى، بصُورة بَيّنة، الملمحُ البَحثيّ في اختبار احتمالاتِ الشكل الكتابيّ وفي استثمار الإمكان المفتوح للبناء النصيّ، إذ تبدّى أثرُ الانشغال بالبناء النصّيّ، أوّل ما تبدّى، مِن فضاء الصفحة. فقد وزّعَ الشاعرُ رفعت سلام فضاءَ الصفحة إلى عمودَيْن مُتجاورَيْن، على نحوٍ جعلَ الصفحة مُضاعَفة بكلّ ما يَستتبعهُ ذلك على مُستوى صَوغ الشكل الكتابيّ، وعلى مُستوى إنتاج المعنى. إنّها المُضاعفة التي كشفَت عن استثمار الشاعر للمُجاوَرة بين العمودَيْن واتّخاذها مُوَجِّهاً بنائيّاً للعمل الشعريّ. وبذلك غدَت هذه المُجاوَرة، التي إليها احتكمَ البناء، مُنتجةً للمعنى وموَجِّهةً، أيضاً، لكلّ قراءة تَرومُ الإنصات للعمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، إذ يتعذّرُ التفاعُلُ مع هذا العمل وتأوُّله دون استحضار رهانات المُجاوَرة المُضاعِفة للصّفحة وللمَعنى في الآن ذاته. كان واضحاً اختلافُ العمودَيْن المُتجاورَيْن في الصفحة من حيث نوعُ الخطّ، كما كان واضحاً تبادُلهما لمَوقعيْهما من صفحة إلى أخرى. ومع تنامي المُجاورة، يتكشّفُ أنّها ليست سوى الملمحِ الظاهر لعلاقة قائمة على التداخل بمُختلف تشعّباته، على نحو يرسُم فيه العمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، لقارئه، سبيلاً تأويليّاً متعدّدَ التفرّعات والاحتمالات. سبيلٌ ينتقلُ من المُجاوَرة إلى التداخل اعتماداً على نَفَس طويل، وينتقلُ، أبعد من ذلك، من المُضاعَفة إلى التعدُّد، لأنّ الشاعر لا يقتصرُ على العمودَيْن المتجاورَيْن – المتداخليْن، بل يُدمجُ مؤشّرات أخرى في فضاء الصفحة، التي تحوّلت أحياناً إلى شاشةٍ اتّسعتْ لاستيعاب العديد من العلامات الدالّة، حتّى لقد غدت «المُجاوَرة» بين عمودَي الصفحة مُجرّد عُنصُر بنائيّ ضمْن عناصرَ أخرى عديدة؛ منها تذييلُ الصفحة بهوامش، وإدماجُ إطار مُتضمِّن لمقطع شعريّ في قلب الصفحة أو أعلاها أو أسفلها، وملءُ الصفحة بإطارات مُقتصِرة على جُمل شعريّة، وغيرها من العناصر التي كانت دالّة على الانشغال بالبناء النصّيّ. كما لو أنّ الشاعر رفعت سلام رامَ، بالعناصر المُشار إليها وبغيرها، استثمارَ «الحريّة المُطلقة» التي يُتيحُها شعرُ النثر؛ الحريّة التي قادتْهُ، دوماً، في بَحثه عن مُمكن ضمْن المُمكنات اللانهائيّة للشكل الشعريّ. وهو نفسُهُ كان يَعي، على المُستوى النظريّ، هِباتِ هذه الحُرّيّة وخُطورَتها التي سبقَ لبودلير أن ألمح إليها. إنّه الوعي الذي تكشّفَ من المُقدّمة التي صدّرَ بها رفعت سلام ترجمتَه لأعمال بودلير الكاملة، لمّا توقّفَ عند خطورة هذه الحُرّيّة المُطلقة، بوَصفها توجُّهاً لا من معلوم إلى معلوم، بل من مجهول إلى مجهول، وبوَصفها، أيضاً، اختباراً يتطلّبُ لاستحقاقها مسؤوليّةً كتابيّة.

لقد كان استثمارُ مُمكنات البناء النصّيّ، اعتماداً على ما يُتيحُهُ توليدُ الشعر من قلب النثر، خَصيصةً لافتة في أعمال الشاعر رفعت سلام بلغَت أقصاها في عمله الأخير «أرعى الشياه على المياه»، وإنْ ضيّقَت فيه صَوتَ الصّمت الشعريّ الذي حاصرَهُ امتلاء الصفحة. إنّها الخصيصة التي ظلّت، دوماً، مُتفاعلة، في شعر رفعت سلام، مع نبْرته النقديّة التي اعتمدَت في هذا العمل الأخير مُتخيّلاً قياميّاً. ذلك أنّ الشاعر استهلّه بمشهد قياميّ، حتّى وإن أنكرَ الهامشُ الوارد في صفحة البداية ذلك. مشهدٌ ينهضُ على الخراب والأطلال قبل أن يُعاودَ الظهور بصيَغ عديدة، منها مثلاً قول الشاعر: «والشمسُ احتجبَتْ فلم تَعُد تضيءُ، والناس يتخبّطون في الظلام، تائهين، بلا صُراخ أو أنين، مصروعين». لكن المُتخيّل القياميّ المُوجِّه للنبرة النقديّة لم يكُن، في عمل رفعت سلام الشعريّ الأخير، نهاية ميتافيزيقيّة، بل كان كشفاً عمّا أصاب الحياةَ وقادَها إلى خرابها الذي لا يكفُّ عن الامتداد بأطلاله وبتمديدها، دُون نهاية مُحتمَلة.

لم يتنازل الشاعر رفعت سلام، وهو ينحازُ في مُمارسته النصيّة إلى استثمار مُمكنات التضايُف بين الشعر والنثر في توسيع الشعريّ، عن نقْد ما يَعوقُ الحياةَ الحديثة بمُختلف وُجوهها. لم يكُن انشغالهُ بالبناء النصّيّ مفصولاً لديه عن هذه النبرة النقديّة التي سرَت في نُصوصه. وقد كان لافتاً أنّ الشاعر رفعت سلام أمّنَ لمُمارَسته النصيّة شعريّتَها اعتماداً على رهانات البناء وقضايا الشكل الكتابيّ، بما لم يُحوِّل النبرة النقديّة، في إنتاج المعنى، إلى مُحدِّدٍ للشعريّ في هذه المُمارسة. كان رفعت سلام يَعي، استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس، وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

لقد انتسبَ رفعت سلام إلى الكتابة الشعريّة من موقع «الحُرّيّة المطلقة»، ومن الوعي بخُطورة هذه الحُرّيّة التي لا تتّكئُ على القبْليّ والمعلوم، ولا تعرفُ إلى أين يُمكنُ أن يقودَ البحثُ داخلها، لكنّها لا تفرِّطُ في مسؤوليّتها الشعريّة التي تجعلُ منها حُرّيّةً خليقةً بنسَبها إلى الكتابة.

مواضيع مرتبطة

«النار ما تورِّث إلّا رماد»: هيمنة ثقافة المطابقة على المغايرة
ربيع ردمان06 أكتوبر 2021
شادي عبْد السَّلام.. سينِما المُهَندِس المِعْماري
بنيونس عميروش07 يوليو 2021
في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
خالد بلقاسم07 يوليو 2021
التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل
إبراهيم الحَيْسن26 مايو 2021
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
خالد بلقاسم26 مايو 2021
جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»
رشيد بنحدو26 أبريل 2021
تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا
عبد الرحمان إكيدر24 فبراير 2021
علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”
محمد برادة03 يناير 2021
محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!
إبراهيم الحَيْسن04 نوفمبر 2020
«في انتظار البرابرة» الشخصيّة الكولونياليّة في عُزلتها وتمرُّدها
أحمد ثامر جهاد03 نوفمبر 2020
653 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

دون كيخوطي.. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم
06 أكتوبر 2021

يبدو الأفق، الذي تفتحُهُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» للتأويل، كما لو أنّه متاهةٌ لا حدّ لأغوارها. وهي عُموماً صفةُ ما يَبقى ويدومُ في الكتابة وبها، أي الديمومة التي تؤمِّنها الكتابةُ بما تَهَبُهُ من إمكانات للتأويل والتمديد. فأراضي هذه الرواية، المُشرَعة...

اقرا المزيد
في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
07 يوليو 2021

تُصابُ اللّغةُ بالشلَل مثلما يُصابُ الجسد، لأنّ للغةِ أيضًا جسدًا، كلّما تصلّبَ فيه طرَفٌ سرَى الموتُ كي يُجمِّد أطرافًا أخرى، على نحو يوسِّعُ مساحة الشلل، ويُهدِّد بموتِ اللّغة حتى وإنْ اتّخذ هذا الموتُ صورةَ حياة مُقنّعةٍ بتداوُلٍ مُفرط. فتداولُ التراكيب...

اقرا المزيد
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
26 مايو 2021

عاشَ الشاعر الفلسطينيّ عز الدين المناصرة (1946 – 2021) منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ...

اقرا المزيد
آلية الترجيح في الترجمة
26 أبريل 2021

من ملامح الحيرة، التي تُصاحبُ آلية الترجيح في الترجمة، اضطرار المُترجِم، مثلًا، إلى الاستعانة بهوامشَ، من خارج النصّ المُتَرْجَم ولكن بإيحاءٍ منه، كي يكشفَ عن الحيرة التي ساورَتْهُ في العُبور من لغةٍ إلى أخرى ومن سياقٍ ثقافيّ إلى آخر، وكي يُفصحَ عمّا دعاه...

اقرا المزيد
الحياة بوَصفها حُلماً
15 فبراير 2021

تناولَ «بورخيس» في المُحاضَرة الثانية، ضِمن ما ألقاهُ من مُحاضَرات عامَي 1967 و1968، بجامعة «هارفارد» الأميركيّة، الأنماطَ الأصليّة أو النموذجيّة للاستعارة، وتوقَّفَ، وهو يَعرضُ هذه الأنماط، على النمطِ الأصليّ لاستعارةِ «عدِّ الحياة حُلماً». وفي سياق تأمُّل...

اقرا المزيد
بيروت أو جروح الضوء!
30 أغسطس 2020

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ...

اقرا المزيد
«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
02 أغسطس 2020

لا ينفصلُ الإنسانُ عن وَجْهه، إذ به يتميّزُ وبه تتحدّدُ هُويّتُه، وقد تهيّأ الوَجهُ، انطلاقًا من تركيبته، لأن يكون مُضاعَفًا، على نحو جعلَ الإنسانَ منذورًا مُنذ البدء لأن يَعيشَ بوَجهيْن، لا بالمعنى القدحيّ الذي اقترَن فيه الوَجهُ بالنفاق، وبإظهار المَرء...

اقرا المزيد
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
01 يوليو 2020

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة،...

اقرا المزيد
ضجرٌ لا كالضجر
02 يونيو 2020

ليس الضَّجرُ شعوراً مَقيتاً في ذاته، إنّهُ جُزءٌ مِنَ الحياة، إذ يَتمنّعُ تصوّرُها بدُونه، ما دامت حقيقةُ الحياة في تناقُضاتها، وما دامت هذه الحقيقةُ وُجوهاً مُتناقضةً لا وَجْهاً ثابتاً بمَلامحَ جامدة. الضَّجرُ شعورٌ إنسانيّ عامّ، لكنّ صيَغَهُ وحِدّتهُ...

اقرا المزيد
في زمن الجائحة
06 أبريل 2020

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين...

اقرا المزيد