مالكوم فردناند: منعتنا المركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم

مجلة الدوحة  |  01 ديسمبر 2020

لا ينفصل تدمير البيئة عن علاقات الهيمنة العرقية والاستعمارية، إنه ينبع من طريقة استيطاننا للأرض، ومن حقِّنا في الاستيلاء على الكوكب؛ وهو ما يعني، في مجمله، أن علينا إعادة صياغة الماضي. حول هذه الصياغة، كان حوارنا مع «مالكوم فرديناند» صاحب كتاب «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار – Une écologie décoloniale»، الذي فاز بجائزة مؤسَّسة أدب البيئة السياسية، عام 2019.

لويس روبلين، وأورور شايلو: غالباً ما نلقي اللوم، نتيجة التدمير البيئي الحالي، على الأنشطة البشرية في العصر الصناعي. لكنك تسلِّط الضوء على طريقة إخفاء هذا التأطير لعلاقات الهيمنة التي كانت موجودة منذ قرون. هل يزيل الخيال الغربي حول الأزمة البيئية دلائل الاستعمار؟

–  مالكوم فرديناند: لست، بأيّ حال، أوَّل من أشار إلى العلاقة بين عدم المساواة الاجتماعية والتدمير البيئي؛ بل يدخل هذا في صميم الإيكولوجيا الاجتماعية، والإيكولوجيا السياسية، والنسوية الإيكولوجية. لكن ما يهمّني هو ربط هذه الأسئلة بإرث العنصرية والاستعمار، والذي ما يزال قليل الاستكشاف (باستثناء حركات العدالة البيئية). لطالما كان التدمير البيئي والقمع الاجتماعي يسيران جنباً إلى جنب. مع ذلك، بما أننا مطالبون بمعالجة حالة الطوارئ المناخية، لا نزال نرى شعارات خالية من الفكر الاجتماعي، وهو ما يسمح للآخرين باستغلال الضرورة البيئية والدعوة إلى استجابة تكنوقراطية، مثل مكافحة التلوُّث وندرة الموارد عبر الهندسة الجيولوجية أو أسواق الكربون.

لقد تتبَّعتَ أصول الأزمة البيئية، بالعودة إلى القرن الخامس عشر وعصر الاستعمار.

–  لقد شهدنا تحوُّلات سريعة في تدمير البيئة، بخاصة في القرنَيْن: التاسع عشر، والعشرين، لكن الأزمة البيئية بدأت قبل ذلك. لقد انبثقت من طريقة معيَّنة لاستيطان الأرض، ومن اعتقاد البعض بأحقّيّة قلَّة قليلة في تخصيص الأرض لصالحها. يعود تاريخ «الاستيطان الاستعماري» هذا إلى نهاية القرن الخامس عشر (ابتداءً من منطقة البحر الكاريبي) عندما وصل «كريستوفر كولومبوس» إلى أميركا…

أنت تقارن «الأنثروبوسين»بـ«النيغروسين»(1)، على أساس «الاستيطان الاستعماري». هل يختلف هذا عن الاستغلال الرأسمالي؟

– لم يكن الأشخاص الذين تمَّ استغلالهم في أثناء وجود الاستعمار عدميِّين: على الرغم من أن الفلّاحين الفرنسيِّين كانوا، أيضاً، ضحايا للعنف الاجتماعي، إلّا أنهم كانوا، دائماً، يعتبرون أنفسهم متفوِّقين على السود. مسألة العنصرية، غالباً ما تكون غائبة عن السياسة البيئية الفرنسية. أختلف، حول هذه المسألة، مع بعض الماركسيين الإيكولوجيين الذين يعتمدون على الرأسمالية في شرح كلّ شيء أو الذين يزعمون أن عدم المساواة الاجتماعية والعنصرية البنيوية شيء واحد و أوحد. في حين أن الاستعمار والعبودية كانا مدفوعَيْن، أيضاً، بالمنطق الرأسمالي. استندت هذه العمليات، قبل كلّ شيء، إلى وجهة نظر استعمارية للعالم اخترعت التسلسل الهرمي بين الأجناس والأراضي المختلفة في العالم.

كانت أراضي الأميركتَيْن في الحقبة الاستعمارية، تابعة لأراضي أوروبا، وكان يُنظر إليها بوصفها وسيلة لإسعاد المساهمين، وهو ما أضفى الشرعية على أيّة ممارسة. وحتى التدابير المتَّخذة لحماية خصوبة الأرض، كانت تهدف، في النهاية، إلى الحفاظ على استغلالها. كان يُعتقد أن هذه الأراضي مختلفة عن تلك الموجودة في فرنسا. لقد كانت عملية عنيفة وكارهة للنساء، وطريقة مروِّعة للعيش على الأرض التي ساهم في تطويرها المستعمِر؛ من أجل هذا الأخير تمَّ تجريد البشر الآخرين من إنسانيَّتهم، ومن أجله كان للأراضي المستعمرة وغير البشر الذين يسكنونها أهمِّية أَقلّ من رغباته؛ هذا ما أسمِّيه «الاستيطان الاستعماري»، الذي يُعَدّ طريقة عنيفة لسكن الأرض وإخضاع الأراضي والبشر وغير البشر لرغبات المستعمر.

ثم يتمّ نسج مجموعة من الروايات والممارسات التبريرية، بالاعتماد على الدين والميتافيزيقا والقانون والثقافة، وما إلى ذلك. في عام 1848، على سبيل المثال، كان الإلغاء الثاني للعبودية، في فرنسا ومستعمراتها، بلا شكّ، معلماً سياسياً وقانونياً رئيسياً. ومع ذلك، تمَّ استخدام العديد من القصص الخيالية للإبقاء على العبيد السابقين في المزارع والحدّ من تطوُّر الفلّاحين. إن مُلّاك الأراضي، الذين اضطروا إلى زراعة نوع واحد من المحاصيل على أراضيهم، في ظلّ الأنموذج الاستعماري، قد حافظوا على موطن استعماري بعد عام 1848؛ ومنه ظلَّت عقليّة الاستيلاء والتسلسل الهرمي دون تغيير.

إن هذه الطريقة في الاستيطان، التي يمكن تصوّرها، الآن، بدون عبودية، تنشر ممارساتها إلى أماكن أخرى. نمت حقول الموز، والعمل في مزارع الحرير، وكذلك التعدين، في جميع أنحاء الإمبراطورية الفرنسية. وفيما يخصّ قضيّة التلوُّث بالكلورديكون الشائن في جزر المارتينيك وجوادلوب الفرنسية، أدَّت هذه الممارسات، في غضون 20 عاماً، فقط، إلى تلويث الأراضي لعدّة قرون، وتسمُّم آلاف الأشخاص من أجل ملء صناديق عدد قليل منهم. أظهر عملي أننا يمكن أن ننشغل بقراءة تكنوقراطية للمشاكل البيئية. إذا ما كنّا نعاني من مادّة كيميائية سامّة فلنخرجها من السوق، وإذا ما كنّا نعاني من الكثير من التلوُّث، فلنقم بتنظيم حلّ تقني أو تنفيذه. لكن «التابعين» لا يريدون، فقط، أن يتمّ تطهيرهم من التلوُّث أو حتى إحلال العدالة لجريمة بهذا الحجم، وبدلاً من ذلك، ومع عدم وجود لائحة اتِّهام حتى الآن، بعد خمسة قرون، فإن الأمر يتعلَّق، فقط، بتغيير الطريقة التي نستوطن بها الأراضي.

عندما تتحدَّث عن «التابعين»، من تقصد؟ أتقصد الناس المضطهدين، بشكلٍ عامّ، أم الطبقة العاملة، أم النساء، أم الأقلّيّات؟

–  أستخدم كلمة «زنجي»، بحرِّيّة، إلى حدّ ما (في كلمة «نيغروسين»، على سبيل المثال). التابعون هم الزنوج «المزارعون» الحاليّون، بغضّ النظر عن جنسهم أو لون بشرتهم. لقد أوسمنا الزنجي، بشكل أساسي، بصفة (أسود)؛ وأتت الكلمة من اللغة الإسبانية، فالكلمتان متماثلتان. لكن ليس السود وحدهم مَنْ عانوا في المزارع، وما زالوا يعانون هناك. تمَّ تجريد هذه الكلمة من معناها، أوّلاً، من قِبَل الكتاب. «الزنجي» هو من يقوم بعمل شخص آخر، دون أن يتمَّ الاعتراف به.

يلفت مصطلح «النيغروسين» الانتباه إلى كلّ تلك الكائنات التي تمّ استخدام قوّة حياتها لإشباع الرغبات الأنانية للآخرين. لطالما تمَّ تجاهل تاريخ استعباد السود في فرنسا؛ وما يزال يُنظر إليه، بشكل أساسي، من حيث العلاقات الاجتماعية أو العلاقات بين الجنسَيْن. لكننا نتغاضى عن كيفيّة ارتباطه بالتاريخ البيئي. نحن بحاجة إلى ربط استغلال الجثث باستغلال الأراضي. إذا بدأنا من المبدأ غير الحديث، القائل بوجود استمرارية بين الأجسام والنظم البيئية، فإننا ندرك أن إيذاء أحدهما هو إيذاء الآخر. يساعدنا هذا «الانعكاس» على فهم الثورات ضدّ العبودية أيضاً كمقاومة لهذا الاستيطان الاستعماري. هروب العبيد من المزارع هو أمر أساسي لعملي، لأنه طريقة أخرى للسكن. يتجاوز العبيد الفارّون مقاومة العبودية إلى تبنّي علاقة مختلفة مع الأرض ومع غير البشر.

ما هي عواقب هذا «الصمت الاستعماري»، اليوم؟

– أرى مشكلتَيْن؛ فمن ناحية لم نبدأ في التفكير في الاعتراف بما حدث إلّا بعد مرور 150 عاماً على إلغاء العبودية… من ناحية أخرى، يتمّ بناء فكر الحماية البيئية بشكل مختلف عن العنصرية، وصحيح، أيضاً، أن النشطاء البيئيين هم- في الغالب- من البيض (كما يعترفون بذلك).

أودّ أن أقول، إذن، إن الصمت الاستعماري يسهم في «الانقسام المزدوج» (الذي يفصل بين التفكير البيئي والتفكير الاستعماري)، ويستبعد شريحة كاملة من الناس الذين يستوطنون الأرض. ومع ذلك، يمكن للأشخاص الذين تَمَّ استعمارهم أن يسهموا، أيضاً، في التفكير في حماية البيئة. إننا، من خلال الاستمرار في الاعتقاد بأن الأشخاص الذين يتعرَّضون للعنصرية ليسوا مهتمِّين بالبيئة، نواصل إقصاءهم وإقصاء الطريقة التي يتصوُّرون بها المجالات والساحات الطبيعية للتفكير في حماية البيئة، ومنه يتولَّد لديهم عدم الثقة بسبب هذا الإقصاء. عملَ الخيال المبنيّ حول حماية البيئة، منذ البداية، على محو أدوار الآخرين، وكلماتهم.

علاوة على ذلك، يعني الانقسام الاستعماري التقليل من أهمِّيّة القضايا البيئية. يحاول كتابي، «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار»، ربط الجسر بين حماية البيئة وإنهاء الاستعمار، لأنه يضرّ بكليهما. أحاول، على عكس روايات علم الانهيار، إظهار أنه منذ عام 1492، كانت هناك، بالفعل، انهيارات، وقد اقترحت العديد من المجتمعات علاقات بديلة مع العالم، لكن لم يُسمع صوتها، وبخاصّة في حركة حماة البيئة. مع ذلك، من خلال الاستمرار في نشر مختارات من نصوص حماة البيئة التي لا يظهر فيها أيّ مؤلّف أسود واحد، نحن نكرِّس أسطورة حماية البيئة التي يقودها البيض من الشمال العالمي، وأسطورة غياب التفكير البيئي عند الشعوب التي كانت مستعمَرة و مستعبَدة.

كيف يجب أن نفكر في العدالة الاجتماعية، ومكافحة العنصرية، والحفاظ على النظم البيئية، معاً؟ هل يسمح إعادة تعريف مفهوم الطبيعة بعمل هذا الارتباط؟

–  لقد منعتنا المركزية الأوروبية والمركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم. وإذا ما أشرنا إليها، فمن باب الرومانسية: «أوه! فقط، لو تمكنّا جميعاً من العيش مثل شعب الغواراني!»، ومع ذلك، لا يمكننا الاحتفال بأسلوب حياتهم دون الاعتراف بتاريخهم وتهميشهم الاجتماعي، والسياسي…؛ لذا، يجب أن نترك وجهات نظرهم عن العالم تتحدّانا، دون أن ننسى تاريخ هذه الشعوب وما يطلبونه. ما هي المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء الأشخاص لتأكيد علاقتهم بالعالم. هذه هي الطريقة التي سنعمل بها على سدّ فجوة الانقسام المزدوج للعدالة البيئية. يخلق الحديث عن الإبادة البيئية، على سبيل المثال، نسيجاً بين الأجيال (نربط أفعالنا بحياة أطفالنا، ونتحمَّل مسؤولية إرثنا، ونتفاوض بشأن إرث والدينا)، ولكن ينظر إلى هذا النسيج من منظور حماة البيئة، بدلاً من منظور اجتماعي، ومنظور سياسي. ومع ذلك، فإن فهم حقيقة أن التدمير كان ممكناً بفضل استغلال الشعوب الأصلية، يعني الاعتراف بحاجة هذه الشعوب إلى العدالة، فضلاً عن المطالبة بتعويضات العبودية.

يولي صنّاع القرار السياسي والاقتصادي، اليوم، اهتماماً كبيراً بالاستمرار في إخفاء هذا البعد الاستعماري

–  نحن بحاجة ماسّة إلى جعل فكر الحفاظ على البيئة حول العالم: في أيّ عالم نريد أن نعيش؟ يجب علينا أن ندرك الثقافة واللون، بدلاً من مجرَّد معالجة المشكلة من خلال الإدارة البيئية التقنية. هذا ما أعنيه عندما أتحدَّث «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار».

هذا التغيير في الأنموذج يشبه، إلى حَدّ كبير، تغيير في الخيال. كتابك مكتوب بأسلوب أدبي، تقريباً.

–  لقد حصلت على إجازة أدبية من أجل أن أجعل الأمور محسوسة، بدل إظهارها، فحسب. نحتاج- «للتأثير في العالم»- إلى قيم مثل الحبّ والعدالة. إن بناء عالم بعد الاستعمار والعبودية، لن يكون إلّا بتقاربنا. أعرض، في جانب من كتابي، شخصيّات فرُّوا (بسبب العنف الذي تعرَّضوا له)، وفي جانب آخر شخصيّات تنكر نصيب الآخرين من هذا العالم. لكنني أتحدَّث، أيضاً، عن أولئك الذين قرَّروا البقاء على متن السفينة التي تشترك فيها جميع الكائنات. نحن جميعاً، في النهاية، على متن القارب نفسه، بعد كلّ شيء.

حوار: من أورور شايلو، ولويس روبلين، ترجمة: أحمد منصور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Why We Need a Decolonial Ecology

هامش:

1 – العصر الجيولوجي الحالي، الذي يُنظر إليه على أنه الفترة التي كان النشاط البشري خلالها، هو التأثير المهيمن على المناخ والبيئة.

 

مواضيع مرتبطة

الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!
ترجمة: ياسين المعيزي06 أكتوبر 2021
كيف شوَّهت الرّقمنة والجَائِحة لغة الجسد؟!
ترجمة: شيرين ماهر30 سبتمبر 2021
بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام
ترجمة: عبداللطيف القرشي30 سبتمبر 2021
بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة
ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر26 مايو 2021
المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
521 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

ليونورا ميانو: «لا بدَّ لإفريقيا من أن تستعيد اعتبارها أمام نفسها»
07 ديسمبر 2020

من أين يتأتَّى احترام الآخرين لنا؟ من استقامتنا دون تصلُّب، ومن قوّة صوتنا دون ارتفاعه، كما أن احترام الناس لنا لا يتأتَّى من خلال احترامنا لأنفسنا، أوَّلاً؛ هذا ما توحي لنا به الكاتبة «ليونورا ميانو» من خلال حضورها، ومن خلال مقالتها التي صدرت هذا الخريف...

اقرا المزيد
لويز غلوك.. تجاوز الخسارات
16 أكتوبر 2020

(في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعلنت الأكاديمية السويدية منح الشاعرة الأميركية «لويز غلوك» جائزة «نوبل» في الأدب، وأوضحت الأكاديمية السويدية للعلوم في حيثيات قرارها أن «غلوك» مُنِحت الجائزة «لصوتها الشاعري المميَّز الذي يحمل جمالاً مجرَّداً يضفي،...

اقرا المزيد