لويز غلوك.. الشاعر والقارئ (خطاب نوبل)

ترجمة: عثمان عثمانية  |  08 فبراير 2021

حصلت «لويز غلوك – louise Gluck» على جائزة «نوبل» في الآداب لعام (2020). هذه محاضرة «نوبل»، التي لم تتمكَّن من تقديمها بنفسها، بسبب جائحة (كوفيد- 19).

نص الخطاب:

عندما كنت طفلة صغيرة (خمسة أو ستة أعوام، على ما أذكر)، نظَّمتُ مسابقة في رأسي، مسابقة لتحديد أعظم قصيدة في العالم. وصل اثنان إلى التصفيات النهائية؛ «الولد الأسود الصغير – the Little Black Boy» لـ« بلايك – Blake»، و«نهر البجعة – Swanee» لـ«ستيفن فوستر – Stephen Foster»، كنت أقضي الوقت، صعوداً ونزولاً إلى غرفة النوم الثانية في بيت جدَّتي، في «سيدار هورست – Cedarhurst»، وهي قرية تقع على الشاطئ الجنوبي من «لونغ آيلند – Long Island»، أقرأ في ذهني، كما كنت أفضِّل، لا بفمي، قصيدة «بلايك» التي لا تنسى، وأغنّي أغنية «فوستر» المؤلمة في ذهني، أيضاً. كيف توصَّلت إلى قراءة «بلايك»، يبقى لغزاً. أعتقد أنّه كان هناك بعض المختارات الشعرية في منزل والدي، بين الكتب الشائعة حول السياسة، والتاريخ، والروايات، لكني أربط «بلايك» ببيت جدَّتي.

لم تكن جدَّتي امرأة كتب، لكن كان هناك «بلايك» وأغاني البراءة والتجربة (The Songs of Innocence and Experience)، وأيضاً كتاب صغير من الأغاني، من مسرحيات «شكسبير»، التي حفظت الكثير منها. وقد أحببت -على وجه الخصوص- الأغنية من «Cymberline»، التي -ربَّما- لم أفهم منها كلمة واحدة، لكنّ سماع النغمة، والإيقاعات، وضرورات الإيقاع، كلّها مثيرة لطفل شديد الخجل والخوف. «والشهرة تكون قبل قبرك»، كنت آمل ذلك.

لقد بدت المنافسات من هذا النوع، من أجل الشرف، ومن أجل المكافأة العالية، طبيعية بالنسبة إليَّ، وقد كانت الخرافات التي مثَّلت قراءتي الأولى مليئة بها. أعظم قصيدة في العالم، بدت لي، حتى عندما كنت صغيرة جدّاً، أعلى درجات الشرف. لقد كانت هذه هي الطريقة التي نشأنا بها، أختي وأنا، من أجل إنقاذ فرنسا «جان دارك»، لاكتشاف الرايديوم «ماري كوري». في وقت لاحق، بدأت أفهم مخاطر التفكير الهرمي وقيوده. لكن، في طفولتي، بدا من المهمّ منح جائزة، وشخص واحد سيقف على قمّة الجبل، مرئيّ من بعيد، الشيء الوحيد المثير للاهتمام، على الجبل. الشخص الذي كان أسفل قليلاً، لم يكن مرئياً.

في هذه الحالة قصيدة. شعرت، بالتأكيد، أنّ «بلايك»، بشكل خاصّ، كان على دراية بهذا الحدث، عازماً على حصد نتائجه. كنت أفهم أنّه ميِّت، لكني كنت أشعر أنّه لايزال حيّاً، حيث كنت قادرة على سماع صوته يتحدَّث إليّ متنكِّراً، لكنّه صوت يتحدَّث معي، فقط، أو معي (على وجه الخصوص) كما كنت أشعر. شعرت بالتفرُّد والتميُّز، كما شعرت، أيضاً، بأن «بلايك» هو من كنت أطمح إلى الحديث معه، ومن كنت -بالفعل- أتحدَّث إليه إلى جانب «شكسبير».

كان «بلايك» الفائز في المسابقة، لكنني أدركت، فيما بعد، مدى تشابُه النغمتَيْن. لقد انجذبت، في ذلك الوقت، كما الآن، إلى الصوت البشري المنفرد الذي يُثار في رثاء أو شوق. والشعراء الذين عدت إليهم، عندما كبرت في السنّ، كانوا الشعراء الذين أدّيت في أعمالهم دوراً أساسيّاً، بصفتي المستمع المختار. أعمال حميمة، مغرية، مخفيّة أوسرِّيّة، غالباً. الأمر لا يتعلَّق بشعراء الملاعب، فالشعراء لا يحادثون أنفسهم.

لقد أحببت هذا الميثاق، أحببت الإحساس بأنّ ما كانت القصيدة تقوله هو ضروري وخاص أيضاً، الرسالة التي تلّقاها الكاهن أو المحلِّل.

كان حفل توزيع الجوائز يتمّ في غرفة نوم جدَّتي الثانية، بحكم سرِّيَّته، فهو امتداد لشدّة العلاقة التي أنشأتها القصيدة: امتداد، وليس انتهاكاً.

كان «بلايك» يتحدَّث معي من خلال الطفل الأسود الصغير. لقد كان المصدر الخفيّ لذلك الصوت، ولا يمكن رؤيته، تماماً، مثلما لا يمكن رؤية الولد الأسود الصغير، أو الذي يُرى بشكل غير دقيق، من قِبَل الطفل الأبيض غير المدرك أو المزدري. لكنني عرفت أنّ ما قاله عن جسده الفاني المؤقَّت الذي يحتوي على روح النقاء المضيئة، كان صحيحاً. عرفت هذا لأن ما يقوله الصبيّ الأسود، روايته لأحاسيسه وتجربته، يتضمَّن لوماً، لا رغبةً في الانتقام لنفسه، بل الاعتقاد بالعالم المثالي الذي وُعد به بعد الموت، فحسب. سيتمّ الاعتراف بما هو عليه، وفي فورة من المرح، يحمي الطفل الأبيض الأكثر هشاشةً من الفورة المفاجئة للضوء. ذلك الأمل غير الواقعي الذي يتجاهل الواقع، يجعل من القصيدة محطِّمة للقلب، سياسية، أيضاً، بعمق. الألم والغضب اللذان لا يستطيع الطفل الأسود أن يسمح لنفسه بأن يشعر بهما، وأنّ والدته تحاول تحصينه منهما، أمران يشعر بهما القارئ أو المستمع، حتى عندما يكون القارئ طفلاً.

لكن الشرف العامّ أمر آخر.

القصائد التي استمعت إليها، طيلة حياتي، هي قصائد من النوع الذي وصفته، قصائد من الاختيار أو التواطؤ الحميم، قصائد يقدِّم فيها المستمع أو القارئ مساهمة أساسية، كمتلقٍّ للثقة أو الصراخ، وأحياناً كمتآمر مشارك. تقول «ديكنسون»: «أنا لا أحد! هل أنت لا أحد، أيضاً؟/ ثم هناك زوج منّا – لا تقلْ ذلك !»، أو كما يقول «إليوت – Eliot»: دعونا -إذن- نذهب، أنت وأنا/ عندما ينتشر المساء على السماء/ مثل مريض مثقل على طاولة…». لم يكن «إليوت» يستدعي فرقة الكشّافة، بل كان يطلب شيئاً ما من القارئ، على عكس قول «شكسبير»: «هل أقارنك بيوم صيفي؟»، مثلاً. «شكسبير»، لا يقارنني بيوم صيفي، لقد سمحت لي القصيدة بالاستماع إلى براعة مُبهرة، لكنّ القصيدة لا تتطلَّب حضوري. في الفنّ الذي هو من النوع الذي انجذبت إليه، يكون صوت أو حكم المجموعة خطيراً. هشاشة الحديث الحميم تزيد من قوَّتها ومن قوّة القارئ، الذي، من خلال وكالته، يتمّ تشجيع الصوت في مناشدة، أو في ثقته العاجلة.

ماذا يحدث لشاعر من هذا النوع، عندما تضعف الجماعة، وتقف بدلاً من عزله/ أو تجاهله/ها؟ أودّ أن أقول إنّ مثل هذا الشاعر سيحسّ بالتهديد، بأنه ليس قادراً على المناورة.

هذا هو موضوع (عمل) «ديكنسون». ليس دائماً، بل في الغالب. لقد قرأت لـ «إميلي ديكنسون» بحماس شديد، عندما كنت في سنّ المراهقة، في وقت متأخِّر من الليل، بعد الاستلقاء على أريكة غرفة المعيشة.

«أنا لا أحد. من أنت؟

هل أنت لا أحد، أيضاً؟»

وفي الإصدار، الذي قرأته حينها، ومازلت أفضِّله:

«ثم هناك زوج منا – لا تخبر عن ذلك !

سوف يبعدوننا، كما تعلم…».

«ديكنسون» اختارتني، أو تعرَّفت بي، وأنا جالسة هناك، على الأريكة.

كنّا نخبة، رفقاء في الخفاء، حقيقة معروفة لدينا نحن، فقط، تلك التي أكَّدها كلّ منا للآخر. في العالم، كنّا لا أحد.

لكن، ما الذي يمكن اعتباره نفياً للأشخاص الموجودين كما فعلنا في مكاننا الآمن تحت السجلّ؟

أنا لا أتحدَّث هنا عن التأثير الخبيث لـ «إيميلي ديكينسون» في الفتيات المراهقات، بل أتحدث عن حالة مزاجية لا تثق بالحياة العامّة، أو تعتبرها مجالاً يفتقد فيه التعميم إلى الدقّة، وتحلّ فيه الحقيقة الجزئية محلّ الصراحة والإفصاح المشحون. مثلا، لنفترض أنّ صوت المتآمر، صوت «ديكنسون»، تمَّ استبداله بصوت المحكمة: «نحن لا أحد. من أنتم؟» تصبح الرسالة شرِّيرة، فجأةً.

لقد كانت مفاجأة لي، صبيحة الثامن من أكتوبر؛ أن اشعر بنوع من الذعر الذي كنت أصفه. كان الضوء شديد السطوع، السلَّم شديد الاتِّساع. البعض ممَّن يكتبون الكتب يتمنّون أن تصل إلى الكثيرين، لكنّ بعض الشعراء لا يصلون إلى الكثيرين من الناحية المكانية، مثلما هو عليه الأمر في المدرج المملوء، فهم يصلون إلى الكثيرين مؤقَّتاً، بشكل متتابع. مع مرور الوقت، في المستقبل. لكن، وبشكل عميق، يأتي هؤلاء القرّاء، دوماً، منفردين، واحداً تلو الآخر.

أعتقد أن الأكاديمية السويدية، بمنحي هذه الجائزة، اختارت الصوت الحميم والخاصّ الذي يمكن أن يحسنه الكلام العامّ، وقد يجعله يمتدّ أحياناً، لكنّه لا يحلّ محلَّه أبداً.

 

المصدر:

Louise Gluck, The Poet and the Reader, The New York Review of Books, V. LXVIII, N°1 (January 14th, 2021): p.29

مواضيع مرتبطة

“لأني، حقّاً، رأيت”.. شذرات لكريستيان بوبان
ترجمة: الخضر شودار26 أبريل 2021
جيني أوديل: أسطورة الاعتماد على الذات (مصادفتي لمقالات إيمرسون)
ترجمة: محمد الناجي15 فبراير 2021
مو يان: «العمّ فوكنر، كيف حالك؟»
ترجمة: مي ممدوح25 نوفمبر 2020
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
لويز غلوك.. تجاوز الخسارات
مجلة الدوحة16 أكتوبر 2020
”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني11 أغسطس 2020
”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين
ترجمة: عاطف عبد المجيد06 أغسطس 2020
مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل31 يوليو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“
ترجمة: عزيز الصاميدي01 يونيو 2020
1061 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
30 أغسطس 2020

وُلِد في بيروت عام 1949، تحصَّل على جائزة «غونكور» عن رواية «صخرة تانيوس»، عام 1993، انتُخِب للأكاديمية الفرنسية عام 2011، في كرسي «كلود ليفي شتراوس – Claude Lévi-Strauss». أمين معلوف، روائي وكاتب دراساتٍ تتميَّز بملاحظة واضحة للعالم وآليّاته. حذّر في كتابه «الهويّات...

اقرا المزيد