مجيد طوبيا.. شكل آخر  من الكتابة

محمد‭ ‬الشحات  |  08 أبريل 2020

في‭ ‬أعقاب‭ ‬حرب‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭/‬حزيران‭ ‬1967م،‭ ‬أخذت‭ ‬نصوص‭ ‬متعدّدة‭ ‬من‭ ‬المدوّنة‭ ‬السردية‭ ‬المصرية‭ ‬المعاصرة‭ ‬تتجاهل‭ ‬مقولات‭ ‬السرديات‭ ‬الكبرى‭ ‬تارة،‭ ‬وتناوشها‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬سعيها‭ ‬الدائم‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬مقولاتها‭ ‬المحلّيّة‭ ‬التي‭ ‬تؤكِّد‭ ‬هويّتها‭ ‬وإشكالاتها‭ ‬الخاصّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬خصوصية‭ ‬محيطها‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭ (‬العربي‭) ‬في‭ ‬آن‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬كلّ‭ ‬من‭: ‬جمال‭ ‬الغيطاني،‭ ‬وبهاء‭ ‬طاهر،‭ ‬وإبراهيم‭ ‬أصلان،‭ ‬ومحمَّد‭ ‬البساطي،‭ ‬وصنع‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم،‭ ‬وعبدالحكيم‭ ‬قاسم،‭ ‬ويحيى‭ ‬الطاهر‭ ‬عبد‭ ‬الله،‭ ‬وخيري‭ ‬شلبي،‭ ‬ومحمَّد‭ ‬إبراهيم‭ ‬مبروك،‭ ‬وعبد‭ ‬الفتاح‭ ‬الجمل،‭ ‬وعلاء‭ ‬الديب،‭ ‬وأحمد‭ ‬الشيخ،‭ ‬وصبري‭ ‬موسى،‭ ‬وصالح‭ ‬مرسي،‭ ‬ومحمَّد‭ ‬جبريل،‭ ‬ومحمود‭ ‬دياب،‭ ‬ويوسف‭ ‬القعيد،‭ ‬وآخرين،‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬سرديّته‭ ‬الخاصّة،‭ ‬استطاع‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭- ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬العلامات‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬السردية‭ ‬المصرية‭- ‬ابتكار‭ ‬شكل‭ ‬آخر من‭ ‬الكتابة‭ ‬القصصية،‭ ‬أفلت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬أسلوب‭ ‬يوسف‭ ‬إدريس‭ ‬الواقعي،‭ ‬فجاءت‭ ‬كتابته‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬الواقعية‭ ‬والفانتازيا‭ ‬والسخرية‭ ‬السوداء‭.  

زمن‭ ‬الستّينيات‭ ‬وأفول‭ ‬السرديات‭ ‬الكبرى‭ ‬

بعد‭ ‬نكسة‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭/‬حزيران‭ ‬1967،‭ ‬طالت‭ ‬أركان‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬والعربي‭ ‬هزّة‭ ‬عنيفة‭ ‬سلبت‭ ‬الشباب‭ ‬الثائر‭ ‬طموحهم‭ ‬بالتغيير،‭ ‬وأجهضت‭ ‬حلمهم‭ ‬بالقومية‭ ‬العربيّة،‭ ‬وزعزعت‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬حتى‭ ‬انسرب‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬إلى‭ ‬متون‭ ‬الأدب‭ ‬شعراً‭ ‬وسرداً،‭ ‬وكان‭ ‬أبلغ‭ ‬تجسيد‭ ‬له‭ ‬هو‭ ‬ابتكار‭ ‬طرائق‭ ‬فنّيْة‭ ‬وجمالية‭ ‬خلقتها‭ ‬النصوص‭ ‬القصصية‭ ‬والروائية‭ ‬لمعالجة‭ ‬الأزمة،‭ ‬سواء‭ ‬بطرق‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة؛‭ ‬فطفا‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬‮«‬جَلْد‭ ‬الذات‮»‬،‭ ‬وتفتّتَتْ‭ ‬اللحظة‭ ‬الآنية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تفكَّكَتْ‭ ‬بنية‭ ‬الحدث‭ ‬الروائي،‭ ‬وتشظَّى‭ ‬الزمن،‭ ‬وتداخل‭ ‬الواقع‭ ‬مع‭ ‬الحلم،‭ ‬وتخلَّى‭ ‬الرواة‭ ‬عن‭ ‬كليّة‭ ‬المعرفة‭ ‬أو‭ ‬كليّة‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬دانت‭ ‬له‭ ‬كثيراً‭ ‬الروايات‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬حتى‭ ‬المرحلة‭ ‬الواقعية،‭ ‬واعتمدت‭ ‬روايات‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬وقصصها‭ ‬القصيرة‭ ‬سرديّة‭ ‬مكثّفة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬وحدات‭ ‬قصصية‭ ‬متقطّعة‭ ‬تتناوب‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ماضٍ‭ ‬حميم‭ ‬وحاضر‭ ‬غامض‭ ‬ومستقبل‭ ‬مبهم،‭ ‬في‭ ‬بنيات‭ ‬ومشاهد‭ ‬متناثرة‭ ‬لا‭ ‬يجمعها‭ ‬سوى‭ ‬عقل‭ ‬القارئ‭ ‬ومخيّلته‭. ‬لقد‭ ‬استطاع‭ ‬رواة‭ ‬هذه‭ ‬السرود،‭ ‬ومن‭ ‬ورائهم‭ ‬المؤلّفون،‭ ‬قول‭ ‬ما‭ ‬يريدون‭ ‬قوله‭ ‬دون‭ ‬التعرّض‭ ‬المباشر‭ ‬لبطش‭ ‬الحاكم،‭ ‬فكانت‭ ‬سرديّات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ (‬الزيني‭ ‬بركات‭) ‬لجمال‭ ‬الغيطاني،‭ ‬و‭(‬الهؤلاء‭) ‬لمجيد‭ ‬طوبيا،‭ ‬و‭(‬في‭ ‬الصيف‭ ‬السابع‭ ‬والستين‭) ‬لإبراهيم‭ ‬عبد‭ ‬المجيد،‭ ‬و‭(‬أيّام‭ ‬الإنسان‭ ‬السبعة‭) ‬لعبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬تنتسب‭ ‬إلى‭ ‬كتّاب‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭. ‬كان‭ ‬ثمّة‭ ‬سقوط‭ ‬مدوٍّ‭ ‬للسرديات‭ ‬الكبرى،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬سردية‭ ‬بديلة‭ ‬تلائم‭ ‬طبيعة‭ ‬كلّ‭ ‬كاتب‭ ‬منهم،‭ ‬وهم‭ ‬القادمون‭ ‬من‭ ‬بقاع‭ ‬شتى‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬مصر‭ ‬وجنوبها‭. 

البحث‭ ‬عن‭ ‬سرديّة‭ ‬خاصّة‭ 

اتّجه‭ ‬أغلب‭ ‬كتّاب‭ ‬الستينيات‭ ‬إلى‭ ‬مجاوزة‭ ‬الأشكال‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬العربي؛‭ ‬فعكفوا‭ ‬على‭ ‬استقراء‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة،‭ ‬واستلهموه‭ ‬في‭ ‬عناصر‭ ‬وأبنية‭ ‬جمالية‭ ‬وثقافية‭ ‬متباينة،‭ ‬فذهب‭ ‬كلّ‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬مذهباً‭ ‬مستقلاً‭ ‬حسب‭ ‬مرجعيّاته‭ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬موهبته‭ ‬الفطرية،‭ ‬حاولوا‭- ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭- ‬تأسيس‭ ‬سرديّات‭ ‬مغايرة،‭ ‬فاتّجه‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬التراث‭ ‬لاكتشاف‭ ‬عناصره‭ ‬الحية‭ ‬ومواطن‭ ‬قابليته‭ ‬لإعادة‭ ‬الحكي‭ ‬والتنصيص‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬سردية‭ ‬وثقافية‭ ‬راهنة‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬كتب‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ (‬تغريبة‭ ‬بنى‭ ‬حتحوت‭) ‬التي‭ ‬استلهمت‭ ‬تراث‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬العربيّة‭ ‬وعناصرها‭ ‬السردية،‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬اشتملت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬وعجائب‭ ‬وغرائب‭ ‬وحكايات‭ ‬وأمثال‭ ‬وأشعار‭ ‬وأغان‭ ‬ومواويل‭. ‬ينسج‭ ‬طوبيا‭ ‬تغريبته‭ ‬السردية‭ ‬على‭ ‬منوال‭ ‬‮«‬تغريبة‭ ‬بنى‭ ‬هلال»؛‭ ‬فيقسّمها‭ ‬إلى‭ ‬تسعة‭ ‬عشر‭ ‬جزءاً‭ ‬يشكّل‭ ‬مجموعها‭ ‬رحلة‭ ‬بنى‭ ‬حتحوت‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬السودان‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً،‭ ‬تعرّض‭ ‬خلالها‭ ‬أبطال‭ ‬مرويّته‭ ‬لما‭ ‬تعرّض‭ ‬له‭ ‬بنو‭ ‬هلال‭ ‬في‭ ‬رحلتهم‭ ‬الطويلة‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬مصاعب‭ ‬وأهوال‭ ‬شتّى‭. ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬روايتي‭ ‬طوبيا‭ (‬دوائر‭ ‬عدم‭ ‬الإمكان‭) (‬1975‭) ‬و‭(‬حنان‭) (‬1981‭) ‬فإنه‭ ‬سيوظّف‭ ‬فيهما‭ ‬نصوص‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬الحاملة‭ ‬للمعتقدات‭ ‬والتصوّرات‭ ‬والطقوس‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬نصّ‭ ‬معاصر‭ ‬يحمل‭ ‬أسئلة‭ ‬الراهن‭ ‬وهموم‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش‭. ‬في‭ ‬روايات‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬سوف‭ ‬يختلط‭ ‬الواقع‭ ‬بالحلم،‭ ‬والحقيقة‭ ‬بالخيال،‭ ‬وستظهر‭ ‬الفانتازيا‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أنصع‭ ‬أشكالها‭ ‬دون‭ ‬تكلّف‭ ‬أو‭ ‬غموض‭. ‬

تُعدّ‭ (‬تغربية‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‭) ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الرواية‭ ‬العربيّة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الخمسين‭ ‬الماضية،‭ ‬حيث‭ ‬تُرجِمت‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬لغات،‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬باسم‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السرد‭ ‬العربي؛‭ ‬إذ‭ ‬تقع‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬أجزاء‭ ‬تدور‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬ثم‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاستنباط‭ ‬شكل‭ ‬روائي‭ ‬جديد‭ ‬يستلهم‭ ‬التراث‭ ‬المصري‭ ‬الحكائي‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬الأحداث‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬والسير‭ ‬الشعبية‭ ‬و«ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬،‭ ‬ويأخذ‭ ‬القارئ‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬زمكان‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬وأثناءها،‭ ‬وفيها‭ ‬يتغرّب‭ ‬بنو‭ ‬حتحوت‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬مصر‭ ‬المحروسة‭ ‬من‭ ‬المنيا‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬والفيوم‭ ‬وأسوان‭ ‬والإسكندرية،‭ ‬في‭ ‬سرديّة‭ ‬ملحمية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬والتوثيق‭ ‬ورحلة‭ ‬الإنسان‭ ‬المغترب‭ ‬الأبدي‭. ‬

أمّا‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬الهؤلاء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬هموم‭ ‬مجايليه‭ ‬من‭ ‬كُتّاب‭ ‬الستّينيات،‭ ‬سيخوض‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬معاناة‭ ‬مواجهة‭ ‬القهر‭ ‬السياسي‭ ‬واستبداد‭ ‬السلطة‭ ‬وتعرية‭ ‬النفاق‭ ‬والتطبيل‭ ‬وتزييف‭ ‬العقول؛‭ ‬فتراه‭ ‬يفضح‭ ‬‮«‬الهؤلاء‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يندسّون‭ ‬كالجراد‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬أو‭ ‬يتنكّرون‭ ‬في‭ ‬أيّة‭ ‬هيئة‭ ‬ممكنة،‭ ‬لكنهم‭ ‬يظلّون‭ ‬دائماً‭ ‬‮«‬الهؤلاء‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يترصّدون‭ ‬ويراقبون‭ ‬ويدوّنون‭ ‬التقارير‭ ‬السرّية‭ ‬ويتلصّصون‭ ‬على‭ ‬المحيطين‭ ‬بهم‭. ‬وهنا،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬سيلجأ‭ ‬طوبيا‭ ‬إلى‭ ‬سردية‭ ‬الرمز‭ ‬أو‭ ‬سردية‭ ‬القناع‭ ‬أو‭ ‬بلاغة‭ ‬المقموعين‭ ‬الذين‭ ‬يمكنهم‭ ‬قول‭ ‬ما‭ ‬يريدون‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطالهم‭ ‬سيف‭ ‬الرقيب‭. ‬

بين‭ ‬الرواية‭ ‬والسينما‭ ‬

تنوّعت‭ ‬أعمال‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬القصص‭ ‬القصيرة‭ ‬والرواية‭ ‬وكتابة‭ ‬بعض‭ ‬الأفلام‭ ‬السينمائية‭ ‬وبعض‭ ‬الكتب‭ ‬الثقافية‭ ‬والمقالات‭ ‬المتعدِّدة‭. ‬فمن‭ ‬الأعمال‭ ‬القصصية‭ ‬نجد‭ ‬له‭: ‬‮«‬فوستوك‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬القمر‮»‬‭ (‬1967‭)‬،‭ ‬و«خمس‭ ‬جرائد‭ ‬لم‭ ‬تُقرأ‮»‬‭ (‬1970‭)‬،‭ ‬و«الأيام‭ ‬التالية‮»‬‭ (‬1972‭)‬،‭ ‬و«الوليف‮»‬‭ (‬1978‭)‬،‭ ‬و«الحادثة‭ ‬التي‭ ‬جرت‮»‬‭ (‬1987‭)‬،‭ ‬و«مؤامرات‭ ‬الحريم‭ ‬وحكايات‭ ‬أخرى‮»‬‭ (‬1997‭)‬،‭ ‬و‮«‬23‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‮»‬‭ (‬2001‭). ‬ومن‭ ‬الروايات‭ ‬أصدر‭ ‬طوبيا‭: ‬‮«‬دوائر‭ ‬عدم‭ ‬الإمكان‮»‬‭ (‬1972‭)‬،‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ (‬1974‭)‬،‭ ‬‮«‬الهؤلاء‮»‬‭ (‬1976‭)‬،‭ ‬‮«‬غرفة‭ ‬المصادفة‭ ‬الأرضية‮»‬‭ (‬1978‭)‬،‭ ‬‮«‬حنان‮»‬‭ (‬1984‭)‬،‭ ‬‮«‬عذراء‭ ‬الغروب‮»‬‭ (‬1986‭)‬،‭ ‬‮«‬تغريبة‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشمال‮»‬‭  (‬1978‭)‬،‭ ‬‮«‬تغريبة‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الجنوب‮»‬‭ (‬1992‭)‬،‭ ‬‮«‬تغريبة‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬البحيرات‮»‬‭ (‬2005‭)‬،‭ ‬‮«‬تغريبة‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬سعد‮»‬‭ (‬2005‭). ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬مثل‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬يحيى‭ ‬حقي‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬القناديل‮»‬‭ (‬1999‭)‬،‭ ‬و«التاريخ‭ ‬العريق‭ ‬للحمير‭ ‬وابتسامات‭ ‬أخرى‮»‬‭ (‬1996‭)‬،‭ ‬و‮«‬غرائب‭ ‬الملوك‭ ‬ودسائس‭ ‬البنوك‮»‬‭ (‬1998‭)‬،‭ ‬وقصتين‭ ‬للأطفال‭ ‬هما‭ ‬‮«‬مغامرات‭ ‬عجيبة‮»‬‭ ‬و«كشك‭ ‬الموسيقى‮»‬‭ (‬1980‭)‬،‭ ‬ومسرحية‭ ‬هزلية‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬بنك‭ ‬الضحك‭ ‬الدولي‮»‬‭ (‬2001‭)‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والمقالات‭ ‬المتعدّدة‭. ‬

من‭ ‬زاوية‭ ‬مقابلة‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬طوبيا‭ ‬وقصصه‭ ‬القصيرة،‭ ‬تتجسّد‭ ‬صورة‭ ‬المدينة‭ ‬الحديثة‭ ‬بوصفها‭ ‬ساحة‭ ‬للتحرّر،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬حسين‭ ‬حمودة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الرواية‭ ‬والمدينة‭: ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الستّيينات‭ ‬في‭ ‬مصر‮»‬،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬ريم‭ ‬تصبغ‭ ‬شعرها‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬بمنحى‭ ‬جزئي‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التضاد‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬المجتمع‭ ‬الشرقي‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬المجتمع‭ ‬الصعيدي،‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬تشبه‭ ‬سيرة‭ ‬شخصية‭ ‬للفتاة‭ ‬‮«‬ريم‮»‬‭ ‬ابنة‭ ‬الرجل‭ ‬الصعيدي‭ ‬المزواج‭ ‬وثمرة‭ ‬زواجه‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬‮«‬بحراوية‮»‬‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬دلتا‭ ‬مصر‭. ‬كأنّ‭ ‬ريم‭ ‬هذه‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الفتاة‭ ‬‮«‬فتحية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬زوجها‭ ‬حامد‭ ‬التي‭ ‬يلاحقها‭ ‬شباب‭ ‬المدينة‭ ‬ويتهافتون‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬قصّة‭ (‬الندّاهة‭) ‬ليوسف‭ ‬إدريس،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬ريم‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التحرّر‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬المتمثّل‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬شعر‭ ‬الفتيات‭ ‬المدينيات‭ ‬على‭ ‬حرّيّته‭ ‬السافرة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تربطها‭ ‬بهذا‭ ‬العالم‭ ‬صلة‭ ‬انتماء‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الاغترابية‭ ‬الباردة‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تحضر‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬للمدينة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬دوائر‭ ‬عدم‭ ‬الإمكان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تمثّل‭ ‬المدينة‭ ‬النائية‭ ‬في‭ ‬جانبها‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬بحيث‭ ‬يصل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬عالم‭ ‬الريف‭ ‬‮«‬قطار‮»‬‭ ‬ينبني‭ ‬عليه‭ ‬مقياس‭ ‬الزمن‭ ‬ومؤشّر‭ ‬التوقيت‭ ‬اليومي،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬بعض‭ ‬مجايليه‭ ‬مثل‭ ‬محمَّد‭ ‬البساطي‭ ‬في‭ ‬روايتيه‭ ‬‮«‬أصوات‭ ‬الليل‮»‬‭ ‬و«ويأتي‭ ‬القطار‮»‬‭. ‬أمّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬السينمائية‭ ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬طوبيا‭ ‬ثلاثة‭ ‬أفلام‭ ‬روائية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬محمَّد‭ ‬راضي،‭ ‬و«حكاية‭ ‬من‭ ‬بلدنا‮»‬‭ ‬إخراج‭ ‬حلمي‭ ‬حليم،‭ ‬و«قفص‭ ‬الحريم‮»‬‭ ‬إخراج‭ ‬حسين‭ ‬كمال‭. ‬ويُعدّ‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬والعربيّة‭ ‬التي‭ ‬تصوّر‭ ‬واقع‭ ‬الحروب‭ ‬وحياة‭ ‬الجنود‭ ‬المحاربين‭ ‬على‭ ‬الجبهة؛‭ ‬إذ‭ ‬ضمّ‭ ‬آنذاك‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬النجوم‭ ‬الشبان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬مثل‭ ‬أحمد‭ ‬زكي‭ ‬ونور‭ ‬الشريف‭ ‬ومحمَّد‭ ‬صبحي‭ ‬والسيد‭ ‬زيان‭ ‬وميرفت‭ ‬أمين‭ ‬ومديحة‭ ‬كامل‭ ‬ومحمود‭ ‬مرسي‭ ‬وآخرين‭. ‬

قصص‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬النقد‭ ‬

اللافت‭ ‬للنظر‭ ‬هو‭ ‬انشغال‭ ‬النُقَّاد‭ ‬كثيراً‭ ‬بروايات‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا،‭ ‬واختزاله‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التقريب‭ ‬في‭ ‬عملين‭ ‬اثنين؛‭ ‬أحدهما‭ ‬روايته‭ ‬الرباعية‭ ‬‮«‬تغربية‭ ‬بني‭ ‬حتحوت‮»‬‭ ‬وثانيهما‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ذيوعها‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬أعدّه‭ ‬بنفسه‭ ‬للسينما‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬مع‭ ‬رفيق‭ ‬دربه‭ ‬المنتج‭ ‬والمُخرج‭ ‬محمَّد‭ ‬راضي‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إليه‭ ‬هنا‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬القيمة‭ ‬الفنّيّة‭ ‬والثقافية‭ ‬الرفيعة‭ ‬لقصص‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬القصيرة،‭ ‬فأغلب‭ ‬مجموعاته‭ ‬القصصية‭ ‬تقتضي‭ ‬درساً‭ ‬نقدياً‭ ‬خاصّاً‭ ‬ومستقلّاً‭ (‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬الإشارة‭ ‬سيّد‭ ‬حامد‭ ‬النساج‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬أصوات‭ ‬في‭ ‬القصّة‭ ‬القصيرة‭ ‬المصرية‮»‬،‭ ‬وخيري‭ ‬دومة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تداخل‭ ‬الأنواع‭ ‬في‭ ‬القصّة‭ ‬المصرية‭ ‬القصيرة‭: ‬1960‭ – ‬1990‮»‬‭)‬،‭ ‬لما‭ ‬تتمتَّع‭ ‬به‭ ‬قصصه‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬سردية‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التقاء‭ ‬المشاهد‭ ‬القصصية‭ ‬المتناثرة‭ ‬كمشاهد‭ ‬السينما‭ ‬المتتالية‭ ‬بحرفية‭ ‬ملموسة،‭ ‬وقدرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬نحت‭ ‬لغة‭ ‬قصصية‭ ‬مكتنزة‭ ‬التراكيب‭ ‬مشبعة‭ ‬الدلالة،‭ ‬لغة‭ ‬غير‭ ‬عارية‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يكتب‭ ‬عنهم‭ ‬طوبيا‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬أو‭ ‬العمّال‭ ‬أو‭ ‬الفلّاحين‭ ‬والتجار‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أجاد‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬رسمها‭ ‬وتشخيصها‭ ‬بهدوء‭ ‬وخبرة‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬ملموسة‭. ‬في‭ ‬قصص‭ ‬طوبيا‭ ‬القصيرة‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬عالم‭ ‬يستغل‭ ‬براءة‭ ‬الأطفال،‭ ‬وواقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬متفسّخ،‭ ‬يحيا‭ ‬على‭ ‬الخرافة‭ ‬ويطحن‭ ‬الإنسان‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاجهما‭ ‬بأشكال‭ ‬عدّة،‭ ‬ويتخذ‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬مواقف‭ ‬تنتصر‭ ‬لحرّيّة‭ ‬الإنسان‭ ‬وقيمته‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬شعارات‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬النزوع‭ ‬الطبقي‭ ‬أو‭ ‬الزيف‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نضرب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أمثلة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ ‬الأثيرة‭ ‬لديه،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬فوستوك‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬القمر‮»‬،‭ ‬و«خمس‭ ‬جرائد‭ ‬لم‭ ‬تُقرأ‮»‬،‭ ‬و«الأيام‭ ‬التالية‮»‬،‭ ‬و«طرح‭ ‬جمع‮»‬،‭ ‬و«الوليف‮»‬،‭ ‬و‮«‬الحادثة‭ ‬التي‭ ‬جرت‮»‬‭ ‬وغيرها‭. ‬في‭ ‬قصص‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬القصيرة‭ ‬إمكانات‭ ‬سردية‭ ‬ودرامية‭ ‬مشحونة‭ ‬ببلاغة‭ ‬التمثيل‭ ‬والرمز،‭ ‬قصص‭ ‬تتناول‭ ‬الإنسان‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬المحبّ‭ ‬للحياة‭ ‬التوّاق‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭.

مواضيع مرتبطة

”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!
منذر مصري24 يونيو 2020
هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية
ترجمة: أحمد لطفي أمان22 يونيو 2020
بصمات علي قنديل
فتحي عبدالله14 يونيو 2020
لويس سِبّولْفِيدا.. أن تحكي يعني أن تقاوم
نبيل موميد03 يونيو 2020
عبد الوهاب عيساوي: أنتمي إلى جيل لا يهتم بالتاريخ كثيراً
حوار: نوارة لحرش02 يونيو 2020
علي قندي.. أيقونة شعر السبعينيات
أمجد ريان02 يونيو 2020
رحيل إرنيستو كاردينال.. شاعر الثورة السندينية
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني08 أبريل 2020
371 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
01 يوليو 2020

في وسط البلد، في ستّينيّات القاهرة وسبيعينيّاتها، حيث كان العالم أكثر رحابة واستيعاباً للاختلاف والتنوّع الثقافي، التقى غالب هلسا بكلّ من يحيى الطاهر عبد الله، ومحمد البساطي، وعبد الحكيم قاسم، وبهاء طاهر، وعبد الرحمن الأبنودي، وأبو المعاطي أبو النجا،...

اقرا المزيد