“لأني، حقّاً، رأيت”.. شذرات لكريستيان بوبان

ترجمة: الخضر شودار  |  26 أبريل 2021

تجاوزت أعمال «كريستيان بوبان» ستِّين كتاباً، وتُرجِمت إلى أكثر من أربعين لغة. ظهر عمله الأوَّل «رسالة أرجوانية» عام (1977)، ثم أعماله الأخرى، تباعاً، في دور نشر صغيرة إلى أن تبنَّته منشورات «غاليمار» عام (1980)، لينال جائزة الأكاديمية الفرنسية على مجمل أعماله، في (2016).

هل يمكن أن نكره زهرة؟ يتساءل «أندريه دوتيل»!، فيجيب: نعم، ثم يمضي يتحدَّث عن أزهار أَخِلِيات (achillées): «رأيتُ يوماً زهرة أخيلية، كانت رمادية شاحبة، بلون أبيض مشوب، لم أحبَّها…، ثم بعد وقت قصير، ذهبت إلى حديقة أخرى ورأيت هناك أزهاراً شبيهة بذاك النوع، أزهاراً أخيلية أخرى، لكنها ملوَّنة. كانت بلون فاتح، ورائعة. فُتِنت، حقّاً، بها… عدت إلى الأولى ثانيةً؛ أعني تلك المبقَّعة الكريهة فأحببتها عن حبّ». هذه اللمسة الخاصّة في رؤية «دوتيل» للعالم؛ لمسة رجل يرى الجمال، برهافة، في أشياء لا تسمح لنا، في ظاهرها، بذلك، هي ما نقع عليه في كتابات «كريستيان بوبان» المتعدّدة (وهو المحبّ لـ«دوتيل»).

«بوبان»، الذي تجاوزت أعماله الآن ستِّين كتاباً، وتُرجِمت إلى أكثر من أربعين لغة، لم يغادر بيت أهله في مدينة «كروزو» منذ الولادة (1951) حتى سنّ الثلاثين؛ عاش حياة صامتة يتأمَّل: «عشت في مدينتَيْن؛ «كروزو»، والمدينة التي في الغيم». «كروزو»، المدينة الصناعية الصغيرة التي مرّ ذكرها عابراً في يوميّات «بول كلوديل» عام (1916)؛ مدينة لا يحلم أحد بالعيش فيها، حيث الله، والعزلة، والآخرون: «هاجرتُ من «كروزو» إلى «كروزو»».

يكتب «كريستيان بوبان» وكأنه يتكلَّم في كتبه جميعها بسلاسة عميقة، فالجملة العذبة الكاملة، هي التي «تجعلك تشعر بابتهاج عظيم إلى حَدٍّ لا تستطيع معه أن تكون أكثر ابتهاجاً ممّا أنت فيه»، متأثِّراً بجماليّات الكبار، «بروست»، مثلاً، الذي تجاوز زينة البرناسيين وأخذ جُمَلهم الطوال إلى بيت آخر، بأسلوب هو «مكاشفة لعالم خاصّ يراه كلّ واحد منّا، ولا يراه الآخرون. إن المتعة التي يمنحنا إيّاها فنَّان، هي أن يعرِّفنا إلى عالم آخر جديد». «بروست»، يكتب نصوصاً متشظِّية في أشكال مختلفة: نصوص الشذرات الشعرية القصار (Le Christ aux coquelicots)، اللوحات النثرية المطوَّلة (Mozart et la pluie،Un désordre de pétales rouges)، نصوص المشاهد السردية والنصّ الروائي (Le Très-Bas) ، اليوميّات، الشعر. بورتريهات سردية عن شخصيات أحبّها واقترب من عالمها الداخلي؛ الإنساني والشعري: القدّيس فرانسوا الأسيزي، وإميلي ديكنسون، وبيار سولاج، عدا تأثُّراته الخاصّة بكتابات «جان غروجان» و«أندريه دوتيل»، وشاعر اليابان «رايوكان» في القرن التاسع عشر: «كنت بحاجة إلى أكثر من ستِّين عاماً لأعرف ما كنت أبحث عنه في الكتابة والقراءة، وفي الحبّ، وفي الوقوف مشدوهاً أمام نبتة لبلاب، أو حجر صوان، أو غروب الشمس».

 

***

 

لا فرح أعنف من العثور على روح نقيّة: نودّ، حينها، أن نموت للتوّ..

أودُّ، حقّاً، أن أحبّ أولئك الذين أرى. لكن، لماذا هم أقلّ وجوداً حتى لأنفسهم؟

الرجل الذي يتحدَّثون عنه، حين يتحدَّثون عن كتبي، لا وجود له.

إنهم قادرون على إدخال كلّ شيء في حساباتهم سوى الاعتراف بالفضل، لهذا لا معنى لحساباتهم.

لا شيء يحافظ أكثر على يفاعة الحياة، من هدوء قلب يشتعل.

الملل يُعِدّ الدهشة مثلما نبسط غطاءً أبيض على الطاولة، أيّام العيد.

يُخطئ بعضنا كثيراً في حقّ البعض الآخر، ثم نموت.

وضعت المزهرية المليئة بأزهار صفراء على الأرض، قرب النافذة القصيرة، كي أترك الضوء يشرب.

الحقيقة في الأرض مثل مرآة مكسورة؛ كلّ قطعة تعكس السماء بكاملها.

شيء ما يأتي في كلّ لحظة لينقذنا.

أحبُّ الكتابات التي تنتزع الكاتب من العالم أيّاً كان السبب: ألم لا حدود له، فرح بلا سبب، أو-ببساطة- الشعور بأنك غريب على الأرض.

المطر يكتب مثلما يكتب طفل منحنياً على صفحته، خطوطاً مائلة وبطيئة ومهذَّبة.

لقد راهنت بكلّ شيء، على حبٍّ لا يمكنه أن يكون من هذا العالم حتى لو جعلنا كلّ تفصيل منه واضحاً.

ليس الجمال أو القوّة أو الفكر هو ما أحبُّ في شخص ما، بل علاقته الذكيّة الحياة، والتي عرف كيف تصله بها.

أكثر الكُتَّاب يصيبوني بالملل. هم، صدقاً، ليسوا السبب. أرى- تماماً- الجهد الذي يبذلونه للحصول على اهتمامي، لكن هذا -تحديداً- ما يصيبني بالملل. لا يستحوذ عليّ سوى أولئك الذين يتكلَّمون تلقائياً، دون أن يفكّروا في من يستمع إليهم؛ مثلما هو طائر الدوري، أو «أندريه دوتيل»..

أدفن كثيراً من الكُتَّاب في صناديق أُنزلها إلى القبو؛ فقلبي يتخفّف مثلما تتخفّف مكتبتي.

اليوم، أبي الذي رحل منذ فترة قريبة، يقف جانبي. ومثلي، لم يفعل شيئاً طوال النهار. كان يبتسم فحسب.

لا تصدّقوا أني طيّب، حكيم، أو حتى ذكيّ. صدّقوا، فقط، ما رأيت، لأني، حقّاً، رأيت.

«كنت وحيداً طوال ألفَيْ عام – زمنَ الطفولة. لا أحد مسؤول عن هذه العزلة. كنتُ أحتسي الصمت، وأقتات على سماء زرقاء. كنت أنتظر. بيني وبين العالم، كان هناك سور يقف عليه ملاك حارس، في يده اليسرى زهرة أرتانسيا – شيء يشبه كرة ثلج زرقاء. في الألفيّ عام، ساءلتُ كثيراً من الكتب. كنت أقرأ مثلما نكون في بلد أجنبي، ونفتح خريطة لنعرف أين نحن، قبل البحث عن المكان الذي نريد الذهاب إليه. لم أكن أدري أين أنا…».

«كنت، دائماً أتعذَّب من الذهاب إلى العالم ..»

يوما بعد يوم، كنت أختفي في بلد بلا اسم …»

مجنون، مَنْ ترك الألم يأخذ مكانه.

أجمل الحدائق هي تلك الحدائق المهملة.

الشتاء كان منقذي، والشفاعة الكبرى لثلجه الذي يغطِّي العالم.

أشتهي أن أدفن في ندفة ثلج.

في وسع فراشة أن تنقذ حياة.

مرَّات، أكون لنفسي، المتسوِّل: أجلس أمامي، وأمدّ يدي إليَّ، لكني أفتقد مزية السخاء، فتظلّ يدي فارغة.

الشاعر، يصادف، دائماً، شاعراً أكبر منه، فيأسر قلبه بالإعجاب. أنا صادفت الجليد.

حتى العميان، في مستطاعهم رؤية الضوء؛ يكفي أن يجلس شخص دمث، ويكلِّمهم.

تدهشني، كلّ يوم، حين أخرج من البيت، الثقةُ العالية للغيم.

الفقدان هو الضوء الذي مُنح للجميع.

المعرفة الكبرى ذابت من فوقك. والعتمات من جهتنا، لا من جهتك.

نحتاج إلى مئة وثلاثين زهرة لصناعة إكسير الرهبان.. ومثلها لكتابة قصيدة.

الابتسامة هي البرهان الوحيد على عبورنا فوق الأرض.

ما كنّا نقوله تلاشى في سماء الغابة، ولم يسقط منه ثانيةً سوى جزء من ألف، داخل الكتب.

أيدينا التي تشابكت على طريقة الأطفال، ستتابع تاريخها طويلاً، بعد أن كانت عظاماً ورفاتاً، ثم لا شيء.

أريد أن أقتل «كريستيان بوبان».

قطرة ماء تنتحر في المغسل، بعد تردُّد طويل.

ميتتك هي، تماماً، وراء فرحتك.

في وسع فراشة أن تنقذ حياة.

صديقتي، هي شخص ينتظرني في البهو، فيما أنا أربط خيوط حذائي.

أنا أصغر المريدين، وأساتذتي في كلّ مكان.

لأجله أحرق بعض الأشعار.

لا أحد أكثر شعوراً بالوحدة من نغمة ناي.

الحبّ طريقة عنيفة للخلاص من الموت وأسبابه.

أكتب إليك لآخذك أبعد من موتك.

كلّ ثانية ضائعة في النظر، دون انتباه من النافذة، تؤخِّر نهاية العالم.

كلّ يوم، أنتظر كلّ شيء.

أن نموت، هو كالوقوع في الحبّ: نختفي، ولا نخبر أحداً.

أنت تعبُر حياتي مثلما يعبر حريق غابة.

مواضيع مرتبطة

جيني أوديل: أسطورة الاعتماد على الذات (مصادفتي لمقالات إيمرسون)
ترجمة: محمد الناجي15 فبراير 2021
لويز غلوك.. الشاعر والقارئ (خطاب نوبل)
ترجمة: عثمان عثمانية08 فبراير 2021
مو يان: «العمّ فوكنر، كيف حالك؟»
ترجمة: مي ممدوح25 نوفمبر 2020
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
لويز غلوك.. تجاوز الخسارات
مجلة الدوحة16 أكتوبر 2020
”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني11 أغسطس 2020
”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين
ترجمة: عاطف عبد المجيد06 أغسطس 2020
مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل31 يوليو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“
ترجمة: عزيز الصاميدي01 يونيو 2020
623 عدد المشاهدات