خطاب نوبل.. عبد الرزاق قرنح متحدثا عن الكتابة

ترجمة: علاء عبد المنعم إبراهيم  |  02 فبراير 2022

في السابع من ديسمبر/كانون الأوَّل (2021)، ألقى عبد الرزاق قرنح هذا الخطاب بمناسبة فوزه بجائزة «نوبل» في الأدب، وفيما يلي نصّ الترجمة:

«طالما كانتْ الكتابةُ مصدرَ سعادتي. حتى عندما كنتُ طفلاً في المدرسة، كنتُ أتشوّق إلى درس الكتابة أكثر من أيّ درس آخر في الجدول الدراسي؛ ففيه كنّا نكتب القصّة أو أيّ شيء آخر، يعتقد معلّمونا أنه سيثير اهتمامنا، ما إن يبدأ يغرق الجميع يغرقون في غياهب الصمت، ينكبّون على طاولاتهم، محاولين استدعاء ما يستحقّ السّرد من الذاكرة والخيال. في هذه المحاولات المُبكِّرة، لم تكن ثمّة رغبة في قول شيء ما، على وجه الخصوص، أو تذكُّر تجربة غير قابلة للنسيان، أو تعبير عن قناعات راسخة، أو بوح بشكوى حارقة. أيضاً، لم تتطلّب هذه المحاولات أيَّ قارئ سوى المعلِّم الذي نظر إلى هذه الكتابات بوصفها تمريناً سيحسِّن مهاراتنا الخطابية. لقد كتبتُ لأنه قد طُلب مني أن أكتب، ولأنني وجدتُ متعةً في هذا التمرين.

بعد سنوات، عندما صرت مُعلِّماً، كان مكتوباً عليّ أن أمرَّ بالتجربة نفسها، ولكن من منظور عكسي، حيث أجلس في فصل يطبق عليه الصمتُ، بينما ينكبّ التلاميذ على عملهم. لقد ذكَّرني ذلك بقصيدة «أفضل ما في المدرسة» التي كتبها «دي إتش لورانس»، والتي سأقتبس منها، الآن، بضعة أسطر:

بينما أجلس على ضفاف الفصل، وحدي

أشاهد الأطفال، في ستراتهم الصيفية،

يواصلون الكتابة، وقد انحنت رؤوسهم المستديرة على أوراقهم..

يستيقظ رأس تلو الآخر..

وجهه يحدّق فيَّ

يتأمَّلني بهدوء شديد..

يقلّب عينيه دون أن يرى شيئاً،

ثم يستدير مرّةً أخرى، بقليل من السعادة.

لقد استمدَّ تشويق عمله مني مجدَّداً.

لقد وجد مبتغاه. لقد حصل على ما كان ينبغي أن يحصل عليه.

الكتابةُ التي كنت أتحدَّث عنها، والتي تستدعيها هذه القصيدة، لم تكن الكتابةُ التي سأتبيّنها لاحقاً. إنها كتابةٌ غير مُقادة أو موجَّهة، أو مُحسّنة، أو خاضعة لإعادة التنظيم مرَّات ومرَّات، في هذه المحاولات المبكِّرة، كتبتُ على خطّ مستقيم، إذا جاز التعبير، دون تردُّد أو كثير من التصحيح، بهذه البراءة. قرأتُ، أيضاً، بنوع من النهم، وبالمثل، دون أيّ توجيه، لم أكن أعرف، في ذلك الوقت، حدود الوشائج الوثيقة بين هاتَيْن المهارتَيْن. في بعض الأحيان، عندما لم أكن مُضطّراً للاستيقاظ مبكّراً للذهاب إلى المدرسة، كنت أظلّ أقرأ إلى وقت متأخِّر جدّاً من الليل، حتى أن والدي، الذي كان يعاني من الأرق، كان يضطرّ إلى القدوم إلى غرفتي، ليطلب مني إطفاء الضوء. لا يمكنك أن تقول له -حتى لو تجرّأتَ-: أنت لا تزال مُستيقظاً، أو تسأله: لماذا لا تنام أنت، أيضاً؟؛ فليست هذه الطريقة التي يمكن أن تخاطب بها والدك، على أيّ حال، لقد كان يعاني من أرقه في الظلام، فيطفئ الضوء حتى لا يزعج والدتي، لذا فإن تعليمات إطفاء الضوء كانت ستظلّ قائمة.

على الرغم من أن الكتابة والقراءة اللتين مارستهما لاحقاً، كانتا أكثر تنظيماً، مُقارنةً بتجربة الشباب العشوائية، لم تتوقّفا عن كونهما متعةً لم ينتابني خلالها أيّ شعور بالمعاناة. تدريجيّاً، أصبح لتلك المتعة معنًى جديداً؛ معنًى لم أدركه تماماً حتى ذهبتُ للعيش في إنجلترا. هناك، في غربتي، ووسط مُكابدات حياة الغرباء، بدأت أتفكّر في الكثير ممّا لم أفكِّر فيه من قبل. في تلك الفترة الطويلة من الفقر والعُزلة، بدأتُ نوعاً مُختلفاً من الكتابة. لقد اتَّضح لي أن هناك شيئاً يجب أن أقوله، وأن ثمّة مَهمّة عليّ القيام بها، وأن هناك مآسيَ ومظالم يجب استخلاصها وإعادة النظر فيها.

في المقام الأوَّل، فكَّرتُ فيما خلّفته ورائي في رحلتي المتهوّرة من وطني. حلّت فوضى عميقة في حياتنا في منتصف الستينيات من القرن المُنصرم، وانعدم التمييز بين الصحيح والخطأ بسبب الأعمال الوحشية التي صاحبت التغييرات التي أحدثتها ثورة عام (1964م): الاعتقالات، والإعدامات، والطرد، والقمع، والإهانات؛ الصغيرة والكبيرة التي لا تنتهي. في خضمّ هذه الأحداث، وبعقلية مُراهق، كان من المستحيل التفكير بصفاء في الآثار التاريخية، والمستقبلية لما كان يحدث.

لم أتمكَّن من تدبُّر مثل هذه الأمور إلّا في السنوات الأولى التي عشتُ فيها في إنجلترا، فقد أدركت، حينها، قُبحَ ما كان بعضنا قادراً على إلحاقه ببعضنا الآخر، وأعدتُ النظر في الأكاذيب والأوهام التي طمأنّا بها أنفسنا.. كان تاريخنا متحيّزاً وصامتاً عن العديد من الأعمال الوحشية. كانت سياستنا عنصرية، وأدَّت مباشرةً إلى الاضطهاد الذي أعقب الثورة، عندما ذُبِح الآباء أمام أبنائهم، وتعرَّضت البنات للاعتداء عليهنّ أمام أمَّهاتهم. العيش في إنجلترا، بعيداً عن هذه الأحداث، لم يجنِّب ذهني الشعور العميق بالانزعاج والقلق. ربّما كنتُ أقلّ قدرةً على مقاومة سطوة مثل هذه الذكريات ممّا لو كنتُ بين الناس الذين ما زالوا يعيشون عواقبها، لكنني كنتُ مضطرباً ومنزعجاً، أيضاً، من ذكريات أخرى لا علاقة لها بهذه الأحداث: القسوة التي يمارسها الآباء على أطفالهم، والطريقة التي يُحرِّم بها الناسُ التعبيرَ الحُرّ بسبب العقيدة الاجتماعية، أو الجندرية، والتفاوتات التي تتسامح مع الفقر والتبعية. هذه أمور موجودة في حياة البشر جميعاً، وليست استثنائية بالنسبة إلينا، لكنها ليست، دائماً، في ذهنك حتى تتطلَّب الظروفُ أن تكون على دراية بها. أظنّ أن هذا هو أحد الأعباء التي تثقل كاهل الأشخاص الذين فرّوا من الصدمة، ووجدوا أنفسهم يعيشون بأمان، بعيداً عن أولئك الذين خلّفوهم وراءهم. في النهاية، بدأتُ الكتابة عن بعض هذه التأمُّلات، ليس بطريقة مُنتظمة أو مُنظَّمة، بل من أجل استيضاح بعض الالتباسات والشكوك التي تعتمل في ذهني، فحسب.

مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن أمراً دُبِّر بِلَيْل، كان يحدث. فثمّة تاريخ جديد أكثر سذاجةً يُبنى، تاريخ يحوِّل ما حدث، بل يطمسه، تاريخ تُعاد هيكلته ليناسب حقائق اللحظة الراهنة. لم يكن هذا التاريخ الجديد والمختزل، فقط، ممارسةً لا مفرَّ منها للمنتصرين الذين يتمتَّعون، دائماً، بحرِّيّة بناء سرديّات من اختيارهم، بل كان، أيضاً، ممارسة مناسبة للمعلّقين، والعلماء، وحتى الكُتَّاب الذين لم يكن لديهم اهتمام حقيقي بنا، أو كانوا يشاهدوننا من خلال إطار يتَّفق مع وجهة نظرهم للعالم، وكذلك لأولئك الذين يتغيّون سرداً مألوفاً عن التحرُّر العنصري، والتقدُّم.

أصبح من الضروري، إذن، رفض مثل هذا التاريخ، الذي يتجاهل الوقائع المادِّيّة التي تشهد على مرحلة سابقة، والمباني والإنجازات والعواطف الهادرة التي جعلت الحياة ممكنة.

بعد سنوات عديدة، مشيتُ في شوارع البلدة التي نشأتُ فيها، ورأيت التدهور الذي أصاب الحجر، والبشر الذين يعيشون في فقر مدقع، ويكابدون الحياة، ويخشون طمس ذاكرة الماضي، لقد أصبح من الضروري بذل الجهد للحفاظ على تلك الذاكرة، والكتابة عمّا كان هناك، واستعادة اللحظات والقصص التي عاشها الناس، والتي بها، ومن خلالها، فهموا أنفسهم. كان من الحتميّ أن نكتب عن الاضطهادات والقسوة التي تبادل حُكَّامنا التهاني بالنجاح في محوها من ذاكرتنا.

كان هناك، أيضاً، فهم آخر للتاريخ ينبغي تناوله، فهمٌ صار أكثر وضوحاً لي عندما عشتُ بالقرب من مصدره، هنا، في إنجلترا.. صار أوضح ممّا كان عليه عندما كنت أتلقّى تعليمي الاستعماري في زنجبار. كنّا، نحن -أبناء جيلنا- أبناء للاستعمار، بطريقة لم يكنها آباؤنا، ولم يكنها كذلك أولئك الذين جاؤوا من بعدنا، أو -على الأَقلّ- ليسوا بالدرجة نفسها. لا أعني بذلك أننا نبذنا الأشياء التي حظيتْ بتقدير آبائنا، أو أن الذين جاؤوا بعدنا قد تحرَّروا من التأثير الاستعماري، بل أعني أننا نشأنا وتعلّمنا، في تلك الفترة، من الثقة الاستبدادية القويّة، على الأَقلّ في هذا الجزء من العالم. في تلك الفترة، كانت الرغبة في الهيمنة والسيطرة تتقنَّع بتعبيرات لطيفة، وقد وافقنا -بإرادتنا- على قبول هذه الحيلة. أشير إلى الفترة التي سبقت الخطوات التي حقّقتها حملات إنهاء الاستعمار في المنطقة، وكان من فضلها لفت انتباهنا إلى مفاسد الحكم الاستعماري. أولئك الذين جاؤوا بعدنا، كانت لديهم إحباطات مرحلة ما بعد الاستعمار، ووجدوا السلوى في أوهامهم الذاتية، وربّما لم يروا، بوضوح، أو بعمق كافٍ، الطريقة التي غيرت بها المواجهة الاستعمارية حياتنا، وأن فسادنا، وسوء الحكم -إلى حدٍّ ما- لم يكونا سوى جزء من هذا الإرث الاستعماري.

أصبحت بعض هذه الأمور أكثر جلاءً لي في إنجلترا؛ لا لأنني التقيتُ أشخاصاً أوضحوها لي في محادثتنا أو في داخل القاعات، بل لأنني اكتسبتُ فهماً أفضل للكيفية التي يُظهِرون بها شخصاً مثلي في بعض قصصهم عن أنفسهم، في كتاباتهم أو في خطابهم غير الرسمي، وفي المرح الذي استقبلتُ به النكات العنصرية في التليفزيون وفي أماكن أخرى، وفي العداء غير القسري الذي واجهته في اللقاءات اليومية في المتاجر والمكاتب والحافلات. لم يكن بإمكاني فعل أيّ شيء حيال هذا الأمر. ولكن، كما تعلَّمتُ القراءة بفهم أعمق، نمتْ داخلي الرغبةُ في الكتابة لرفض مثل هذه الصور المختزلة من قِبَل أناس يحتقروننا، ويقلّلون من شأننا.

لكن الكتابة لا يمكن أن تكون مجرَّد سرود عن الصراعات والجدالات، مهما كان ذلك مُحفِّزاً ومُريحاً؛ فالكتابة لا تتعلَّق بشيء واحد، ولا تدور حول هذا الموضوع أو ذاك، أو هذه المخاوف أو تلك، وبما أن اهتمامها هو حياة الإنسان، بطريقة أو بأخرى، فإن القسوة، والحبّ، والضعف هي موضوعاتها، عاجلاً أم آجلاً.

أعتقد أن الكتابة يجب أن تُظهر، أيضاً، ما يمكن أن يكون مسكوتاً عنه، وما لا تستطيع العينُ المستبدّة القاسية رؤيته، وما يجعل الناس، الذين يبدون مهمّشين، يشعرون بالثقة في أنفسهم، بغضّ النظر عن ازدراء الآخرين؛ لذلك وجدتُ أنه من الضروري أن أكتب عن ذلك، أيضاً، وأن أفعل ذلك بصدق، حتى يظهر كلّ من القبح والفضيلة، ويظهر الإنسان بعيداً عن التبسيط والقوالب النمطية. عندما ينجح ذلك، عندها، فقط، سينبثق من الكتابة نوعٌ من الجمال.

تفسح هذه الطريقة في التعاطي مع الكتابة، المجالَ للهشاشة والضعف، للحنان وسط القسوة، للقدرة على العطف في مصادر غير مطروقة؛ لهذه الأسباب كلّها كانت الكتابة، بالنسبة إليَّ، جزءاً ممتعاً وجديراً بالاهتمام من حياتي (بالطبع، هناك أجزاء أخرى، ولكن ليس مقام ذكرها في هذه المناسبة)، والعجيب في الأمر أن متعة الكتابة الشبابية تلك التي تحدَّثت عنها في البداية، لا تزال متوهّجة بعد كلّ هذه العقود.

في الختام، اسمحوا لي بالتعبير عن عميق امتناني للأكاديمية السويدية، لمنحها هذا الشرف العظيم لي ولعملي. ممتنٌّ لكم بشدّة».

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

https://www.nobelprize.org/prizes/literature/2021/gurnah/lecture/

مواضيع مرتبطة

عبد الفتاح كيليطو في «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»: أحداث الرواية تنتهي في أغلب الأحيان بالفشل، باضمحلال الأماني وتبخُّر الأوهام
حوار: خالد بلقاسم15 ديسمبر 2021
خورخي لويس بورخيس.. في عالم آخر
ترجمة: أحمد شافعي06 أكتوبر 2021
«ترافعٌ عن العرب» فؤاد العروي في مواجهة المركزية الأوروبيّة
ياسين عدنان29 سبتمبر 2021
هشام جعيط.. إصلاح الحياة!
محسن العتيقي06 يوليو 2021
الثقافة الإسلاميّّة.. خصوصيّة وعالميّة ترسَّخت في مجرى التاريخ
محمد أيت حمو26 أبريل 2021
237 عدد المشاهدات