كلاوديو ماغريس، وماريو فارغاس يوسا.. مرافعة للدفاع عن الأدب

ترجمة: عزيز الصاميدي  |  26 مايو 2021

هناك لقاءات تبلغ الذروة، وتعلق بالأذهان: منها لقاء «فيليب روث – Philippe Roth» بـ«بريمو ليفي – Primo Lévy» و«إسحاق باشفيس سينجر – Isaac Bashevis Singer» (دعونا نتحدَّث عن العمل)، أو لقاء «غراهام غرين – Graham Green» بـ«أنتوني بورجيس – Anthony Burgess» في عام (1980) (الحوار الأخير)، أو مقابلة «بازوليني – Pasolini» على التليفزيون الإيطالي مع المنبوذ «إزرا باوند – Ezra Pound» عام (1967).

وفي «ليما» سنة (2009)، جاء الدور على الفائز بجائزة «نوبل» «ماريو فارغاس يوسا – Mario Vargas Llosa» للتحدُّث مع «كلاوديو ماغريس – Claudio Magris» حول الكاتب والتزامه من أجل الحقيقة. وقد نُشرت نسخة من هذه المقابلة، باللُّغة الفرنسية، تحت عنوان: «الأدب هو انتقامي».

في مواجهة الفوضى التي يشهدها العالم، يؤكِّد كلّ من الكاتبَيْن؛ الإسباني والإيطالي، أن الكاتب لا يزال لديه دور يضطلع به.

نقاط مشتركة عديدة تجمع بين الكاتبين؛ فهما ينتميان إلى الجيل نفسه، (جيل الثلاثينيات) ويمارسان الصحافة، بانتظام، منذ الستينيات، لحساب اثنتَيْن من كبريات الصحف اليومية العالمية؛ صحيفة «الباييس» بالنسبة إلى «يوسا»، وصحيفة «لي كورييري دي لا سيرا» بالنسبة إلى «ماغريس». وقد ذاق كلاهما طعم الممارسة السياسية: «فارغاس يوسا» بصفته مرشَّحاً رئاسيّاً للبيرو، قبل ثلاثين عاماً أو أكثر، و«ماغريس»، المدافع عن مفهوم الميتيليوروبا (أوروبا الوسطى)، بصفته عضواً في مجلس الشيوخ لولاية استمرَّت مدّة عامين، في منتصف التسعينيات. وهما، وإن اختلفا من حيث طبيعة المنجز الأدبي، لهما الحرص نفسه على النظر إلى العالم بعين عميقة وناقدة، وزعزعة يقينيّاتنا، واستنكار أخطائنا، وكشف الرذائل الخفيّة للتاريخ، سواء في ما كتباه من أعمال متخيَّلة، وعلى مستوى المقالات الفكرية التحليلية.

ويعترف كلٌّ من الرجلين اللذين يتكلَّمان الفرنسية واللذين التقيا عدّة مرّات، للآخر، بالاحترام والإعجاب المشتركَيْن. وقد أسرَّ لنا «فارغاس يوسا» بأنه ما فتئ، منذ عشر سنوات، يدعم ترشيح الكاتب الإيطالي لدى الأكاديمية السويدية للفوز بجائزة «نوبل». كما حرص «ماغريس» على أن يعرب، في مقدِّمة هذا الحوار، عن سعادته «باللقاءات والحوارات التي جمعته بفارغاس يوسا، في العديد من البلدان، والتي شكَّلت تجارب عظيمة»، كما أفصح لنا، أيضاً، عن شعوره «بالفخر لهذه الصداقة المشتركة».

لقد قبلا الإجابة عن أسئلتنا قبل بضعة أيّام. تحدَّث «ماريو فارغاس يوسا» بالفرنسية، عبر الهاتف، من مدريد، حيث يقيم. فيما ردَّ «كلاوديو ماغريس» باللّغة الإيطالية، عن طريق البريد الإلكتروني، من مدينة «تريستا»، التي ولد فيها في عام (1939).

بعد مرور اثني عشر عاماً على مثل هذا اللقاء، في المكتبة الوطنية في «ليما»، هل ما زلتما تحتفظان بالرأي نفسه حول الكاتب ودوره في المجتمع، وعلاقته بالعالم؟

– ماريو فارغاس يوسا: المشكلة الرئيسية، اليوم، تتمثَّل في «تتفيه» الأدب، فمع أننا شهدنا عودة الناس، من جديد، إلى القراءة في ظلّ وباء كورونا، اتَّجهوا- للأسف، في غالب الأحيان- إلى أدب سطحي. وقليلون همّ الكتَّاب الذين يعتقدون، اليوم، بأن الرواية قادرة على أن تغيّر مسار التاريخ. لقد تحوَّل الأدب إلى نوع من المتعة، والترفيه، و«الانترتينمنت – Entertainment» على الطريقة الأميركية، في حين أن مهمَّته هي الاشتباك مع المشاكل الحقيقية. يتمّ، اليوم، تنويم القارئ، وهذا خطر، مثلما يتمّ تنويم المشاهدين أيضاً. إننا، هنا، نفقد ما هو أساسي: مخاطبة المواطن الساخط غير الراضي الذي يجب أن نقوم بإزعاجه واستثارته. نحن لم نعد نُبيِّن له الفوضى التي يتخبَّط فيها العالم، والحال أن الأدب هو الذي بسط أمامنا، عبر حكايات متخيَّلة، الأسباب الداعية إلى التمرُّد ضدّ العالم.

– كلاوديو ماغريس: من جهتي، أعتقد أنه يصعب علينا كثيراً، اليوم، أن ننظر، بالطريقة نفسها، إلى العلاقة بين الأدب والعالم. خاصّة في هذا الوقت الذي نعيش فيه اضطراباً معمّماً يدمِّرنا، بسبب الفيروس التاجي والهيمنة الكاسحة والوحشية لاقتصاد السوق، من خلال عولمة كلّ الأشياء، بما فيها تلك المتعلِّقة بالقلب، وبما هو حميميّ. إن ما يحدث، الآن، قد تسبَّب في تغيير وجه العالم أكثر بكثير ممّا تسبّبت فيه كلّ الاضطرابات السابقة، وأكثر من الحروب. ولابدّ من الإشارة، أيضاً، إلى أن العديد من الكُتَّاب اعترفوا، خلال فترات الحجر الأطول، بأن الرغبة في الكتابة قد اختفت لديهم، بل اختفت لديهم، أيضاً، الرغبة في القراءة. مع أن الحجر أتى بتأثير معاكس، من جهة أخرى؛ إذ اعترف مؤلِّفون آخرون بأنهم لم يقرؤوا إلّا قليلاً، لكنهم جميعاً قد شرعوا في الكتابة…

هل يمكن القول إننا دخلنا عصر ما بعد الأدب، بوجود كتَّاب، لم يعد الاشتغال على اللّغة والأسلوب يمثِّل غرضهم الأساسي؟

– «م. ف. ي»: هناك حقيقة واحدة مؤكَّدة: لم يعد هناك، اليوم، وجود لكاتب مثل «فلوبير» الذي كان يعكف، في ما يشبه التعبُّد، لمدّة خمس سنوات، على كتابة رواية أو مقالة. الروايات، الآن، أصبحت تُكَتب وفقاً للطلب، في سوق تهيمن عليها التنافسية الشديدة. من جهة أخرى، إن التزام الكاتب بالحرّيّة بات أمراً حاسماً لأننا نعيش زمناً يسود فيه الخلط بين الحقيقة والأكاذيب، على جميع مستويات المجتمع. في الواقع، السياسة تمطرنا بالأكاذيب وبالتصريحات المنافية للحقيقة. يجب أن نتذكَّر أن مهمّة الأدب هي أن يظهر لنا الحقيقة.

– «ك. م»: أعتقد أن مصطلح «ما بعد الأدب» مصطلح عديم المعنى، إلى حدٍّ ما. ولكن من الواضح أن الالتزام بات ينحدر في جميع المجالات، بما فيها أهمّ قطاعات الأدب. لقد أصبح المنطق التجاري العنيف حقيقة لا مفرّ منها، بل واقعاً لا يرحم، وهو لا يعير أدنى اهتمام لأولئك الذين يعيشون في حالات بالغة الصعوبة. إن النظام السائد قد تمكَّن من تجميد وشَلِّ كلّ شيء، بما في ذلك البدائل الأكثر بداهةً أو تلك التي أثبتت نجاعتها، بالفعل. سوف أكرِّر، اليوم، ما قلته في عام (2009)، بالكلمات نفسها، ولكن مع الإحساس بالحزن.

في عام (2009)، ذكّرتما بأسبقية القيم العالمية على القيم الوطنية أو الطائفية وضرورة التوسُّل بالمتخيَّل لتبنّي موقف نقدي تجاه العالم. هل أصبحت هذه الأولوية مهدّدة في ظل ما بتنا نعيشه اليوم؟

– «م. ف. ي»: المشكلة هي أننا نعيش في مجتمع حيث الهياكل العليا، سواء أكانت سياسية أم كانت اقتصادية أم كانت مالية، وأنا هنا لا أتحدَّث عن «الجافا – GAFA» حتى تتجاوز سلطة وكفاءة الأوطان والدول. والحال أنه، في ظلّ هذه البيئة العدائية، يحمينا الاتِّحاد الأوروبي، وهو الفضاء الذي ولدت فيه الحرّيّة والديموقراطية، في اعتقادي، من خطر القومية الذي يتهدَّدنا على الدوام، ويتيح لنا بأن نحتلّ مكاناً ما على الساحة العالمية، بين الصين والولايات المتَّحدة.

– «ك. م»: بالطبع، تمَّت إعادة إغلاق بعض الحدود في الآونة الأخيرة، وليس في وجه المهاجرين، فحسب. إننا نقف مذهولين وغير مصدِّقين أمام انكماش الشعوب، وعودة العنصرية والقومية، بل حتى القوميات الصغرى. فما الذي يستطيع الأدب فعله أمام هذا الواقع؟ هذا سؤال حقيقيّ في نظري.

من القواسم المشتركة بينكما هناك التأمُّل في العلاقة بين الكتابة التي تبدع والالتزام لصالح الحقيقة، الذي يستحيل تجنُّبه في مواجهتنا مع العالم ومع الحاجة إلى تغييره. ما رأيكما في ذلك؟

– «م. ف. ي»: الأدب لا حدود له، وينبغي ألّا تكون عليه قيود: إمّا أن يكون حرّاً أو لا يكون. ومن الواجب عليه أن يستكشف ما هو مخفيّ وكامن، كما ينبغي له أن يكون مستقّلاً، لا سيَّما مع حالة الارتباك التي نمرّ بها في الوقت الراهن، والتي ازدادت حدّتها بفعل أزمة (كوفيد)، التي منحت لسلطة الدولة، في جميع بلدان العالم، تقريباً، مزيداً من القوّة والسيطرة لتراقب حركاتنا وسكناتنا. يجب أن نقوم بتوجيه النقد لأن الأدب يساهم في صناعة التاريخ، وفي التقدُّم البشري، عبر استخدام الخيال والفانتازيا، ورفع الجمال إلى أعلى مراتب القيم الإنسانية. فالأدب، كما يعلم الجميع، يمثِّل أداة للحرّيّة. والحرّيّة، كما علَّمنا ذلك «عوليس»، تمثِّل القيمة الأساسية.

وأودّ أن أضيف أن الأدب هو إبداع لا يحاكي الواقع بأمانة، ولكنه يمكن أن يجسِّد هذا الواقع من خلال الأكاذيب. عندئذ، يصبح حقيقة متحوّلة، وأكثر عمقاً بكثير.

– «ك. م»: هناك شيء أذهلني بشكلٍ خاصّ، وقد حدث ذلك في أوروبا: قبل عام، شاهدت على شاشة التلفزة الإيطالية شيئاً لم أكن لأعتقد، أبداً، أنني سأراه في يوم من الأيّام. ففي الساحة الرئيسية لمدينة وارسو، التي دمَّرها النازيّون، تظاهر آلاف البولنديين حاملين أعلام «هتلر»، وصلباناً معقوفة.

ما هو الكتاب الذي ألَّفته، وتنصح به قارئاً شابّاً في عام (2021)؟ ولماذا؟

– «م. ف. ي»: بدون تردُّد: «محادثة في الكاتدرائية»، فقد كلَّفتني هذه الرواية أكثر من ثلاث سنوات من العمل الشاقّ، لأنها تؤكِّد كيف يمكن للمرء، من خلال الرواية، أن يبيِّن ويثبت الآليّات والقوى التي تحرِّك المجتمع، كما أن في هذه الرواية، أيضاً، شيئاً غير متناهٍ، وهذا ما حصدته من قراءاتي لـ«فلوبير – Flaubert»، الذي أعود للغوص في كتبه بانتظام، كما أعود، أيضاً، إلى «بلزاك – Balzac»، و«هوغو – Hugo» و«بروست – Proust». الرواية تعبير عن مجتمع؛ ذلك هو تعريفها الصحيح منذ القرن التاسع عشر إلى الآن.

– «ك. م»: إنها روايتي «Tempo curvo a Krems» (حرفيّاً: «زمن مقعَّر في كريمس»)، والتي ستُنشرها في العام المقبل دار النشر «غاليمار» بعد أن يترجمها، كما العادة، كلّ من «جان وماري نويل باستيرو – Jean et Marie-Noëlle Pastureau». وعلاوة على ذلك، يسرني أن روايتي «Croce del Sud» (حرفيّاً: «صليب الجنوب») سيتمّ نشرها في عام (2021) من قِبَل دار النشر «ريفاج – Rivages».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: تييري كليرمون

العنوان الأصلي للحوار:

Claudio Magris-Mario Vargas Lliosa: Plaidoyer pour la littérature

مصدر الترجمة: «لوفيغارو – Le Figaro»، العدد (18)، فبراير، (2021).

مواضيع مرتبطة

فولفغانغ فايراوخ.. “استعدادات لاغتيال الطاغية”
ترجمة: عماد مبارك غانم26 أبريل 2021
جين كورتيز.. سريالية الهوامش
الحبيب الواعي17 مارس 2021
هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا
ترجمة: عزيز الصاميدي24 فبراير 2021
هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل01 يناير 2021
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة
ترجمة: أحمد عبد اللطيف15 نوفمبر 2020
عدالت آغا أوغلو.. الأدب التركي يفقد زهرة خياله!
سمية الكومي01 سبتمبر 2020
”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
352 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا
24 فبراير 2021

ليس من عادة الروائي الياباني ذي الشهرة العالمية، أن يتحدَّث كثيراً عمّا لا يتعلَّق بأعماله، لكنه -مع ذلك- قَبِلَ الحديث إلينا، والخوض في مواضيع شتّى خارج إطار الكتابة مثل الجائحة، والنظام العالمي، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى غير ذلك. يبدو أن «هاروكي موراكامي»،...

اقرا المزيد
ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“
01 يونيو 2020

لابدّ لي من أن أعترف بأن الرسائل التي بعثتها أو استقبلتها خلال الأسابيع الماضية كان الهدف منها بالأساس الاطمئنان على أن مخاطبي لم يمت وليس على وشك أن يموت. وبعد ذلك فقط قد يتسنى لنا الخوض في مواضيع مثيرة للاهتمام. مع أن هذا لم يكن بالأمر الهين نظراً لأن الوباء...

اقرا المزيد