شهرزاد من خلف الكمّامة.. كل عام وأنتم بخير!

| 03 يناير 2022 |
نتمنّي عامًا سعيدًا لنا ولأحبّائنا ونحن نودّع سنة ونستقبل أخرى، قريبين في ذلك من شهرزاد وهي تسكت عن الكلام المباح وتستعدّ لاستئنافه في الصباح الموالي. والحقّ أنّ وجوه شبهٍ عديدة تجمعُ بيننا نحن «شهرزادات» ألفِ يومٍ ويومٍ و«شهرزادات» ألف ليلة: كلٌّ منّا يحكي كي يتقدّم من «المحتوم» في الدروب بأكثر ما يمكن من الفرح في القلوب. ولا مناص لنا من فلاحة الأمل. تلك كانت حكايتنا مع الحكي والحكاية منذ تشكّلت معالم «الهومو سابيانس». وقد يصحُّ أن نقول: تلك كانت حكايتنا مع الحكْي والحكاية منذ تشكّلت معالم «الإنسان الحكَّاء».
كانت شهرزاد الخرافة تحكي لتعيش وفي نهاية كلّ حكاية تتمنّي لشهريارها «ليلة أخرى» سعيدة. أمّا شهرزاد حياتنا اليوميّة فإنّ شهريارَهَا الزمن، وهي بدوْرِها تحكي لتعيش، وأمنيتها أن يسعفها شهريارُها «بِسنة أخرى» تكون هي أيضًا سعيدة. إلاّ أنّ السنة المنقضية أدخلتْ بعضَ الكسر على نسق الحكاية دون إنتاج نسق حكائيّ جديدٍ تمامًا.
نحن في حكاية بين حكايتين على غرار المنزلة بين المنزلتين. لقد أدخلت علينا «الجائحة» ما يُشبه الانقلاب. وما أن ظهرت اللقاحات المضادّة لفيروس الكوفيد حتى خيّل إلى الكثيرين أنّ العالَمَ غادر «مربّع الحَجْر» وشرع الناس في الاستعداد للاحتفال بالسنة الجديدة. أي ما أنّ شرعنا نحن «أبطال الحكاية» في الاستعداد إلى نوع من «النهايات السعيدة» التي اعتدنا عليها أو على «توهُّمها»، حتى ظهرت علامات معاكسة تنذر بإمكانيّة التراجع إلى منطقة العواصف المتقلّبة، حيث النهايات مفاجئة وغير مضمونة.
هكذا بات النسق متردّدًا يصعب معه الاطمئنان إلى نوع النهاية: هل هي نهاية سعيدة فعلًا أم هي نهاية غير واضحة المعالم؟ لقد باتت العبارات المعتادة في نهاية كلّ سنة، قريبة من عبارة «النهاية» التي اعتدنا إدراجها على الشاشات في نهاية الأفلام، أي أنّها تشير في الحقيقة إلى بداية الفيلم الحقيقيّة وليس إلى نهايته.
والحقّ أنّ السنواتِ حكايات ولكلّ حكاية شهرزاد ولكلّ شهرزاد حكاية. لذلك اعتادت شهرزاد الحياة اليوميّة أن تستقبل الغدَ دائمًا بالأمل وتحتفل به أيّما احتفال وتقول بلسانِ أحدنا للآخر: كلّ عام وأنت بخير. لكن هل يظلّ الأمر كذلك في المستقبل ونحن نوشك على الانتقال إلى مرحلة الإنسان الجديد الذي أطلقنا عليه في نصٍّ سابقٍ اسم «الهُومُو كُوفِيدُوس»؟ بأيّ صوت وبأيّ نبرة يمكننا أن نقول الشيء نفسه هذه السنة؟ بأيّ درجة من «الثقة» يمكننا أن نتمنّى لأحبّتنا «سنة سعيدة» كعادتنا في نهاية كلّ عام؟
***
ليس من شكٍّ في أنّنا نشهدُ ظهور شهريارٍ جديد في الفترة الأخيرة. شهريار ماكر ما إن نتوهّم أنّنا عرفناه حتى تظهر له «متحوّرات» لا تحصَى ولا تُعَدُّ، فإذا هو مجهول الهويّة مبهم الصفات خفيّ الملامح لا يمكن أن نتوقَّعَ له ردَّ فعل.
لكأنّنا مع هذا الشهريار في مطلع تاريخ جديد يحتاج إلى حكْيٍ جديد. لا إمكانيّة للتاريخ إن لم نحكِ. ونحن نجهل كلّ حدث لا يتحوّل إلى حكايات. وعلينا أن نعرف كيف ننشئ سياقًا حكائيًّا جديدًا قادرًا على الإيقاع بشهريارنا الجديد في شراك حكاياتنا الجديدة.
إلاّ أنّ هذا السياق لم يطلّ برأسه بعدُ، ولم تُحرث أرضُه البكر حتى الآن. ولا بدّ أن تُحرث تلك الأرض مهما كانت صعبة. ولا بدّ أن تبذر فيها الحكايات وتحصد مهما كان الثمن. وفي انتظار ظهور هذا السياق الحكائيّ الجديد يمكننا أن نسأل: هل ظهرت فينا وبيننا شهرزادُ الجديدة الكفيلة به؟
***
شهرزاد التي نقصدُ في سياق الحال هي هذا العالَمُ الذي يقدّم لنا اليوم حكاياته صوتًا وصورة من وراء قنوات اتّصاله وتواصله. ولعلّنا اليوم أمام شهرزادَيْن: الأولى «سليلة» المرحلة الممتدّة بين «أسمار الجَدّات» و«الإبحار على الأنترنات». والثانية لم تتّضح معالمها تمامًا، لكنّها «وليدة» ما بعد تلك المرحلة بما يرافقها من رواسب المرحلة الأولى وما يصاحبها من إكراهات الجائحة الطارئة ومفاجآتها الداهمة وآفاقها المجهولة.
***
تبدو شهرزاد الأولى هذه الأيّام شبيهةً بالطفل المدلّل الذي ألفَ أن يعوّل دائمًا على الآخرين واعتاد أن يصيح ويبكي فيستجيب أبواه لكافّة طلباته. لقد استبدّ بها الخوف في بداية الجائحة فانضبطت وخفت صوتها، ثمّ سرعان ما عافت الانضباط وضاقت بالحجْر وأصبحت ترى في إجراءات «التباعد الصحيّ» والكمّامات وحتى في اللقاحات «الوجوبيّة» تدخّلاً في حريّاتها الشخصيّة. وها هي في عدّة جهاتٍ من العالَم تجيّش المواقع والمنصّات وتتمرّد على كلّ منطق كلّما اقتربت أعيادٌ أو احتفالات، تعبيرًا عن الغضب ورفضًا لكلّ إجراءات السلامة الصحيّة أذا كانت تعني التخلّي عن نمط حياتها الاجتماعيّة المعهود.
أمّا شهرزاد الثانية فإنّها تتحسّس المكان بخوف من يزوره لأوّل مرّة. وهي تلقي على الأفق نظرات التحسّب والحيطة، فتراه مدجّجًا بأخطار غير واضحة المعالم. لعلّ أقلّها أنّ المستقبل قد لا يعود بنا أصْلاً إلى «خفّةِ» نمط الحياة الاجتماعيّة السابق. لذلك نراها تحاول أن تتكيّف مع إيقاع جديد، قد يكون مبنيًّا على احتفاليّة التباعد، والاقتصاد في الفرح، هذا إن لم تصبح الكمّامة فيه عنصرًا قارًّا من أكسسوارات الخروج إلى الشارع.
***
يمكننا أن نلاحظ أيضًا، أنّ «المواقع» في الحكاية الشهرزاديّة (سواء في ألف ليلة وليلة أو في ألف منصّة ومنصّة) هي في أحيانٍ كثيرة أسوار عالية تحيط بأناس امتُحِنوا في امتحان العيش معًا فسقطوا في الامتحان وانغلقوا على كنوزهم وأصبحت قلاعُهم سجونًا. وهم لا يُبعَثون إلاّ حين يأتي غريب فيقرأ «الشيفرة» ويفتح المرصود. لاحظ استعارة «التشفير» في عالم الخوارزميّات. استعارةٌ حمّالةُ أوجُه تتيحُ القراءة ونقيضها. لكنّها يجب أن تُعلّم الحريّة.
وعلى هذه الحريّة أن تكون حريّة مسؤولة. ذاك هو التحدّي المرفوع أمام شهرزاد «اليوم التالي» أو المرحلة الموالية. مرحلة ما بعد الخفّة وما بعد تبذير الفرح. مرحلة الحكي في ضوء حدث الجائحة الذي بدَا عابرًا وها هو يتأبّد.
ويبدو أن «الهومو كوفيدوس» واقفٌ حتى الآن في منزلة بين المنزلتين بالنسبة إلى هذه الجائحة: منزلة الحدث الفارق ومنزلة الحدث مولّد الحكايات. لذلك تبدو شهرزاد هذه السنة فريسة حيرة شديدة وهي تهتف: سنة سعيدة! كلّ عام وأنتم بخير! مدركة في الوقت نفسه أنّ هذا الفيروس ليس خطأً مطبعيًّا، بل هو وليد فساد واستبداد عالَميّين، وثمرة سقوط قيميّ، ونتيجة خطايا سياساتٍ كلْبيّة وتصنيع مدمّر للبيئة والصحّة، وأنّ علينا أن نراجع جذريًّا الكثير من خياراتنا إذا أردنا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه.
***
مهما كان الأمر فإنّ «شهرزاد الكونيّة» شرقيّة كانت أم غربيّة لا تحيد عن القول إنّ «العقل السليم في الجسم السليم» ولا تحيد عن رؤية مستمعيها يواصلون توسعة الفجوة بين الجسم والعقل. وقد ذهب في ظنّ «الجمهور» أنّ العددَ والكثرة يغلبان الكفاءة والنوعيّة. ولعلّ في الإبقاء على هذا الوضع دليلاً كافيًا على صعوبة المصالحة بينهما منذ القِدَم. ومن ثمّ رأينا بعضنا يتصرّف مع الجائحة من نفس المنطق، وكأنّ الجائحة خصم يمكن هزيمته بالاحتجاجات السلميّة أو عن طريق صندوق الاقتراع. وكأنّ في وسعنا الانتصار على الفيروس بكثرتنا وتفوّقنا العدديّ.
وهذا موضوع سأعود إليه في نصّ قادم.
لقد نمت شهرزاد الأولى وامتدّت جذورها وفروعها في الأنستاغرام والفيسبوك وما لفّ لفّها من منصّات مبنيّة على نمط «اقتصاد الانتباه» التي تنتج الإحباط وتربّي على العنف. حتى باتت ذات «شخصيّة قاعديّة» متنمّرة متمرّدة ذات وجهين مثل جانوس: وجه احتفاليّ محموم يرى الحياة «تسلية» في المطاعم والفنادق ووجه استهلاكي هيستيريّ يرى الحياة «تبضّعًا» في المغازات والشوارع. وبين هذا الوجه وذاك «حيتان» متوحّشة انهارت لديها كلّ القِيم واستعبدتها المصالح الماليّة والسياسواتية.
أمّا شهرزاد الثانية فهي تنمو على أنقاض الأولى دون أن تتنكّر لها تمامًا. بل لعلّها تحاول أن تدافع عن «احتفاليّة» الأولى وتسعى إلى الإبقاء على طاقة الفرح.
شهرزادنا هذه الأيّام ترغب في العيش بفرح كأن لا وجود للجائحة، وترغب في العيش بتحسُّب كأنّ الجائحة هي أفق الحياة الجديد. وهذا يعني أنّها فهمت أنّ الإنسان شرع في التغيُّر وأنّه من ثمّ في حاجة إلى سرديّةٍ جديدة وإلى نمطٍ حكائيّ جديد. وفي انتظار ذلك عليها أن تواصل الحكي، وعليها أن تواصل الإقبال على الفرح، دون أن ترى مانعًا من الاحتفال مع احترام مسافات التباعد، ودون أن ترى ضررًا في مخاطبتنا من وراء كمّامة، متمنيّة لنا سنة سعيدة.