ضجرٌ لا كالضجر

خالد بلقاسم  |  02 يونيو 2020

ليس الضَّجرُ شعوراً مَقيتاً في ذاته، إنّهُ جُزءٌ مِنَ الحياة، إذ يَتمنّعُ تصوّرُها بدُونه، ما دامت حقيقةُ الحياة في تناقُضاتها، وما دامت هذه الحقيقةُ وُجوهاً مُتناقضةً لا وَجْهاً ثابتاً بمَلامحَ جامدة. الضَّجرُ شعورٌ إنسانيّ عامّ، لكنّ صيَغَهُ وحِدّتهُ وعواملَهُ ونتائجَهُ تختلفُ باختلاف انشغالات الذوات، وباختلاف ما يُحدِّدُ رَغباتها ومُيولها، إذ لا حدَّ لتبايُن الصيَغ التي بها يَحصلُ الضجَر. ولا حدّ- أيضاً- لوَشائجِ هذا الشعور بمَشاعرَ أخرى، كفُتور الرّغبة، والخمول، والانعزال، والنفور، والتقزّز، والتبرّم، والضّيق، والقنوط، واليأس، وغيرها، وهي جميعُها جُزءٌ مِنَ الحياة ومِنْ سلسلة المشاعر البَشريّة القائمة، في أساسها الطبيعيّ السليم، على التناقُض، ما دام لكلّ شُعور ضدّه الذي به يَتحدَّدُ، ويتجدَّد.

لربّما الوَعيُ بأنّ الضجَر شُعورٌ مِنْ صُلب الحياة؛ هو ما يُفسِّرُ حِرْصَ الأديان على تأمين صِيَغٍ للتعامُل مَعه وَفقَ تصوُّرها الخاصّ للفَرد وللحياة بوَجْه عامّ، وحِرْصَ الصوفية على مُواجَهته رُوحيّاً لمَنْع تسلُّله إلى القلوب والاستئثار بها، وحِرصَ علم النفس على إدماج هذا الشعور في بناءِ شخصيّةِ الطفل، سَعْياً إلى تمْكين الطفل- لاحقاً- مِن مُواجَهةِ الضّجر، ومَنْع تحوُّله إلى اكتئاب أو إلى نُزوعٍ نحو الانكماش، والانغلاق، ورَفض الحياة. استثمارُ الضجَر والمَلل في بناء شخصيّةِ النّشْء وتقويّتها هو تصدٍّ مُبكّرٌ لِما يُمْكنُ أنْ يقودَ إلى انهيار الفَرد أمام لحظاتِ هشاشته، التي يُعدُّ الضجَرُ أحدَ رَوافدها. فالضَّجرُ، بهذا المعنى، حَيَويّ، لأنّ مُواجَهتَهُ استقواءٌ على الوَجْه الرَّتيب في الحياة، ولأنّ هذه المُواجَهة تُقوّي، فضْلاً عن ذلك، إدراكَ وَجهِ الحياة المُمتع، وأحقّيّتِها بأنْ تُعاشَ بمَحبّة مُتجدِّدَةٍ، بما يتولّدُ عن الضّجَر نَفْسِه. كما أنّ المَوضوعَ، المُثيرَ للضّجر، ذو أهمّية بالغة في تقييم هذا الشّعور، لأنّ الضَّجرَ، مِنَ الرداءة، مثلاً، أمرٌ بنّاء، لأنّه يَغدو، في هذه الحالة، مُنطوياً على حسٍّ نقديّ، بما يُؤكّدُ أنّ التبرُّمَ والضيقَ والمللَ مشاعرٌ تَعْني، مِنْ بين ما تَعنيه في بَعض الحالات، يَقظةَ حواسٍّ، وتحصيناً للرّغبة والمُيول مِنَ الابتذال. فأن يكونَ المَرءُ ضَجوراً مِنَ البلاهة وملولاً من التفاهة؛ يعني أنّهُ مُتفاعلٌ معَ الحياة بحسٍّ رفيع، ومُتمسِّكٌ بما يُؤمِّنُ المَعنى لهذه الحياة.

بالجُملة، يَصعُبُ تصوّرُ الحياة بدُون ضجَر، وإلاّ ستكونُ بلا طعْم. فحتى السعادةُ المُطلقة، إنْ وُجدَتْ، لا يُمْكنُ إلّا أنْ تكون مُضْجرَةً في ذاتها، إذ لابدّ لها أنْ تغتذيَ مِن نقيضها لتحيَا، لأنّ ما لا يَغتذي مِنْ نقيضه مَنذورٌ للمَوت، كما يقول إميل سيوران. فالرّغبة، وَفق هذا المَعنى، تستمدُّ حَيويّتَها حتّى مِن الضّجَر نفسِه، إذ هو ما يُغذّي، مثلاً، الرّغبة في التجدّد، وفي المُغامَرة، واكتشاف المجهول؛ لذلك يُعَدّ الضّجر، متى تمَّ توجيهُه في مَنحى بنّاء، مِن الأحاسيس التي تُعْطي طَعماً للحياة، به يُدْركُ المَرءُ قيمةَ التجدُّد، والسَّفر، وخَرْق العادة، وغيرها مِنَ الأمُور التي تَكشفُ عن اتّساع الحياة وتعدُّد هِبَاتها، مادامتْ (بأضْدادها تُعرَفُ الأشياء).

لكن، عندما يكونُ الضجرُ بلا خَارج، وعندما تضيقُ السُّبُل التي كانت مُتاحة في التصدِّي له، كما هي الحال في زَمن جائحة (كورونا)، فإنّه يَغدو بطَعم آخَر، ويتطلّبُ مُواجهةً مُضاعَفة. عندما يَطولُ الضّجرُ، ويتغذّى مِنْ نَفْسه، وتضيقُ إمكاناتُ تكسيره، يَصيرُ ضاغطاً، ومُهدِّداً للتوازُن النفسيّ ولفاعليّة الفَرد، ومُرْبكاً حتى لمَفهُوم الحياة ذاتِها. لا يتعلّقُ الأمْرُ، إذاً، في ما يَعيشهُ العالُمُ اليَوم تحت سَطوة الفيروس القاتل، بلحَظاتِ ضَجَر تتخلّلُ الحياة، بل بضَجر كاسحٍ مُتحكِّمٍ في تفاصيلِ اليَوميِّ، ومُوجِّهٍ لها، على نحو جعلَ الحياةَ، في حالةِ الحَجْر الصّحيّ، الذي لا تنفكُّ المجتمعاتُ تُمدِّدُ أمَدَه تحت ضَغط انفلاتِ التحكّم في الجائحة، شَبيهةً بسجْن كبير، وهو ما خلقَ تَغيّراً، ليس في علاقةِ الفَرد بالمَكان، الذي غَدا ضيّقاً وتسلّلَ ضيقُهُ إلى النُّفوس، فحسب، بل في علاقةِ الفرد بالزّمن، الذي تغيّرَ مفهومُهُ بَعْد أنْ صارَ رَتيباً، مُنتجاً للضّجَر ومُحمَّلاً به، أيضاً. لقد تسلّلَ الضجرُ إلى اليَوميّ وتحوّلَ إلى شعورٍ طاغٍ، بل أصبحَ مَوضوعاً طاغياً حتى في التواصُل بين الناس وفي حواراتهم، التي صارَت تتِمُّ عن بُعد، كما هي حالُ العَديد من المُمارَسات التي تخلّت عن القُرب، حتى غدا البُعدُ بانياً للاجتماع، على نحو ما يُفهمُ من مُصطلح «التباعُد الاجتماعيّ»، الذي يَنطوي في صيغَته على مُفارَقة غريبة.

للضّجَر، بغضِّ النظر عَن صِلَته بالمَكان، صلةٌ قويّة بالزَّمن، بل هُو، بمَعنى ما، صيغةٌ مِن صيَغ تحقّق الزّمن، الذي ليس، في حقيقته، مُجرّدَ ثوانٍ ودقائقَ وساعاتٍ وأيّام وشهور وغيْرها مِنَ التقسيمات المُعتمَدَة في حسابه. يتحدَّدُ الزّمنُ، مِن بَين ما به يتحدّدُ، بحَمولته الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة. ليس الزّمن مُنفصلاً عمَّن يَعيشهُ، إنّهُ، تبعاً لذلك، صيغةُ وُجود. ما به يُمْلأ الزّمنُ هو ما يُحدِّدُهُ، ويُحدِّدُ في الآن ذاته إيقاعَهُ وطرائقَ تفاعُل الفَرد مَعه. ما به يُمْلأ الزَّمنُ هو أحدُ الأمُور الحاسمة في العلاقة التي تُنْسَجُ معهُ. لكن، عندما يَمتلئُ الزّمنُ بالفَراغ، فإنّه يَغدو عِبئاً يَدعو إلى التخلّص منه، وليس ثمّة أقسى ولا أشدّ وطأةً مِنْ أنْ يَسْعَى المَرءُ إلى التخلّص مِن الزّمن باستعجال انقضائه كما لو أنّهُ عَدوّ حقيقيّ. لعلّ جانباً مِنْ هذا المَعنى هو ما تَنطوي عليه الاستعارةُ الدّالة التي تُجسِّدُها عبارةُ «قتْل الوقت»، التي غدَتْ مُوَجِّهاً للتعامُل مع الزّمن في العديد من الأمُور اليوميّة التي إليها يَلجأ الناسُ، راهناً، في عُزلتهم الاضطراريّة المُترتّبة على الجَائحة وعلى فرْض الحَجْر الصحّيّ.

قد يتولّدُ الضجرُ مِن انشغالٍ ضاغط، على نحو ما كان يَفرضهُ إيقاعُ الحياة قبْل الجائحة، لكنّ هذا الضّجرَ، المُترتِّب أساساً على الانشغال المُكثَّف والمُطّرد لا على الفراغ، كان فيما مَضى يَسمحُ بتجاوُزه، أو على الأقلّ التَّخفيفَ مِن وَطأته، مِن زاويتيْن؛ الأولى مُتعلِّقة بإمكان تجاوُزه مِنْ داخله، وذلك بمُزاوَلة ما ينشغلُ به الفردُ بعزيمة ومَحبّة، أي حرْصه على التصالُح مع مَوضوع انشغاله بمَنأى عن التأفّف والنفور، على نحو ما يُمْكنُ أنْ يتحقّقَ في علاقة الفرد بالعَمل الذي يُزاوله، لأنّ هذه المحبّة هي ما يُعطي مَعنى لِما يقومُ به الفرد، وهي ما يُهيّئُ تحويلَ الضّجر إلى رَغبة، أي بنَسْخ الضّجَر مِنْ داخله. الزاوية الثانية مُتعلّقة بتَكسير ضغْط إيقاع العمل، وخلْق فُرَص للسّفر أو غيره مِنْ سُبُلِ الترفيه. لكن، عندما يتولّدُ الضجرُ مِن اكتساح الفراغ وعندما تضيقُ العلاقة بالمكان لأمَدٍ غير مُحدَّد، مثلما هي الحال في اليَوميّ المُرتبط بالجائحة، يكونُ هذا الضَّجرُ أقسى، لأنّ الفردَ لمْ يَسبق أنْ تمرَّسَ عليه ولا أنْ تعوّد على العُزلة بوَجْه عامّ، ناهيك عن العُزلة الطويلة الأمد، خلافاً للفئة التي خبرَتْ تحويلَ العُزلة إلى فضاء لإنتاج الرّغبة وتجديد العزيمة، لمّا جعلتْها جُزءاً مِنَ اليوميّ وبنَتْ عليها تصوُّرها للحياة. صحيحٌ أنّ العُزلة الإراديّة هي غيرُ العُزلة الاضطراريّة في الحَجْر الصحّيّ، لكنّ مَن خَبروا الأولى ووعَوها لا يَبدو أنّ الثانيّة ستُثيرُ فيهم ما ستُثيرُه لدى مَنْ لا يُطيقون العُزلة، أي مَن يتأفّفون منها، وتُسبِّبُ ضَجَرهم. فالعُزلة الإراديّة، بالنسبة إلى مَن خَبرُوها وسَعَوا إليها حتى تحوّلت لديْهم إلى ضرورة حياتيّة، هي عندهُم لقاءٌ، أي أنّها مأهولة، ومُحتشدة بالسّلالة الرّوحيّة التي إليها يَنتمي مُحبّو العزلة، فهي، ليست انفصالاً في منظورهم، إنّها اتّصالٌ مأهولٌ بمَن تَسْتَدعيهم هذه العُزلة مِنَ الأموات ومن الأحياء، على سواء. عُموماً يُمْكنُ التمييز، بناءً على ما يُوَلِّدُ الضجَر، بين نَوعيْن؛ ضَجر الانشغال الضّاغط، وضَجَر الفراغ الضاغط الذي فيه يَصيرُ الفردُ عدُوَّ الزمن.

لقد ولّدَت الجائحة، فَجأة، فائضاً مِن الزّمن، لمْ يكُن الفردُ مُؤهَّلاً لتصريفه، إذ لمْ يَعرف كيْف يَعملُ على مَلْئه، ولا بما يُمْكنُهُ أنْ يَملأه. فجأةً وَجدَ الإنسانُ الحديث، الذي كان يَشكو ضيقَ الوقت وضَغطَ إيقاع الحياة السريع، نفسَهُ أمام وَضْعٍ مُناقض تماماً، لأنه صارَ في مُواجهةِ فائض مِنَ الزمن. فبَعد أنْ خفَّ الشعورُ بالرّعب الذي رافقَ الاجتياحَ الأوّل للجائحة، بحُكم طبيعةِ مُعظم الأحاسيس البَشريّة التي تبدأ قويّةً ثم تأخذُ في الفُتور، وبَعدَ أنْ تحوّلَ المَوتُ إلى مُجرّد أرقام حتى صارَت بعضُ القنوات «تُبشِّرُ» بمَوت أقلّ، كما لو أنّ فداحةَ المَوت لم تعُد في ذاته بل في عدَد المَوتى وحسب، بَعْد هذا كلّه حلَّ محلَّ الرُّعب الأوّل ضَجرٌ مُمتدٌّ، وضَعَ الفردَ وَجهاً لوَجْهٍ مع الزّمن.

إنّ الضجرَ، الذي ولّدَتْهُ حالةُ الحجْر الصّحيّ المُترتّبة على الجائحة، جعلَ الزمنَ مُعلَّقاً بين ماضٍ ولّى، ومُستقبلٍ مُرتقَبٍ بتوَجّسٍ وارتياب، على نحو خلقَ لدى الفَرد رَغبةً في تخطّي الحاضر الذي اختلّت العلاقةُ معهُ؛ وهذا وَجْهٌ مِنْ وُجوه خُطورَةِ هذا الضّجر، الذي يَعملُ على فَصْل الفَرد عَن حاضره؛ إمّا بأنْ يَصيرَ أسيرَ ذاكرته، لا يَنفكّ يَستعيدُ، مُتحسِّراً، تفاصيلَ مِنْ حياته قبْل الجائحة، تفاصيل لمْ تكُن تبدو لهُ بالقيمة التي غدَتْ لها في زَمن الضَّجر، وإمّا بأنْ يترقّبَ ما بَعْد الجائحة، مُستعجِلاً انقضاءَ الوَقت. بَيْن الحنين إلى ما قبْل الجائحة وترقّب ما بَعْدها، يَنجرُّ الفردُ إلى الإجهاز، لا على الحاضر وحسب، بل على الحياة نَفسها، التي تقتضي أنْ تُعاشَ لا بحسٍّ ماضويّ، ولا – أيْضاً – بما لمْ يَأْتِ بَعد، لأنّ الفرد، في الحالتيْن، يبتعدُ عن «الهُنا» و«الآن» اللذيْن عليهما تقومُ الحياة، ويقومُ تدبيرُ العلاقة معها. سُئلَ الصوفيّ أبو علي الدّقاق، قديماً، عن الوَقت، فأجابَ بقوله: «الوقتُ ما أنتَ فيه»، مُشدِّداً على ضرورةِ أنْ يَعيشَ المَرءُ تجربَتَهُ بامتلاء تامّ، أي بانخراطه الكامل في «الآن» بقُوّة باطنيّة. عندما يكونُ «ما نحنُ فيه» مَحدوداً، أي لا يُتيحُ احتمالات عديدة، كما هي الحال في زَمن الجائحة، فإنّه يتطلّبُ مُقاوَمةً تقومُ على بناءِ الرَّغبة وتجديدها ومَنْعِ تآكُلها، وتقومُ، أساساً، على تمْكين الذات مِنَ التعايُش مع ما يُوَجِّهُ حاضرَها، لئلّا يَقضي المَرءُ وقتَهُ في التحسُّر عمّا كان قبْلَ الجائحة، ولا في انتظار ما بَعدها. 

ليس التعايُش مع فائض الزّمن، الذي تولّدَ مع الحجْر الصّحيّ، أمراً مُوَحَّداً ولا هو قابلٌ لأنْ يكون كذلك، لأنّه مُرتبطٌ برُؤيةِ كلِّ واحدٍ لِمَا يَمْنَحُ الحياةَ معنى في نظره. لعلّ ما يتعيّنُ التمسُّك به، في اختلاف صيَغ هذا التعايُش، هو الإصْرار على الاحتفاظ للحياة بالمَعنى، وعلى تجديد العلاقة مع الأشياء، وعلى جَعْل اليوميّ مُنتجاً وقابلاً لأنْ يُعاشَ بمَحبّة، لا بالتأفّف منه واستعجال انقضائه. يتوقّفُ التعايُشُ مع فائض الزّمن، إذاً، على تصوّر الفَرد للرّغبة وعلى مَا يُعطي مَعنى للحياة في نظره، أي يتوَقّفُ على مفهوم الفرد للحياة بوَجْه عامّ. ثمّة، من الناس، مَن يشعُر بالعُزلة وَسط الحُشود، لأنّ هذه الفئة عوّدَت الذاتَ على أنْ تَبنيَ مُتعتَها مِنْ العُزلة الخصيبة، بَعْد أن تمكّنَت مِن تحويلها إلى لقاءٍ مأهول بالأصوات والرّؤى، أي تحويلها لا إلى علاقة مع الذات وحسب، بل إلى علاقة مع الآخَر. لعلّ هذا ما تحقّقَ، مثلاً، إلى ِمَنْ تحوّلت القراءةُ لديْهم إلى ضَرورة حياتيّة، ولِمَنْ جعلوا الكتابة هي الحياة الحقيقيّة، بحيثُ لم يعُد بإمكانهم تصوُّر حياتهم خارجَهما. ولكن هذا الأمر يَبقى محصوراً في فئة مُعيَّنة، فالقراءة المُولِّدة لمُتعةِ هذه الفئة قد تكونُ مَوضوعَ ضَجر بالنسبة لمَنْ استنفدَهُم اليَوميّ قبْل الجائحة، واجتاحَهُم إيقاعُهُ حتى صاروا جُزءاً من هذا اليَوميّ، لذلك قد تكونُ العزلةُ، تبعاً لما اعتاد عليه هؤلاء، ضجراً ضاغطاً.

لقد غدَت الجائحة، اليَوم، واقعاً عالميّاً، لذلك لا يُمْكنُ التعامُل مع هذا الواقع، الذي رَسمَ المَلامحَ الجديدة لليَوميّ، وفرَضَ الحَجْر الصّحيّ بما استَتْبَعهُ مِنْ عُزلة إجباريّة ومِن مُلازمةٍ للبُيوت، برُدُود فِعلٍ قائمةٍ على الضَّجر والمَلل والتبرّم، لأنّ سيادةَ هذه الأحاسيس، على امتداد اليَوم، سيكونُ هو الجائحة ذاتَها. المُمكنُ، راهناً، تُجاه الجائحة، بناءً على التوقّعات بأنّ أمدَها قد يَطول وبأنّ ما بَعدها لن يكون، إطلاقاً، مُماثلاً لما قبْلها، هو التعايُش البنّاء معَها، بإدماجها في اليَوميّ، مَع الحرْص على تغيير السلوكات، وعلى تغذيةِ الرّغبة، وتقوية العزيمة، ومَلء الوقت بما يُولِّدُ التصالُح معه بمَحبّة ومُتعة. وإذا كان مِنْ داعٍ لاستحضار ما قبْل الجائحة، فلْيَكُن مِنْ أجْل تقويّة الشُّعور بالحياة، وبتَمْكين الذات مِن رُؤيةِ ما لمْ تكُن تراهُ مِن معانٍ في التفاصيل الصُّغرى للحياة؛ بغاية استثمار هذه الرؤية في تدبير فائض الزّمن الذي هاجمَ الإنسانَ بغتةً في الجائحة. لن يكونَ هذا الفائضُ نَتوجاً ما لمْ يُستثمَر في إعطاء مَعنى للحياة من داخل الوَضع الجديد الذي باغتَ العالَمَ بأسْره. ومادامت الحياةُ واسعةَ ولا حدّ لتجلّياتها، فإنّ إعطاءَ معنى لها يَفتحُ هو – أيْضاً – أفقاً واسعاً لإمكاناتٍ لا حدَّ لها.

مواضيع مرتبطة

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
من الحجْر إلى الضجر
عبد الرحيم العطري02 يونيو 2020
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
فيصل درّاج01 يونيو 2020
ما أراه من النافذة
علوية صبح13 مايو 2020
لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد
هدى حمد13 مايو 2020
تدريبٌ من الماضي
عدنية شبلي13 مايو 2020
أسئلة مرعبة
سعدية مفرح13 مايو 2020
703 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

بيروت أو جروح الضوء!
30 أغسطس 2020

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ...

اقرا المزيد
«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
02 أغسطس 2020

لا ينفصلُ الإنسانُ عن وَجْهه، إذ به يتميّزُ وبه تتحدّدُ هُويّتُه، وقد تهيّأ الوَجهُ، انطلاقًا من تركيبته، لأن يكون مُضاعَفًا، على نحو جعلَ الإنسانَ منذورًا مُنذ البدء لأن يَعيشَ بوَجهيْن، لا بالمعنى القدحيّ الذي اقترَن فيه الوَجهُ بالنفاق، وبإظهار المَرء...

اقرا المزيد
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
01 يوليو 2020

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة،...

اقرا المزيد
في زمن الجائحة
06 أبريل 2020

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين...

اقرا المزيد