كأننا لم نُترجِم إدوارد سعيد

شوقي بن حسن  |  07 سبتمبر 2022

كيف يمكننا ألّا نخضع للقوالب التي اختارها لنا الغرب. إن الاستشراق مستمر، ليس بالمعنى المُتداول اليوم بكونه «استشراقاً جديداً» قد ورث القديم، بل بمعنى أن العبرة من إيصال الوعي باللعبة الاستشراقية لم تتحوَّل إلى معرفة فاعلة. بعبارةٍ أخرى، إننا نرث التأخُّر السابق، ولكننا نحن مَنْ يوفِّر مساحة إنتاج التأخُّر اللاحق.

يُمكن تلخيص محتوى كتاب «الاستشراق» (1978) لإدوارد سعيد في مقولة جامعة: ليس الشرق الذي يدرسه المُستشرقون إلّا إسقاطات جاهزة بحيث تُخفي المعرفةُ نوايا الهيمنة، وبالتالي فالاستشراقُ ليس محاولة في دراسة الآخر، بل محاولة لإخضاعه.

بهذا الاختزال، وبهذه الطمأنينة، كثيراً ما نعتقد في ثقافتنا العربية بأن كتاب «الاستشراق» نال حظّه من التداول والفهم، وما ذلك إلّا كمَنْ يذهب في ظنه أن إلقاء نظرة على الغلاف الخلفي لكتاب أو على فهرسه يُغني عن قراءة المتن، فأهمية كتاب «الاستشراق» لا تقتصر على مقولاته، فهناك ما هو أكثر أهمية، وهو كيف بلغ المُفكِّر الفلسطيني تلك المقولات وبأي أدوات معرفية استطاع تصعيد مضمرات النصوص إلى مستوى الوعي المُشترك.

أكثرُ ما يُورِّطنا في مثل هذا الاعتقاد بحضور كتاب «الاستشراق»، وهو غائب، هو تعدُّد ترجماته. خلال العام المُنقضي، صدرت عن «دار الآداب» رابع ترجمة للكتاب إلى العربية، وقد أنجزها محمد عصفور، وتأتي بعد ترجمات كلٍّ من كمال أبو ديب، ومحمد عناني، ونذير جزماتي. لن نختلف بأنّه من حقّ كتاب «الاستشراق» علينا أن يُترجَم عدّة مرات، ولكن لا ينبغي عليه أن يتحوَّل إلى شجرة تخفي ما وراءها، من ذلك أنه حجب كتباً أخرى من مشروع سعيد بعضها لم يُترجَم بعدُ مثل «بدايات: المقصد والمنهج» (1975) و«مسألة فلسطين» (1992).

لا يعني ذلك أية مؤاخذة على المُترجمين الذين تصدّوا لنصوص سعيد. وإنما يتعلّق الأمر بكون الترجمة ليست سوى شكل وحيد من أشكال عديدة لاستقبال مفكِّر يكتب في لغةٍ أُخرى، ولا ينبغي لهذا الشكل أن يحتكر وحده كل عملية التلقّي، فنحن لا نجد مثلاً محاولات في كتابة السيرة (الغيرية) لسعيد باللسان العربيّ، سيرة بالمعنى المعرفي أو الشخصي، ومرّة أخرى نقف على اكتفاء بترجمة فوّاز طرابلسي للسيرة الذاتية لسعيد والتي حملت عنوان «خارج المكان».

كما أننا لا نجد للمُفكِّر الفلسطيني حضوراً في أشكال تأليفية كثيرة مثل المعاجم ودراسات التلقّي، وهذه الأخيرة باتت حاجة مُلحّة فمع نموذج مثل إدوارد سعيد يمكننا أن نفهم كيف نستعيد المُفكِّرين العرب الذين ينتجون في الغرب، وهؤلاء ليسوا قلّة (سمير أمين، أنور عبد الملك، محمد أركون، مصطفى صفوان، إيهاب حسن…). كما أننا مع سعيد حيال مسائل مخصوصة ومثيرة مثل المركزية التي فرضها لنفسه كتاب «الاستشراق»، ولعلّه من الضروري اليوم التفكير في كتابة التاريخ العربي لكتاب «الاستشراق» مع تعدُّد ترجماته وتضخُّم توظيفاته.

من جانبٍ آخر، لا نعثر على أثرٍ كبير لسعيد خارج بيئة العلوم الإنسانية في حين أن مدوَّنة المُفكِّر الفلسطيني قابلة للاستثمار في حقول شتّى؛ من الأدب إلى الفنون البصرية. مع الإشارة إلى بضعة استثناءات منها دعوة سعيد من قبل المخرج المصري يوسف شاهين للظهور في أحد أفلامه، ناهيك عن اعتماد مقولاته ضمن التصوُّر العام لعدد من مشاريعه السينمائية التي تعالج العلاقة بين الغرب والشرق، كما يمكن لنا أن نذكر حضور المُفكِّر الفلسطيني في جدران شوارع تونس ما بعد الثورة (2011) حين اعتمدته مجموعة «أهل الكهف» كأيقونة في أعمال الغرافيتي التي ضخّتها في الفضاء العمومي ضمن تشكيلة من رموز المقاومة الفكرية (طوني نيغري، جيل دولوز…).

كما يمكن أن نذكر شكلاً طريفاً آخر من أشكال التلقّي وهو إعادة بناء أطروحات صاحب «الثقافة والإمبريالية» في تخصُّصات معرفية أخرى، ونجد مثالاً على ذلك في اللّغة الفرنسية حين استعاد الباحث من أصول جزائرية «آلان مسعودي» أطروحة كتاب «الاستشراق» وأثبتها باعتماد مدوَّنة أرشيفية بدل الاعتماد على مدوَّنة أدبية-مخيالية كما فعل سعيد.

كلُّ هذه أشكال من التلقّي تكاد تغيب في ثقافتنا، وهي تدلّ على بعض أعطابها، وتكشف عمق الفجوة المعرفية بيننا وبين العَالَم، فإذا كان التعامل مع إدوارد سعيد، القريب من الثقافة العربية، بل المُتقرِّب منها في أحيانٍ كثيرة، بهذا الشكل فما بالنا مع مفكِّرين يشتغلون في مسائل وقضايا بعيدة عن متداول الحياة الفكرية العربية.

 

 

إنّ مترجمي سعيد شهودٌ، هم أنفسهم، على إشكاليات تلقّيه، وهؤلاء أوّل مَنْ يعترف بـ«ثغرات مكتبة إدوارد سعيد في اللّغة العربية» والعبارة لفوّاز طربلسي في تقديم ترجمته لكتاب «عن الأسلوب المُتأخِّر»، وفيها يشير إلى أن أحد أسباب وجود هذه الثغرات هو ضمور الثقافة العامة العربية في عدّة اختصاصات تناولها المُفكِّر الفلسطيني ما يضع المُترجم في موقع ضعف أمام بعض نصوصه، فهو مثلاً ينتقل من المعرفة الدقيقة للأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي إلى معرفة شمولية بتاريخ المُوسيقى الكلاسيكية، مروراً بالفلسفة والتاريخ السياسي والعلوم الاجتماعية.

يضيف طرابلسي صعوبة أُخرى تتعلَّق بمُستويات مختلفة في مادة سعيد نفسه، بين كتاباته الأولى والأخيرة، فعمل كالذي نقله طرابلسي إلى العربية «ينطوي على صياغة إدوارد سعيد المتأخّر لأدواته المفهومية في حالتها الصقيلة، المسكوبة في أسلوب مميّز بلغ أقصى درجات الصنعة والأناقة»، وفي ظل عدم تعوّد القارئ العربي مع مثل أدوات الكتابة هذه سرعان ما تنشأ قطيعة تذوّقٍ وفهمٍ تجاه سعيد.

يمكن أن نعود أيضاً إلى شهادة نشرها كمال أبو ديب (صاحب أول ترجمة لـ«الاستشراق» كما ترجم كتاب «الثقافة والإمبريالية») بُعيد رحيل المُفكِّر الفلسطيني في «مجلة الثقافة العربية» (العدد 45، 2004) وحاول إضاءة ما يعتبره «ميراث» إدوارد سعيد أو وصيّته الفكرية، فذكر جرأته على التأويل وتعليمه إيانا «كيف تهاجر النظريات» وكيف «نربط التجربة بالثقافة»، وكيف نرى النصوص «كطاقة واحتمال قابل للتكاثر». فلنتساءل -على مسافة عقدين مما كتبه أبو ديب- عمّا تحقّق من كل ذلك: هل يوجد من هذه الأمور ما تحوَّل إلى ذهنية عامة -على الأقل في البيئة البحثية- تُسدي خدماتها للثقافة العربية؟ هل أن مفهوم النص عند سعيد قد أفاد ثقافتنا بشيء خارج دوائر المعرفة التقنية؟ ما نراه من حولنا يؤكِّد فشل ربط ما تُنجزه الثقافة العالمة بفضاءات الثقافة العامة. لو أننا نتعامل مع النصوص برؤية سعيد لانتهينا من جزءٍ غير قليل من إشكالياتنا الكبرى: الديكتاتورية أو التطرُّف مثلاً بوصفهما محاولات عنيفة لاحتكار التأويل.

علينا أن ننتبه أيضاً -ونحن نحاول تبيان الحواجز التي تعيق وصول سعيد إلينا- إلى أن المادة التي يجترح منها المُفكِّر الفلسطيني دراساته غريبة غالباً عن الأرض العربية. يمكن أن نفحص بنظرة سريعة بيبليوغرافيا كتب مثل «الثقافة والإمبريالية» و«فرويد وغير الأوروبيين»، وحتى «الاستشراق»، لنكتشف أن معظم الأسماء والنصوص التي يُعمِل فيها سعيد مِشرط الباحث غير مروَّضة في الغالب من المُثقّفين العرب رغم شهرة أسماء أصحابها: «ألبير كامو» (لعلّه الأكثر حظاً) و«جوزيف كونراد» و«غوستاف فلوبير» و«شاتوبريان» و«جيرار دو نيرفال»، و«دي لامبيدوزا».

يُضاف إلى هؤلاء ونصوصهم شبكة نظرية ينهل سعيد منها نسيجه المفاهيمي فينتقي ما يحتاجه من «فوكو» و«غرامشي» و«أدورنو» و«ألتوسر» و«جامباتستا فيكو» و«هوسرل» وغيرهم. وهذا النسيج المفاهيمي يحتاج إلى خلفيات حيث لا يمكن تفعيله في ذهن القارئ من أول لقاء. كما أن هذا القارئ مدعوّ لفهم فويرقات الدلالة في بعض المُصطلحات مثل الإمبراطورية والإمبريالية أو تصوُّره لمفهوم المنفى. ولا ننسى أنه يُفترض في قارئ كتابات إدوارد سعيد أن يحمل خلفية عن الدوائر التي يتقاطع معها فكره؛ النظرية الأدبية، تيار ما بعد الاستعمار، الدراسات الثقافية…

ربما علينا أن نعترف بأن الحفاوة العربية بسعيد مرّت من الاعتراف الغربي. هكذا نكرّس المركزية الغربية في مقام كتاب يناهض هذه المركزية ويعمل على تفكيكها. ولعلّ في ذلك أحد أسرار سوء تلقيه، أو قلّة الاستفادة منه، وفي الغالب نتلقى كتاب «الاستشراق» من زاوية كونه منعطفاً في الدراسات الأدبية والثقافية، ولا ننتبه إلى الظروف التي تهيّأت في الغرب ليكون هذا المُنعطف ممكناً منها التراكم النقدي حول مفهوم الهيمنة الثقافية (غرامشي، ستيوارت هول، ريموند وليامز، تودوروف…) وللاستشراق ذاته (أنور عبد الملك خلال إقامته في فرنسا). فهل توجد في مدوَّنتنا البحثية مثل هذه التراكمات؟

ينجرّ عن حالة عدم الانتباه هذه التباسٌ في تلقينا لمقولات الكتاب، فهو خطاب موجَّه إلى الغرب، يعمل على نزع أقنعة هذا الأخير ودفعه كي يقف أمام مرآة التحليل. ونحن نقرؤه كذلك، أي كخطاب موجَّه إلى الغرب، وهي قراءة تعفينا من اعتباره خطاباً موجَّهاً إلينا أيضاً، أي أنه يفضح أخطاءنا نحن كذلك، نحن ضحايا الاستشراق، وهذا هو المعنى الأشمل للترجمة بما هي أوسع من الخدمة النصية التي يقدِّمها المُترجِمون. ولنا من هذه الزاوية أن نقف على مأساة المُترجِم العربي الذي يجتهد ويثابر في نقل نص لا يؤدّي بعد ذلك كثير نفع للمُجتمع الثقافي.

كيف نغفل إلى هذا الحدّ عما في كتاب بكل هذا الحضور الطاغي؟ تلك مفارقة قاسية تخترق ثقافتنا العربية. إن من جنايات سوء التلقّي أن تتحوَّل مقولات كتاب «الاستشراق» من كونها فكراً نقدياً إلى أيديولوجيا نفهم من خلالها علاقتنا بالغرب بكثير من التسطيح ونكرِّس بذلك وضعيّتنا كضحايا. أولى بنا ألّا نرى «الاستشراق» كمقولة باتة، كأن نقرأه ككتاب يتحدَّث عن التقنيات الثقافية وهي تتحوَّل إلى أسلحة للإخضاع، فالاستشراقُ الأدبي كان تحقُّقاً سردياً لأيديولوجيا غازية، ولا سبيل لصدّها إلّا بمنجز سرديّ مضاد، ناهيك عن ضرورة بلورة أشكال تحقُّق أخرى؛ بصرية وبحثية وغير ذلك.

ماذا طوَّرت ثقافتنا من هذه الأسلحة؟ ومن هذه التقنيات (أشرنا آنفا إلى فقدان تقنيات التلقّي، فما بالنا بتقنيات الصدّ أو رد الفعل). كيف يمكننا، والوضع كذلك، ألّا نخضع للقوالب التي اختارها لنا الغرب. إنّ الاستشراق مستمر، ليس بالمعنى المُتداول اليوم بكونه «استشراقاً جديداً» قد ورث القديم، بل بمعنى أن العبرة من إيصال الوعي باللعبة الاستشراقية لم تتحوَّل إلى معرفة فاعلة. بعبارةٍ أخرى، إننا نرث التأخُّر السابق، ولكننا نحن مَنْ يوفِّر مساحة إنتاج التأخُّر اللاحق.

مواضيع مرتبطة

منصف الوهايبي: السجال حول «قصيدة النثر» بدأ قبل ظهور «قصيدة التفعيلة»
حوار: السيد حسين07 سبتمبر 2022
إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية
ترجمة: عبدالله بن محمد02 فبراير 2022
يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف
ترجمة: يحيى بوافي02 فبراير 2022
ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية
ترجمة: حياة لغليمي02 يناير 2022
ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
جدل البيو.. حماية للصحة أم انتهازية تجارية؟
جمال الموساوي02 يناير 2022
حرب الخوارزميّات بعد سَكتَة الفيسبوك
آدم فتحي01 نوفمبر 2021
فكِّر مثل الفيروس
ترجمة: أسماء كريم06 أكتوبر 2021
الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!
ترجمة: ياسين المعيزي06 أكتوبر 2021
82 عدد المشاهدات