علي قندي.. أيقونة شعر السبعينيات

أمجد ريان  |  02 يونيو 2020

شهدت القاهرة، منذ السنوات الأولى في عقد السبعينيات، ظهور حركة الشعراء، وجمعتني- على المستوى الشخصي- صداقة حميمة بالشاعرين: علي قنديل، وحلمي سالم، أكَّدت لي أن هناك جيلاً جديداً من الشعراء الجدد، في القاهرة وفي الأقاليم، يكتبون برؤًى متقاربة ومختلفة عن قوانين الكتابة الشعرية السابقة، ومن خلال أساليب وتقنيات لم تألفها الكتابة الشعرية من قبل، حتى أن كثيراً من النقّاد المعروفين شاركوا في الحملات التي وُجِّهت ضدّ الجيل الجديد، سواء من قِبَلِ مؤسّسات ثقافية أو مجلّات وصفحات ثقافية في الصحف. كان شعراء السبعينيات جميعاً يحسّون، منذ البداية، بوجوب تلاقيهم لكي يتمكّنوا من الاستمرار، ومن طرح مالديهم من رؤى وتصوّرات، آمنوا بها وناضلوا لأجلها. ارتبطتُ بهذين الشاعرين بقوّة، وحضرنا معاً مجموعة كبيرة من الندوات الشعرية في قصور الثّقافة وفي جامعات مصر، وفي أماكن أخرى، أهمّها الندوة التي أقامها المركز الثّقافي الروسي في أوائل فبراير/شباط 1975، والتي فوجئنا فيها، عندما دخلنا إلى المنصّة المُقامة على خشبة المسرح، بجمهور ضخم، لم نعهد مثله من قبل؛ فقد امتلأت الصالة عن آخرها، كذلك (البلكون) في الطابق الثاني، وقد نجحت هذه الندوة نجاحاً ساحقاً، لازال عدد من المثقَّفين يذكرونه حتى الآن. 

وعلي قنديل ابن قرية الخادمية، مركز كفر الشيخ. كان شاعراً متفوِّقاً بين أقرانه السبعينيّين، فهو الذي سبق الجميع بتلمُّسه لخصائص الرؤية الشعرية الجديدة، على الرغم من أنه توفّي عن عمر يناهز اثنين وعشرين عاماً، بعد أن صدمته سيارة طائشة، في السابع عشر من يوليو/تموز، 1975م، وكان وقتها يدرس في كلّيّة طبّ القصر العيني. 

يعدّ علي قنديل أحد روّاد قصيدة النثر الجديدة، وقد ترك ديواناً وحيداً، هو «كائنات علي قنديل الطالعة»، وقد كتب مقدِّمته الشاعر محمد عفيفي مطر، وصدرت طبعته الأولى عقب وفاته مباشرةً، وقد طُبِع، بعد ذلك، عدّة مرّات. 

تبنّى المبدعون، في السبعينيات، فكر الحداثة، وطرح المثقَّفون، في التوقيت نفسه، معنى التعدُّد في السياسة، وفي الفكر، وفي الأدب؛ فالرؤية الحداثية تتجاوز الأحادية الفقيرة، وتخلق نوعاً من التفاعل بين مستويات عديدة، وبادر الشعراء بإجراء الحوار مع التراث العربي والتراث الإنساني، من خلال لغة القرآن الكريم، وأجواء الشعر العربي القديم، وأحاديث القدماء، ومن خلال الاهتمام بالأيقونات القبطية، وأحاديث القدّيسين.. وهكذا. واهتمّ شعراء السبعينيات بالاستعاريات الرمزية، حتى جعلوا المتنبّي- على سبيل المثال- يعيش في المنزل العصري، ويجلس في المقهى، ويتجوّل قي المتحف.. إلخ. وكان هناك حوار مع الغرب، في الوقت نفسه، واستفادات من فكر ماركس، وبيكاسو، وسان جون بيرس…

في هذه المرحلة، وعلى ضوء هذه التحوّلات، تكوّنت، في مصر، جماعتا «إضاءة 77»، و«أصوات». وكان هناك عدد كبير من الشعراء المستقلّين، وتوطّدت العلاقات مع الشعراء الحداثيّين، في الخليج، وبيروت، والمغرب. وارتبط الحداثيون بالأيديولوجيا، وتفاعلوا مع الثوريين، وتعاطفوا مع مظاهرات الطلَبة، في عام 1968 وما بعده.

سبق الشاعر علي قنديل أبناء جيله جميعاً (برغم حداثة عمره) في اكتشاف طبيعة الرؤية الحداثية، بحيث تكون هذه الرؤية قادرة على التعبير عن خصوصية واقعنا المحلّي، وقدَّم أشكالاً شعرية تعتمد المجاز اللّغوي الكثيف، والاستعارة، وكان هذا- في حَدّ ذاته- تعبيراً حداثياً يبحث عن التعدُّد، هرباً من الأحاديّات التاريخية التي استتبَّت في الفكر وفي الإبداع، حتى أن عفيفي مطر وَصَفه بأنه الساحر الكاهن الشاعر الطبيب، لأنه استطاع- بالفعل- أن يستخدم الطاقة السحرية للّغة، من خلال تركيباته اللّغوية شديدة الخصوصية، من قبيل: (عروق الصحراء، ومساحات الأوجه الميِّتة، وبقعة النور التي تنمو كوردةٍ)، وغيرها، كما في هذا المقطع: 

يمكن لعبق النارنج أن ينبُتَ بين عروق الصحراء 

وأن يكتبَ تاريخهُ على مساحات الأوجه الميِّتة 

حين يسقط الظلّ كاشفاً عن بقعة النور التي 

تنمو كوردةٍ تمتدّ في كلّ اتجاه… ويستدرجُ 

الساحرُ الآدميّ شمسهُ من مدارات الغروب.

ولَدى قنديل قدرة مذهلة على تقمُّص الروح التراثية، واستثمارها إبداعياً، بشكل شديد الوعي، و- بخاصّة- في نصوص التصوُّف الإسلامي. وفي تجربته، يستخدم، بشكل عامّ، ألفاظاً وتراكيب لغوية، من مثل : (العرش- لا أفق يُبصرني- الرجاء- إشراقة- مخاطبات- لا أفق يدركني ولا سماء- أبقى أنا السرّ وحدي- ماعاد سرّاً خبيئاً- منذ ابتداء الزمن…). ولديه هذاالمقطع الذي يفيض بالمعنى المستفيد من الحسّ الصوفي: 

تأتي لكلّ قارئ قراءة

وكلّ مبصر تأتيه شمعةٌ مضاءة

ومن أباح الحبّ.. ملكه السماء

ومن تطهَّرَ قلبه بالدمع.. أشعل الفضاء.

وعلى الرغم من الحسّ المجازي والاستعاري المستشري في كتابة الشاعر، والاستفادة الكبيرة من المعاني الصوفية، إلا أن دوافعه الجمالية مرتبطة بالواقع اليومي المعيش، وبحياته الفعلية، بكلّ مافيها من تفاصيل حَيّة، ومعطيات مرتبطة بالواقع، وقصيدته (القاهرة)- على سبيل المثال- مثال واضح على هذه القضيّة، وحين نقرأ المقاطع الأخيرة منها، سنكتشف أن النصّ يحكي عن الإحساس بازدحام المدينة العنيف، لكن، بالمقـــــابل،  يتضمَّن- في الوقـــت نفسه- إحساساً حضارياً عنيداً يرى أن على المثقَّف الكبير أن يفهم التعقيد المديني الحديث، وأن يعرف كيف يعايشه، وكيف يقيم علاقاته الإنسانية داخل هذا التعقيد.

القاهرة تُحكِم قيودها، والزمن يسير باتِّجاه عكسي لما يريده الشاعر، هندسة الوجود تسيطر على رائحة الحياة، وتدور الذات في متاهة الحياة اليومية المخيفة، ويصبح القتل رمزاً لكلّ أشكال القهر، ويقيم المونتاج الشعري غابة من التداخل بين معطيات الحياة، مازجاً بين ما هو شخصي، وما هو جمعي. 

ويستعرض الشاعر، بشكل شعري رفيع المستوى، تفاصيل حياته اليومية الواقعية التي هي رموز للحياة في المدينة العصرية : (أتوبيس124 – كلّيّة الطب – دخان الغليون في الكافيتريا – بعض المثقَّفين- كبريت – ساعة تدقّ – شريط القطارات – الشوارع…)، ويظلّ معنى الازدحام عبئاً، بامتداد النصّ، يطرح إحساسه الشخصي الدائم بالاختناق، وبالوحدة داخل هذا الازدحام، وبأنه منفيّ داخل وطنه. ومن هنا، يكون مبدأ الرفض الذي يبرّر المعنى الفلسفي الذي يستنكر وجود القاهرة، بل وجوده الشخصي نفسه. لكن، بالرغم من كلّ شيء، يظلّ الشاعر البعيد كلّ البعد عن العدميّة، يحلم بالاندماج بتاريخ مصر، وبماء نهر النيل:

صلصلة قيودي تجرُّني،

في الصباح:

أتوبيس 124،

كلّيّة الطب – دخان الغليون في

الكافيتريا – بعض المثقَّفين.

وتتضخَّم دائرة/ زنبقة وحشية

ياالله ! زنبقة وحشية!

 

النيل – حوار:

ساجد

من بدأ أوّل وردة قامت وصمتك ضفّتان؟

عطش السنين صفاؤك السطحي، أم بدأ الحوار؟!

رأيت.. أدركت، اختبأت مقلِّداً حزن اليمام موحِّّدا.

ساجد

من بدأ أوَّل وردة قامت وصمتك موتتان:

أرق السنين نسيمك المطوي، أم شوك الديار؟

سبحت في الزمن.. استبحت تمثُّل الموت، انقطعت

عن الكلام مُسَهَّداً.

إني وحيدٌ مثل وحدتك الطويلة.. 

شدّني لخلودك المعقود.

 

ساجد

من بدأ أوَّل وردة قامت وصمتك طعنتان؟

لا شمس،

لا كبريت،

لا تبغي الحوار.

 

رأيت.. يا ما قد رأيت، ولم تحرِّكك المنى

لم تغرك الأشعار

لم تضطرب للريح،

لم تصعد لأعلى.

 

(آه من لحن الفرار:

صار منفاي الوطن

وطني صار الفرار)

يقترب..

دخان يقترب

ساعة، على عكس إيقاعات القلب تدقّ

لكنني أرى: 

أرى يوماً – ربَّما قريب كأصابع اليد – يأتي

يقف العالم معصوفاً، ويثبت كلّ ذي حال

على حاله:

اليد القاتلة يشهد عليها دم القتيل،

والكتاب الخائن تنحلّ عنه أحرفه،

والماء المغتصب ينتفض،

الذبائح تستيقظ، والخوف يصير التيّار الجارف

النهر الذي سكت ينطق، ومن تكلَّم يسمع

يوماً.. ربَّما قريب كدم محتقن.

اقتربْ، يا دخان،

ويا عرباتُ، ازحفي،

وانطرق- يا حديد- على قبرة القلب.

 

لا القاهرة تبقى قاهرة

ولا الدلتا دلتا

ولا الشاعر مسجوناً في لسانه. 

 

ساعة تدقّ

«الوقت متأخِّر»

والسماء تترك الغرفة للأجنحة السوداء، ينثرها

طائر الرعب الأليف،

 

آه، شريط القطارات،

يخرجون للشوارع نزفاً من جرح أبله،

يسابقون الضوء الخائب،

ويقومون من سقطة إلى أخرى، كالديدان المشرقة..

ما أبهج المرارة!!

 

نام المقطّم فوق جفني،

وظلّ قفص الصدر يحبسني

غيباً وعصفوراً خريفياً

اقذف حصان النار يرفسني،

أو صبَّني في النهر محلولاً هلاميّاً.

مواضيع مرتبطة

”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!
منذر مصري24 يونيو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
بصمات علي قنديل
فتحي عبدالله14 يونيو 2020
لويس سِبّولْفِيدا.. أن تحكي يعني أن تقاوم
نبيل موميد03 يونيو 2020
عبد الوهاب عيساوي: أنتمي إلى جيل لا يهتم بالتاريخ كثيراً
حوار: نوارة لحرش02 يونيو 2020
رحيل إرنيستو كاردينال.. شاعر الثورة السندينية
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني08 أبريل 2020
مجيد طوبيا.. شكل آخر  من الكتابة
محمد‭ ‬الشحات08 أبريل 2020
242 عدد المشاهدات