ماراثون

نورة محمد فرج  |  12 مايو 2020

ذكّرتني هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحو مسطح، برواية (غرارغنتوا وبنترغويل) لرابليه. فعلى نحوٍ اعتباطيّ ساخر تمتلئ الرواية بأرقام الموتى، وكلّ ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا. لقد كان من السهل الخروج للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

بدأ الحجر المنزلي بالنسبة لي عندما أُعلن عن تعليق الدراسة، وعن تعليق الحضانات. أحضرت طفلي من الحضانة، وبعدها لم أخرج حتى لحظة كتابة هذا المقال إلّا مرّتين، مرّة إلى حديقة المتحف الإسلاميّ بعدما أغلقت مناطق لعب الأطفال وقبل أن تغلق الحدائق، ومرّة إلى الممشى القريب من بيتنا.

أظنني من أولئك الذين لم يطرأ على حياتهم تغييرٌ كثير، لأنني لست مَنْ أسيطر على حياتي حالياً، ولست مَنْ أقول تفاصيل يومي، بل طفلي الذي يبلغ من العمر سنتين إلّا قليلاً. فالوقت ينقضي في ملاحقته، ومعنى ذلك أن لا وقت لديَّ لملاحقة ما عداه. 

لكن ما حدث أنّ عليَّ أنْ ألاحق مسؤوليات الجامعة، وذهني قال لي إن عليَّ انتهاز هذه الفرصة- التي ليست فرصة كبيرة في مثل وضعي- لإنجاز البحث الذي أعمل عليه.

الوقت الذي أستطيع اقتطاعه لنفسي هو ساعة إلى ساعتين قبل النوم، بعد أن ينام طفلي، فهذا الوقت عليَّ أن أختار إمّا أن يكون للجامعة، أو لإنجاز بحث أيضاً للجامعة، أو لرفاهيتي، وهذا خيار صعب حالياً، فلا أستطيع الاستمتاع وأنا أشعر بأن ثمّة كومةً على رأسي تثقل عليَّ.

كان عليَّ أولاً أن أتعلَّم كيف أعطي محاضرات (أون لاين)، ومع أنني حضرت ورشة فيها إلّا أن التطبيق أمرٌ آخر غير التعلُّم على سبيل الإضافة من غير حاجة، ثم عليَّ أن أجهّز لهذه المحاضرات. ثمَّ كان عليَّ أن أتعلَّم كيفية إعداد الاختبارات الإلكترونية، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ واحداً على الورق، ثم أنقله إلى الشاشة، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ سلسلةً من الاختبارات، للدرجات الباقية، وهي أكثر من النصف، وللاختبار النهائي الذي تمَّ تقسيمه، يعني ازدادت الأعمال التي تعوِّض درجة هذا الاختبار، عدا عن التحدّي الأكبر، وهو الحرص على عدم وجود منافذ ما للغش.

وهكذا مرّت الليالي الأول، أحضّر اختبارات الساعة 12 ليلاً، بعيونٍ نصف مفتوحة.

بعدها صرت أعمل على بحثي، وبعد الانتهاء من الحصة اليوميّة أحاول أن أقرأ ولو صفحتين أو ثلاثاً. كنت أحاول البحث عن رواية رومانسيّة غارقة في الأحلام الوردية، لكن ما حصلت عليه أولاً، رواية عن حرب البوسنة تملأ القلب حزناً، ولم أكملها، لأن هذه الحال لا تنقصني بالتأكيد. الرواية الأخرى فرنسيّة، حسيّة باردة من زمن الحرب والتجريب، لم أجد فيها ما يشد، على الرغم من الجوائز التي حازت عليها والغموض الذي شاب اسم مؤلّفتها. الرواية الثالثة عن القراصنة، توقَّعت شيئاً ما جميلاً ومثيراً مثل شخصيّة جون سيلفر، وكنت قد شاهدت قبل سنة مسلسل (الأشرعة السوداء)، الذي تدور أحداثه قبل أحدث رواية جزيرة الكنز بعشرين سنة، وراقني المسلسل كثيراً على الرغم من العنف المفرط فيه. لكن هذه الرواية كانت قرصاناً ينط من بناءٍ إلى بناء، على نحوٍ يشبه الرجل العنكبوت أكثر من تلك الصورة المتخيَّلة لقرصان عتيد. تركت أيضاً هذه الرواية، وقرّرت الذهاب إلى خيار بدا أكثر وثوقية، إيزابيل الليندي، في رواية ما بعد الشتاء، حيث حصلت على رواية شدّتني، على الرغم من سخافة الحبكة ولا منطقيتها، لكنها غمرتني كعادة إيزابيل الليندي.

بعدها بحثت عن خيار أكثر كلاسيكيّة وأكثر تهذيباً، جين أوستن، رواية كبرياء وهوى، أجد الترجمة سيئة قد نزعت ثلاثة أرباع الأحاسيس، لكنني اكتفيت بالسرد البارد، واعتمدت على مخيلتي لتكمل الباقي.

كنت أودُّ أن أكون ممنْ يغطسون في (نتفلكس)، لكنني أكره الشاشات قبل النوم، لأنها تقلق نومي القلق أصلاً، وأنا بحاجة إلى ما يريح ذهني، لا ما يحفِّزه أثناء النوم، ليستدعي الأفكار والأحلام المختلطة من كلّ حدبٍ وصوب.

من جهةٍ أخرى، امتلأ الجوال بالأشياء التي أفكِّر أنني قد أشتريها حين الخروج من الحَجْر المنزلي، وحين يعود إلى الدنيا رونقها، أو رتابتها المعهودة. مواقع التسوُّق اتخذت كلّ منها خطة، بعضها أغلق محلّاته، وأغلق موقعه أيضاً حتى حين. مواقع أخرى أغلقت المحلّات، وقالت نرسل لكم ما تريدون حتى البيت. ومواقع أخرى استمرَّت، وقالت إن توصيلنا آمن. مواقع أخرى تجاهلت الموضوع تماماً، وأبقت على واجهاتها السعيدة المبتهجة، وألوانها الصيفية الرائقة، وتموضعات عارضاتها الراقصة والمتحدية.

وأنا أعيد التعرُّف على حوش منزلنا كنت أفكِّر في حلول لأزمة الاحتياجات بعد أن صار الذهاب إلى كارفور رحلةً ملغّمة، بعد أن كان تمشيةً آمنة.

قرأت عبارة على تويتر، أن العمل عن بُعد يعني عند الأهل أنك في إجازة، ويعني عند الدوام أنك متاح 24 ساعة! وهذا قولٌ حق فعلاً. فالظاهر أنك في إجازة، لكن الإيميلات الطويلة ذات التوجيهات والتبليغات والأوامر والتساؤلات لا تنقطع، بينما ليس ثمّة وقتٌ لقراءتها، أو للتفكير بها، أو للتعاطي معها، فتعمل ضمن الحدود القصوى، وبالسرعة القصوى أيضاً. نفِّذ فقط، لأن لا وقت للتفكير.

يقولون إما أن تقوم بالأمر بسرعة، أو أن تقوم بالأمر على نحوٍ صحيح.

لا أدري إنْ كان هذا النحو الصحيح يمكنه أن يأتي أبداً.

هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحوٍ مسطح، قد ذكّرتني برواية لرابليه، لم تتوفَّر لي، لكنني قرأت مقاطع منها، رواية غرارغنتوا وبنترغويل، إذ تمتلئ الرواية بأرقام الموتى على نحوٍ اعتباطيّ ساخر، حين يتحوَّل البشر إلى مجرَّد أرقام، وكل ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم، مثلما كان الأمر في الجائحات السابقات التي عرفها العالم، لولا أنْ اختلفت آلية العدّ. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا.

يذكّرني في كل لحظة، كَمْ كان من السهل الذهاب للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

مواضيع مرتبطة

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
ضجرٌ لا كالضجر
خالد بلقاسم02 يونيو 2020
من الحجْر إلى الضجر
عبد الرحيم العطري02 يونيو 2020
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
فيصل درّاج01 يونيو 2020
ما أراه من النافذة
علوية صبح13 مايو 2020
لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد
هدى حمد13 مايو 2020
تدريبٌ من الماضي
عدنية شبلي13 مايو 2020
155 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

«انتصار الموت» هجائيّة أخلاقيّة للحياة البشريّة
01 أبريل 2020

عام 1562 أنهى الرسَّام الهولنديّ بيتر بروغيل الأكبر لوحته «انتصار الموت»، التي استوحاها من فريسكو «نقش جداري» سُمِّي بالاسم ذاته لفَنَّانٍ مجهولٍ داخل قصر سكلافاني في باليرمو – صقلية، وكما استوحى بروغيل لوحته من المقبرة القديمة لكاتدرائية مدينة بيزا،...

اقرا المزيد