في زمن الجائحة

خالد بلقاسم  |  06 أبريل 2020

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين سكّان الحيّ الواحد أو العمارة الواحدة، وَفق ما يقتضيه العزْل الإراديّ أو الحَجْر الطّبيّ. أبْعد من ذلك، فرَض الفيروس حُدودًا بين الفرد وذاته، مُلزِمًا إيّاه بتغيير عاداته، وقلْب سُلوكه اليَوميّ، وتقوية شعوره بجَسده، على نحو ما يُفصحُ عنهُ الخطابُ الطبّيّ وهو يُواصلُ تنبيهاته عبْر سلسلةٍ من الأوامر والنواهي: «اِعتزل التجمّعات»، «لا تُصافح»، «لا تُعانق»، «لا تلمس الأشياء إلّا وأنت مُرْتدٍ قفّازات واقية».. كما لو أنّ الحياة غدَت هي الانفصال والانغلاق. إنّ الحُدودَ التي رَسمَها الفيروس شديدةُ الصّرامة، وهي تتطلّبُ عُزلةً لا تَستثني أحدًا. لقد أعاد الفيروس للعُزلة وَضْعَها الاعتباريّ المَنسيّ وألزمَ بإدماجها في نَمط الحياة، ولكن على نحو مَمزُوج بالإكراه والتوَجُّس والهَلع وتعليقِ مَكاسب حُقوق الإنسان، لأنّ دلالةَ الحقّ في الحياة شهدَ إبدالًا دلاليًّا، على غرار الإبدالات التي مسَّت كلَّ شيء. إلى جانب هذه العُزلة الضروريّة، مكّنَ الفيروسُ الفراغَ من حُضور قويٍّ في كلّ الفضاءات العامّة، التي صارَت شبيهةً بالخَلاء، فغدا الفراغُ والإغْلاق والحَجْر أمورًا دالّة لا على رفْض الآخَر، بل على احترام حقِّه في الحياة. 

رغم هذا المَنحى الذي يُلزمُ بالحُدود ويَفرض نظامًا وَفقها، يَحتفظُ الفيروس بخصائصَ مشدودةٍ إلى نتائج العولمة، ولا سيما في نظام تكاثُره الرّهيب وانتشاره الذي يَمتلكُ سِمة اللانهائيّ، انطلاقًا من صُعوبةِ تطويقه التي لا تستبعدُ احتمالَ الاستحالة المُرعب، إذ تبدَّى سُلوكُ الفيروس، بناءً على رحلته وعلى الخريطة التي رَسمَها انتشارُه، مُنسجمًا مع تحوُّل العالم إلى قريةٍ صغيرة. تحرَّكَ الفيروس، قادمًا من أقصى مكان قبْل أن يتوَزَّع في مُختلف بقاع العالم، بسُرعةٍ تَحملُ خصائصَ الإيقاع الذي أرْساهُ الزمنُ الرقميُّ والافتراضيّ. إيقاعٌ يبدو كما لو أنّ تناميه المَحمومَ يُنافسُ الزمنَ الضَّوئيَّ، في عَصْر غدَت فيه الأسلحةُ / الصواريخُ تُنافسُ سُرعةَ الصَّوت وتتفوّقُ عليها. فالرُّعبُ المُلازمُ، اليَوم، للجائحة مُترتّبٌ على كون الفيروس يَنتشرُ مِن كُلّ شيء، وفي كلّ شيء، وعبْر كلّ شيء، بإيقاع مُخيف. كما أنّ إبطاءَ الانتشار، الذي هو المُمكنُ المُتاح، لحدِّ الآن، في التصدِّي للفيروس، مُتطلّبٌ بصُورةٍ قريبة من الإعجاز، لِما يترتّبُ على هذا الإبطاء اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولِما يَقتضيه مِن تجهيزات طبّيّة، وتعليقٍ لمَكاسب حُقوق الإنسان، وقلبٍ في نظامِ الحياة ذاتها، مادام الفردُ قد غدا، في زَمن كورونا، مُرتابًا في أعضائه، ومَلابسه، وحذائه، واحتكاكاته، وفي الهواء الذي يَستنشقهُ، وهو يَتهجّى، إلى جانب ذلك كلّه، أبجديّةَ العُزلة ويتعلَّمُ ضَوابطَها وقواعدها. لقد التبسَ الأمرُ فجأةً على الإنسان حتى صارَ يشعرُ كما لو أنّهُ يُؤدّي، دون إرادته ودون استعداد قبْليٍّ، دَورَ شخصيّةٍ في رواية من روايات الرّعب، أو في فيلمٍ من أفلام الخيال العلميّ.

 في زمن كورونا المُستجدّ، كلُّ شيء صارَ موضوعَ شُبهة. لقد توسّعَ هاجسُ الارتياب على نحو لم يَعُد يَستثني أيَّ شيء، بما في ذلك علاقة الفرد بذاته. لم يعُد مَوضوعُ الاشتباه خارجيًّا، بل غدا الاشتباهُ إحساسًا تُجاه الذات. صارَ المرءُ مُرتابًا لا من الأشياء وحسب، بل حتى من ذاته وهو يُجابهُ عدوًّا لا مَرئيًّا، شاعرًا، في الآن ذاته، أنّ هذا العدوَّ يترصّدُه في أدقّ تفاصيل حياته. تَرَصُّدٌ ألزمَ الفردَ بأنْ يُفكّر، على امتداد يَومه، بالفيروس، وأن يفكّرَ فيه وانطلاقًا منه؛ فأيُّ عرَض مَرضيّ يَستشْعِرهُ الفردُ، في زمن كورونا المُستجدّ، إلّا ويُفسّرُهُ بتَوجيهٍ من احتمالِ الإصابة بالفيروس. إنّها استيهاماتُ هذا الزّمن، الذي فرضَ لا نمطَ حياةٍ جديدة وحسب، بل استنبتَ أيضًا خيالًا وتوقّعات وأوهامًا وهلوسات وهلعًا. كما بدأ يفرضُ تعوُّدًا على جعْل الهلع جُزءًا من الحياة، بالتعايُش مع خطاب الرّعب وصُوَره ومشاهده. ذلك أنّ احتمالَ الإصابة بالفيروس ليس مُرتبطًا، في هذه الجائحة، بالغَير، بل بالذات نفْسها. لا يتعلَّقُ الأمرُ بخَطر العدوى من الغَير، بل من أنْ يكون الفردُ ذاتهُ حاملًا للفيروس، أي مصدرًا للعدوى وليس فقط مُعرَّضًا لها. كلُّ شَخص، بل كلُّ شيء، في زَمن كورونا المُستجدّ، مُصابٌ بالفيروس إلى أن تَثبُتَ صحّتُهُ وسلامتُه، لكنّ هذا الإثباتَ ذاتَهُ يَبقى هشًّا، غيرَ قادر على أنْ يَصمُدَ أمام الرّعب من الآتي، ومن المَجهول الذي يتّسعُ باتّساع انتشار الفيروس، كما لو أنّ النجاةَ مِن فتْك هذا الوباء ليْست سوى تأجيلٍ لقدَر حتميّ، وهذا أحدُ عوامل الرّعب الذي توَلَّد لدى الإنسان، بَعْد أنْ تأكّد العالَمُ من أنّ الأمْرَ يتعلّقُ بجائحةٍ غريبة أصابَت كوكب الأرض، وجَعلَت حاضرَ البلدان الأكثر تضرُّرًا في العالَم مُجسِّدًا لمُستقبَل البلدان التي مازال الوباءُ يَزحفُ فيها بإيقاع أبطأ. فالمراحل التي بها رَسمَتْ البلدانُ درجَةَ انتشار الفيروس كشفَت أنّ الزمنَ صارَ خاضعًا لنُمو هذا الفيروس، الذي غدا مُتحكِّما في تقسيمِ الزّمن. إنّ كورونا المُستجدّ لا يَصوغ زَمنًا جديدًا وحسب، بل يَفرضُ علاقةً جديدةً بالمكان، أي أنّ لكورونا المُستجدّ أثرًا حاسمًا في تصوُّر الزّمن والمكان، وفي إعادة ترتيب العلاقة معهما، أي أنّ له أثرًا على ما يُعَدُّ مُرتكزَ الحياة، ومُرتكزَ التاريخ بوَجهٍ عامّ.

لقد أعاد الفيروس، بَعد أن كشفَ هشاشةَ الإنسان ووَهْمَ طُغيانه، ترتيبَ علاقةِ الفرد بالأشياء وباليَوميّ، وغدا نمطَ حياة، لأنّه لم يَبق مُجرّد هاجس مقصور على أمْر بعَيْنه، بل صارَ مُوجِّهًا لكلّ السلوكات اليَوميّة وأسَّ الانشغال في كلِّ بقاع العالَم؛ به يُفكّرُ المَرءُ في كلّ ما يُقْبل عليه في يَومه، وبه تُفكّرُ المُؤسّساتُ والدول في الحاضر والآتي، بعْد أن أحْدثَ تحوُّلا في نَمط الحياة وفي نَمط التعامل مع الزّمن والمكان. ضمن هذا التحوُّل الذي طالَ نمط الحياة، أعادَ الفيروس الاعتبارَ لمفهوم البُعد، الذي كان قد تغيّرَ مُنذ القلْب الذي أحدَثهُ المفهومُ الافتراضيّ للمكان والزمن. في المسعى الشاقّ إلى إبطاءِ انتشار الوَباء، لم يَعُد القربُ الفعليُّ أمرًا مقبولًا ولا مُستساغًا، وهو، لِلْمُفارَقة، ما كان الإنسانُ يُفكّكُ خطورةَ التقنية في ضَوئه عندما نبّهَ على أنّها جعلَت القُربَ بين الناس مُفتقِدًا للقُرب. صارَ التواصلُ وتدبيرُ الحياة والتصدّي للجائحة أمورًا تتمُّ، في زمن كورونا، من بُعد، على نحو كشفَ الحاجة إلى التقنية، وأبرزَ الوَجهَ الآخَرَ للآلة، أي وَجْهها الإنسانيّ، لِما تُتيحُهُ مِنْ إمكانٍ في إنجاز الإبْطاء؛ إبطاءِ هذا الوباء المُتكاثر بإيقاعٍ يُضاهي إيقاعَ الزّمن الرَّقميّ. فالآلة، بهذا المَعنى، تعملُ على تأمين البُعْد المُحقِّق للإبطاء، كما لو أنّ الآلة تشتغلُ ضدّ مَنطقها، وضدَّ عالَمها الذي هو عالمُ السّرعة، ممّا كشفَ عن وَجهٍ مُغاير لحَقيقتها. فالآلة المهووسة بالسّرعة هي ما صارَ يُسْهمُ في الإبطاء. إنّه أحدُ مظاهر القلْب الذي أحْدَثهُ الفيروس لا في العديد من السلوكات والوقائع، بل أيضًا في تصوُّر العديد من الأشياء.

بانتشار الفيروس، تبدَّت الحاجةُ إلى التقنية، وهي حاجةٌ تَنطَوي على مَلمَحيْن؛ أوّلهما أنّها تُعيدُ ترتيبَ العلاقة بين العُزلة والتقنية، إذ أخذَت هذه العلاقة توَجُّهًا آخَرَ غيْرَ الذي تكرّسَ مع غزو التقنية للحياة الحديثة وتحوُّلِها إلى نمط وُجود. خلقَ فيروس كورونا المُستجدّ نمطَ حياةٍ آخَر، مُستفيدًا من الإمكانات التي أتاحتْها التقنيّة في تأمين الاتّصال مِن بُعد، وفي الحفاظ على الدِّفء الإنسانيّ، كما لو أنّ البُعْدَ المكانيّ المفروض، في زمن كورونا، مكّنَ بُرودَ الآلة من دِفءٍ اضطراريٍّ لم يَكُن من انشغالاتها. المَلمحُ الثاني هو أنّ النقد الفكريّ، المُوَجَّه إلى التقنية وإلى مظهر إجهازها على الإنسانيّ، لا يُمْكنُ أنْ يَنسى الدَّورَ الذي تضطلِعُ به في تأمين التصدّي لكورونا، وهو ما تبدَّى من تأمين تدبير مَرافق الحياة مِن بُعد، ومن الدور الذي يُمْكن أن يُؤدّيَه الذَّكاءُ الاصطناعيّ في الاستشفاء من فيروس ينتقلُ من الإنسان إلى الإنسان، لكنّه لا يَنتقلُ على كلّ حال بين الإنسان وداخل الآلة/ الروبو، التي يَظلّ ذكاؤُها الاصطناعيّ مَصونًا متى تمَّت بَرمَجتُها على تعقيمِ خارجِها.

زَمنُ جائحةِ «كورونا» غيرُ الزمن الذي كان قبْلها، ولا هو الزمن الذي سيكونُ بَعدَها، لا فقط لأنّ انتشارَ الفيروس صنعَ حدثًا كونيًّا وَضَعَ كلَّ شَيء مَوْضعَ مُساءلة ومُراجعةٍ إلى حدّ الشروع في الحديث عن تحوُّلٍ لاحق في النظام الاقتصاديّ العالميّ وفي النظام الاجتماعيّ للبُلدان، ولكن أيضًا لأنّ هذا الزمنَ أعاد النظرَ في مفهوم الحياة بوَجْهٍ عامّ، مُجسِّدًا رجّةً معرفيّة مَكينة، وليس رجّةً واقعيّة فحسب. إنّ ما ترتّب على ظهور الفيروس وانتشاره يُشكِّلُ إعادةَ نظرَ جذريّة في مفهوم الحياة، بما مَنَحَهُ من فسحةٍ، غيرِ مُنفصلة عن التوَجُّس والقلق والارتياب، للتأمُّل في هذا المفهوم وإعادة صَوغه بالحِرْص على رفْع الحُجُب عن الحياة، أي رفْعِها عمَّا لا ينفكّ ينأى في الحياة، ويُحْجَبُ فيها ويَختفي. لقد كانت الحياةُ حتى قبل كورونا تكشفُ عن أنّها تُسْرعُ في الابتعادِ عن نفْسها باسْم التطوُّر والتقدُّم، أي باسْم وجْهٍ آخَر للحياة يَبنيه تحوُّلُ البلاهة والتفاهة والجشع إلى أمورٍ بدَهيّة. وقد لَبسَ نأيُ الحياةِ عن نَفْسها صُورةَ بداهةٍ لا تكُفُّ عن تسويغِ توَحُّش الإنسان بسُبُلٍ عديدة، قبل أن تُلحّ الجائحة على إعادة ترتيب علاقة الإنسان مع الطبيعة بَعد أن تكشّفَ طغيانُهُ عليها، بما حجبَ عنهُ حقيقةَ هشاشته تُجاهَها، وعلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنَفسه، وعلاقةِ الإنسان بالإنسان. 

 لقد كشفَ زَمن كورونا، على الأقلّ من مظاهره الأولى، أنّ غريزةَ البقاء لدى الإنسان لمْ تخترقها القيَمُ التي يُمْكنُ أنْ تنتقلَ بها من الوَضْع الغريزيّ إلى الأفق الرّحْب لمَحبّة الحياة. ذلك أنّ غريزةَ البقاء غيرُ محبّة الحياة، لأنّ محبّة الحياة قيمةٌ ترتكزُ على تقدير الذات للغَير، وعلى خروج الذات من الغريزيِّ نحو الثقافيّ. فالأوضاعُ التي شهدَتها المحلّات التجاريّة في مُختلف بقاع العالم، والتسابُق المحموم للظفَر بالموادّ الغذائيّة وغيرها، وظهور تُجّار الحروب والأوبئة والأزمات، أي تُجّار المَوت، أتاحتْ للإنسان أن يَتفرَّجَ، على حقيقةِ الذات البَشريّة التي لم تستطع أنْ ترقى بالبَقاء إلى فعلٍ قيميّ، بإبْعاده عن الغريزيِّ، وأتاحتْ له أن يشهدَ على انهيار فادح للقيَم. اِنهيارٌ تكشّفَت فداحتُهُ، التي كانت ملامحُها ترتسمُ بصُورة مُخيفة حتى قبْل كورونا، مع أوّل امتحان تُجاه الموت. والحال أنّ زمن الجائحة، أيًّا كان اسمُها وخطرُها، هو لحظة لإعادة ترتيب العلاقة مع القيَم. لابدّ من تعقيمٍ مُضاعَفٍ يَمتدّ من جَسد الإنسان إلى رُوحه. كلّما اهترأت الرّوح وأُصيبَت في جَوهرها الإنسانيّ وصارت خرابًا، يبقى كلُّ تعقيم وتطهير عاجزيْن عن صَون المعنى الآخَر للحياة من الوباء، المعنى الذي لا يُقابل المَوت بالضّرورة. إنّ الانهيارَ الاجتماعيّ الذي يُمْكنُ أن يُهدِّدَ، اليوم، مفهومَ المجتمع ويُهدّدَ الأسُسَ التي عليها يقومُ المجتمعُ واقعيًّا قادمٌ من خُطورة انهيار القيَم في زَمن الجائحة، بوَصفه زَمن قيَم، وزمنَ حاجةٍ مُلحّة إلى القيَم. وبما هو كذلك، فهو زمن مَحبّةِ الحياة، على نحو ما تبدَّى، في مَشاهدَ عديدة من بقاع العالَم، مِن رُوح المَرح والأمل، ومن روح السخريّة التي تُعدُّ قوّةً وانتصارًا على الهشاشة ما لمْ تتحوَّل إلى تهوُّر أو استخفاف بالجائحة أو قذفٍ بها في متاهة الخرافة والهلوسات. لا يتعلَّقُ الأمرُ إطلاقًا، في هذا السياق، بخطاب أخلاقيّ، بل برُؤية للحياة تجعلُ مَحبّتَها وتمجيدَها والفرحَ بها مُتوَقّفًا على نُبْل العلاقة بالآخَر. فالانفصال، الذي فرَضتْهُ الجائحة، وامتدّ إلى العلاقة بين الناس ليس سوى إعادةِ تأمّل لمفهوم العلاقة ولمفهوم الحياة، مادامت الحياة، في عُمقها، علاقةً مُتشعّبةَ الخُيوط.

رغم أنّ المجهولَ كان دومًا نُسغَ الحياة وأسُّها الحامي لأسرارها ودَهشتها وتجدُّدها، يبدو مجهولُ جائحةِ «كورونا» قاتمًا، ومُحتفظًا للمَوت بصُورةِ القتل. لربّما المُضيء في هذا المجهول هو أنّه كشفَ، من بين ما كشفَ عنه، عن الحاجةِ إلى العِلم الإنسانيّ وإلى العُلماء، وإلى نظام صحّيٍّ متطوِّر، في زَمن غدا فيه التسابُق على التفاهة وتطويرها قيمَةَ القيَم، حتى تحوَّلَ التنافُس على إنتاج التفاهة علامةَ الزمن الحديث، بما أفْضَى إلى إنتاج فائض من التفاهة. فائضٌ لا يبدو، في زمن كورونا، مُعيقًا وحسب، بل عاملًا من عوامل الإحساس بحدّةِ الهشاشة.

مواضيع مرتبطة

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
ضجرٌ لا كالضجر
خالد بلقاسم02 يونيو 2020
من الحجْر إلى الضجر
عبد الرحيم العطري02 يونيو 2020
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
فيصل درّاج01 يونيو 2020
ما أراه من النافذة
علوية صبح13 مايو 2020
لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد
هدى حمد13 مايو 2020
تدريبٌ من الماضي
عدنية شبلي13 مايو 2020
355 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

بيروت أو جروح الضوء!
30 أغسطس 2020

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ...

اقرا المزيد
«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
02 أغسطس 2020

لا ينفصلُ الإنسانُ عن وَجْهه، إذ به يتميّزُ وبه تتحدّدُ هُويّتُه، وقد تهيّأ الوَجهُ، انطلاقًا من تركيبته، لأن يكون مُضاعَفًا، على نحو جعلَ الإنسانَ منذورًا مُنذ البدء لأن يَعيشَ بوَجهيْن، لا بالمعنى القدحيّ الذي اقترَن فيه الوَجهُ بالنفاق، وبإظهار المَرء...

اقرا المزيد
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
01 يوليو 2020

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة،...

اقرا المزيد
ضجرٌ لا كالضجر
02 يونيو 2020

ليس الضَّجرُ شعوراً مَقيتاً في ذاته، إنّهُ جُزءٌ مِنَ الحياة، إذ يَتمنّعُ تصوّرُها بدُونه، ما دامت حقيقةُ الحياة في تناقُضاتها، وما دامت هذه الحقيقةُ وُجوهاً مُتناقضةً لا وَجْهاً ثابتاً بمَلامحَ جامدة. الضَّجرُ شعورٌ إنسانيّ عامّ، لكنّ صيَغَهُ وحِدّتهُ...

اقرا المزيد