رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!

منذر مصري  |  24 يونيو 2020

من يصدِّق: رياض الصالح الحسين، الشابّ اليافع الذي غادر العالم في عمر (28)، صار في 2016/3/10، كهلاً في عمر (62)؟ الجواب: «لا أحد»؛ ذلك أن شعورنا جميعاً أن (رياض)، لم يمت، فحسب، بل أنه مازال في عمر (28)! وأجد، الآن، في هذه المناسبة، فرصة لمعاودة المحاولة. أنا أحد أشدّ المقربين له، حياتياً وشعرياً، وأستطيع الادّعاء، بتبيان الأسباب التي تجعلنا نقول هذا وكأنه حقيقة، الأسباب نفسها التي تجعله يحتلّ هذه المكانة الاستثنائية في المشهد الشعري السوري خصوصاً، والعربي عموماً. وإذا كان يحلو للبعض (وأنا منهم) أن يعدّ موته الفاجع، عن ذلك العمر المبكِّر، قد لعب- لا ريب- دوراً كبيراً في ولادة ما يشبه الأسطورة، وإقامة ذلك التمثال العجيب الذي، بحركته الدائبة، يجاري جسم رياض المرن، وهو يمشي ويركض ويرقص، فإن ما يهمّني، هنا، هو أن أعود لأؤكِّد على دور ما أَطلقتُ عليه (الخلطة السحرية) التي ركَّبها رياض لأهمّ مؤثّرات القصيدة السورية في السبعينيات من القرن الماضي: أوَّلاً: الإغواء الذي لا يقاوَم لأدوات محمد ماغوط الشعرية، هو المؤثِّر الطاغي على قصيدة النثر السورية. وثانياً: العفوية الشديدة التي اتّصفت بها قصيدة بندر عبدالحميد، والتي كنت أعدّها استسهالاً، إلاّ أنه تبيَّن لي، منذ زمن ليس ببعيد، خطئي في هذا، لأن بساطة قصيدة بندر، ليست أقلّ (ولا أكثر) من صورة مطابقة له تعكسها مرآته. وثالثاً: الانفعال والاضطرام اللذان ميّزا شعر نزيه أبو عفش، تفعيلة كان أم نثراً، هو الذي كان- برأيي- المثال الأعلى: الشعري، والإنساني لرياض الصالح الحسين، وإن لفترة من الزمن. هذه التركيبة التي أوحت للكثيرين بقدرتها على تحويل أيّ كلام إلى شعر. كلّ هذا- برأيي- كان له الدور الأكبر في اعتبار قصيدة رياض، بدورها، المثال الأعمّ لقصيدة النثر السورية؛ وذلك لأنها تلاءمت، على نحو مباشر وآخر غير مباشر، مع الجوّ الثقافي والجوّ السياسي السائد في سورية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، وبالتحديد: من أواسط عقد السبعينيات إلى نهاية عقد التسعينيات؛ حيث كان السوق الثقافي السوري مغلقاً في وجه التجارب الشعرية العربية الطليعية، أساليب ومضامين، في آن معاً!. رافق هذا تململ سوري ظاهر على هذين المستويَيْن، بالذات، وخاصّةً بالنسبة إلى الجيل الذي كان يقف عند عتبة تجاربه الإبداعية، وبصعوبة يسمح له بالدخول؛ الأمر الذي أدّى إلى تفشّي هذه الوصفة وتعميمها مذ ذاك اليوم، حتى راح يمكننا القول إن قصيدة رياض مازالت تُكتَب، وإن تجربته مازالت تتابَع وتتقدَّم، راسمةً، إلى اليوم، إيجاباً وسلباً، أكثر ملامح القصيدة السورية انتشاراً ورسوخاً. 

قد يجد البعض أن هناك قدراً كبيراً من المبالغة، في إطلاق صفة الأسطورة على رياض الصالح الحسين! بالتأكيد، أوافق على هذا، فقد كنت، دائماً، أعترض على أسطرة الناس، إلاّ أنني منساق إلى مفهوم رياض بالذات، ومفهومي أنا أيضاً، بأن عمل الشعر، في أحد أهمّ وجوهه، هو أسطرة الواقع، وتحويل الهامشي إلى متن، ورفع المهمل والمتروك إلى رفّ الصمديّات، وتجميع فتات زمننا وخلق حياة..؛ الأمر الذي جعله يختار (أساطير يومية) عنواناً لمجموعته الثانية. 

قصيدة من كلّ مجموعة:

لا أظنّني أحتاج أعمال رياض الصالح الحسين الشعرية الكاملة، التي صدرت عن دار المتوسِّط، رغم أنني مَنْ أعَدَّ سيرة رياض، وشهادات الشعراء في مقدِّمتها، لأنتقي منها مختارت من شعره، فلديّ الطبعات الأولى لمجموعاته الأربع، وعلى الثلاث الأولى إهداءاته، بخطّ يده، وهذا لا يمكن أن يقارن بشيء. كما أظنها موفّقة، إلى حَدّ بعيد، المختارات التي نشرها الشاعر السوري علي سفر، في مدوّنته الإلكترونية الخاصّة، إذ اختار قصيدة واحدة من كلّ مجموعة من مجموعات رياض الأربع، إلا أني فضّلت قصيدة (غرفة صغيرة وضيّقة، ولا شيء غير ذلك) من مجموعة (بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس)، ذلك لأنه خصَّني فيها بالذكر، وهذا ما يشاركني به، من أصدقاء رياض، مالا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. وأنا، رغم ماردّدته في العديد من المناسبات، من أن مجموعة (وعل في غابة) تتضمّن أفضل ما كتبه رياض، أرى أن أكثر ما يمثِّله هو القصائد التي كتبها في مجموعاته الثلاث الأولى غير مكترث بشيء، سوى بما يتدفّق حارّاً وصاخباً في شرايينه، مخرِّباً دورته الدموية:


1 – دُخان

من«خراب الدورة الدمويَّة»

كئيباً ومنفتحاً كالبحر، أقف لأحدِّثكم عن البحر

مستاءً وحزيناً من الدنيا، أقف لأحدِّثكم عن الدنيا.

متماسكاً وصلباً ومستمرّاً كالنهر،

أقف لأحدِّثكم عن النهر.

وعندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي،

وللجدران أصابع تتحسَّس أضلاعي،

وللأبواب ألسنة تتكلَّم عنِّي..

وعندما يصبح للماء طعم الماء،

وللهواء نكهة الهواء،

وللحبر الأسود هذا رائحة الحبر..

وعندما تهيِّئ المطابع الأناشيد للقرّأء بدلاً من الحبوب المنوِّمة،

وتهيِّئ الحقول القمح بدلاً من الأفيون

وتهيِّئ المصانع القمصان بدلاً من القنابل…

سأقف، أيضاً، سأقف لأحدِّثكم عنِّي.

لأحدِّثكم عن الحبّ الذي يغتال المراثي

عن المراثي التي كانت تفتح دفترها الملكي.

لتسجّل أسماءكم في قائمة القتلى،

عن القتلى المتشبِّثين بالضمّاد، والميكروكروم

الذي لم يأتِ

وسأقف، أيضاً، سأقف

لأحدِّثكم عنّي

مثلما يتحدَّث الديكتاتور عن سجونه

والمليونير عن ملايينه

والعاشق عن نهدَيْ حبيبته،

والطفل عن أمِّه،

واللصّ عن مفاتيحه،

والعالم عن حكّامه،

سأحدِّثكم بحبّ، بحبّ، بحبّ

بعد أن أُشعِل سيجارة!.


2 – بعد ثلاثة أيّأم

من «أساطير يوميَّة»

ما الذي سيحدث، في هذا الضياء الواسع،

إذا لم تشرق الشمس

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

ما الذي سيحدث، في هذا الفضاء الواسع،

إذا توقَّفت العصافير عن الزقزقة

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا الجحيم الواسع،

إذا تعطَّلت أجهزة اللاسلكي

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

ما الذي سيحدث، في هذا المستنقع الواسع،

إذا توقَّفت الضفادع عن النقيق

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا القبر الواسع،

إذا فُقِدتِ السجائر من الأسواق

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا الخنجر الواسع،

إذا توقَّفت أمريكا عن أكل لحوم البشر

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

ما الذي سيحدث، في هذا العالم الواسع،

إذا أضربنا عن اليأس

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

وما الذي سيحدث، في قلبي الواسع،

إذا لم أحبّك

بعد ثلاثة أيّام؟

* * *

منذ القبلة الأولى على رقبتك الطويلة،

وحتَّى الحرب العالميَّة الثالثة

التي لم تأتِ بعد،

كنت أوزِّع الحبّ على النازحين،

وهم يوزِّعون بطاقات الإعاشة!

كنت أوزِّع الحبّ على السجناء،

وهم يوزِّعون الصدمات الكهربائيَّة!

كنت أوزِّع المصانع في الصحاري،

وهم يرصدون سجناً لكلّ مصنع!

منذ انبثاق النار من احتكاك حجرين

وحتَّى اختراع القنابل العنقوديَّة،

كنت أوزِّع الحبّ في القلوب

كما يوزِّعون الرصاص!

كنت أنثر الأغاني في الطرق الجبليَّة

كما ينثرون الألغام،

منذ أن جلس بوكاسا على عرشه العريض،

وأنا أحاول أن أحبَّهُ

بعدَ ثلاثة أيّام،

بعد ثلاثة أيّام،

ستقابل عاملة في مصنع للنسيج

رجلاً يصنع التوابيت.

بعد ثلاثة أيّام،

السماء ليست سوداء

والأحاديث ستكون أجمل.

بعد ثلاثة أيّام،

ستقابل العاملة رجلاً

هي لا تحمل حقيبة

وهو لا يضع ربطة عنق حمراء!

بعد ثلاثة أيّام،

ستحدث مهزلة بسيطة

-رغم أنَّ كلّاً منهما لا يملك أجرة تكسي-

عندما تقول له: 

لا أستطيع أن أحبّك

إلاّ بعد ثلاثة أيّام!


3 – غرفة صغيرة وضيّقة، ولا شيء غير ذلك

من «بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس»

غرفة صغيرة صالحة للحياة.

غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للموت.

غرفة صغيرة ورطبة، لا تصلح لشيء

غرفة صغيرة فيها: 

امرأة تقشّر البطاطا واليأس

عامل باطون، لا ينام أبداً

بنت تبكي كثيراً بدون سبب

وأنا.. ولد مشاكس وغير لئيم

لديّ كتب وأصدقاء،

ولا شيء غير ذلك.

* * *

ومنذ أن ولدت بلا وطن

ومنذ أن أصبح الوطن قبراً

ومنذ أن أصبح القبر كتاباً

ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلاً

ومنذ أن أصبح المعتقل حلماً

ومنذ أن أصبح الحلم وطناً،

بحثت عن غرفة صغيرة وضيّقة،

أستطيع فيها التنفُّس بحريّة.

* * *

على الرفّ، في الغرفة، كتب وأصدقاء

وهناك- أيضاً- حزمة جافّة من البرسيم

صورة لغيفارا ولوحة سوداء لمنذر مصري.

عندما أجوع، ألتهم الكتب وأقول للأصدقاء: 

أيّها الأصدقاء، تعالوا لنتحاور.

وأصدقائي كثيرون..

الذين يحبُّونني لا يتركون لي فرصة للموت،

والذين يكرهونني لا يتركون لي فرصة للحياة

وغداً، على الأرجح،

سألْتهِمُ الأصدقاء

كما التهمت الكتب وقرارات الأمم المتّحدة.

وغداً، على الأرجح،

سأكفُّ عن الحلم

مثلما كفّت الآنسة (س) يدها عن شؤون قلبي.

وغداً، على الأرجح،

سأترك للغرفة تأسيس حياتي،

بجدرانها الخمسة المدمّاة

ونافذتها الوحيدة المشرَّعة.

* * *

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للبكاء

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للحبّ

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للمؤتمرات،

لم أستطع أن أتآمر على أحد

لم أستطع أن أفعل شيئاً.

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للكتابة،

لم أستطع إلاّ كتابة وصيّتي الأخيرة.

الغرفة الصغيرة الضيّقة

الممدّدة كجثّة فوق سرير الأرض

قابلة، مثلي، للتشريح

ومثلي، قابلة للإبادة.

في الغرفة الصغيرة الضيّقة،

أقرأ الصحف والمذابح.

في الغرفة الصغيرة الضيّقة،

أعوي كعاصفة، 

وأغرِّد كسنبلة.

أنا في الغرفة الصغيرة الضيّقة: 

نهر مكسور،

و- أحياناً- أمّة مضطهَدة.

أين ذهبت المرأة؟

– لتموت في الغرفة الصغيرة الضيّقة.

 أين قرّرْت الحزن؟

– في الغرفة الصغيرة الضيّقة.

 كم عمرك؟

– غرفة صغيرة ضيّقة.

 ما هي الأرض؟

– غرفة صغيرة ضيّقة.


 4 – الخنجر

من «وعل في الغابة»

الرجل مات

الخنجر في القلب

والابتسامة في الشفتين.

الرجل مات

الرجل يتنزّه في قبره

ينظر إلى الأعلى

ينظر إلى الأسفل

ينظر حوله:

لا شيء سوى التراب،

لا شيء سوى القبضة اللامعة 

للخنجرفيصدره.

* * *

يبتسم الرجل الميّت،

ويربِّت على قبضة الخنجر

الخنجر، صديقه الوحيد

الخنجر

ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى.

مواضيع مرتبطة

”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
بصمات علي قنديل
فتحي عبدالله14 يونيو 2020
لويس سِبّولْفِيدا.. أن تحكي يعني أن تقاوم
نبيل موميد03 يونيو 2020
عبد الوهاب عيساوي: أنتمي إلى جيل لا يهتم بالتاريخ كثيراً
حوار: نوارة لحرش02 يونيو 2020
علي قندي.. أيقونة شعر السبعينيات
أمجد ريان02 يونيو 2020
رحيل إرنيستو كاردينال.. شاعر الثورة السندينية
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني08 أبريل 2020
مجيد طوبيا.. شكل آخر  من الكتابة
محمد‭ ‬الشحات08 أبريل 2020
350 عدد المشاهدات