ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون

إبراهيم الحَيْسن  |  21 يوليو 2020

ماذا يستهلك الرسّامون والمصوِّرون من أشربة وأطعمة؟ ما هي حاجتهم إلى الأكل(1)؟ وما هو نسقهم الغذائي؟ وكيف جسَّدوا علاقتهم الطبيعية مع الطهاة؟ وإلى أيِّ مدى أسَّسوا أنظمتهم الذوقية – Gustème وفقاً لطقوسهم الإبداعية الخاصّة؟ وهل هناك أغذية معيَّنة تساعدهم على التفكير والتأمُّل والاشتغال داخل المراسم والمحترفات؟ 

نقارب في هذا المقال علاقة الرسّامين بالطعام خلال الفترة الممتدة بين عصر النهضة في القرن الخامس عشر والقرن العشرين بما شهدته من إبداعات وروائع فنِّيّة خالدة Chef-d’œuvres، وثّقت الصلة بين المبدعين وفن الطعام، مع ما صاحب ذلك من طقوس وممارسات اجتماعية متنوِّعة. وتشير بعض الأبحاث إلى وجود «اكتشافات أثرية عديدة» أظهرت أن المطبخ وبعض محتوياته كانت محور اهتمام فنَّانين إبَّان الإمبراطورية الرومانية مروراً بالعصور الوسطى والعصور الحديثة، وقد حضر، بصفته موضوعاً، في الكثير من الأعمال الفنِّيّة من تصوير ونحت وخزف، ولاحقاً تناولته الأعمال الفوتوغرافية والإرساءات التشكيلية والعروض الأدائية التي تمحورها الجسد البشري وموقفه الطبيعي من الطعام والغذاء.

في الحاجة إلى الطعام

الطعامُ حاجةٌ بشريةٌ لا محيد عنها، لأنه يشكل مادة رئيسية لتغذية الجسم، وتمكينه من العيش والبقاء على قيد الحياة. تاريخيّاً، تمَّ تصنيف موضوع الطعام في (علم الإناسة) ضمن مناطق وسياقات أخرى، اعتبرت ذات صلات نظرية أكبر بالموضوع. في الحقيقة، لم يُكتب سوى القليل عن موضوع الطبخ باعتباره شكلاً من أشكال الفنّ، خاصة من وجهة نظر الأنثروبولوجيا في الفنّ(2). ويطلق اليابانيون على المطبخ اسم كامادو – Kamado الذي يعني «موقد الطبخ» ويحظى في ثقافتهم بمنزلة خاصّة حيث يربطونه بالبيت وائتلاف الأسرة.

 ومنذ مطلع ستينيات القرن الماضي، كتب «رولان بارث – R. Barthes» مقالة بعنوان: «من أجل سيكولوجيا للتغذية المعاصرة»(3) أبرز فيها أن «الغذاء نسق تواصلي» من خلال تجسيد العديد من الصور والمواقف المتصلة بآداب المائدة. ولم يكتفِ بارث بهذا المقال، بل اقترح منهجاً دلاليّاً للأغذية، وبيَّن أن الطبيخ، والذوق الغذائي يستمدان مسوغاتهما من السيميائية الغذائية، كما في عملية «إمبراطورية العلامات» و«ميثولوجيات»(4). في السياق نفسه، يبيِّن الباحث «أ. ريتشاردز – A. Richards» أن «الغذاء نسق توالدي لا يخلو من وظيفة تعبيرية وترميز. فالطعام مادة الغذاء، وهو المحدِّد الأساسي للعلاقات، والمنتج للبنى، والمولد للنسق الاجتماعي»(5).

كما أن «كلود ليفي ستراوس – C. Lévi Strauss» اعتبر الطبخ نسقاً مثل اللغة؛ يُعبِّر به المجتمع عن بنيته(6)، وفي بحثه الموسوم بـ«المثلث المطبخي – Triangle culinaire»، وَصْفٌ تضمَّن ثلاثة أنواع من الطهي: الغليان، والتحميص، والتدخين، وقد أبرز من خلاله كيف أن الطعام مفعم برسائل ترسم التراتب الاجتماعي، وتُجسِّد معنى الحياة. في حين يعتقد «ج. ب. بولان – J. P. Poulain» أن الغذاء «يحوِّل الإنسان تحويلاً ماديّاً ونفسيّاً ورمزيّاً، ويُبيِّن هويّته»(7)، كما أبرزت ذلك – أيضاً- دراسات متخصِّصة؛ منها كتاب عالم الاجتماع الألماني «جورج سيمّل – G. Simmel»، (1858 – 1918)، الموسوم بـ«علم اجتماع المائدة»، والصادر سنة 1911، ينطلق فيه مؤلفه من أن للإنسان «ثقافة مطبخية» باعتبار أن الطعام والشراب حاجة بشرية، لا محيد عنها، مكّنت البشر من الانتقال من المستوى الحيواني إلى المستوى الإنساني عن طريق الاجتماع على مائدة الأكل، مع ما يرافق ذلك من قواعد وطقوس..

موقف دافنشي من اللحوم 

من فنَّاني القرن الخامس عشر، يُحكى أن رسام عصر النهضة الإيطالي «ليوناردو دافنشي – L. de Vinci» كان عاشباً ونباتيّاً، ولم يكن يُعير أي اهتمام للّحوم التي ابتعد عن تناولها منذ سن مبكرة، وتكوَّنت لديه مبادئ و«فوبيا» حول وحشية قتل الحيوانات والكائنات المتحرِّكة، وسلخها من أجل العيش والبقاء، معلِّلاً موقفه بالقول: «لقد تخلّيت عن استهلاك اللحوم في وقت مبكر جدّاً، وسيأتي وقت سيكون فيه جميع الرجال راضين عن الخضار. قتل الحيوانات أمر يستحق اللوم!!»، وفقاً لما حكى عنه الكاتب «ديميتري ميريكوفسكي – D. Merejkovski».

كما كان دافنشي يشتري الطيور في أقفاص، ويسعد كثيراً بإطلاق سراحها، وتمتيعها بالحرّيّة، مع مفارقة هي أنه يُنسب لهذا الرسّام صنع آلية ميكانيكية لتقليب المشاوي في عصره، بعد أن كان الأمر يقتصر، في السابق، على المواقد الحجرية. ورغم التنوُّع الذي يَسِمُ المطبخ الإيطالي، إلاَّ أن صاحب «العشاء الأخير – L’Ultima Cena»، فريسكو كان يكتفي، في الغالب، بتناول الشوربات المحضرة بالخضار إلى جانب البَيْض المسلوق والتفاح، ولم يكن لديه الوقت الكافي للطهي والمكوث داخل المطبخ من أجل الأكل، وقد رسم هذه الجدارية الضخمة في ما بين سنتي 1495 و1498، وهي تغطي الجدار الخلفي لصالة طعام داخل دير سانتا ماريا ديلي غراتسي في ميلانو.

فنَّان آخر من عصر النهضة الإيطالي هو «غيسيبي أرسيمبولدو – Giuseppe Arcimboldo»، (1527 – 1593)، المنتمي للحركة الفنِّيّة المسمَّاة النهجية أو الأسلوبية – Maniérisme، والمعروف بأعماله الفنِّيّة التركيبية المرحة التي خصَّصها لشخصيات شهيرة من أبناء عصره، وهي مكوَّنة، بالكامل، من الفواكه، والخضار، والغلال، والزهور، والحشرات، والأسماك.

خلال هذه الحقبة، انتعش المطبخ الفينيسي، وأزهر بفضل العلاقة التجارية مع الشرق، التي سمحت باستيراد التوابل (الفلفل، الزعفران، القرفة، الخردل، جوزة الطيب..) إلى جانب تعزيزه بمأكولات جديدة، اعتمد تحضيرها على الذرة، والبطاطس، والطماطم، والكاكاو، ومجموعة من الفواكه كالأناناس، والمانغو، والأفوكادو وغيرها. 

عقب ذلك، توالى الاهتمام بالطعام والغذاء الذي كان يقوم، بالأساس، على الحبوب؛ وبالأخص الأرز الذي وصل إلى أوروبا متأخراً، إلى جانب إدخال البطاطس، في سنة 1536، عن طريق التصدير والتبادل عقب الغزو الإسباني لإمبراطورية الأنكا، كبرى الإمبراطوريات في أميركا الجنوبية، إثر معركة «كاخاماركا – Cajamarca»، سنة 1532، وكذلك الفاصوليا والقمح اللذين كانا من نصيب الفئات الحاكمة، والنبلاء، وعلية القوم الذين كانوا يستهلكون اللحوم الطازجة والأسماك النهرية بالإضافة إلى أنواع عديدة من الفواكه والخضروات، وكانت لهم مطابخ خاصّة منفصلة عن قصورهم وبلاطاتهم لحمايتها من الأدخنة وروائح الأطعمة المزعجة، بينما ظلَّ طعام الفقراء يتشكَّل، في الغالب، من الأخباز والأطعمة المملحة التي يتمُّ تخزينها باعتماد التجفيف والتخليل للحفاظ عليها أطول مدة ممكنة، كلحم الخنزير المقدَّد والدواجن، وكذلك الحليب، والألبان، والجبن، والفول المدمس، والخضروات وغيرها. وهناك مستندات ومخطوطات يدوية محفوظة عن فنون الطهي وصناعة الطعام خلال العصور الوسطى، وقد استلهم منها فنَّانو تلك المرحلة العديد من الرسومات والأيقونات التي عكست صلتهم الاستثنائية بالطعام، هذا إلى جانب اهتمام بعض الفنَّانين بمواضيع مستوحاة من عالم المطبخ بعد أن ظلّت المدارس الفنِّيّة الإيطالية والفرنسية تهتم، لوقت طويل، بالتيمات السردية (دينية وأدبية) والصور الشخصية (البورتريهات)، حيث شاع رسم «الطبيعة الصامتة – Nature mortes» بشكل غير مسبوق؛ والمكوَّنة من الخضار، والفواكه، واللحوم، والأسماك، وموائد الطعام المتنوِّعة.

إفطار فيلاسكيز

طوال الحقبة المذكورة، وعلى امتداد عقود كثيرة تالية شكّلت العصر الباروكي في الفن، وبدءاً من أواخر القرن السادس عشر ظهر- بشكل لافت للنظر- الفنَّان الإسباني «دييغو فيلاسكيز – D. Vélasquez»، (1599 – 1660)، المتأثر بالرسّام الإيطالي «كارافاجيو – Caravaggio» من خلال أسلوبه الفنّي الموسوم بواقعية مذهلة، وتخصُّصه في رسم الصور البورتريه؛ ما مكَّنه من الاشتغال كفنَّان معتمد في البلاط الملكي للملك فيليب الرابع الذي كان يسعد برسم صورته الشخصية. فهذا الفنَّان، المولود في إشبيلية، والمُتوفَّي في مدريد، رسم لوحات بديعة جسَّد فيها مشاهد الطعام، أبرزها لوحة «الإفطار – Breakfast»، زيت على قماش، 102×108,5 سم، سنة 1617، ولوحة «امرأة عجوز تقلي البَيْض – Vieille femme faisant frire des œufs»، زيت على قماش، 100,5×119,5 سم، سنة 1618، كما برز – أيضاً، في تلك الفترة، بشكل ملحوظ، فنَّانون وأساتذة الرسم من أوروبا، يتقدَّمهم فنَّان الباروك الهولندي «جان فان دير هيدن -J. Van der Heyden» إلى جانب مواطنه الفنَّان «يان ستين – Jan steen» صاحب لوحة «المطبخ الكبير» التي رسمها سنة 1650م.

ومع بداية القرن السابع عشر، تطوَّرت المواقد والمراجل والأفران باعتماد الغاز لأوّل مرّة، لاسيما في الولايات المتحدة، وبعد ذلك في أوروبا التي شهدت اختراع أفران الخشب، والفحم، والحديد، والغاز، والأفران الكهربائية. وظهرت آنذاك العجينة المنتفخة، وانتشرت زراعة الأرز والبطيخ عند الأميركان. خلال هذه الحقبة، تميَّز المطبخ بالعديد من الابتكارات المتعلقة بـ«فن الطهي – Gastronomie»، وإدخال مكوِّنات مطبخية جديدة مع التركيز على مرق اللحوم المختلفة (البقر، الماعز، الدواجن..) والمنكَّه بالأعشاب العطرية مع إضافة القمح أو دقيق اللوز.

أما في نهاية القرن الثامن عشر، فقد انتعش استهلاك الأطباق الفرنسية من قبيل كعكة الدوقة – Gâteau de la duchesse والجبن المحمص. كما شاع استهلاك المعكرونة الإيطالية (غذاء العامّة)، والنقانق الألمانية وأبرزها السجق المشوي؛ وهو نوع مصنوع من لحم الخنزير أو لحم البقر، ثمَّ حساء الشعرية الإيطالي، ولاحقاً حساء الخبز المعروف باسم «البانكوتّو -Pancotto»؛ وهو شوربة مصنوعة من الخبز والأعشاب البرية، يُعطى للأطفال خلال مرحلة الفطام، بينما بَدأ الناس، في الثامن عشر، يعرفون المعجنات والكعك، وشاعت عمليات بيع البيتزا في الأسواق العامة، فضلاً عن شروع الروس في إنتاج الحليب المجفَّف المعروف باسم «حليب البودرة – Lait en poudre» الذي اخترعه الصيدلاني الروسي مي درافوش وجرى استخدامه بديلاً عن الحليب السائل.

في الفترة نفسها، ظهرت بعض الكتب التي احتوت على طقوس الطهي وأسرار المطابخ؛ منها كتاب «فن الطهي – L’art du cuisinier» لـ«أنطوان بوفيليرز- Beauvilliers A». وهو صاحب مطعم معروف في باريس، لتتناسل، عقب ذلك، مجموعة من المطاعم والمقاهي المشهورة التي شكَّلت مصدر وحي لكبار الرسّامين والكُتَّاب، أبرزها المقاهي الواقعة في حي «مونمارتر – Montmartre» المعروف بأزقته الضيِّقة التي تنبت في أعالي باريس والذي اشتهر باحتضان أهمّ الحركات الطليعية في الفنّ إلى جانب التيارات الفوضوية في السياسة. ومن بين الفنَّانين الذين قطنوا به أو زاروه: بابلو بيكاسو، وفان كوخ، وسالفادور دالي، إلى جانب حي «مونبرناس – Montparnasse» موطن فكرة نشأة الحركة السيريالية في الرسم والأدب، وهو من أشهر أحياء المدينة الذي ضمَّ تكتُّلاً لفنَّانين مرموقين، يتصدَّرهم مارك شاغال، وأمادو موديغلياني، وفاسيللي كاندانسكي وغيرهم.

وجبة مع الانطباعيين

فنيّاً، وفي القرن التاسع عشر، ذاع الرسم الانطباعي، وبرزت كوكبة من الرسّامين المتأثِّرين، بداية، بواقعية «غوستاف كوربيه – G. Courbet» الذين تشبعوا بالثقافة الغذائية الأوروبية المتنوِّعة، واستهوتهم كثيراً الأطباق المشهورة في ذلك الوقت؛ فأطلقوا العنان لريشاتهم وفراشيهم، وشرعوا في التصوير في الهواء الطلق مزوَّدين بحوامل لوحاتهم (الشوفاليه)، قبل أن ينصرف كثيرون منهم نحو التخصُّص في رسم مشاهد حفلات الغداء والعشاء، والموائد، والمطاعم، والمقاهي بشكل مكثَّف، ولافت للنظر.

ضمن هذه المجموعة الفنِّيّة، كان الفنَّان الفرنسي «كلود مونيه – C. Monet» أكثر رسّامي الانطباعية عشقاً للطعام، وكان يخطط لوجباته الخاصّة داخل دفاتره وكرَّاساته الفنِّيّة، ويُحكى أنه اشتهر بولعه الشديد بـ«عجة البَيْض – Omlette» المُمَلّح والمصحوب بالفلفل الأسود الناعم والثوم المفروم إلى جانب بعض الأعشاب والخضروات الموجودة في حديقته، فضلاً عن إعداده الجيِّد للنقانق المحشوة بلحم الدجاج، ولزميله الفنَّان «إدوارد مانيه – E. Manet» لوحة بعنوان «غذاء على العشب»، زيت على قماش، 214×270 سم، التي تظل تمثِّل أبرز تصوير صباغي نفّذه مانيه، وعَرَضَه سنة 1863م، وأعاد مانيه رسمه بعد ذلك بسنتين. ولمانيه لوحة أخرى بعنوان «النادلة»، 78×97 سم، رسمها، في سنة 1879م، بالزيت على الكانفس، إلى جانب لوحة أخرى تحمل عنوان «الليمون»، عام 1880م، مُشكَّلة، فقط، من ليمونة واحدة موضوعة على صحن صغير، تحتل المساحة الإجمالية للوحة، معروضة بمتحف أورساي، زيت على قماش، 27×19 سم، وله – أيضاً- طبيعة صامتة بعنوان «سمك السلمون»، نفذها سنة 1896م، بالصباغة الزيتية على قماش، 89,9×71,8 سم.

كما برز، في السياق نفسه، الرسّام «بيير أوغست رينوار – P. A. Renoir» المتخصِّص في رسم المطاعم الباريسية التي كانت قد انتعشت، في ذلك الوقت، بما تتميَّز به من موائد، وأطباق، وحفلات مصاحبة للولائم، والأعشية الجماعية، منها لوحة «غداء القوارب – Le Déjeuner des canotiers» التي رسمها بواسطة الصباغة الزيتية على القماش، 130×173 سم، في الفترة ما بين صيف 1880 وشتاء 1881، وذلك بشرفة منزل فورنيز ببلدة شاتو، وتُعتبر هذه اللوحة من آخر اللوحات الانطباعية التي رسمها رينوار، وتظهر فيها مجموعة من أصدقائه، وعددهم أربعة عشر شخصاً: خمس نساء وتسعة رجال، يتناولون عشاءً جماعيّاً على قارب للصيد، تتقدَّمهم «ألين شاريغوت – Aline Charigot» (زوجة الرسّام المستقبلية) مع كلبها الصغير، واللوحة محفوظة في مجموعة فيليبس بواشنطن في الولايات المتحدة.

هذا إضافة إلى الرسّام «بول سيزان – P. Cézanne» المختص في رسم الفواكه، والمُولَع بالتفاح والبرتقال، والذي رسم كثيراً موائد الطعام كطبيعة صامتة، لازمت جلَّ قماشاته التي تؤرِّخ للفترة ما بين 1839 – 1906، أبرزها لوحتا «الفواكه» و«الإفطار»، ولوحة «ستارة وإبريق ماء وفاكهة» وهي أغلى لوحاته سعراً، وقد بيعت، في فترة ما، بأكثر من ستين مليون دولار أميركي، وأيضاً، الرسّام «فانسان فان كوخ – V. Van Gogh» من خلال لوحاته الانطباعية الرمزية العديدة ذات الصلة، تتصدَّرها لوحة «آكلو البطاطس – Les mangeurs de la pomme de terre» التي نفذها في بلدة نوينين الهولندية، بالزيت على القماش، 82×114 سم، في أبريل من سنة 1885م، تظهر فيها عائلة فقيرة، تتناول عشاءها الليلي المكوَّن من وجبة بسيطة من البطاطس، وقد تمَّ إنجاز مطبوعات حجرية «ليثوغراف» لهذه اللوحة الموجودة في متحف فان كوخ بأمستردام، وغيرها من النماذج الكثيرة. يقول الفنَّان فان كوخ عن هذه اللوحة: «أشعر بهذه اللوحة بشكل جيِّد لدرجة أنني أستطيع رؤيتها كما هي في المنام»، مضيفاً، سنة 1887، في إحدى رسائله المعتادة إلى أخته «ويل – Wil»: «من بين أعمالي الفنِّيّة، أعتبر لوحة الفلاحين الذين يأكلون البطاطس أفضل ما أنجزته حتى الآن». 

كما أن الفنَّان «كاميل بيسارو – C. Pissaro»، (1830- 1903)، الذي تفرَّغ للرسم منذ عودته إلى باريس سنة 1855م، وتكوَّنت لديه علاقة وطيدة مع الفنَّانين مونيه وسيزان، كان مولعاً بالطعام وبروائح الطهي والوجبات الغذائية التي كانت تعدُّها زوجته الطباخة الشابة «جولي فيلاي – Julie Vellay». أما الفنَّان «هنري دي تولوز لوتريك – H. T. Lautrec»، (1864- 1901)، فقد تركّز رسمه على مقاهي اللهو، وترك إرثاً فنيّاً وافراً رغم الحياة القصيرة التي عاشها، خلاف «إدغار ديغا – E. Degas»، الرسّام والنحات، الذي اهتم برواد المطاعم وأحاديثهم في أثناء تناول الوجبات، وقد تميَّز عن غيره من الرسّامين الانطباعيين بمهارته في تصوير الحركة في اللوحة.

وقد دفع شغف الرسّامين الانطباعيين بالطعام الباحثة «جوسلين هاكفورث جونس –  Jocelyn Hackforth-Jones» إلى تأليف كتاب يوثّق لهذه التجربة الفنِّيّة الفريدة، سمّته بـ«وجبة مع الانطباعيين»(8) حيث أوردت فيه حكايات الفنَّانين الانطباعيين، وأذواقهم، واختياراتهم في الطهي، مع الاهتمام بروائعهم الفنية التي جسَّدت احتفالاً جماليّاً بملذات الموائد.

مطبخ «بيكاسو»

للفنَّان التكعيبي «بابلو بيكاسو – P. Picasso» علاقة «طقوسية – Rituel» مع المطبخ، كما تشهد، على ذلك، العديد من تصاويره ولوحاته الصباغية التي جسَّدت حبَّه الشديد للأكل، لاسيما السمك، منها- مثلاً- لوحة «المطبخ» التي نفذها خلال إقامته بالعاصمة الفرنسية، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1948، بألوان زيتية على قماش، 175×252 سم، وهي موجودة في متحف بيكاسو الوطني في باريس، وأيضاً، لوحة «رَجُل عند موقد» باريس، سنة 1916، التي استعمل في إنجازها ألواناً زيتية على قماش بحجم 130×81 سم، وتوجد في المتحف نفسه. إلى جانب لوحات أخرى جاد بها معرض «مطبخ بيكاسو» الذي أقيم قبل سنتين في متحف الفنان في برشلونة، وقد ضمَّ مئتي عمل فنيّ من رسومات وقطع خزفية متنوِّعة. كان بيكاسو يقضي معظم أوقاته في المطبخ بجانب زوجته، وقد حكى عنه المُخرج الإيطالي الشهير «فيديريكو فيلليني – F. Fellini» حين زاره، سنة 1962، برفقة زوجته الممثِّلة «جوليتا مازينا – Giulietta Masina» مبرزاً في مؤلفه «كتاب أحلامي» (فلاماريون، 2010، مذكرات ضمَّت مختارات حلمية) أنهم كانوا يقضون وقتاً طويلاً داخل المطبخ، محاطين باللوحات والأعمال الفنِّيّة التي كانت تتمحور حولها أحاديثهم ونقاشاتهم الممتدة.

في حوزة الفنَّان بيكاسو لوحة أخرى بعنوان «طبق الفواكه»، عُرِضت، سابقاً، في سنة 2001، للبيع بسعر يقدر بمليون دولار أميركي، إلى جانب لوحات أخرى تحمل عناوين تخصيصية مأخوذة من عالم الطعام، كلوحة «طبق فاكهة وزجاج» ولوحة «صحن خبز وفواكه على المائدة» التي يعود تاريخ إنجازها إلى سنة 1909، فضلاً عن زميله الرسّام «جورج براك – G. Braque» الذي أنجز سلسلة لوحات ذات الصلة، تحتوي على مشاهد نسوة يحملن الفواكه، وأخرى بها مواقد بزخارف وفاكهة وغيثارة، بجانب لوحة «الفاكهة على طاولة المائدة مع طبق» سنة 1925، التي استخدم فيها أسلوبه التكعيبي المعروف المفعم بالمساحات والأشكال المسطحة المتراكبة والكولاجات.

امتداداً لذلك، تزايد الاهتمام بالطعام فنيّاً مع فنَّاني «المستقبلية – Futurisme» منذ ظهورها سنة 1910، في ميلانو بإيطاليا، والتي قامت على فكرة السرعة والحركة والمبادئ التي ينتجها عصر الآلة والتكنولوجيا، وهي بالنسبة إليهم رموز تقدُّم القرن نحو الحداثة. وقد تزَعَّم هذا الاتجاه الفني كلُّ من أمبرتو بوتشيوني، وجياكومو بالا، وجينو سيفيريني وغيرهم من الفنَّانين الذين سعوا إلى محاربة التقاليد والبقايا الموروثة عن الماضي.

كان اهتمام فنَّاني (المستقبلية) بالطعام والمآدب التجريبية بالغ التأثير في فنّهم وإبداعهم، كما يُبرز ذلك الالتزام الذي صدر، سنة 1931، في كتاب بعنوان «المطبخ المستقبلي – La cucina futurista» عن منشورات «فيليبو توماسو مارينيتي – Ph. T. Marenitti» والمعروف بـ«بيان الطهي المستقبلي»(9) الذي صاغه الشاعر المذكور مارينيتي، في سنة 1909، ونُشر في 20 أبريل/نيسان من السنة نفسها، بمجلة لوفيغارو الفرنسية في باريس.

وقد بَدَا هذا البيان الفني غرائبيّاً، بحيث تضمَّن شروطاً غير مألوفة حول «آداب المائدة – Les manières de la table» والمؤاكلة دون استعمال الشوكات، والملاعق، والسكاكين، وطريقة الجلوس، وعدم الخوض في النقاشات السياسية إلى جانب ترك بعض الطعام على الطاولة، والاكتفاء بالتذوق عبر النظر والشم، حتى في حالات الجوع والرَّغبة في مواصلة الأكل!!

ورغم أن الحركة المستقبلية، التي امتدت، أيضاً، إلى فنّ العمارة، لم تدم وقتاً طويلاً، إلاَّ أنها استطاعت أن تتصل بالسريالية عن طريق البعد الميتافيزيقي.

ولع «دالي» بالبَيْض

من جهته، شكَّل الطعام أحد وساوس الرسّام السيريالي «سالفادور دالي – S. Dali»، وقد حضر بأشكال عديدة في رسوماته وكتاباته «النرجسية»، وسيرته الذاتية التي أبرز في مقدمتها بأنه كان يتمنَّى أن يكون طبّاخاً منذ أن كان يبلغ عمره ست سنوات. وقد سبق له أن أنجز بورتريهاً لزوجته «غالا – Gala» حاملة لحماً مشويّاً على كتفيها، مثلما رسم لوحة بعنوان «فطام تغذية الأثاث»، وكذلك «طعم العسل ألذّ من طعم الدّماء»، وهو عنوان أهمّ لوحاته التي تؤرِّخ لأعماله السيريالية الأولى التي امتدّت إلى سنة 1929. كما رسم البَيْض في جلِّ لوحاته، وأبرزها لوحة «ميلاد» أو لوحة «بَيْضة على طبق بلا طبق»، سنة 1932، وقد نفذها بالولايات المتحدة الأميركية التي هاجر إليها هرباً عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، مثله في ذلك مثل الكثير من الفنَّانين والأدباء الأوروبيين. ومن أبرز تقاليعه و«مهاراته» المطبخية طهي ديك رومي دون ذبحه!! وكان يُصِرُّ على العلاقة الوثيقة بين المطبخ والرسم، فضلاً عن لجوئه أكثر من مرَّة إلى صنع أشياء غريبة على منوال أسلوبه السيريالي في الرسم؛ وذلك بواسطة قطع الخبز والرغيف الذي كان يخبزه في أشكال غريبة غير مألوفة ليضعه في بعض الفضاءات العامّة والفضاءات الخاصّة، منها حدائق «قصر فرساي – Le château de Versailles» المزيَّنة بالأشجار والزهور.

ولما بلغ من العمر ثمانياً وستين سنة، حقّق سالفادور دالي، سنة 1973، حلمه المذكور بأن يصبح طبَّاخاً، حيث نشرت له دار طاشن -Taschen  كتاب طبخ مستوحى من الأماسي والحفلات التي كان يُقيمها دالي وزوجته غالا، بعنوان «أعشية غالا – Les dîners de Gala»(10). يحتوي على رسومات إيضاحية مرفقة بنعوت وأوصاف خاصّة بالطبيخ والأطباق المهداة إلى غالا، بمساهمة مجموعة من المطاعم الباريسية. ويذكِّرنا هذا العمل بكتاب آخر ألفه «موريس جوايون – M. Joyant» حول الطبخ(11) تضمَّن وصفاً لـ197 وجبة غذائية مشهورة في فرنسا، رافقتها رسوم شارحة، عددها 400، أنجزها الرسّام تولوز لوتريك المذكور، والمختص في الأعمال الفنّيّة الطباعية، وتصميم الملصقات الدعائية والثقافية والفنية.

بينما أبدع السيريالي الساخر «رينيه ماغريت – R. Magritte» أعمالاً فنّيّة مُغايرة، منها العمل المسمَّى «هذه قطعة جبن»، 1936 – 1937، والقائم على تغيير التصوُّرات المألوفة لدى المتلقي، وهو مكوَّن من رسم لقطعة جبن بواسطة زيت على قماش، وُضِع، بإطاره الخشبي الذهبي اللون، داخل إناء زجاجي شفاف.

 مع الإشارة إلى الرسّام الهولندي «تجالف سبارناي – Tjalf Sparnaay» أحد أبرز فنَّاني «الواقعية المفرطة – Hyperréalisme» الذي عُرضت الكثير من أعماله حول الطعام في جميع ربوع العالم.

علبة حساء الطماطم

تشير بعض الأبحاث إلى أنه بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحالي، تضاعف الاهتمام بالغذاء، لاسيّما عقب الحرب العالمية الثانية، حيث تطوَّر المجتمع الاستهلاكي، وانتعشت محلات السوبر ماركت بمنتجاتها المتعدِّدة والمتنوِّعة المُدَعّمة بإعلانات واسعة وغير محدودة.

في هذا السياق، برزت حركة (البوب آرت)، وهي حركة فنّيّة تعود إلى سنة 1921، وقد ظهرت بالولايات المتحدة الأميركية حين رسم الفنَّان الأميركي «ستيوارت ديفز – Stuart Davis»، في السنة نفسها، لوحة بعنوان: «لوكي سترايك – lucky strike»، وهو نوع معروف من التبغ الأميركي. داخل هذه الحركة نشط فنَّانو البوب ​​الأميركيون الذين خلقوا فنّاً شعبيّاً أعاد إنتاج العناصر الحيوية داخل المجتمع (ثقافة الاستهلاك، النجوم والمشاهير، الإشهار..)، وأبدعوا أعمالاً فنِّيّة مستوحاة من الحياة اليومية، لاسيما الطعام (وجبات سريعة، إعلانات المجلات..) احتفاءً بالمجتمع الاستهلاكي الأميركي بالتركيز على منتوجات شعبية ذات حمولة رمزية كبيرة من قبيل: زجاجة كوكا كولا، وحساء كامبل، وهوت دوج، وهمبرغر، وآيس كريم..إلى غير ذلك من المنتوجات التي تمَّ تجسيدها ضمن الأعمال الفنّيّة كاللوحات، والمنحوتات، والكولاجات، والإرساءات والأفلام.

من الأعمال الفنِّيّة المشهورة التي مثّلت هذه الحركة، خصوصاً منها ذات الصلة بالطعام والغذاء؛ نذكر الأعمال السيريغرافية التي أنجزها رائد فن البوب الأميركي «أندي وارهول – A. Warhol» والمتمثِّلة في صور لعلبة حساء الطماطم Campbell’s التي نفذها سنة 1962، وهي موجودة في متحف الفن الحديث بنيويورك. استغرق إنجاز هذه السيريغرافيات الفنِّيّة، «علب الحساء»، والمكوَّنة من 32 لوحة، سنة كاملة، أبدعها وارهول بتقنية طباعة الشاشة الحريرية، بحجم 51×41 سم، وقد ظهرت لأوّل مرّة في التاسع من يوليو/تموز عام 1962 ضمن معرض فيروس في لوس أنجلوس. 

عقب ذلك بسنتين، احتضنت صالة عرض «بول بيانشيني – P. Bianchini» في مانهاتن معرضاً جماعيّاً لفنَّاني حركة (البوب آرت) تحت عنوان «السوبر ماركت الأميركي»، شارك فيه الفنَّان أندي وارهول، حين عرض لوحة «علبة حساء الطماطم»، وأرفقها بكومة من علب حساء حقيقية ذات اللونين الأحمر والأبيض، وقد أضحت هذه اللوحات (علبة حساء الطماطم) من أشهر الأعمال السيريغرافية التي ظهرت في فترة ما بعد الحرب. ولفرط إعجابه بالطعام، كان وارهول يردِّد: «خرجنا لشراء بعض اللحم في كاليفورنيا، اشتريت كاميرا، هكذا بدأت أفلامي».

بقايا طعام على جدار

 من الأعمال الإنشائية المعاصرة، نستحضر تجربة الفنَّان السويسري «دانييل سبويري – D. Spoerri»، من مواليد رومانيا، سنة 1930، الذي يُبدع قطعاً توليفية مكوَّنة من بقايا وجبات الطعام(12): كراسي خشبية معلقة على الجدار مع الطاولة، وأكواب القهوة، وبَيْض مع قشوره، وأعقاب سجائر، وملاعق، وعلب صفيح، وغيرها من المواد التي يقوم بجمعها وتغريتها بعد انتهاء المأدبة، وذلك بواسطة مادة «أبيوكس»، ليعرضها على حائط بقاعة «ستون غاليري -Stone Gallery»، في لندن، خلال سنة 1964. إلى جانب تجربة المصوِّرة الأميركية المعاصرة «هانا روثشتين – Hannah Rothstein» التي قامت بإعادة إنتاج عدة وجبات داخل صحون متقايسة، جسَّدت، بواسطتها، أعمال كبار فنَّاني العصر الحديث، أمثال: فانسان فان كوخ، وبابلو بيكاسو، وجورج سوراه، ورونيه ماغريت، وبييت موندريان، وجاكسون بوللوك، وغيرهم. 

مثلما نستحضر العمل الفنَّي «سيدة السوبر ماركت» أو «امرأة مع عربة تسوق» الذي عرضه الفنَّان «أندرياس غورسكي – A. Gursky»، سنة 1969، والذي يطرح فيه موضوع التسوق الجديد، والإقبال المتسارع على المواد الغذائية في الأسواق الأميركية، مع ما يرافق ذلك من تسليع جديد قائم على الدعاية المتقنة، وجودة التعبئة، وأشكال التغليف الملوَّنة وذات التصاميم المبهرة. 

وفي تجربة أقرب إلى البرفورمانس (الجسد كعرض)، نذكر الأداء الحي «احتفال آكلي لحوم البشر – Festin cannibale» الذي قدَّمه الفنَّان «ميريت أوبنهايم – Oppenheim Meret» خلال افتتاح المعرض السريالي الدولي في غاليري كوردييه بباريس، سنة 1959، وقد تضمَّن مشهد عارضة أزياء/ دمية من السيليلويد، مستلقية على ظهرها، ومحاطة بالعديد من أدوات تناول وجبة غذائية كبيرة Buffet إضافة إلى مجموعة من الفواكه المبعثرة على جسدها، لنستحضر كذلك العمل الذي قدَّمه الفنَّان المفاهيمي «جوزيف بويز – J. Beuys»، سنة 1963، بعنوان «كرسي الدهون»، 90x30x30 سم، حيث يتعلَّق الأمر بكرسي مطبخ خشبي مطلي باللون الأبيض، مقعده مغطى بطبقة من الدهون بشكلٍ هرمي، وقد جمع فيه بويز بين عنصر مصنوع (الكرسي) وآخر طبيعي (الدهن)، بنيته لا توحي بالجلوس، لكنه يرمز إلى مراحل الإنسان الأولى غير المنظّمة.. إلى غير ذلك من الأعمال والقطع الفنّيّة الإنشائية وهي كثيرة ومتعدِّدة.. إضافة إلى الفنَّان السويدي «أولدنبرغ كلاس – Oldenburg Claes» الذي يجسِّد الأكلات الخفيفة الأميركية الصنع، ويعرضها بمقاسات كبيرة مثيرة، فهو يستخدم الطعام كهدف للتمثيل، حيث أقام معرضاً لتماثيل الهامبرغر والبيتزا، ويهتم بالموضوعات التجارية، والأشياء المعدَّة للبيع، والتسويق السريع، ويجد إلهامه في الحداثة والابتذال في أميركا، وكذلك الفنَّان «غونزاليز توريس فيليكس – Gonzalez Torres Félix» الذي يعرض أكواماً كبيرة من الحلوى المغلفة بالأزرق، والأحمر، والأبيض موضوعة رهن إشارة الجمهور، وهو فنان مفاهيمي معروف باستخدامه للأشياء اليومية المكبرة في المنشآت (كومة من الأوراق، المصابيح، الحلوى، الساعات..) وغيرها من التوليفات الفنِّيّة التي يكشف الفنَّان، من خلالها، تعبيره عن الحياة وعن الموت.

ونخلص إلى الضجة التي أحدثتها «موزة» النحات الإيطالي «موريسيو كاتلان – Maurizio Cattelan» التي غرَّاها، السنة الماضية، بشريط لاصق على جدار في قاعة «آرت بازل»، في ميامي جنوب شرق ولاية فلوريدا، في الولايات المتحدة الأميركية، جاعلاً منها عملاً فنيّاً، بِيعَ بمبلغ 120 ألف دولار! أية سخرية هذه؟ وأيُّ جنون هذا الذي وقع، مباشرة، بعد رفع الستار عن الموزة المعلقة وسط فوضى إعلامية كبيرة.. وقد انتهت هذه الموزة، التي ترمز إلى التجارة العالمية، في بطن فنان أميركي استعراضي، يُدعى «ديفيد داتونا – D. Datuna» الذي أكلها أمام عدسات المصوِّرين بدعوى أنه كان «جائعاً»!!. 


هوامش وإحالات:

1 – للقراءة والاستزادة:

– Les artistes ont-ils vraiment besoin de manger? – Collectif. Editeur: Monstrograph- 2018.

2 – جوي أدابون: فن الطهو والأنتروبولوجيا. ترجمة: ريمة سعيد الجباعي – (كلمة)- الطبعة الأولى، 2011 (ص. 69).

3 – Roland Barthes: Pour une psychologie de l’alimentation. In, Annales- ESC. No 6- 1961.

4 – Roland Barthes: L’empire des signes (1970), Mythologies (1970), Lecture de Briallat- Savarin; in psychologie du gout (1975).

5 – سهام الدّبابي الميساوي: الطعام والشراب في التُّراث العربي. منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2008 (ص. 36).

6 – ليفي ستراوس: أسطوريات Mythologies، وعلى الخصوص أجزائه الثلاثة من أصل أربعة: النيئ والمطبوخ (1964)، من العسل إلى الرماد (1966)، وأصل آداب المائدة (1968). الجزء الرابع يحمل عنوان: «الإنسان العاري».

7 – للقراءة والاستزادة:

 J. P. Poulain: Sociologie de l’alimentation. PUF- Paris, 2002.

   :Anthropos-Sociologie de la cuisine et des manières de table- Lille, Université de Paris VII, 1985.

8 – للقراءة والاستزادة:

– Jocelyn Hackforth-Jones: A table avec les impressionnistes.  Éditeur: Adam Biro- 31 octobre 1991.

9 – صدرت طبعة فرنسية لهذا البيان بالعنوان نفسه في شكل كتاب أعدته الباحثة الفنية نتالي إينيك:

– Nathalie Heinich: Manifeste de la cuisine futuriste. Les Impressions Nouvelles- Collection «Hors série», 2020.

10 – Salvador Dalí: Les dîners de Gala. Edition: TASCHEN, 2016.

11 – Maurice Joyant: La cuisine de Toulouse-Lautrec et de Maurice Joyant. Editeur: Edita – Lausanne, 1996.

12 – Denys Riout: Qu’est-ce que l’art moderne?- Ed. Gallimard, Paris- 2000 (p. 457).

مواضيع مرتبطة

أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟
‬أمجد‭ ‬جمال01 أغسطس 2020
الفنّ والحرب
طلال معلّا21 يوليو 2020
بذْلة الغوّاص
آدم فتحي15 يوليو 2020
المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع
صبري حافظ19 يونيو 2020
حوار نجيب محفوظ وَكلود سيمونْ.. الفُرصة الضائعة
محمد برادة19 يونيو 2020
دوائر العُزلة
فخري صالح19 يونيو 2020
الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟
آدم فتحي08 يونيو 2020
تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة
صبري حافظ13 مايو 2020
في مُواجهة الأكثر فُتوّة
محمد برادة13 مايو 2020
الهلع وتوقُّع الكارثة
فيصل درّاج13 مايو 2020
67 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

هل تجاوز الفَنّ التشكيليّ في موريتانيا مرحلة التأسيس؟
02 يونيو 2020

لا تنفصل البواكير الأولى للفَنِّ التشكيليّ في موريتانيا عن الظروف التي مرَّت منها خلال الفترة الكولونياليّة، حيث تمَّ احتضان فنون الأهالي Arts indigènes وإدماج الفَنّ في التلقين المحليّ تحت الوصاية البرَّانيّة، وذلك ضمن برامج المركز الثقافيّ الفرنسيّ سانت...

اقرا المزيد